نادر صباغ
المصدر : موقع الوحدة الإسلامية
فجأة صرت غريبا على الجميع. اقرب الناس إلي، اهلي، رفاقي، اصحابي، الجيران، عملي، الاشياء، حتى على نفسي في بعض الاحيان.
لم يلحظوا التغيير إلا فجأة، لا اعرف لماذا حتى الآن. هل كان تكتمي بعض الشيء هو السبب، ام هي “اللحية” التي اعتدت على تربيتها في “الجاهلية” فلم تثر الشكوك حين طالت قليلا.
لا اعرف حتى الآن ما الذي أطال الكشف عن هويتي الجديدة، الاسلامية. ما عرفته هو انني انكشفت للجميع فجأة ودفعة واحدة. وكان علي ان ارد على الاستفسارات والاسئلة.
الكثيرون ممن عرفني لم يصدقني في البداية، وبعضهم لا يزال الى الآن.
حتى اولئك الذين رأوني وأنا اؤذن مرة على مئذنة المسجد ظلوا يعتقدون انها احدى “فناتي” التي سأعود “طبيعيا” من بعدها.
“فالزلمي متعلم وبيفهم، ولا يمكن ان يصبح اسلاميا، يريد ان يجرب شيئا جديدا، سيزهق بعدها ويعود عاديا، هذه طبيعته، نحن نعرفه”، كثيرا ما سمعت مثل هذه العبارات تتردد بين كل من ظن انه يعرفني. حتى إن احدى “صاحباتي” السابقات اكدت عند إعلامها “بإسلاميتي” ان الله لن يغفر لي ذنوبي حتى ولو “دقت” ذقني بالارض جراء ما قمت به في الماضي.
من الصعب ان يتقبلك من عرفك بالسابق “إسلاميا” عن جد، وانت خريج احدى الجامعات الاميركية، ولا تزال تضع “الجل” على شعرك وتتابع سباقات “الفورمولا واحد”، او تسمع أغاني مرسيل خليفة.
إذا كنت “اسلاميا” كما يسمونها فيجب ان تكون إما مع هؤلاء، او محسوبا على هؤلاء او هؤلاء، ولن يقنعهم إنكارك التبعية لأحد. لا بد وأن هناك شيئا تخفيه.
كيف يكون “الاسلامي عن جد”؟ لم اعرف. ماذا يعني ان تكون اسلاميا وأن تكون مسلما؟ لا اعرف الفرق الى الآن.
عزائي الوحيد في كل هذا المحيط الصاخب والمتسائل من حولي عن التغيير الذي هبط علي من المريخ كما يعتقدون، كان إيماني الراسخ بما تعلمته عن النبي الذي قال كما أُخبرت “جاء الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون اذا افسد الناس”.
وكنت سعيدا بأن اكون من هؤلاء “الغرباء”.
الطريق بين المرتل في “كورس الميلاد” لمدرسة الفنون الانجيلية، والمؤذن صاحب الصوت “الشنيع” كما يصفه جيران المسجد طويل وغريب، لا سيما انه يمر بواحدة من اكثر الجامعات اللبنانية “تحررا” كما يرونها، “وفسقا” كما أراها الآن. لكنني قطعته بسلاسة واقتناع بكل مرحلة منه، لأختار ما اتمنى ان اموت عليه. الإسلام.
منذ المدرسة استهواني وأنا بعدُ ذلك التلميذ الممتلئ بالاسئلة عن الخالق والوجود، والمجتمع والحضارات والروح والجسد وما بعد الموت، ما عرفته عن الفيلسوف “الغزالي”.
طواف زاد عن تسع سنوات في المدائن والبلاد ترك خلاله كل شيء بحثا عن نفسه، وعاد وقد وجدها. سحرتني فكرة ذلك العالم العربي الذي دحض فلاسفة عصره، مع اني لم اعرف عنه الكثير. وبقيت هذه الحادثة حاضرة دوماً في مخيلتي.
