الوجيز في منهج السلف للشيخ عبدالقادر الأرناؤوط
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخوة الفضلاء . . . السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...
هذه رسالة صغيرة كتبها الشيخ الفاضل عبدالقادر الأرناؤوط - وفقه الله - وهي بعنوان الوجيز في منهج السلف ، يسر الله لي أن قمت بطباعتها منذ فترة مضت ، ثم رأيت أن أنشرها على الشبكة لينفع الله بها من شاء من عباده .
تعريف الوجيز لغة :
يقال : أوجز الكلام : قصّره وقلله ، أي اختصره ، وكلام وجز ووجيز .
والوَجْز : الخفيف المقتصد من الكلام والأمر .
والوجْزُ : الشيء الموجز ، كالوجيز .
تعرف المنهج لغة وشرعا :
النهج ، والمنهج ، والمنهاج : الطريق الواضح البيّن . قال الله تعالى في كتابه العزيز : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) المائدة 48 . أي : شريعة وطريقا واضحا بينا .
فإنه سبحانه وتعالى جعل لكل أمة شرعا ومنهاجا ، فلأهل التوراة شريعة ، ولأهل الإنجيل شريعة ، ولأهل القرآن شريعة .
فهي شرائع مختلفة في الأحكام ، متفقة في توحيد الله عزوجل ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة ، الأنبياء إخوة لعلاّت ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، وليس بيني وبين عيسى نبي " رواه البخاري في " صحيحه " في كتاب الأنبياء ، باب : ( واذكر في الكتاب مريم ) ، ومسلم في " صحيحه " رقم 2365 في كتاب الفضائل ، باب فضل عيسى عليه السلام ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
والمعنى أنهم متفقون في أصول التوحيد لله عزوجل ، وأما فروع الشرائع ، فوقع فيها الاختلاف ، فشرائعهم مختلفة . قال الله تعالى في كتابه الكريم لرسوله صلى الله عليه وسلم : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) الأنبياء 25 .
وقال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) النحل36 ، هذا في توحيد الله عزوجل ، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي .
تعريف السلف لغة وشرعا :
السلف : ما مضى وتقدم ، يقال : سلف الشيء سَلَفا : مضى ، وسلف فلان سلفا : تقدم ، والسالف : المتقدم . والسلف : الجماعة المتقدمون .
والسلف : القوم المتقدمون في السير ، قال الله تعالى في كتابه العزيز : ( فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ، فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ) الأعراف 55-56 ، أي فلما أغضبونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ، فجعلناهم سلفا متقدمين لمن عمل بعملهم ، ليعتبر من بعدهم وليتعظ بهم الآخرون .
والسلف : كل عمل صالح قدّمته ، يقال : قد سلف له عمل صالح .
والسلف : من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل ، واحدهم سالف .
ومنه قول طُفيل الغنوي يرثي قومه :
مضوا سلفا قصد السبيل عليهم +وصرف المنايا بالرجال تقلّب
أي نموت كما ماتوا ، فنكون سلفا لمن بعدنا كما كانوا سلفا لنا .
وعن الحسن البصري أنه كان يقول في صلاة الجنازة على الصبي : اللهم اجعله لنا سلفا .
ولهذا سُمي الصدر الأول السلف الصالح .
ورسول الله وصحابته التابعون لهم بإحسان ، هم سلف الأمة ، وكل من يدعو إلى مثل ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته التابعون لهم بإحسان ، هم سلف الأمة ، وكل من يدعو إلى مثل ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعون لهم بإحسان فهو على نهج السلف الصالح ، ويجب على جميع المسلمين أن يتبعوا الكتاب الكريم ، والسنة المُطهرة بالرجوع إلى فهم السلف الصالح رضوان الله عليهم ، فإنهم أحق بالإتباع ؛لأنهم كانوا صادقين في إيمانهم ، أقوياء في عقيدتهم ، مخلصين في عبادتهم .
والسلف الصالح إمامهم رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي أمرنا الله تعالى باتباعه في كتابه بقوله : ( وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ) الحشر7 .
وهو الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة ، قال تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا )الأحزاب 21 .
وهو الذي ينطق بالوحي من السماء ، قال تعالى : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) النجم 3-4
وأمرنا تعالى أن بحكّمه في كل شأن من شؤون حياتنا فقال: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) النساء 65. وحذرنا تعالى من مخالفته فقال : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) النور 63 .
ومرجع السلف الصالح عند التنازع : كتاب الله عزوجل ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . قال تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا )النساء 59
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مبلّغ عن ربه ، ومبين لكتابه .
قال تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم ) النحل 44
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضّوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة" .
