بسم الله الرحمن الرحيم
قواعد الإعتدالِ لمَنْ أرادَ تقويمَ الجماعاتِ والرجال
لـ "عقيل بن محمد بن زيد المقطري"
تمهيد
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين وصحابته الراشدين ومن سلك مسلكهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين ، أما بعد :
فيقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [ المائدة : 8 ]
فهذه الآية الكريمة تُعدّ قاعدة في الجرح والتعديل ، إذ فيها المنهج القويم الذي يجعل العدل لازماً من لوازم الإيمان ، وهذا المنهج الدقيق الذي يمثل جميع صور القسط والعدل مع البعيد والقريب ، وينهى عن كل صور الجور والظلم مع القريب والبعيد والصديق والعدو 0
قال الحافظ بن كثير في تفسيره عند الآية السابقة : ( قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ } أي كونوا قوّامين بالحق لله عز وجل لا لأجل الناس والسمعة وكونوا { شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ }أي بالعدل لا بالجور ، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال : ( نحلني أبي نحلاً فقالت أمي عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءه ليشهده علي صدقتي فقال ( أكل ولدك نحلت مثله ؟ ) قال لا ، فقال ( اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ) وقال : إني لا أشهد على جور قال : فرجع أبي فردّ تلك الصدقة )
وقوله تعالى { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا } أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل في كل أحد صديقاً كان أو عدواً ولهذا قال : { اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } أي عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه كما في نظائره من القرآن وغيره كما في قوله { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم )
وقوله { هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء كما قوله تعالى { أصحاب الجنة يومئِذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً } وكقول بعض الصحابيات لعمر : أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم 0
ثم قال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) أي وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها إن خيراً فخير وأن شراً فشر ) 0 اهـ . المراد
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الاستقامة – ج2 ص 247 - :
( وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم ، ولهذا قيل : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة0
ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام 0
وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أُقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الدين من خلاق ، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة )0 اهـ0
ونحن في زمن قَلَّ فيه العدل والإنصاف ، لذلك فالحاجة ماسة إلى أن تكون عندنا قواعد عامة في الحكم على الآخرين من أجل أن يكون هذا الحكم بعلم وعدل وإنصاف ؛ ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في – منهاج السنة النبوية - :
( ......... لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت ، وإلا يبقى في جهل وكذب في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم ) 0 اهـ 0
فمنهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب فيه العدل والإنصاف فيحتاج إلى أن يُبَيَّن للناس – { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } – نظراً لكثرة من يتكلم في زماننا هذا جَرْحاً وتعديلاً ونقداً وتقويماً من دون مراجعة هذا المنهج ، فأدى بذلك إلى جرح الآخرين – وخاصة العلماء وطلبة العلم – بدون جارح ، وإلى التكلم في أعراضهم ، وأعراض المؤمنين محرمة ولحوم العلماء مسمومة 0
ولقد ترتب على ذلك الانحراف عن منهج السلف آثار سيئة من غمط الناس واغتيابهم وفشو الفرقة والبغضاء 0000 إلخ 0 وواقعنا أكبر دليل على هذا 0
ولهذا قبل أن يتكلم الإنسان بكلمة لا بد من مراقبة الله تبارك وتعالى ، وليعلم أن كل لفظ يلفظه بلسانه مسجل عليه ومجزي به إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، قال سبحانه { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }
وعلى كل فرد منا قبل أن يتكلم في أي قضية ما : أن يحيط بها من جميع جوانبها ، وأن يتثبت كل التثبت امتثالاً لقول الله عز وجل : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }
ولهذا فأكثر الناس يكبون في جهنم على مناخرهم بسبب ألسنتهم التي لا تتورع 0
ففي الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى اله عليه وآله وسلم قال له : ( ... كُفَّ عليك هذا ) – وأشار إلى لسانه – فقال معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم : وهل نحن مؤآخذون بما نتكلم به يا رسول الله ؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : ( ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس على وجوههم في النار – أو قال على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم ) 0
وفي حديث آخر قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة ) 0
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه ( الجواب الكافي ) :
( .... ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه ) (
,صدق رحمه الله فكم من الناس من هو بهذه المثابة 0
والواجب على كل إنسان منا قبل أن يصدر أي حكم في فرد أو جماعة لا بد من تذكر بعض الأمور :