اردت ان اقوم بالمثل، لكنني لم استطع. عجزت لضعفي ولاعتبارات كثيرة ان اترك كل شيء وأبحث عن نفسي وعن اجوبة عن اسئلتي. فلم أنزوِ وحيداً في كوخ بعيد لأتأمل كما كنت مخططاً ان اعمل بعد انتهاء دراستي الجامعية.
اردت ان اسأل وأستوضح، لكني لم اعرف من اسأل وماذا اسأل. اردت ان اعرف كل شيء، كل شيء بسهولة او بعناء، لا يهم،المهم ان اعرف، وأن اقتنع بما عرفت.
لا ادعي اني تعمقت في الافكار والعقائد والتيارات التي صادفتها او سمعت عنها حتى تكوين هويتي الحالية. لكني قرأت عن البعض واطلعت على البعض الآخر خاصة تلك التي كانت متاحة امام طالب جامعي يبحث عن “الانتماء” و”الاجوبة” وهو بعد “صفحة بيضاء”.
لم تستهوني اي من تلك الافكار بكليتها. احببت نقاء النفس والزهد في البوذية، والعدالة والمساواة في الاشتراكية، والشعور بالعروبة في القومية، ومبدأ القوة العسكرية في الفاشية، و”الانسان الخارق” في النازية، حتى إنني وضعت صورة لهتلر مرة فوق مكتبي.
ومع كل هذا لم اجد نفسي في اي منها بشكل كلي. دائما كان هناك شيء ناقص. وبقيت تائهاً، وتنامت عندي فكرة ضرورة التغيير. تغيير كل شيء والثورة على كل شيء.
دفعتني احدى “شطحاتي” مرة الى السعي لتأليف حزب سياسي خاص بمعتقداتي. أقنعت اثنين من اصحابي (كانا فقط من استجاب لدعوتي) باعتبار “ان كل ما هو قائم اثبت فشله او ينقصه شيء، وبالتالي علينا الإتيان بجديد يستقطب الناس جميعا”، هذا ما قلته واقتنعا به.
بدأنا الاجتماعات “الحزبية” في السيارة تحت المطر، في البيت، في الشارع، بحثنا في التسمية وفي الشعار “فقط”، ولم نتفق عليهما حتى، ورويدا لم نعد نحن الثلاثة نلتقي إلا للعب الورق. فالمسألة بدت اصعب مما تخيلت، ولم أكن قادرا، برغم حماستي المفرطة للموضوع، على التصفيق وحيدا.
حتى الثالثة والعشرين من عمري لم اكن قد دخلت مسجدا، إلا خلال رحلتين سياحيتين. حتى إن والدي الذي اعتاد صلاة يوم الجمعة “فقط” لم يكلف نفسه يوما إيقاظ ابنه الاصغر لمرافقته الى الجامع.
لم يكن الدين للأسف اولوية في عائلتي، وهو حال عشرات ألوف العائلات المسلمة في هذه الأمة. فأن تكون متعلما وصاحب مهنة محترمة اهم من ان تخلد إما في النار او في الجنة.
دخلت الإسلام من أغرب ابوابه. لم تستقطبني الخطب الرنانة، ولم ألتق يوما بمن دعاني الى الدين الحنيف وجادلني بالمعروف. ولم تستهوني المناظرات التلفزيونية او الكتب الدينية، بل على العكس كانت هيئة المشايخ تثير في نفسي النفور لما راكمته عنهم جراء ثقافة شعبية عامة تأثرت بها دون ان اشعر.
دخلت الإسلام بسبب “مكيف”، نعم هكذا قادني الله إليه.
كنت في الرابعة عشرة من عمري حين تعلمت الصلاة من كتاب وجدته يوما في مكتبة البيت. صليت اسبوعين دون توجيه من احد، ثم تركت الصلاة، فالأمر بدا مملا ومتعبا، والآخرة بعيدة.