وأفضل السلف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الصحابة الذين أخذوا دينهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدق وإخلاص ، كما وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) الأحزاب 23 .
وهم الذين عملوا بأعمال البر التي ذكرها الله تعالى في كتابه بقوله : ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) البقرة 177 .
وهذه الآية هي آية التدين الصادق الذي اتصف الصحابة به رضي الله عنهم ، فكتاب الله تعالى دستورهم ونظامهم ثم السنة بعده ، وهي أبرك العلوم وأفضلها وأكثرها نفعا في الدين والدنيا بعد كتاب الله عزوجل ، وهي كالرياض والبساتين ، تجد فيها كل خير وبر ، ثم بعد السنة ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها .
والسلف الصالح أيضا : القرون الخيرة المفضلة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه : " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " . وقال : " ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يُؤتمنون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السـِّمَنُ " .
فأصول الدين التي استمسك بها هؤلاء الذين مضوا من أئمة الدين ، وعلماء المسلمين ، والسلف الصالحين ، ودعوا الناس إليها : هي أنهم يؤمنون بالكتاب والسنة إجمالاً وتفصيلاً ، ويشهدون لله عزوجل بالوحدانية ، ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة والرسالة ، ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله ، أو شهد له بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، على ما وردت به الأخبار الصحيحة ونقله عنه العدول والثقات ، ويثبتون لله عزوجل ما أثبته لنفسه في كتابه ، وعلى لسان رسوله ، من غير تشبيه بمخلوقاته ، ولا تكييف ، ولا تعطيل ، ولا تحريف ، ولا تبديل ، ولا تمثيل ، قال تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) الشورى 11 .
قال الإمام الزهري : " على الله البيان ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم " .
وقال الإمام سفيان بن عيينه : كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه ، فتفسيره تلاوته والسكوت عنه . وقال الإمام الشافعي : آمنت بالله ، وبما جاء عن الله ، على مراد الله ، وآمنت برسول الله ، وبما جاء عن رسول الله ، على مراد رسول الله "
على هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم ، وكلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات ، لما ورد من الصفات في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من غير تعرُّض لتأويله ، وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم ، والاهتداء بمنارهم .
وحذرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المحدثات ، وأخبرنا أنها من الضلالات ، فقال في حديثه : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ضلالة " . وقد تقدم الحديث وتخريجه .
وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " .
وقال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله : " قف حيث وقف القوم ، فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا ."
وقال الإمام الأوزاعي رحمه الله : عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس ، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول " .
ومن عقائد السلف الصالح قولهم : الإيمان قول باللسان ، وعمل بالجوارح والأركان ، وعقد بالقلب والجنان ، وأن الإيمان يزيد بالطاعة ، وينقص بالعصيان .
ومن عقائد السلف : أن الخير والشر بقضاء الله وقدره ، ولكن ليس الشر بأمره تعالى ، كما يقول بعضهم : كله بأمر الله ؛ لأن الله تعالى أمر بالخير ، ونهى عن الشر ، وهو سبحانه لا يأمر بالفحشاء ، وإنما ينهى عنها ، والإنسان غير مجبر ، يختار أفعاله وعقائده ، ويستحق العقاب أو الثواب على حسب اختياره ، وهو مختار في الأمر والنهي ، قال تعالى : ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) الكهف 29 .
ومن عقائد السلف : أنهم لا يكفرون أحدا من المسلمين بذنب ، ولو كان من الكبائر ، إلا إذا جحد شيئاً معلوما من الدين بالضرورة ، ويعلمه الخاص والعام ، وكان ثابتاً بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها .
ومن عقائد السلف الصالح : أنهم يعبدون الله تعالى ولا يشركون به شيئاً ، فلا يسألون إلا الله تعالى ، ولا يستعينون إلا بالله عزوجل ، ولا يستغيثون إلا به سبحانه ، ولا يتوكلون إلا عليه جلّ وعلا ، ويتوسلون إلى الله بطاعته وعبادته والقيام بالأعمال الصالحة ، لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) المائدة 35 . أي تقربوا إليه بطاعته وعبادته .
ومن عقائد السلف الصالح : أن الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر إذا كان ظاهرها صحيحا.
ولا نجزم لأحد كائنا من كان بجنة ولا نار إلا من جزم له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسئ .
ونشهد للعشرة المبشرين بالجنة ، كما شهد لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكل من شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة شهدنا له بها ، لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .
ونتولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونكف عن مساويهم ، وما شجر بينهم ، وأمرهم إلى ربهم ، ولا نسبُّ أحداً من الصحابة لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه "
يتبع بقية الرسالة
أبو جويرية
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخوة الفضلاء . . . السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...
