- <LI class=title>علاقة العمل بالإيمان من خلال الواقع
- الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي
- من كتاب: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم
إن الإعداد لتلك المهمة الضخمة -المشار إليها- يبدو ظاهراً جلياً في كل مرحلة من مراحل الدعوة، بل في كل خطوة من خطواتها، فالأمر كله جد ونصب، وكله صبر وابتلاء.
1- فمنذ اللحظة الأولى لنزول هذا الدين تأتي الشدة والإجهاد في معاناة تلقي الوحي، وتبدأ المخاوف والنذر الثقيلة لمستقبل من يحمله.
فقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: { أن أول ما بُدئ به الرسول من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بـغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء . فجاءه الملك، فقال: اقرأ, فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ, فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
[العلق:1-3] فرجع بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لـخديجة -وأخبرها الخبر-: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة : كلا، والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى -ابن عم خديجة - وكان امرأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي. فقالت له خديجة : يابن عم، اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة : يابن أخي، ماذا ترى؟
فأخبره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خبر ما رأى.
فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نَزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أو مخرجي هم؟
قال: نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي
} . فمن المعاناة الصعبة في تلقي الوحي إلى السنة الربانية "لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي" [10] ؛ جاء الإيذان بأمر عظيم منتظر.
2- ثم بعد فترة الوحي هذه -التي هي كأنما هي فترة استقرار لروع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد تلك المفاجأة الكبرى- تأتي خطوة -أو جولة- أخرى تحدث عنها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائلاً: { بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بـحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت فقلت: زملوني، فأنزل الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
[المدثر:1-5] الآيات
}. وهي آيات كلها -كما ترى- أوامر سريعة متلاحقة، تأمر بالمبادرة والمفاصلة والصبر، وتنقل صاحب الشأن من هدأة الروع النفسي إلى ميدان الإنذار الأكبر للعالم أجمع.
ومنذ أن نزلت
قُمْ فَأَنْذِرْ
[المدثر:2] قام صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قياماً جهادياً متواصلاً دائباً، نازل به قومه والعرب قاطبة، واليهود ثم الامبراطورية الرومانية... فكان كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وكتب الذل والصغار على من خالفني..
} سبق تخريجه قريباً. 3- بعد ذلك -وما هو منه ببعيد- نزل الأمر بالقيام مرة أخرى ومعه مهام جديدة، فقد نزل مطلع سورة المزمل:
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً * إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً
[المزمل:1-12] الآيات. وهذه السورة تعطي -أبرز ما تعطي- الزاد الأصيل الذي لابد منه لمن يريد حمل هذه الدعوة ومقارعة العالمين بها، ذلك هو زاد الصلة القوية بالله، والتزكية الروحية بالتقرب إليه، ومناجاته في أرجى ساعات المناجاة وأصفاها.
وامتثل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -كالعادة- وتزود بهذا الزاد الزكي، وشاركه في ذلك صحبه الكرام.
فقد روى الإمام أحمد ومسلم رحمهما الله من حديث سعد بن هشام -ضمن قصة جديرة بالاطلاع أنه سأل عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن قيام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت له: {ألست تقرأ يا أيها المزمل؟
قلت: بلى، قالت: فإن الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة
}. وفي روايات لغيرهما أنهم قاموا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم أو انتفخت [11] ثم إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استمر على ذلك -التزاماً من عند نفسه- فكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة : لم تصنع هذا يا رسول الله! وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: {أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً
} . 4- وصدع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالدعوة، وسفه أحلام المشركين، وعاب آلهتهم، فثارت عليه قريش ثورة رجل واحد، وأثارت معها العرب قاطبة، ولقي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأذى والبلاء صنوفاً وألواناً من ذلك ما رواه عروة بن الزبير رضي الله عنه حين قال: {سألت ابن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: بينا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل إليه أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله
} 5- ومشهد آخر للأذى التي تتورع عنه النفوس الطاغية الدنيئة يرويه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ وهو: {أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس؛ إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فجاء به، فنظر حتى إذا سجد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وضعه على ظهره بين كتفيه -وأنا أنظر لا أغني شيئاً، لو كانت لي منعة!- قال: فجعلوا يضحكون ويحيل -أو يميل- بعضهم على بعض
}. 6- هذا عدا الأذى الأكبر الحاصل من تكذيبه وهو الناصح الأمين، والإعراض عنه وهو النذير المبين بين يدي عذاب شديد، وعدا ما افتراه عليه قومه ونبزوه من ألقاب الزور؛ كقولهم: إنه شاعر أو كاهن أو ساحر أو مجنون، أو يتلقى الوحي عن بعض الأعجمين، أو اكتتبه من أساطير الأولين وأعانه عليه قوم آخرون، وغير ذلك مما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز، وهو بلا شك أشد وقعاً على النفوس البريئة من ضرب السيوف ووقع النبال.
ولهذا طمأنه ربه وصبره وسلاه، فقال:
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
[الكهف:6] أي: مهلكها بالحزن والأسف. وقال:
أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
[فاطر:8]. وقال:
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[الأنعام:33]. 7- وقد حدّث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مشهد من مشاهد الأسى القاتل والأسف البالغ حين يبلغ الحد بالإنسان أن ينسى نفسه في غيبوبة الهم والحزن، قالت عائشة رضي الله عنها: {يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟
قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل ابن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بـقرن الثعالب ، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل [12] فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليّ، ثم قال: يا محمد! فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً
}[13] . 8- وقد عانى أصحابه -رضي الله عنهم- أشد المعاناة، وما تعذيب آل بلال وآل ياسر إلا نماذج من ذلك، بل إن الأذي ليصل إلى أشراف القوم من أمثال الصديق رضي الله عنه .
ومع ذلك كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينفث في أرواحهم الأمل، ويذكرهم بسنة الله في أنبيائه والدعاة إليه على النحو الذي رأيناه مع ملك الجبال.
فقد روى البخاري في (باب ما لقي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه من المشركين) عن خباب رضي الله عنه قال: {أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة -وقد لقينا من المشركين شدة- فقلت: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه [14] فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله -زاد بيان - والذئب على غنمه
} . يتبع


تعليق