لا اعرف لماذا او كيف احسست في يوم صيفي حار بأنني اسمع أذان المسجد القريب من مكان تجمعي وأصدقائي وكأنه للمرة الاولى. مع ان المسجد في مكانه منذ ان وعيت على الدنيا، وأنا أشرب “الريد لايبل” بالقرب من بابه منذ سنوات دون ان ألقي له بالاً.
شعرت بأنني اريد ان اصلي. ترددت كثيرا، لكني توجهت في النهاية إليه. كنت خائفا. نسيت كيف يصلون ولم اتجرأ على سؤال احد. صليت وحدي مرددا ما بقي عالقا في ذاكرتي منذ تسع سنوات إذ كانت اول مرة وآخر مرة صليت فيها. صليت بسرعة وانصرفت.
لم اعرف حتى اليوم الثاني من احد الذين رأوني في المسجد وصادفتهم في احد المحال انه كان علي انتظار اجتماع المصلين لتأدية صلاة “الجماعة” التي يزيد أجرها عن الصلاة المنفردة.
صلاة جماعة، انتظار الإمام، الاجر والثواب، مفردات كانت غريبة علي. على كل حال خاطر ومضى، صليت مرة لأنني شعرت بذلك وانتهى الامر عند هذا الحد. هذا ما ظننته.
مسجد جديد يفتتح في “حينا”. والجديد اضافة الى الافتتاح انه كان “مكيفا”. أمر لم يكن شائعا في حينه، فقصدته يوما هربا من حر آب بانتظار تجمع الاصحاب.
لم يكن الوقت وقت صلاة، ولم ادخله للتعبد، ومع ذلك كان هناك في زاوية من زوايا المسجد الصغير شيخ يتحدث لعدد قليل من المستمعين. ما سمعته من كلامه نبهني فجأة، ولعله الموضوع في ذلك اليوم عن البراهين العقلية لوجود الله هو الذي شدني، ودفعني الى سحب كرسي أبيض صغير والانضمام الى الحلقة من حوله. فكثيرا ما ارهق هذا السؤال كاهلي.
استمعت لكني لم اكتف من لقاء واحد، فعدت في اليوم الثاني من تلقاء نفسي، وتردد هذا الامر لأيام عديدة متتالية، استمعت خلالها الى الكثير من الشروحات والتفسيرات عن رؤية الاسلام لمختلف أوجه الحياة.
ويوما قررت المبادرة، وطرح الاسئلة التي كنت اريد الاستفسار عنها، لكنني اردت ان اكون مع “شيخي” وحدنا، وكان ما أردته في ذلك المجلس الذي غيّر حياتي.
كان قريبا من سني، وكان يجيب عن كل شيء بيسر ووضوح. أصبحنا بسرعة صديقين، أحدهما يعلم والآخر يريد ان يتعلم. وتطور الأمر وحده ووجدت نفسي أخيرا واحدا من المجموعة التي اقتنعت بطرحها الشامل.
لم يلحظ احد الساعات الطويلة التي قضيتها سائلا ومستفسرا حتى ادق التفاصيل. امنت لي خدمة العلم التي تزامنت مع تلك الفترة التغطية المناسبة. كنت بعيدا عن الرفاق، وكنت متوقفا عن العمل ولديّ الكثير من وقت الفراغ. ولم يجرؤ احد على الاستفسار عن الفترات التي أتغيب فيها عن الجميع.
سمعت ما يقوله الاسلام في الكثير من الامور. جادلت، ناقشت، واقتنعت. دائما كان الجواب حاضرا لكل شيء، ليس بسطحية او تسليم كما كنت اتوقع ولكن بالحجة والبرهان.
رأيت الاسلام كاملا شاملا، لم يترك شيئا إلا وتطرق إليه، من دخول الانسان الحمام حتى قيام الخلافة.
انصهرت بالطرح دينيا، دنيويا، سياسيا، انسانيا، عقائديا، على كل الصعد. وبدا الامر اهون بكثير مما قد يتصوره البعض، شرط ان يتوافر “المعلم” المناسب، وقد كان ذلك لي.