هذه رسالة صغيرة كتبها الشيخ الفاضل عبدالقادر الأرناؤوط - وفقه الله - وهي بعنوان الوجيز في منهج السلف ، يسر الله لي أن قمت بطباعتها منذ فترة مضت ، ثم رأيت أن أنشرها على الشبكة لينفع الله بها من شاء من عباده .
الوجيز في منهج السلف للشيخ : عبدالقادر الأرناؤوط
تعريف الوجيز لغة :
يقال : أوجز الكلام : قصّره وقلله ، أي اختصره ، وكلام وجز ووجيز .
والوَجْز : الخفيف المقتصد من الكلام والأمر .
والوجْزُ : الشيء الموجز ، كالوجيز .
تعرف المنهج لغة وشرعا :
النهج ، والمنهج ، والمنهاج : الطريق الواضح البيّن . قال الله تعالى في كتابه العزيز : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) المائدة 48 . أي : شريعة وطريقا واضحا بينا .
فإنه سبحانه وتعالى جعل لكل أمة شرعا ومنهاجا ، فلأهل التوراة شريعة ، ولأهل الإنجيل شريعة ، ولأهل القرآن شريعة .
فهي شرائع مختلفة في الأحكام ، متفقة في توحيد الله عزوجل ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة ، الأنبياء إخوة لعلاّت ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، وليس بيني وبين عيسى نبي " رواه البخاري في " صحيحه " في كتاب الأنبياء ، باب : ( واذكر في الكتاب مريم ) ، ومسلم في " صحيحه " رقم 2365 في كتاب الفضائل ، باب فضل عيسى عليه السلام ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
والمعنى أنهم متفقون في أصول التوحيد لله عزوجل ، وأما فروع الشرائع ، فوقع فيها الاختلاف ، فشرائعهم مختلفة . قال الله تعالى في كتابه الكريم لرسوله صلى الله عليه وسلم : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) الأنبياء 25 .
وقال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) النحل36 ، هذا في توحيد الله عزوجل ، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي .
تعريف السلف لغة وشرعا :
السلف : ما مضى وتقدم ، يقال : سلف الشيء سَلَفا : مضى ، وسلف فلان سلفا : تقدم ، والسالف : المتقدم . والسلف : الجماعة المتقدمون .
والسلف : القوم المتقدمون في السير ، قال الله تعالى في كتابه العزيز : ( فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ، فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ) الأعراف 55-56 ، أي فلما أغضبونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ، فجعلناهم سلفا متقدمين لمن عمل بعملهم ، ليعتبر من بعدهم وليتعظ بهم الآخرون .
والسلف : كل عمل صالح قدّمته ، يقال : قد سلف له عمل صالح .
والسلف : من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل ، واحدهم سالف .
ومنه قول طُفيل الغنوي يرثي قومه :
مضوا سلفا قصد السبيل عليهم +وصرف المنايا بالرجال تقلّب
أي نموت كما ماتوا ، فنكون سلفا لمن بعدنا كما كانوا سلفا لنا .
وعن الحسن البصري أنه كان يقول في صلاة الجنازة على الصبي : اللهم اجعله لنا سلفا .
ولهذا سُمي الصدر الأول السلف الصالح .
ورسول الله وصحابته التابعون لهم بإحسان ، هم سلف الأمة ، وكل من يدعو إلى مثل ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته التابعون لهم بإحسان ، هم سلف الأمة ، وكل من يدعو إلى مثل ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعون لهم بإحسان فهو على نهج السلف الصالح ، ويجب على جميع المسلمين أن يتبعوا الكتاب الكريم ، والسنة المُطهرة بالرجوع إلى فهم السلف الصالح رضوان الله عليهم ، فإنهم أحق بالإتباع ؛لأنهم كانوا صادقين في إيمانهم ، أقوياء في عقيدتهم ، مخلصين في عبادتهم .
والسلف الصالح إمامهم رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي أمرنا الله تعالى باتباعه في كتابه بقوله : ( وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ) الحشر7 .
وهو الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة ، قال تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا )الأحزاب 21 .
وهو الذي ينطق بالوحي من السماء ، قال تعالى : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) النجم 3-4
وأمرنا تعالى أن بحكّمه في كل شأن من شؤون حياتنا فقال: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) النساء 65. وحذرنا تعالى من مخالفته فقال : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) النور 63 .
ومرجع السلف الصالح عند التنازع : كتاب الله عزوجل ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . قال تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا )النساء 59
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مبلّغ عن ربه ، ومبين لكتابه .
قال تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم ) النحل 44
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضّوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة" .
