نقلتها من شبكة سحاببتاريخ : ( 23/09/2003 20:25 ) - شاهده ( 1695 )
اتهام سيد لعثمان ـ رضي الله عنه ـ بأنه باكر الإسلام الناشئ بالتمكين للمبادئ الأموية المجافية لروح الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ...
فهذه طعون إمام الحزبيين سيد قطب في خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان ..والتي جمعها وعلق عليها شيخنا ربيع بن هادي حفظه الله تعالى في كتابه "مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " .. ولم أنقل الحواشي والتعليقات .. ومن أرادها فهي موجودة في الكتاب الكامل في موقع الشيخ ربيع
اتهام سيد لعثمان ـ رضي الله عنه ـ بأنه باكر الإسلام الناشئ بالتمكين للمبادئ الأموية المجافية لروح الإسلام
ويقول : ((ولقد كان من جرّاء مباكرة الدين الناشيء بالتمكين منه للعصبة الأموية على يدي الخليفة الثالث ...))( )إلخ . ويقول : ((مضى عثمان إلى رحمة ربِّه وقد خلّف الدولة الأموية قائمة بالفعل بفضل ما مكّن لها في الأرض وبخاصة في الشام ، وبفضل ما مكّن للمبادئ الأموية المجافية لروح الإسلام من إقامة الملك الوراثي والاستئثار بالمغانم والأموال))( ). أقول : لو جهد الخميني وغلاة الروافض في الطعن على عثمان لَمَا استطاعوا أن يقولوا أشدَّ من هذه المطاعن في الخليفة الراشد المظلوم . وما أظنُّ سيدًا يقلُّ حقدًا وبغضـًا لبني أمية عن أشدّ الغلاة؛ فترى عبارته تنضح بذلك ، ونعوذ بالله من هذا الداء ، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم : ((لا يزال الإسلام عزيزًا ما ولي أمرُ هذه الأمة اثنا عشر خليفة)) ؟ . قال ابن كثير : ((وفيها ( أي : في سنة ثلاث وتسعين ) افتتح محمد بن القاسم ـ وهو ابن عم الحجاج بن يوسف ـ مدينة الدبيل وغيرها من بلاد الهند ، وكان قد ولاّه الحجاج غزو الهند وعمره سبع عشرة سنة؛ فسار في الجيوش فلقوا الملك داهر ـ وهو ملك الهند ـ في جمع عظيم ومعه سبعة وعشرون فيلاً منتخبة ، فاقتتلوا فهزمهم الله وهرب الملك داهر ، فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلْق كثير جدًّا ، فاقتتلوا قتالاً شديدًا ، فقتل الملك داهر وغالب من معه ، وتبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه . ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكبرج وبرها ، ورجع بغنائم كثيرة وأموال لا تحصى كثرة من الجواهر والذهب وغير ذلك؛ فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية ، ليس لهم شغل إلاّ ذلك ، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ، وبرها وبحرها؛ وقد أذلّوا الكفرَ وأهلَه ، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبـًا ، لا يتوجّه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه؛ وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين في كلّ جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينَه؛ فقتيبة بن مسلم يفتح في بلاد الترك ، يقتل ويسبي ويغنم ، حتى وصل إلى تخوم الصين ، وأرسل إلى ملكه يدعوه ، فخاف منه وأرسل له هدايا وتحفـًا وأموالاً كثيرة هديّة ، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده))( ). قارن بين هذا الكلام المنصف الذي يوضِّحُ عزة الإسلام ومكانة بني أمية الذين أعزّ الله بهم الإسلام قارن بينَه وبين كلام سيد قطب الآتي : ((لقد اتسعت رقعة الإسلام فيما بعد ، ولكن روحه انحسرت بلا جدال . وما قيمة الرقعة إذا انحسرت الروح ؟ ، ولولا قوة كامنة في طبيعة هذا الدين وفيض عارم في طاقته الروحية لكانت أيام أميّة كفيلة بالقضاء عليه القضاء الأخير))( ). وسوف يتبدّد هذا الخرص والخبط الذي يدور في دوامته سيد قطب ، ستتبدد هذه الأوهام والمزاعم التي لا يسندها عقل ولا نقل حين يعلم القارئ أن عثمان والأمة وبني مروان أنفسهم ما كان يدور في خلدهم شيء من هذا الأوهام التي ملأت دماغ سيد قطب حول عثمان وبني أمية . فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال : أخبرني مروان بن الحكم قال : ((أصاب عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج وأوصى ، فدخل عليه رجلٌ من قريش قال : استخلف ، قال : وقالوه ؟ ، قال : نعم ، قال : ومَن ؟ ، فسكت ، فدخل عليه رجلٌ آخر ـ أحسبه الحارث ـ فقال : استخلف ، فقال عثمان : وقالوا ؟ ، فقال : نعم ، قال : ومن هو ؟ ، فسكت ، قال : فلعلهم قالوا إنه الزبير ؟ ، قال : نعم ، قال : أما والذي نفسي بيده إنه لخيرُهم ما علمت ، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . وروى من طريق أبي أسامة عن هشام أخبرني أبي : سمعت مروان بن الحكم : ((كنت عند عثمان أتاه رجل فقال : استخلف ، قال : نعم ، الزبير ، قال : أما والله إنكم لتعلمون أنه خيركم ثلاثـًا))( ). خليفة طاهر مؤمن ، ومجتمع طاهر مؤمن لا يدور في خلدهم حول الاستخلاف وغيره إلاّ ما كان يدور في عهد عمر ـ رضي الله عنه ـ من أهميّة الاستخلاف ، بل تجاوز الأمر ذلك إلى ترشيح رجل معيّن هو في نظرهم أفضل الصحابة الموجودين . فطابق ذلك ما في نفس الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ فيدلي بشهادته مؤكِّدًا صواب اختيارهم وترشيحهم . ومن يحثه على الاستخلاف وتنفيذ رغبة الأمة ؟ ، أنه مروان بن الحكم وأخوه . فأين التمكين لبني أمية ؟ ، وأين هي الدولة الأمويّة القائمة بالفعل ؟ . ولَمّا ثار أهل الفتنة على عثمان كان أشدّ المحرِّضين والمتآمرين وأقواهم هو محمد بن أبي حذيفة الأموي ، ولما استشهد عثمان تمّت البيعة في العالم الإسلامي إلا الشام لعلي بن أبي طالب الهاشمي لا الأموي . وقد عرضت على غيره كطلحة بن عبيد الله التيمي ، والزبير بن العوام الأسدي ، ولم تعرض على أحدٍ من بني أمية؛ فأين التمكين لبني أميّة . وهناك خبرٌ مضمونُه أن عثمان كتب العهد لعبد الرحمن بن عوف : قال ابن شبة( ): حدثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني ابن لهيعة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر ، عن أبيه ، عن جدِّه : أن عثمان ـ رضي الله عنه ـ اشتكى رعافـًا فدعى حمران فقال : اكتب لعبد الرحمن العهد من بعدي ، فكتب له ، فانطلق حمران فقال لي البشرى ؟ ، قال : لك البشرى وذاك ماذا ؟ ، قال : إن عثمان قد كتب لك العهد من بعدِه ، فأقبل عبد الرحمن إلى عثمان فقال : أكان يصلح لك أن تكتب لي العهد من بعدك؛ والله يعلم أني أخشى أن يحاسبني في أهلي ألاّ أكون أعدل بينهم فكيف بأمة محمد ؟! ، فقال عثمان ـ رضي الله عنه ـ : عزمتُ عليك أَحُمران أخبرك ؟ ، قال : نعم ، قال : يا حمران فأعاهد الله ألا تساكنني أبدًا ، فأخرجه ، وأما أنتَ يا أبا محمد فهل وليتني هذا الأمر يوم وليته وأنت تقدر على أن تصرف ذلك إلى نفسك أو توليه من بدا لك وفي القوم من هو أمسّ بك يومئذ رحمـًا مني إلا رجاء الصلة والإحسان فيما بيني وبينك ؟ ، فقال عبد الرحمن : وليتك ما وليتك والله يعلم أني قد اجتهدت ولم آلُ أن أجد خير عباده ، أما أنا فكان يعلم الله موضعي ما لم أكن لأليها ، وأما أنا فاجتهدت لأمة محمد فوليت أمرهم خيرهم ، فإذا سألني قلتُ : يا رب وليت أمرهم خيرهم ( فيما )أعلم ، قال عثمان : فاجتهدت أنت لنفسك وحرصت وأنا والله ما آلو أن أجتهد وأحرص في أفضل من أعلم والله لا أفتك هذا من رقبتك أبدًا . فلما رأى ذلك عبد الرحمن انصرف ، فقام بين المنبر والقبر فدعى فقال : اللهم إن كان من تولية عثمان إيَّاي ما ولاني فأمتني قبل عثمان ، فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى قبضه الله))( ). هذا إن ثبت فيحتمل أن عثمان ـ رضي الله عنه ـ عرض الأمرَ على الزبير فرفض أن يكون خليفة؛ لأنه كان يرفض الولايات من أيام عمر ، ثم ترجّح له أن يكتب لعبد الرحمن ويكتم ذلك عنه . وفي هذا الخبر ثناء عبد الرحمن على عثمان في آخر حياته ، وأنه خيرُ أصحاب محمد بعد أبي بكر وعمر ، وفيه ثناء عثمان على عبد الرحمن واعتقاده أنه أفضل من يعلم . وهذه النصوص من أعظم الشواهد أن الأمة في عهد عثمان لم تبعد عما كانت عليه في عهد عمر ، وأنهم خير القرون كما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنّ تصوّر حقيقة الحكم لا يزال كما هو في عهد عمر لم يتغيّر لا في أذهان الأمة ولا في ذهن عثمان ولا في ذهن أحدٍ من بني أمية ، ولا يقول بخلاف ذلك إلاّ أهل الأغراض والأحقاد من الروافض ومَن سار على دربهم من أهل الفتن .
اتهام عثمان بأن تصوره لحقيقة الحكم قد تغيّر وأنه يحمل قرابته على رقاب الناس
قال سيد قطب : ((هذا التصوّر لحقيقة الحكم قد تغيّر شيئـًا ما بدون شك على عهد عثمان ، ولقد كان من سوء الطالع : أن تدرك الخلافة عثمان وهو شيخٌ كبير ، ضعفت عزيمته عن عزائم الإسلام ، وضعفت إرادته عن الصمود لكيد مروان وكيد أمية من ورائه . فهم عثمان ـ يرحمه الله ـ أنّ كونه إمامـًا يمنحه حريّة التصرّف في مال المسلمين بالهبة والعطية؛ فكان رده في كثير من الأحيان على منتقديه في هذه السياسة : ((وإلاّ ففيم كنت إمامـًا ؟)) كما يمنحه حرية أن يحمل بني معيط وبني أمية ـ من قرابته ـ على رقاب الناس ، وفيهم الحكم طريد رسول الله لمجرّد أنّ من حقه أن يكرم أهله ويبرهم ويرعاهم))( ). أقول : هذا أسلوب إنسان أسلمَ نفسه للروايات الباطلة التي افتعلها الروافض وأعداء هذا الخليفة الراشد والشهيد المظلوم ، ولو زمّ سيد قطب نفسه بزمام تقوى الله ومراقبته وبزمام العدل والإنصاف وبزمام منهج أهل السنة والحق لما استطال هذه الاستطالة على هذا الخليفة المؤمن الراشد والشهيد المظلوم . أهكذا يكون الإنصاف والأدب والاحترام مع ذي النورين ومن يستحيي منه محمد رسول الله وملائكة الرحمن ؟!! . أيسكت سيد قطب على كفر غلاة الروافض والباطنية ولا تكفيه هذه المداهنات والمجاملات مع أعداء الله ولا يتّسعُ صدرُه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسكت كما رأى أهل السنة من السكوت عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحمل تصرّفات من أخطأَ منهم على الاجتهاد . هذا هو موقف أهل الحق فيمن هو دون عثمان الإمام البارّ الراشد وكل أصحاب رسول الله بار راشد . يقول سيد : ((هذا التصور لحقيقة الحكم قد تغيّر شيئـًا ما دون شك على عهد عثمان وإن بقي في سياج الإسلام)) . ثم يبيّن أسباب هذا التغيّر بقوله : 1 ـ ((لقد أدركت الخلافة عثمان وهو شيخٌ كبير)) أي : أنه كان خرفـًا ، وهذا الخرف يسهل انقياده للمتلاعبين به وبأمور الدولة والمسلمين . فلا ندري كيف رضيت الأمة كلها وأجمعت على اختيار هذا الشيخ الكبير ثم أسلمته إلى مروان فتلغب مروان هذا على الأمة كلها ومنهم عليّ بن أبي طالب ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف وسائر الأبطال الذين فتحوا الدنيا وأطاحوا بعروش القياصرة والأكاسرة في هذه الأمة التي يسيرها وخليفتها ويصرف شؤونها مروان وينحرف بها . 2 ـ وبأن من ورائه مروان بن الحكم يصرف الأمر بكثير من الانحراف)) . ومعنى هذا أن التصوّر لحقيقة الحكم عند عثمان لم يتغيّر شيئـًا ما ، وإنما تغيّر تغيّرًا كبيرًا تبعـًا لتصرّف مروان الكثير الانحراف . 3 ـ وبأن طبيعة عثمان كانت رخيّة فيسهل انقياده لمروان وغيره من المتلاعبين به . 4 ـ وبأن حدبه كان شديدًا على أهله ، أي : أنه رجلٌ عاطفيّ تقودُه العواطف العمياء إلى تحقيق مآربهم وطموحاتهم إلى الأموال والمناصب التي لا يستحقونها . وليس عند سيد شكّ في أن تصوّر عثمان لحقيقة الحكم قد تغيّر؛ فهو علي يقينٍ كامل بأن ذلك قد وقع ، فما هي البراهين القاطعة لديه ؟ . إنها روايات الروافض . أما مروان عنده فكأن الأمة قد سلَّمت بأنه مجرم أثيم ، فلا خلق له ولا دين؛ فلذا يجعل منه سُلّمـًا للطعن في الخليفة الراشد عثمان ، وكأنّ كل الناس سيغمضون أعينهم ويقولون له : صدقتَ وبررت . إن مروان هذا الذي يطعن فيه سيد لهذه الأهداف لا يحمل له المسلمون المنصفون هذه الصورة الشوهاء ، بل هو مسلم عدل ، يروي له أئمة الإسلام ، ويعتمدون أقواله في الفقه؛ وقد روى عنه عددٌ من الصحابة وخيار التابعين ، وروى له من الأئمة البخاري والباقون سوى مسلم ، واعتمد الإمام مالك على حديثِه ورأيه( ). وأما ما يتعلّق بالحكم : فالجواب ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرُه في دحض الأباطيل حوله : قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جوابه على الرافضي في زعمه أن عثمان آوى عمه الحكم بن أبي العاص كان من مسلمة الفتح وكانوا ألفي رجل ...)) إلى قوله : ((ولم تكن الطلقاء تسكن بالمدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان قد طرده فإنما طرده من مكة لا من المدينة ، ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة؛ وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه ، قالوا : هو ذهب باختياره . وقصة نفي الحكم ليست في الصحاح ، ولا لها إسناد يعرف به أمرها))( ). وقال أيضـًا بعدما سبق : ((وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه كما تقدّم ، وقالوا : هو ذهب باختياره ، والطرد هو النفي ...)) إلى أن قال : ((وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عزر رجلاً بالنفي لم يلزم أن يبقى منفيـًّا طول الزمان؛ فإن هذا لا يعرف في شيء من الذنوب ، ولم تأت الشريعة بذنب يبقى صاحبه منفيـًّا دائمـًا ، بل غاية النفي المقدر سنة ، وهو نفي الزاني والمخنّث حتى يتوب من التخنيث؛ فإن كان تعزير الحاكم للذنب حتى يتوب منه فإذا تاب سقطت العقوبة عنه ، وإن كانت على ذنب ماض فهو أمر اجتهادي لم يقدّر فيه قدر ولم يوقّت فيه وقت))( ). وقال رحمه الله أيضـًا : ((وقد رووا أن عثمان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يرده فأذن له في ذلك ، ونحن نعلم أن ذنبه دون ذنب عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وقصة عبد الله ثابتة معروفة بالإسناد الثابت ، وأما قصة الحكم فعامّة من ذكرها إنما ذكرها مرسَلة ، وقد ذكرها المؤرّخون الذين يكثر الكذب فيما يروونه ، وقلَّ أن يسلم لهم نقلهم من الزيادة والنقصان ، فلم يكن هنا نقل ثابت يوجب القدح فيمن هو دون عثمان))( ). وقال ـ أيضـًا ـ : ((والمعلوم من فضائل عثمان ، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم له ، وثنائه عليه ...)) إلى أن قال ـ: ((وأمثال ذلك مما يوجب العلم القطعي بأنه من كبار أولياء الله المتقين ـ رضي الله عنهم ورضوا عنه ـ ، فلا يدفع هذا بنقل لا يثبت إسنادُه ، ولا يعرف كيف وقع ، ويجعل لعثمان ذنب بأمر لا يعرف حقيقته ، بل مثل هذا مثل الذين يعارضون المحكم بالمتشابه؛ وهذا من فعل الذين في قلوبهم زيغ الذين يبتغون الفتنة . ولا ريب أن الرافضة من شرار الزائغين الذين يبتغون الفتنة الذين ذمهم الله ورسوله . وبالجملة : فنحن نعلم قطعـًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمر بنفي أحد دائمـًا ثم يرده عثمان معصيةً لله ورسوله ولا ينكر ذلك عليه المسلمون))( ). بل قد روى ابن جرير ـ رحمه الله ـ في نقله دحض عثمان لشبه أهل الفتن : ((... وقالوا : إني رددت الحكَم وقد سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحكم مكي ، سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف ، ثم رده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيره ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ردّه ، أكذلك ؟ ، قالوا : اللهم نعم))( ).
إظهار عثمان في صورة ظالم متجبِّر
قال سيد : ((منح عثمان من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مئتي ألف درهم ، فلما أصبح الصباح جاءه زيد بن أرقم خازن مال المسلمين وقد بدا في وجهه الحزن وترقرقت في عينيه الدموع ، فسأله أن يعفيه من عمله ، ولما علم منه السبب وعرف أنه عطيته لصهره من مال المسلمين قال مستغربـًا : (أتبكي يا ابن أرقم أن وصلتُ رحمي ؟) ، فرد الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف : (لا يا أمير المؤمنين ، ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضـًا عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لو أعطيته مائة درهم لكان كثيرًا ، فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيقُ ضميره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين ، وقال له : (ألق بالمفاتيح يا ابن أرقم فإنا سنجد غيرك) ))( ). انظر إلى هذا الرجل الذي يتقبل بكل لهف هذه المطاعن الفاجرة في رجلٍ من أعظم رجال الإسلام ومن أعظم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أمسِّ الناس به رحمـًا ، وممن بذل الكثيرَ والكثير لإعلاء كلمة الله ونصرة الله ورسوله ونصرة الإسلام؛ فلم يبق لهذا الرجل العظيم الخليفة الراشد في نفس سيد قطب ومشاعره أيّ رصيد من الاحترام وحسن الظنّ يكذّب به هذه المطاعن الفاجرة ويدفعها عن عرضه الكريم . أين مصدر هذا الإفك ؟! . لماذا لا يذكره سيد ليعرف المسلمون من أين يستقيه ؟! . أين أسانيدها ؟!! . وأين التحرِّي لأجل حماية عرض من أشرف الأعراض وأحقّها بالتحرِّي