لا يحتاج الامر الى فلسفة وتحليل، وليس لتراجع دور الاحزاب وضعف الحياة السياسية اي دخل في الموضوع. آمنت بوجود خالق، فكيف لي ان اترك كلامه لأتبع تجارب فكرية صادرة عن مخلوق مهما بلغت درجة عبقريته. افلا يدري الذي خلق بما خلقه؟ طبعا هو ادرى بخلقه، حينها سلمت للاسلام.
وفجأة انكشفت القضية، وعرف الجميع بإسلاميتي وكأنها تهمة عليّ تبريرها دوماً. وتفاوتت ردود الفعل.
ليس هناك من مشكلة ان اعود الى البيت مطلع الفجر، نصف سكران، فهذا امر طبيعي لشاب في مثل سني في بلد كلبنان، لكن المشكلة عند كثيرين ان اتردد على مسجد وأصلي فيه. “شو انهبلت؟”، “ليش عم بيصير معك هيك، هل تعاني من مشكلة؟”، “هل انت مريض؟” كثيرا ما سمعتها، وكأنه بات عليك ان تكون مخبولا او ايامك معدودة في هذه الدنيا لكي تقدم على الصلاة.
اصولية ان تعتمر “قلنسوة”، ومدنية ان تعتمر قبعة “بايسبول” لأحد فرق كرة السلة الاميركية. رجعية ان تستشهد بكلام للرسول في حادثة ما، وثقافة ان تردد قولاً لماركس، وسعة اطلاع إذا كان لهيغل.
لن أنسى الشهقة التي شهقتها إحدى زميلاتي حين اخبرتها عند عودتي الى عملي بعد انقطاع سنة كاملة عن الشغل اني لا اصافح امرأة باليد، “معقولة صرت هيك؟”.
نعم صرت هكذا “اسلاميا” كما يسمونني وأتمنى ان اكون كذلك بحق. ويبقى عزائي انه “طوبى للغرباء الذين يصحون إذا افسد الناس”، وأتمنى ان اكون منهم، غريبا
المصدر : موقع الوحدة الإسلامية
فجأة صرت غريبا على الجميع. اقرب الناس إلي، اهلي، رفاقي، اصحابي، الجيران، عملي، الاشياء، حتى على نفسي في بعض الاحيان.
لم يلحظوا التغيير إلا فجأة، لا اعرف لماذا حتى الآن. هل كان تكتمي بعض الشيء هو السبب، ام هي “اللحية” التي اعتدت على تربيتها في “الجاهلية” فلم تثر الشكوك حين طالت قليلا.
لا اعرف حتى الآن ما الذي أطال الكشف عن هويتي الجديدة، الاسلامية. ما عرفته هو انني انكشفت للجميع فجأة ودفعة واحدة. وكان علي ان ارد على الاستفسارات والاسئلة.
الكثيرون ممن عرفني لم يصدقني في البداية، وبعضهم لا يزال الى الآن.
حتى اولئك الذين رأوني وأنا اؤذن مرة على مئذنة المسجد ظلوا يعتقدون انها احدى “فناتي” التي سأعود “طبيعيا” من بعدها.
“فالزلمي متعلم وبيفهم، ولا يمكن ان يصبح اسلاميا، يريد ان يجرب شيئا جديدا، سيزهق بعدها ويعود عاديا، هذه طبيعته، نحن نعرفه”، كثيرا ما سمعت مثل هذه العبارات تتردد بين كل من ظن انه يعرفني. حتى إن احدى “صاحباتي” السابقات اكدت عند إعلامها “بإسلاميتي” ان الله لن يغفر لي ذنوبي حتى ولو “دقت” ذقني بالارض جراء ما قمت به في الماضي.
من الصعب ان يتقبلك من عرفك بالسابق “إسلاميا” عن جد، وانت خريج احدى الجامعات الاميركية، ولا تزال تضع “الجل” على شعرك وتتابع سباقات “الفورمولا واحد”، او تسمع أغاني مرسيل خليفة.
إذا كنت “اسلاميا” كما يسمونها فيجب ان تكون إما مع هؤلاء، او محسوبا على هؤلاء او هؤلاء، ولن يقنعهم إنكارك التبعية لأحد. لا بد وأن هناك شيئا تخفيه.
كيف يكون “الاسلامي عن جد”؟ لم اعرف. ماذا يعني ان تكون اسلاميا وأن تكون مسلما؟ لا اعرف الفرق الى الآن.
عزائي الوحيد في كل هذا المحيط الصاخب والمتسائل من حولي عن التغيير الذي هبط علي من المريخ كما يعتقدون، كان إيماني الراسخ بما تعلمته عن النبي الذي قال كما أُخبرت “جاء الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون اذا افسد الناس”.
وكنت سعيدا بأن اكون من هؤلاء “الغرباء”.
الطريق بين المرتل في “كورس الميلاد” لمدرسة الفنون الانجيلية، والمؤذن صاحب الصوت “الشنيع” كما يصفه جيران المسجد طويل وغريب، لا سيما انه يمر بواحدة من اكثر الجامعات اللبنانية “تحررا” كما يرونها، “وفسقا” كما أراها الآن. لكنني قطعته بسلاسة واقتناع بكل مرحلة منه، لأختار ما اتمنى ان اموت عليه. الإسلام.
منذ المدرسة استهواني وأنا بعدُ ذلك التلميذ الممتلئ بالاسئلة عن الخالق والوجود، والمجتمع والحضارات والروح والجسد وما بعد الموت، ما عرفته عن الفيلسوف “الغزالي”.
طواف زاد عن تسع سنوات في المدائن والبلاد ترك خلاله كل شيء بحثا عن نفسه، وعاد وقد وجدها. سحرتني فكرة ذلك العالم العربي الذي دحض فلاسفة عصره، مع اني لم اعرف عنه الكثير. وبقيت هذه الحادثة حاضرة دوماً في مخيلتي.
اردت ان اقوم بالمثل، لكنني لم استطع. عجزت لضعفي ولاعتبارات كثيرة ان اترك كل شيء وأبحث عن نفسي وعن اجوبة عن اسئلتي. فلم أنزوِ وحيداً في كوخ بعيد لأتأمل كما كنت مخططاً ان اعمل بعد انتهاء دراستي الجامعية.
اردت ان اسأل وأستوضح، لكني لم اعرف من اسأل وماذا اسأل. اردت ان اعرف كل شيء، كل شيء بسهولة او بعناء، لا يهم،المهم ان اعرف، وأن اقتنع بما عرفت.
لا ادعي اني تعمقت في الافكار والعقائد والتيارات التي صادفتها او سمعت عنها حتى تكوين هويتي الحالية. لكني قرأت عن البعض واطلعت على البعض الآخر خاصة تلك التي كانت متاحة امام طالب جامعي يبحث عن “الانتماء” و”الاجوبة” وهو بعد “صفحة بيضاء”.
لم تستهوني اي من تلك الافكار بكليتها. احببت نقاء النفس والزهد في البوذية، والعدالة والمساواة في الاشتراكية، والشعور بالعروبة في القومية، ومبدأ القوة العسكرية في الفاشية، و”الانسان الخارق” في النازية، حتى إنني وضعت صورة لهتلر مرة فوق مكتبي.
ومع كل هذا لم اجد نفسي في اي منها بشكل كلي. دائما كان هناك شيء ناقص. وبقيت تائهاً، وتنامت عندي فكرة ضرورة التغيير. تغيير كل شيء والثورة على كل شيء.
دفعتني احدى “شطحاتي” مرة الى السعي لتأليف حزب سياسي خاص بمعتقداتي. أقنعت اثنين من اصحابي (كانا فقط من استجاب لدعوتي) باعتبار “ان كل ما هو قائم اثبت فشله او ينقصه شيء، وبالتالي علينا الإتيان بجديد يستقطب الناس جميعا”، هذا ما قلته واقتنعا به.
