الفرق بين النصر والهزيمه
ارسل الي أحد الأصدقاء كتابا بعنوان ( الفتوحات العربيه الكبرى – تاليف جون غلوب – ترجمة خيري حماد ) - والمؤلف عرف باسم غلوب باشا , وكان العرب يلقبونه ( ابو حنيك ) – وقد كان قائدا للجيش الاردني ما بين عامي 1939 وحتى عام 1956 حين قام جلالة الملك الحسين بتعريب الجيش الاردني , حيث اعفاه من منصبه , وكان " جلوب " قد خدم الامبراطوريه البريطانيه منذ الحرب العالميه الاولى , وحتى تركه لمنصبه في الجيش العربي الاردني ----
مع ان الكتاب يحوي تاريخ العرب منذ الفترة التي سبقت بزوغ فجر الاسلام وحتى قيام الدولة الاسلاميه التي امتدت ما بين بلاد فارس والقسطنطينيه والمغرب العربي , الا انه يركز على المعارك والحروب التي خاضتها الجيوش العربية تحت راية الاسلام , ويبدي آراءه وتحليله للوقائع والشخصيات , الا انه كقائد غربي غير مسلم يبدي بعض وجهات النظر التي تختلف عما ورد في كتب التاريخ التي الفها المؤرخون المسلمون , انحيازا منه وابتعادا عن الحقائق , وخاصة فيما يتعلق بالاسباب التي ادت الى قتال اليهود في المدينة وما حولها ابان تأسيس الدولة الاسلاميه في المدينه , فهو يظهر انحيازه لليهود بعدم تطرقه الى الاسباب الحقيقيه التي دعت الرسول صلى الله عليه وسلم لقتال اليهود واجلائهم عن المدينه , ومع هذا فانه يبين البطولات الخارقه التي قامت بها الجيوش العربية تحت راية الاسلام حين زلزلت اركان أعظم امبراطوريتين عرفهما التاريخ حتى ذلك العصر وهما الروم والفرس – ( وقد بين المترجم بعض الاختلافات ما بين كتابات الكاتب وغيره من المؤرخين العرب ضمن الترجمه ) -
لا يسع الانسان الا ان يقف متعجبا مشدوها , ثم ينحني اجلالا واحتراما لاؤلئك المجاهدين الذين ما عرفوا التديب العسكري في المدارس العسكريه , ولا امتلكوا تكنولوجيا الادوات الحربيه التي كان يتمتع بها اعداؤهم من جيوش الامبراطوريتين ( الرومان والفرس ) , مثل استخدام الكلاليب والسلاسل الحديديه والفيله والدروع وانواع السيوف والرماح والنبال واصول التعبئة العسكرية ووسائل التموين والدعم اللوجستي , والخبرة المكتسبه من حروبهم مع بعضهم البعض قبل حربهم مع المسلمين ؟؟؟ انهم جنود بدو اميون عاشوا حياة التقشف والفقر والجهل ؟؟ كيف استطاعو التغلب على اقوى الامم في ذلك العصر من جيوش منظمه وقوى جباره وفي سنوات معدوده , ليكونوا دولة اسلاميه قوية متماسكه ممتده على رقعة واسعه , ترفع راية واحده ؟؟؟
لكن العجب والغرابة تزول حين نقف عند نوعية اولئك الرجال الذين اقاموا تلك الدوله من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلامذته , فان جلوب باشا نفسه يورد لمحة عن حياة ابي بكر الصديق الشخصيه وكيف قضاها كحاكم في تلك الفتره !! ( وهي عينة على امثال اؤلئك الرجال , رجال الفتوحات الذين صنعوا ذلك التاريخ ) , يقول جلوب :
" ان حياة ابي بكر وسلوكه كانا من أقوى الادلة على صدق دعوة النبي واخلاصه , فلقد كان ابو بكر من اوائل الصحابه , وكان رفيق النبي في هجرته من مكه , واقرب الصحابة الى قلبه , ولقد كان الخليفة الاول بسيط الشخصيه , عميق الايمان والاخلاص , ولقد سار على سنة النبي , ولم تؤثر على سبيله في الحياة الانتصارات العظيمه التي تحققت في عهده , ولا الثروات الطائله التي تدفقت على المسلمين من جراء هذه الانتصارات . ولقد ظل يعيش في بيت بسيط قريب الى ما نسميه نحن بالكوخ مبني من الطين الجفف واللبن وتغطي سقفه غصون الاشجار , ولقد ظل مع انه الحاكم في امبراطوريه اخذة في الاتساع السريع يرتدي ملابس بسيطه قوامها قميص من القطن وعباءه خشنه هي عين ما كان يرتديه قبل خمسة عشر عاما عندما كان مواطنا عاديا في مكه , وكان يواصل حلب الشياه لأسرته الصغيره حتى عندما كانت جيوشه تجتاح فيالق القياصره , وجيوش الاكاسره --- " ( انتهى كلام جلوب ) ---
ان المرء ليعجب مرة اخرى حين يرى اسرائيل , ذات العدد الذي لا يزيد على عدد مدينة عربية او اسلاميه متوسطة الحجم , وقد سيطروا على فلسطين , وهيمنوا على امة العرب والمسلمين , والذين يفوقونها في الاعداد الهائله والاموال الطائله والاسلحه المكدسه والجيوش الجراره والامكانيات الماديه الهائله ؟؟ لكن العجب يزول ايضا حين رأينا ان حكام العرب الذين اطيح بهم ومن حولهم , كيف ان كل همهم كان منصبا على جمع الثروات والمليارات وحياة اللهو والعبث والترف , ----- واين نضع هؤلاء امام ابي بكر الصديق ورفاقه , وكيف قضوا حياتهم وكيف سخروها لخدمة دينهم وامتهم ؟؟؟ هذا وحده يكفي لنعرف ان الفرق ما بين النصر والهزيمه هم الرجال والرجال وحدهم ولا شئ غيرهم ؟؟؟؟ نسال الله ان يلهم حكام امتنا قراءة تاريخ امتهم بامعان وتعقل لاخذ العبر والاستفادة من الدروس في تطبيقات عمليه ؟؟؟





تعليق