والحماية والاستماتة في الذبّ والدفع عنه ؟؟! . صدّق سيد قطب هذا الإفك واستروح إليه بدل أن يدفعَه أو يعتذر أو يتأوّل له إن كان قد خدع بهذا الكذب لم يتحرّك ضمير عثمان لحزن زيد بن أرقم ولم يهيّج مشاعره الإسلامية بكاؤه فيتذكّر ويعتبر ويرجع إلى الله في نظر سيد قطب . بل بلغ في قسوة القلب وبرودة المشاعر أن يستغرب هذا البكاء ويقول مغالطـًا : (أتبكي يا ابن أرقم أن وصلت رحمي) . قال سيد متفاعلاً مع هذا المشهد الذي تتفطّر له الأفئدة وقد بلغ منه كل مبلغ : ( فردّ الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف ) أي : أن عثمان قد فقد روح الإسلام المرهف . ( ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضـًا عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله ، والله لو أعطيته مائة درهم لكان كثيرًا ) فلم يُجد الحزن ولا البكاء ولا هذه الموعظة العظيمة التي تلين لها الصخور؛ لأن عثمان لم يبق في نفسه شيء يؤثّر فيه ، ويذكّره بالله أو يخاف به على عمله العظيم أن يحبط؛ لأنه فقد روح الإسلام المرهف في نظر سيد ، بل بدل أن يتعظ ويتذكّر أخذته العزّة بالإثم فغضب على الرجل الذي لا يطيقُ ضميرُه هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين وقال له : ( ألق بالمفاتيح يا ابن أرقم فإنا سنجد غيرك ) !! . كأن سيدًا يقول : يا للجبروت ويا للقسوة ويا للجرأة في عثمان ، هكذا يصدر هذا التصرف من هذا الشيخ الكبير الذي فقد روح الإسلام المرهف ونسي طبيعته الرخية فوصل إلى هذا الحد المرعب وسيبحث عن خازن جامد المشاعر فلا يستشعر روح الإسلام المرهف ويطيق ضميره الخرب هذه التوسعات في أموال المسلمين لأقارب عثمان !! . انظر إلى القصة تقول : إن عثمان لو كانت عطيته مائة درهم لكان كثيرًا . حاشا زيد بن أرقم أن يصل إلى هذه الدرجة من الشغب وهو يعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي بسخاء مما أثار بعض شباب الأنصار تارة وذا الخويصرة تارة أخرى ، وقد أعطى أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ بسخاء ولا شكّ أن ذلك كان يغيظ أمثال ذي الخويصرة . والله لو أعطى عثمان بسخاء لكان بارًّا راشدًا وما أظنّ زيد بن أرقم الصحابي الجليل يستنكر ذلك ولا غيره من الصحابة الأجلاّء غير أن تلاميذ ذي الخويصرة والروافض لا يزالون يحترقون إلى اليوم من خلافة عثمان نفسها فضلاً عن عطائه للمستحقين من الصحابة وغيرهم . وهناك قصة تبيّن أن هذه القصة التي تعلق بها سيد قطب قصة باطلة ، وهي ما رواه ابن شبة في ((أخبار المدينة))( ) : حدثنا محمد بن سلام( ) ، عن أبيه( )قال : قال عبد الله بن خالد لعبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : كلِّم أمير المؤمنين عثمان ـ رضي الله عنه ـ فإن لي عيالاً وعليَّ دَينـًا ، فقال : كلِّمه فإنك تجده برًّا وصولاً فكلمه فزوجه ابنته ، وأعطاه مائة ألف ، فولدت له عثمان بن عبد الله ، فكان لا يكلم إخوته كبرًا بعثمان . وروى الفاسي في ((العقد الثمين))( )هذه القصة من طريق الزبير بهذا الإسناد ، وفيها : ((كلم لي أمير المؤمنين فإنّ لي عيالاً ودَينـًا ، قال : كلمه ، فإنك ستجده برًّا واصلاً ...)) إلى آخر القصة . وفي هذه القصة ما يبيِّن زيف تلك القصة من جهات : الأولى : أن في هذه القصة أنّ العطاء كان مائة ألف ، وفي تلك مائتي ألف . والثانية : أن في تلك أن العطاء كان من عثمان لزوج ابنته الحارث بن الحكم ، أي : شقيق مروان . وهذا الحارث لم أجد له ذكرًا في كتب التراجم بعد بحثٍ في مصادر كثيرة ، وله ذكرٌ في بعض متون البخاري . والغرض من القصة بيان سيطرة بيت الحكَم على عثمان ، واندفاع عثمان في تحقيق مآربهم إلى أبعد الحدود التي لا ترضي الله ولا المسلمين . والثالثة : أن في القصة الثانية أن عبد الله بن خالد على قرابته من عثمان كان يشكو دَيْنـًا وعيالاً ، ومع ذلك ما كان يجرؤ أن يشكو لعثمان هذه الأعباء التي أثقلت كاهله؛ فذهب يبحث عن واسطة يكلّم له عثمان ـ رضي الله عنه ـ ، فشجّعه هذا الواسطة ـ وهو عبد الله بن عمر وكان أعرفَ بسجايا هذا الخليفة البار الراشد ـ فقال لابن خالد : كلمه فإنك ستجده برًّا واصلاً ، ولقد كلمه فوجده كذلك . الرابعة : أن تلك القصة تقول في أسلوب مثير : منح زوج ابنته ، أي : أنه أجزل له العطاء لأمرين لأنه ابن الحكم أخو مروان ، ولأنه زوج ابنته . وهذه القصة أن عبد الله بن خالد لما كلم عثمان تجاوب معه وقام ببره على أحسن الوجوه التي يحمد عليها وتذكر في محاسنه ـ رضي الله عنه ـ . فزوجه ابنته ووصله بما يعينه على زواجه وعلى تسديد دَينه وعلى نفقة عياله ، وذلك مائة ألف ، ولقد كان هذا القدْر قليلاً؛ لأن المال كان قد فاض في عهد عثمان إلى درجة عظيمة . الخامسة : أن ابن عمر كان يرى عثمان في تصرفاته بارًّا واصلاً وهو الذي لا يجامل ولا يحابي ولم تمل به الدنيا ولم يمل بها . وقد كان صديقـًا لعبد الله بن خالد هذا دهرًا طويلاً حتى مات في داره ، ولو كان ممن يستحل أموال المسلمين لما صادقه طوال حياته( ). السادسة : في القصة الواهية من التزيّد ونسبة الشغب إلى زيد بن أرقم ـ وحاشاه ـ ما قد عرفت . وفيها : عدم مبالاة عثمان بالتذكير وتصرفات لا تصدر إلا من شخص قد ضعف أو زال إيمانه { وإذا ذُكِّروا لا يَذكرون } . وأعاذ الله عثمان المؤمن الشهيد من ذلك . السابعة : أن القصة الثانية تفيد أنه أعطاه مائة ألف ولم تقل من بيت المال ، ودون إثبات أنها من بيت المال خرط القتاد ، لا سيما وعثمان كان جوادًا سخيـًّا معطاءً بارًّا وصولاً فلا يتكامل برّه ووصله إلاّ إذا كان عطاؤه من صلب ماله ، ولا يَستكثرُ عليه ذلك إلا حاقد مغرِض .