بدأنا الاجتماعات “الحزبية” في السيارة تحت المطر، في البيت، في الشارع، بحثنا في التسمية وفي الشعار “فقط”، ولم نتفق عليهما حتى، ورويدا لم نعد نحن الثلاثة نلتقي إلا للعب الورق. فالمسألة بدت اصعب مما تخيلت، ولم أكن قادرا، برغم حماستي المفرطة للموضوع، على التصفيق وحيدا.
حتى الثالثة والعشرين من عمري لم اكن قد دخلت مسجدا، إلا خلال رحلتين سياحيتين. حتى إن والدي الذي اعتاد صلاة يوم الجمعة “فقط” لم يكلف نفسه يوما إيقاظ ابنه الاصغر لمرافقته الى الجامع.
لم يكن الدين للأسف اولوية في عائلتي، وهو حال عشرات ألوف العائلات المسلمة في هذه الأمة. فأن تكون متعلما وصاحب مهنة محترمة اهم من ان تخلد إما في النار او في الجنة.
دخلت الإسلام من أغرب ابوابه. لم تستقطبني الخطب الرنانة، ولم ألتق يوما بمن دعاني الى الدين الحنيف وجادلني بالمعروف. ولم تستهوني المناظرات التلفزيونية او الكتب الدينية، بل على العكس كانت هيئة المشايخ تثير في نفسي النفور لما راكمته عنهم جراء ثقافة شعبية عامة تأثرت بها دون ان اشعر.
دخلت الإسلام بسبب “مكيف”، نعم هكذا قادني الله إليه.
كنت في الرابعة عشرة من عمري حين تعلمت الصلاة من كتاب وجدته يوما في مكتبة البيت. صليت اسبوعين دون توجيه من احد، ثم تركت الصلاة، فالأمر بدا مملا ومتعبا، والآخرة بعيدة.
لا اعرف لماذا او كيف احسست في يوم صيفي حار بأنني اسمع أذان المسجد القريب من مكان تجمعي وأصدقائي وكأنه للمرة الاولى. مع ان المسجد في مكانه منذ ان وعيت على الدنيا، وأنا أشرب “الريد لايبل” بالقرب من بابه منذ سنوات دون ان ألقي له بالاً.
شعرت بأنني اريد ان اصلي. ترددت كثيرا، لكني توجهت في النهاية إليه. كنت خائفا. نسيت كيف يصلون ولم اتجرأ على سؤال احد. صليت وحدي مرددا ما بقي عالقا في ذاكرتي منذ تسع سنوات إذ كانت اول مرة وآخر مرة صليت فيها. صليت بسرعة وانصرفت.
لم اعرف حتى اليوم الثاني من احد الذين رأوني في المسجد وصادفتهم في احد المحال انه كان علي انتظار اجتماع المصلين لتأدية صلاة “الجماعة” التي يزيد أجرها عن الصلاة المنفردة.
صلاة جماعة، انتظار الإمام، الاجر والثواب، مفردات كانت غريبة علي. على كل حال خاطر ومضى، صليت مرة لأنني شعرت بذلك وانتهى الامر عند هذا الحد. هذا ما ظننته.
مسجد جديد يفتتح في “حينا”. والجديد اضافة الى الافتتاح انه كان “مكيفا”. أمر لم يكن شائعا في حينه، فقصدته يوما هربا من حر آب بانتظار تجمع الاصحاب.
لم يكن الوقت وقت صلاة، ولم ادخله للتعبد، ومع ذلك كان هناك في زاوية من زوايا المسجد الصغير شيخ يتحدث لعدد قليل من المستمعين. ما سمعته من كلامه نبهني فجأة، ولعله الموضوع في ذلك اليوم عن البراهين العقلية لوجود الله هو الذي شدني، ودفعني الى سحب كرسي أبيض صغير والانضمام الى الحلقة من حوله. فكثيرا ما ارهق هذا السؤال كاهلي.