وأفضل السلف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الصحابة الذين أخذوا دينهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدق وإخلاص ، كما وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) الأحزاب 23 .
وهم الذين عملوا بأعمال البر التي ذكرها الله تعالى في كتابه بقوله : ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) البقرة 177 .
وهذه الآية هي آية التدين الصادق الذي اتصف الصحابة به رضي الله عنهم ، فكتاب الله تعالى دستورهم ونظامهم ثم السنة بعده ، وهي أبرك العلوم وأفضلها وأكثرها نفعا في الدين والدنيا بعد كتاب الله عزوجل ، وهي كالرياض والبساتين ، تجد فيها كل خير وبر ، ثم بعد السنة ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها .
والسلف الصالح أيضا : القرون الخيرة المفضلة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه : " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " . وقال : " ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يُؤتمنون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السـِّمَنُ " .
فأصول الدين التي استمسك بها هؤلاء الذين مضوا من أئمة الدين ، وعلماء المسلمين ، والسلف الصالحين ، ودعوا الناس إليها : هي أنهم يؤمنون بالكتاب والسنة إجمالاً وتفصيلاً ، ويشهدون لله عزوجل بالوحدانية ، ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة والرسالة ، ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله ، أو شهد له بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، على ما وردت به الأخبار الصحيحة ونقله عنه العدول والثقات ، ويثبتون لله عزوجل ما أثبته لنفسه في كتابه ، وعلى لسان رسوله ، من غير تشبيه بمخلوقاته ، ولا تكييف ، ولا تعطيل ، ولا تحريف ، ولا تبديل ، ولا تمثيل ، قال تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) الشورى 11 .
قال الإمام الزهري : " على الله البيان ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم " .
وقال الإمام سفيان بن عيينه : كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه ، فتفسيره تلاوته والسكوت عنه . وقال الإمام الشافعي : آمنت بالله ، وبما جاء عن الله ، على مراد الله ، وآمنت برسول الله ، وبما جاء عن رسول الله ، على مراد رسول الله "
على هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم ، وكلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات ، لما ورد من الصفات في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من غير تعرُّض لتأويله ، وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم ، والاهتداء بمنارهم .
وحذرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المحدثات ، وأخبرنا أنها من الضلالات ، فقال في حديثه : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ضلالة " . وقد تقدم الحديث وتخريجه .
وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " .
وقال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله : " قف حيث وقف القوم ، فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا ."
وقال الإمام الأوزاعي رحمه الله : عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس ، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول " .
ومن عقائد السلف الصالح قولهم : الإيمان قول باللسان ، وعمل بالجوارح والأركان ، وعقد بالقلب والجنان ، وأن الإيمان يزيد بالطاعة ، وينقص بالعصيان .
ومن عقائد السلف : أن الخير والشر بقضاء الله وقدره ، ولكن ليس الشر بأمره تعالى ، كما يقول بعضهم : كله بأمر الله ؛ لأن الله تعالى أمر بالخير ، ونهى عن الشر ، وهو سبحانه لا يأمر بالفحشاء ، وإنما ينهى عنها ، والإنسان غير مجبر ، يختار أفعاله وعقائده ، ويستحق العقاب أو الثواب على حسب اختياره ، وهو مختار في الأمر والنهي ، قال تعالى : ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) الكهف 29 .
ومن عقائد السلف : أنهم لا يكفرون أحدا من المسلمين بذنب ، ولو كان من الكبائر ، إلا إذا جحد شيئاً معلوما من الدين بالضرورة ، ويعلمه الخاص والعام ، وكان ثابتاً بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها .
ومن عقائد السلف الصالح : أنهم يعبدون الله تعالى ولا يشركون به شيئاً ، فلا يسألون إلا الله تعالى ، ولا يستعينون إلا بالله عزوجل ، ولا يستغيثون إلا به سبحانه ، ولا يتوكلون إلا عليه جلّ وعلا ، ويتوسلون إلى الله بطاعته وعبادته والقيام بالأعمال الصالحة ، لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) المائدة 35 . أي تقربوا إليه بطاعته وعبادته .
ومن عقائد السلف الصالح : أن الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر إذا كان ظاهرها صحيحا.
ولا نجزم لأحد كائنا من كان بجنة ولا نار إلا من جزم له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسئ .
ونشهد للعشرة المبشرين بالجنة ، كما شهد لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكل من شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة شهدنا له بها ، لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .
ونتولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونكف عن مساويهم ، وما شجر بينهم ، وأمرهم إلى ربهم ، ولا نسبُّ أحداً من الصحابة لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه "
يتبع بقية الرسالة
أبو جويرية


تعليق