لكاتبة الأخ / الغريب النجدي
اتهام سيد لعثمان ـ رضي الله عنه ـ بأنه باكر الإسلام الناشئ بالتمكين للمبادئ الأموية المجافية لروح الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ...
فهذه طعون إمام الحزبيين سيد قطب في خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان ..والتي جمعها وعلق عليها شيخنا ربيع بن هادي حفظه الله تعالى في كتابه "مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " .. ولم أنقل الحواشي والتعليقات .. ومن أرادها فهي موجودة في الكتاب الكامل في موقع الشيخ ربيع
اتهام سيد لعثمان ـ رضي الله عنه ـ بأنه باكر الإسلام الناشئ بالتمكين للمبادئ الأموية المجافية لروح الإسلام
ويقول : ((ولقد كان من جرّاء مباكرة الدين الناشيء بالتمكين منه للعصبة الأموية على يدي الخليفة الثالث ...))( )إلخ . ويقول : ((مضى عثمان إلى رحمة ربِّه وقد خلّف الدولة الأموية قائمة بالفعل بفضل ما مكّن لها في الأرض وبخاصة في الشام ، وبفضل ما مكّن للمبادئ الأموية المجافية لروح الإسلام من إقامة الملك الوراثي والاستئثار بالمغانم والأموال))( ). أقول : لو جهد الخميني وغلاة الروافض في الطعن على عثمان لَمَا استطاعوا أن يقولوا أشدَّ من هذه المطاعن في الخليفة الراشد المظلوم . وما أظنُّ سيدًا يقلُّ حقدًا وبغضـًا لبني أمية عن أشدّ الغلاة؛ فترى عبارته تنضح بذلك ، ونعوذ بالله من هذا الداء ، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم : ((لا يزال الإسلام عزيزًا ما ولي أمرُ هذه الأمة اثنا عشر خليفة)) ؟ . قال ابن كثير : ((وفيها ( أي : في سنة ثلاث وتسعين ) افتتح محمد بن القاسم ـ وهو ابن عم الحجاج بن يوسف ـ مدينة الدبيل وغيرها من بلاد الهند ، وكان قد ولاّه الحجاج غزو الهند وعمره سبع عشرة سنة؛ فسار في الجيوش فلقوا الملك داهر ـ وهو ملك الهند ـ في جمع عظيم ومعه سبعة وعشرون فيلاً منتخبة ، فاقتتلوا فهزمهم الله وهرب الملك داهر ، فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلْق كثير جدًّا ، فاقتتلوا قتالاً شديدًا ، فقتل الملك داهر وغالب من معه ، وتبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه . ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكبرج وبرها ، ورجع بغنائم كثيرة وأموال لا تحصى كثرة من الجواهر والذهب وغير ذلك؛ فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية ، ليس لهم شغل إلاّ ذلك ، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ، وبرها وبحرها؛ وقد أذلّوا الكفرَ وأهلَه ، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبـًا ، لا يتوجّه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه؛ وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين في كلّ جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينَه؛ فقتيبة بن مسلم يفتح في بلاد الترك ، يقتل ويسبي ويغنم ، حتى وصل إلى تخوم الصين ، وأرسل إلى ملكه يدعوه ، فخاف منه وأرسل له هدايا وتحفـًا وأموالاً كثيرة هديّة ، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده))( ). قارن بين هذا الكلام المنصف الذي يوضِّحُ عزة الإسلام ومكانة بني أمية الذين أعزّ الله بهم الإسلام قارن بينَه وبين كلام سيد قطب الآتي : ((لقد اتسعت رقعة الإسلام فيما بعد ، ولكن روحه انحسرت بلا جدال . وما قيمة الرقعة إذا انحسرت الروح ؟ ، ولولا قوة كامنة في طبيعة هذا الدين وفيض عارم في طاقته الروحية لكانت أيام أميّة كفيلة بالقضاء عليه القضاء الأخير))( ). وسوف يتبدّد هذا الخرص والخبط الذي يدور في دوامته سيد قطب ، ستتبدد هذه الأوهام والمزاعم التي لا يسندها عقل ولا نقل حين يعلم القارئ أن عثمان والأمة وبني مروان أنفسهم ما كان يدور في خلدهم شيء من هذا الأوهام التي ملأت دماغ سيد قطب حول عثمان وبني أمية . فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال : أخبرني مروان بن الحكم قال : ((أصاب عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج وأوصى ، فدخل عليه رجلٌ من قريش قال : استخلف ، قال : وقالوه ؟ ، قال : نعم ، قال : ومَن ؟ ، فسكت ، فدخل عليه رجلٌ آخر ـ أحسبه الحارث ـ فقال : استخلف ، فقال عثمان : وقالوا ؟ ، فقال : نعم ، قال : ومن هو ؟ ، فسكت ، قال : فلعلهم قالوا إنه الزبير ؟ ، قال : نعم ، قال : أما والذي نفسي بيده إنه لخيرُهم ما علمت ، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . وروى من طريق أبي أسامة عن هشام أخبرني أبي : سمعت مروان بن الحكم : ((كنت عند عثمان أتاه رجل فقال : استخلف ، قال : نعم ، الزبير ، قال : أما والله إنكم لتعلمون أنه خيركم ثلاثـًا))( ). خليفة طاهر مؤمن ، ومجتمع طاهر مؤمن لا يدور في خلدهم حول الاستخلاف وغيره إلاّ ما كان يدور في عهد عمر ـ رضي الله عنه ـ من أهميّة الاستخلاف ، بل تجاوز الأمر ذلك إلى ترشيح رجل معيّن هو في نظرهم أفضل الصحابة الموجودين . فطابق ذلك ما في نفس الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ فيدلي بشهادته مؤكِّدًا صواب اختيارهم وترشيحهم . ومن يحثه على الاستخلاف وتنفيذ رغبة الأمة ؟ ، أنه مروان بن الحكم وأخوه . فأين التمكين لبني أمية ؟ ، وأين هي الدولة الأمويّة القائمة بالفعل ؟ . ولَمّا ثار أهل الفتنة على عثمان كان أشدّ المحرِّضين والمتآمرين وأقواهم هو محمد بن أبي حذيفة الأموي ، ولما استشهد عثمان تمّت البيعة في العالم الإسلامي إلا الشام لعلي بن أبي طالب الهاشمي لا الأموي . وقد عرضت على غيره كطلحة بن عبيد الله التيمي ، والزبير بن العوام الأسدي ، ولم تعرض على أحدٍ من بني أمية؛ فأين التمكين لبني أميّة . وهناك خبرٌ مضمونُه أن عثمان كتب العهد لعبد الرحمن بن عوف : قال ابن شبة( ): حدثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني ابن لهيعة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر ، عن أبيه ، عن جدِّه : أن عثمان ـ رضي الله عنه ـ اشتكى رعافـًا فدعى حمران فقال : اكتب لعبد الرحمن العهد من بعدي ، فكتب له ، فانطلق حمران فقال لي البشرى ؟ ، قال : لك البشرى وذاك ماذا ؟ ، قال : إن عثمان قد كتب لك العهد من بعدِه ، فأقبل عبد الرحمن إلى عثمان فقال : أكان يصلح لك أن تكتب لي العهد من بعدك؛ والله يعلم أني أخشى أن يحاسبني في أهلي ألاّ أكون أعدل بينهم فكيف بأمة محمد ؟! ، فقال عثمان ـ رضي الله عنه ـ : عزمتُ عليك أَحُمران أخبرك ؟ ، قال : نعم ، قال : يا حمران فأعاهد الله ألا تساكنني أبدًا ، فأخرجه ، وأما أنتَ يا أبا محمد فهل وليتني هذا الأمر يوم وليته وأنت تقدر على أن تصرف ذلك إلى نفسك أو توليه من بدا لك وفي القوم من هو أمسّ بك يومئذ رحمـًا مني إلا رجاء الصلة والإحسان فيما بيني وبينك ؟ ، فقال عبد الرحمن : وليتك ما وليتك والله يعلم أني قد اجتهدت ولم آلُ أن أجد خير عباده ، أما أنا فكان يعلم الله موضعي ما لم أكن لأليها ، وأما أنا فاجتهدت لأمة محمد فوليت أمرهم خيرهم ، فإذا سألني قلتُ : يا رب وليت أمرهم خيرهم ( فيما )أعلم ، قال عثمان : فاجتهدت أنت لنفسك وحرصت وأنا والله ما آلو أن أجتهد وأحرص في أفضل من أعلم والله لا أفتك هذا من رقبتك أبدًا . فلما رأى ذلك عبد الرحمن انصرف ، فقام بين المنبر والقبر فدعى فقال : اللهم إن كان من تولية عثمان إيَّاي ما ولاني فأمتني قبل عثمان ، فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى قبضه الله))( ). هذا إن ثبت فيحتمل أن عثمان ـ رضي الله عنه ـ عرض الأمرَ على الزبير فرفض أن يكون خليفة؛ لأنه كان يرفض الولايات من أيام عمر ، ثم ترجّح له أن يكتب لعبد الرحمن ويكتم ذلك عنه . وفي هذا الخبر ثناء عبد الرحمن على عثمان في آخر حياته ، وأنه خيرُ أصحاب محمد بعد أبي بكر وعمر ، وفيه ثناء عثمان على عبد الرحمن واعتقاده أنه أفضل من يعلم . وهذه النصوص من أعظم الشواهد أن الأمة في عهد عثمان لم تبعد عما كانت عليه في عهد عمر ، وأنهم خير القرون كما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنّ تصوّر حقيقة الحكم لا يزال كما هو في عهد عمر لم يتغيّر لا في أذهان الأمة ولا في ذهن عثمان ولا في ذهن أحدٍ من بني أمية ، ولا يقول بخلاف ذلك إلاّ أهل الأغراض والأحقاد من الروافض ومَن سار على دربهم من أهل الفتن .
اتهام عثمان بأن تصوره لحقيقة الحكم قد تغيّر وأنه يحمل قرابته على رقاب الناس
قال سيد قطب : ((هذا التصوّر لحقيقة الحكم قد تغيّر شيئـًا ما بدون شك على عهد عثمان ، ولقد كان من سوء الطالع : أن تدرك الخلافة عثمان وهو شيخٌ كبير ، ضعفت عزيمته عن عزائم الإسلام ، وضعفت إرادته عن الصمود لكيد مروان وكيد أمية من ورائه . فهم عثمان ـ يرحمه الله ـ أنّ كونه إمامـًا يمنحه حريّة التصرّف في مال المسلمين بالهبة والعطية؛ فكان رده في كثير من الأحيان على منتقديه في هذه السياسة : ((وإلاّ ففيم كنت إمامـًا ؟)) كما يمنحه حرية أن يحمل بني معيط وبني أمية ـ من قرابته ـ على رقاب الناس ، وفيهم الحكم طريد رسول الله لمجرّد أنّ من حقه أن يكرم أهله ويبرهم ويرعاهم))( ). أقول : هذا أسلوب إنسان أسلمَ نفسه للروايات الباطلة التي افتعلها الروافض وأعداء هذا الخليفة الراشد والشهيد المظلوم ، ولو زمّ سيد قطب نفسه بزمام تقوى الله ومراقبته وبزمام العدل والإنصاف وبزمام منهج أهل السنة والحق لما استطال هذه الاستطالة على هذا الخليفة المؤمن الراشد والشهيد المظلوم . أهكذا يكون الإنصاف والأدب والاحترام مع ذي النورين ومن يستحيي منه محمد رسول الله وملائكة الرحمن ؟!! . أيسكت سيد قطب على كفر غلاة الروافض والباطنية ولا تكفيه هذه المداهنات والمجاملات مع أعداء الله ولا يتّسعُ صدرُه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسكت كما رأى أهل السنة من السكوت عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحمل تصرّفات من أخطأَ منهم على الاجتهاد . هذا هو موقف أهل الحق فيمن هو دون عثمان الإمام البارّ الراشد وكل أصحاب رسول الله بار راشد . يقول سيد : ((هذا التصور لحقيقة الحكم قد تغيّر شيئـًا ما دون شك على عهد عثمان وإن بقي في سياج الإسلام)) . ثم يبيّن أسباب هذا التغيّر بقوله : 1 ـ ((لقد أدركت الخلافة عثمان وهو شيخٌ كبير)) أي : أنه كان خرفـًا ، وهذا الخرف يسهل انقياده للمتلاعبين به وبأمور الدولة والمسلمين . فلا ندري كيف رضيت الأمة كلها وأجمعت على اختيار هذا الشيخ الكبير ثم أسلمته إلى مروان فتلغب مروان هذا على الأمة كلها ومنهم عليّ بن أبي طالب ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف وسائر الأبطال الذين فتحوا الدنيا وأطاحوا بعروش القياصرة والأكاسرة في هذه الأمة التي يسيرها وخليفتها ويصرف شؤونها مروان وينحرف بها . 2 ـ وبأن من ورائه مروان بن الحكم يصرف الأمر بكثير من الانحراف)) . ومعنى هذا أن التصوّر لحقيقة الحكم عند عثمان لم يتغيّر شيئـًا ما ، وإنما تغيّر تغيّرًا كبيرًا تبعـًا لتصرّف مروان الكثير الانحراف . 3 ـ وبأن طبيعة عثمان كانت رخيّة فيسهل انقياده لمروان وغيره من المتلاعبين به . 4 ـ وبأن حدبه كان شديدًا على أهله ، أي : أنه رجلٌ عاطفيّ تقودُه العواطف العمياء إلى تحقيق مآربهم وطموحاتهم إلى الأموال والمناصب التي لا يستحقونها . وليس عند سيد شكّ في أن تصوّر عثمان لحقيقة الحكم قد تغيّر؛ فهو علي يقينٍ كامل بأن ذلك قد وقع ، فما هي البراهين القاطعة لديه ؟ . إنها روايات الروافض . أما مروان عنده فكأن الأمة قد سلَّمت بأنه مجرم أثيم ، فلا خلق له ولا دين؛ فلذا يجعل منه سُلّمـًا للطعن في الخليفة الراشد عثمان ، وكأنّ كل الناس سيغمضون أعينهم ويقولون له : صدقتَ وبررت . إن مروان هذا الذي يطعن فيه سيد لهذه الأهداف لا يحمل له المسلمون المنصفون هذه الصورة الشوهاء ، بل هو مسلم عدل ، يروي له أئمة الإسلام ، ويعتمدون أقواله في الفقه؛ وقد روى عنه عددٌ من الصحابة وخيار التابعين ، وروى له من الأئمة البخاري والباقون سوى مسلم ، واعتمد الإمام مالك على حديثِه ورأيه( ). وأما ما يتعلّق بالحكم : فالجواب ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرُه في دحض الأباطيل حوله : قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جوابه على الرافضي في زعمه أن عثمان آوى عمه الحكم بن أبي العاص كان من مسلمة الفتح وكانوا ألفي رجل ...)) إلى قوله : ((ولم تكن الطلقاء تسكن بالمدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان قد طرده فإنما طرده من مكة لا من المدينة ، ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة؛ وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه ، قالوا : هو ذهب باختياره . وقصة نفي الحكم ليست في الصحاح ، ولا لها إسناد يعرف به أمرها))( ). وقال أيضـًا بعدما سبق : ((وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه كما تقدّم ، وقالوا : هو ذهب باختياره ، والطرد هو النفي ...)) إلى أن قال : ((وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عزر رجلاً بالنفي لم يلزم أن يبقى منفيـًّا طول الزمان؛ فإن هذا لا يعرف في شيء من الذنوب ، ولم تأت الشريعة بذنب يبقى صاحبه منفيـًّا دائمـًا ، بل غاية النفي المقدر سنة ، وهو نفي الزاني والمخنّث حتى يتوب من التخنيث؛ فإن كان تعزير الحاكم للذنب حتى يتوب منه فإذا تاب سقطت العقوبة عنه ، وإن كانت على ذنب ماض فهو أمر اجتهادي لم يقدّر فيه قدر ولم يوقّت فيه وقت))( ). وقال رحمه الله أيضـًا : ((وقد رووا أن عثمان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يرده فأذن له في ذلك ، ونحن نعلم أن ذنبه دون ذنب عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وقصة عبد الله ثابتة معروفة بالإسناد الثابت ، وأما قصة الحكم فعامّة من ذكرها إنما ذكرها مرسَلة ، وقد ذكرها المؤرّخون الذين يكثر الكذب فيما يروونه ، وقلَّ أن يسلم لهم نقلهم من الزيادة والنقصان ، فلم يكن هنا نقل ثابت يوجب القدح فيمن هو دون عثمان))( ). وقال ـ أيضـًا ـ : ((والمعلوم من فضائل عثمان ، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم له ، وثنائه عليه ...)) إلى أن قال ـ: ((وأمثال ذلك مما يوجب العلم القطعي بأنه من كبار أولياء الله المتقين ـ رضي الله عنهم ورضوا عنه ـ ، فلا يدفع هذا بنقل لا يثبت إسنادُه ، ولا يعرف كيف وقع ، ويجعل لعثمان ذنب بأمر لا يعرف حقيقته ، بل مثل هذا مثل الذين يعارضون المحكم بالمتشابه؛ وهذا من فعل الذين في قلوبهم زيغ الذين يبتغون الفتنة . ولا ريب أن الرافضة من شرار الزائغين الذين يبتغون الفتنة الذين ذمهم الله ورسوله . وبالجملة : فنحن نعلم قطعـًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمر بنفي أحد دائمـًا ثم يرده عثمان معصيةً لله ورسوله ولا ينكر ذلك عليه المسلمون))( ). بل قد روى ابن جرير ـ رحمه الله ـ في نقله دحض عثمان لشبه أهل الفتن : ((... وقالوا : إني رددت الحكَم وقد سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحكم مكي ، سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف ، ثم رده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيره ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ردّه ، أكذلك ؟ ، قالوا : اللهم نعم))( ).
إظهار عثمان في صورة ظالم متجبِّر
قال سيد : ((منح عثمان من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مئتي ألف درهم ، فلما أصبح الصباح جاءه زيد بن أرقم خازن مال المسلمين وقد بدا في وجهه الحزن وترقرقت في عينيه الدموع ، فسأله أن يعفيه من عمله ، ولما علم منه السبب وعرف أنه عطيته لصهره من مال المسلمين قال مستغربـًا : (أتبكي يا ابن أرقم أن وصلتُ رحمي ؟) ، فرد الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف : (لا يا أمير المؤمنين ، ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضـًا عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لو أعطيته مائة درهم لكان كثيرًا ، فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيقُ ضميره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين ، وقال له : (ألق بالمفاتيح يا ابن أرقم فإنا سنجد غيرك) ))( ). انظر إلى هذا الرجل الذي يتقبل بكل لهف هذه المطاعن الفاجرة في رجلٍ من أعظم رجال الإسلام ومن أعظم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أمسِّ الناس به رحمـًا ، وممن بذل الكثيرَ والكثير لإعلاء كلمة الله ونصرة الله ورسوله ونصرة الإسلام؛ فلم يبق لهذا الرجل العظيم الخليفة الراشد في نفس سيد قطب ومشاعره أيّ رصيد من الاحترام وحسن الظنّ يكذّب به هذه المطاعن الفاجرة ويدفعها عن عرضه الكريم . أين مصدر هذا الإفك ؟! . لماذا لا يذكره سيد ليعرف المسلمون من أين يستقيه ؟! . أين أسانيدها ؟!! . وأين التحرِّي لأجل حماية عرض من أشرف الأعراض وأحقّها بالتحرِّي والحماية والاستماتة في الذبّ والدفع عنه ؟؟! . صدّق سيد قطب هذا الإفك واستروح إليه بدل أن يدفعَه أو يعتذر أو يتأوّل له إن كان قد خدع بهذا الكذب لم يتحرّك ضمير عثمان لحزن زيد بن أرقم ولم يهيّج مشاعره الإسلامية بكاؤه فيتذكّر ويعتبر ويرجع إلى الله في نظر سيد قطب . بل بلغ في قسوة القلب وبرودة المشاعر أن يستغرب هذا البكاء ويقول مغالطـًا : (أتبكي يا ابن أرقم أن وصلت رحمي) . قال سيد متفاعلاً مع هذا المشهد الذي تتفطّر له الأفئدة وقد بلغ منه كل مبلغ : ( فردّ الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف ) أي : أن عثمان قد فقد روح الإسلام المرهف . ( ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضـًا عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله ، والله لو أعطيته مائة درهم لكان كثيرًا ) فلم يُجد الحزن ولا البكاء ولا هذه الموعظة العظيمة التي تلين لها الصخور؛ لأن عثمان لم يبق في نفسه شيء يؤثّر فيه ، ويذكّره بالله أو يخاف به على عمله العظيم أن يحبط؛ لأنه فقد روح الإسلام المرهف في نظر سيد ، بل بدل أن يتعظ ويتذكّر أخذته العزّة بالإثم فغضب على الرجل الذي لا يطيقُ ضميرُه هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين وقال له : ( ألق بالمفاتيح يا ابن أرقم فإنا سنجد غيرك ) !! . كأن سيدًا يقول : يا للجبروت ويا للقسوة ويا للجرأة في عثمان ، هكذا يصدر هذا التصرف من هذا الشيخ الكبير الذي فقد روح الإسلام المرهف ونسي طبيعته الرخية فوصل إلى هذا الحد المرعب وسيبحث عن خازن جامد المشاعر فلا يستشعر روح الإسلام المرهف ويطيق ضميره الخرب هذه التوسعات في أموال المسلمين لأقارب عثمان !! . انظر إلى القصة تقول : إن عثمان لو كانت عطيته مائة درهم لكان كثيرًا . حاشا زيد بن أرقم أن يصل إلى هذه الدرجة من الشغب وهو يعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي بسخاء مما أثار بعض شباب الأنصار تارة وذا الخويصرة تارة أخرى ، وقد أعطى أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ بسخاء ولا شكّ أن ذلك كان يغيظ أمثال ذي الخويصرة . والله لو أعطى عثمان بسخاء لكان بارًّا راشدًا وما أظنّ زيد بن أرقم الصحابي الجليل يستنكر ذلك ولا غيره من الصحابة الأجلاّء غير أن تلاميذ ذي الخويصرة والروافض لا يزالون يحترقون إلى اليوم من خلافة عثمان نفسها فضلاً عن عطائه للمستحقين من الصحابة وغيرهم . وهناك قصة تبيّن أن هذه القصة التي تعلق بها سيد قطب قصة باطلة ، وهي ما رواه ابن شبة في ((أخبار المدينة))( ) : حدثنا محمد بن سلام( ) ، عن أبيه( )قال : قال عبد الله بن خالد لعبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : كلِّم أمير المؤمنين عثمان ـ رضي الله عنه ـ فإن لي عيالاً وعليَّ دَينـًا ، فقال : كلِّمه فإنك تجده برًّا وصولاً فكلمه فزوجه ابنته ، وأعطاه مائة ألف ، فولدت له عثمان بن عبد الله ، فكان لا يكلم إخوته كبرًا بعثمان . وروى الفاسي في ((العقد الثمين))( )هذه القصة من طريق الزبير بهذا الإسناد ، وفيها : ((كلم لي أمير المؤمنين فإنّ لي عيالاً ودَينـًا ، قال : كلمه ، فإنك ستجده برًّا واصلاً ...)) إلى آخر القصة . وفي هذه القصة ما يبيِّن زيف تلك القصة من جهات : الأولى : أن في هذه القصة أنّ العطاء كان مائة ألف ، وفي تلك مائتي ألف . والثانية : أن في تلك أن العطاء كان من عثمان لزوج ابنته الحارث بن الحكم ، أي : شقيق مروان . وهذا الحارث لم أجد له ذكرًا في كتب التراجم بعد بحثٍ في مصادر كثيرة ، وله ذكرٌ في بعض متون البخاري . والغرض من القصة بيان سيطرة بيت الحكَم على عثمان ، واندفاع عثمان في تحقيق مآربهم إلى أبعد الحدود التي لا ترضي الله ولا المسلمين . والثالثة : أن في القصة الثانية أن عبد الله بن خالد على قرابته من عثمان كان يشكو دَيْنـًا وعيالاً ، ومع ذلك ما كان يجرؤ أن يشكو لعثمان هذه الأعباء التي أثقلت كاهله؛ فذهب يبحث عن واسطة يكلّم له عثمان ـ رضي الله عنه ـ ، فشجّعه هذا الواسطة ـ وهو عبد الله بن عمر وكان أعرفَ بسجايا هذا الخليفة البار الراشد ـ فقال لابن خالد : كلمه فإنك ستجده برًّا واصلاً ، ولقد كلمه فوجده كذلك . الرابعة : أن تلك القصة تقول في أسلوب مثير : منح زوج ابنته ، أي : أنه أجزل له العطاء لأمرين لأنه ابن الحكم أخو مروان ، ولأنه زوج ابنته . وهذه القصة أن عبد الله بن خالد لما كلم عثمان تجاوب معه وقام ببره على أحسن الوجوه التي يحمد عليها وتذكر في محاسنه ـ رضي الله عنه ـ . فزوجه ابنته ووصله بما يعينه على زواجه وعلى تسديد دَينه وعلى نفقة عياله ، وذلك مائة ألف ، ولقد كان هذا القدْر قليلاً؛ لأن المال كان قد فاض في عهد عثمان إلى درجة عظيمة . الخامسة : أن ابن عمر كان يرى عثمان في تصرفاته بارًّا واصلاً وهو الذي لا يجامل ولا يحابي ولم تمل به الدنيا ولم يمل بها . وقد كان صديقـًا لعبد الله بن خالد هذا دهرًا طويلاً حتى مات في داره ، ولو كان ممن يستحل أموال المسلمين لما صادقه طوال حياته( ). السادسة : في القصة الواهية من التزيّد ونسبة الشغب إلى زيد بن أرقم ـ وحاشاه ـ ما قد عرفت . وفيها : عدم مبالاة عثمان بالتذكير وتصرفات لا تصدر إلا من شخص قد ضعف أو زال إيمانه { وإذا ذُكِّروا لا يَذكرون } . وأعاذ الله عثمان المؤمن الشهيد من ذلك . السابعة : أن القصة الثانية تفيد أنه أعطاه مائة ألف ولم تقل من بيت المال ، ودون إثبات أنها من بيت المال خرط القتاد ، لا سيما وعثمان كان جوادًا سخيـًّا معطاءً بارًّا وصولاً فلا يتكامل برّه ووصله إلاّ إذا كان عطاؤه من صلب ماله ، ولا يَستكثرُ عليه ذلك إلا حاقد مغرِض .
لكاتبة الأخ / الغريب النجدي