استمعت لكني لم اكتف من لقاء واحد، فعدت في اليوم الثاني من تلقاء نفسي، وتردد هذا الامر لأيام عديدة متتالية، استمعت خلالها الى الكثير من الشروحات والتفسيرات عن رؤية الاسلام لمختلف أوجه الحياة.
ويوما قررت المبادرة، وطرح الاسئلة التي كنت اريد الاستفسار عنها، لكنني اردت ان اكون مع “شيخي” وحدنا، وكان ما أردته في ذلك المجلس الذي غيّر حياتي.
كان قريبا من سني، وكان يجيب عن كل شيء بيسر ووضوح. أصبحنا بسرعة صديقين، أحدهما يعلم والآخر يريد ان يتعلم. وتطور الأمر وحده ووجدت نفسي أخيرا واحدا من المجموعة التي اقتنعت بطرحها الشامل.
لم يلحظ احد الساعات الطويلة التي قضيتها سائلا ومستفسرا حتى ادق التفاصيل. امنت لي خدمة العلم التي تزامنت مع تلك الفترة التغطية المناسبة. كنت بعيدا عن الرفاق، وكنت متوقفا عن العمل ولديّ الكثير من وقت الفراغ. ولم يجرؤ احد على الاستفسار عن الفترات التي أتغيب فيها عن الجميع.
سمعت ما يقوله الاسلام في الكثير من الامور. جادلت، ناقشت، واقتنعت. دائما كان الجواب حاضرا لكل شيء، ليس بسطحية او تسليم كما كنت اتوقع ولكن بالحجة والبرهان.
رأيت الاسلام كاملا شاملا، لم يترك شيئا إلا وتطرق إليه، من دخول الانسان الحمام حتى قيام الخلافة.
انصهرت بالطرح دينيا، دنيويا، سياسيا، انسانيا، عقائديا، على كل الصعد. وبدا الامر اهون بكثير مما قد يتصوره البعض، شرط ان يتوافر “المعلم” المناسب، وقد كان ذلك لي.
لا يحتاج الامر الى فلسفة وتحليل، وليس لتراجع دور الاحزاب وضعف الحياة السياسية اي دخل في الموضوع. آمنت بوجود خالق، فكيف لي ان اترك كلامه لأتبع تجارب فكرية صادرة عن مخلوق مهما بلغت درجة عبقريته. افلا يدري الذي خلق بما خلقه؟ طبعا هو ادرى بخلقه، حينها سلمت للاسلام.
وفجأة انكشفت القضية، وعرف الجميع بإسلاميتي وكأنها تهمة عليّ تبريرها دوماً. وتفاوتت ردود الفعل.
ليس هناك من مشكلة ان اعود الى البيت مطلع الفجر، نصف سكران، فهذا امر طبيعي لشاب في مثل سني في بلد كلبنان، لكن المشكلة عند كثيرين ان اتردد على مسجد وأصلي فيه. “شو انهبلت؟”، “ليش عم بيصير معك هيك، هل تعاني من مشكلة؟”، “هل انت مريض؟” كثيرا ما سمعتها، وكأنه بات عليك ان تكون مخبولا او ايامك معدودة في هذه الدنيا لكي تقدم على الصلاة.
اصولية ان تعتمر “قلنسوة”، ومدنية ان تعتمر قبعة “بايسبول” لأحد فرق كرة السلة الاميركية. رجعية ان تستشهد بكلام للرسول في حادثة ما، وثقافة ان تردد قولاً لماركس، وسعة اطلاع إذا كان لهيغل.
لن أنسى الشهقة التي شهقتها إحدى زميلاتي حين اخبرتها عند عودتي الى عملي بعد انقطاع سنة كاملة عن الشغل اني لا اصافح امرأة باليد، “معقولة صرت هيك؟”.
نعم صرت هكذا “اسلاميا” كما يسمونني وأتمنى ان اكون كذلك بحق. ويبقى عزائي انه “طوبى للغرباء الذين يصحون إذا افسد الناس”، وأتمنى ان اكون منهم، غريبا







تعليق