قواعد الإعتدالِ لمَنْ أرادَ تقويمَ الجماعاتِ والرجال
لـ "عقيل بن محمد بن زيد المقطري"
تمهيد
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين وصحابته الراشدين ومن سلك مسلكهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين ، أما بعد :
فيقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [ المائدة : 8 ]
فهذه الآية الكريمة تُعدّ قاعدة في الجرح والتعديل ، إذ فيها المنهج القويم الذي يجعل العدل لازماً من لوازم الإيمان ، وهذا المنهج الدقيق الذي يمثل جميع صور القسط والعدل مع البعيد والقريب ، وينهى عن كل صور الجور والظلم مع القريب والبعيد والصديق والعدو 0
قال الحافظ بن كثير في تفسيره عند الآية السابقة : ( قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ } أي كونوا قوّامين بالحق لله عز وجل لا لأجل الناس والسمعة وكونوا { شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ }أي بالعدل لا بالجور ، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال : ( نحلني أبي نحلاً فقالت أمي عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءه ليشهده علي صدقتي فقال ( أكل ولدك نحلت مثله ؟ ) قال لا ، فقال ( اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ) وقال : إني لا أشهد على جور قال : فرجع أبي فردّ تلك الصدقة )
وقوله تعالى { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا } أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل في كل أحد صديقاً كان أو عدواً ولهذا قال : { اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } أي عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه كما في نظائره من القرآن وغيره كما في قوله { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم )
وقوله { هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء كما قوله تعالى { أصحاب الجنة يومئِذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً } وكقول بعض الصحابيات لعمر : أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم 0
ثم قال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) أي وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها إن خيراً فخير وأن شراً فشر ) 0 اهـ . المراد
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الاستقامة – ج2 ص 247 - :
( وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم ، ولهذا قيل : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة0
ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام 0
وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أُقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الدين من خلاق ، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة )0 اهـ0
ونحن في زمن قَلَّ فيه العدل والإنصاف ، لذلك فالحاجة ماسة إلى أن تكون عندنا قواعد عامة في الحكم على الآخرين من أجل أن يكون هذا الحكم بعلم وعدل وإنصاف ؛ ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في – منهاج السنة النبوية - :
( ......... لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت ، وإلا يبقى في جهل وكذب في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم ) 0 اهـ 0
فمنهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب فيه العدل والإنصاف فيحتاج إلى أن يُبَيَّن للناس – { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } – نظراً لكثرة من يتكلم في زماننا هذا جَرْحاً وتعديلاً ونقداً وتقويماً من دون مراجعة هذا المنهج ، فأدى بذلك إلى جرح الآخرين – وخاصة العلماء وطلبة العلم – بدون جارح ، وإلى التكلم في أعراضهم ، وأعراض المؤمنين محرمة ولحوم العلماء مسمومة 0
ولقد ترتب على ذلك الانحراف عن منهج السلف آثار سيئة من غمط الناس واغتيابهم وفشو الفرقة والبغضاء 0000 إلخ 0 وواقعنا أكبر دليل على هذا 0
ولهذا قبل أن يتكلم الإنسان بكلمة لا بد من مراقبة الله تبارك وتعالى ، وليعلم أن كل لفظ يلفظه بلسانه مسجل عليه ومجزي به إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، قال سبحانه { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }
وعلى كل فرد منا قبل أن يتكلم في أي قضية ما : أن يحيط بها من جميع جوانبها ، وأن يتثبت كل التثبت امتثالاً لقول الله عز وجل : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }
ولهذا فأكثر الناس يكبون في جهنم على مناخرهم بسبب ألسنتهم التي لا تتورع 0
ففي الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى اله عليه وآله وسلم قال له : ( ... كُفَّ عليك هذا ) – وأشار إلى لسانه – فقال معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم : وهل نحن مؤآخذون بما نتكلم به يا رسول الله ؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : ( ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس على وجوههم في النار – أو قال على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم ) 0
وفي حديث آخر قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة ) 0
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه ( الجواب الكافي ) :
( .... ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه ) (
,صدق رحمه الله فكم من الناس من هو بهذه المثابة 0
والواجب على كل إنسان منا قبل أن يصدر أي حكم في فرد أو جماعة لا بد من تذكر بعض الأمور :




تعليق