مسألة الحكم بغير ما أنزل الله تعالى
أقول : بعد كتابتي تلك خطر ببالي أن أدون بعض الأمور تأصيلا وتوضيحا لثلاث مسائل منها:
تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى.
ففي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، يقول الله تبارك وتعالى : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك الكافرون)،(الظالمون)،(الفاسقون):
والكلام على الآيات في عدة مفاصل على النحو التالي:
أولا: صيغ العموم: تعارف أهل العلم ـ لغة وأصولا ـ على أن من الكلام ما يدل على العموم،ومنه ما يدل على الخصوص،حيث لا يجوز لواحد أن يُحمّل لفظ العام صفة الخصوص بغير حجة،ولا أن يدعي أن الخصوص يراد به العموم كذلك .
كما أن القاعدة: ((أن العام يبقى على عمومه حتى يثبت التخصيص)) وألفاظ العموم كثيرة،فمنها : الاسم الموصول،ومنها المفرد المضاف،والجمع المحلى، وغير ذلك مما أوضحه أهل الأصول في كتبهم .
وفي الآيات من ذلك شيء لا بد من توضيحه حتى يتضح معناه المقصود أصالة، الأمر الذي يؤيد ما ذهب اليه عامة المفسرين والفقهاء والمحدثين، خلافا للمعتزلة والخوارج ومن تأثر بهم.
فقوله تعالى: (ومن لم يحكم .......) سواء قلنا هي موصولية، أم شرطية، فهي على جميع الوجوه تفيد العموم،وهي تفيد العموم في الحاكم دون المحكوم به،فيكون المعنى: كل من لم يحكم،فهو كذا وكذا، ومفاد صحة العموم يظهر بتقدير كلمة: كل: موضع الاسم أو الكلمة الموجودة، وعليه فان الحكم المترتب على فقد الشرط: وهو الحكم: يعم الجميع وليس خاصا بشخص دون شخص الا لقرينة،وليس المقصود كل حكم مطلقا:بل كل حكم قضائي بدليل كلمة:حكم:مفرد بين الحكم وغيره،لكنه شامل كل حاكم ولو في سواك.
وأما الموضع الثاني من دلالة العموم في النص ولناعود على بدءـفهي في قوله تعالى: (بما أنزل الله)، وذلك سواء قلنا بأن "ما أنزل" موصولية بمعنى: الذي أنزل،أومصدرية بمعنى: المنزل:فكلاهما بمعنى العموم،أما الموصولية فواضح،وأما المصدرية فلأنها تصير في حكم الموصولية لأنها من المفرد المعرف الدال على الكل،فكأننا نقول:ومن لم يحكم بكل ما أنزل فهو كذا وكذا .
وعليه فأقول: إن معنى الآيات يفيد: أن كل من لم يحكم بكل ما أنزل الله فأولئك هم كذا أو كذا أو كذا .
ثانيا: ألفاظ العربية لها موارد ومعان،وليست كلها على حد سواء،فمنها ما يجتمع إذا افترقت،ويختلف إذا اجتمعت،ومنها ما له دلالة عند الإطلاق تختلف عنها عند التقييد،ومنها ما له دلالة في أصل الوضع،تختلف عنها في الاستعمال وهكذا.
ونحن نقرأ ألفاظا ثلاثة في هذه الآيات:
الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون .
ونحن لو استقرأنا كتاب الله تعالى،وقرأنا كل كلمة في موضع لوجدناها ـ أي الكلمة ـ تحمل معنى معينا يعطي الدلالة التي أرادها الله تعالى في ذلك الموضع حيث لا يصح أن تحمل على غيره بغير قرينة،فمثلا نقرأ( يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) وهو مثل ضربه الله تعالى،فمعنى الكفار هنا هو المعنى اللغوي الموضوع الذي أصله التغطية،وهي صفه المزارع، إذن فهي بمعنى: المزارعين.
ونقر: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه )أي: المتعدي بارتكاب المحرمات، ولا يمكن أن تكون بمعنى الكافر الخارج عن دين الله، لأن الله تعالى لا يصطفي كافرا لدينه. وهكذا.
وعليه فأقول: هذه الألفاظ الثلاثة، لا يجوز أن نحملها كلها على معنى واحد،لأنها في سياق واحد،والقاعدة: أن الألفاظ ذات المورد الواحد ان اجتمعت افترقت،وان افترقت اجتمعت.
فمثلا: كلمة اسلام وكلمة ايمان.
ان قلنا فلان مسلم:اشتمل المعنى على الايمان.
وان قلنا فلان مؤمن:اشتمل المعنى على الاسلام.
لكن ان قلنا: فلان مسلم مؤمن: كان معنى مسلم للعمل الظاهر، ومعنى مؤمن للعمل الباطن.
فهنا كذلك: تواردت الألفاظ الثلاثة وتتابعت، فلا يصح عندها أن تقول: (ومن لم يحكم بما أنزل الله) في المواطن الثلاثة يحمل دلالة: كافر_كافر_كافر.
لأمرين اثنين:
أولا : للقاعدة المذكورة آنفاً.
ثانياً: لأن مرتبة الحكام ليست واحدة حتى يرد المعنى عليها كلها بأسلوب واحد, وتوضيحه كما يلي:
أن العبد المؤمن يقع في المعصية لعدم العصمة لغير الأنبياء، ومعنى عدم العصمة إنما هو الوقوع في الذنب صغيراً كان أو كبيراً ما لم يكن ناقضاً ـ أي هذا الذنب، لأصل التوحيد، ومعصيته إما أن تجعله فاسقاً, وذلك كفعل الكبائر، وإما لا كفعل الصغائر, ولا يصح أن نقول: من فعل الذنب مطلقاً ولا أن نقول: من وقع في الصغيرة لا يصح إطلاق الكفر المخرج من الدين عليهما, لأن الأصل في الناس الذنب كما قلنا لعدم العصمة، فأن المعصوم نبي لا محالة، لا كما يقول روافض المجوس.
وكذلك نقول هنا:
من الحكام من ينحاز لغير حكم الله تعالى كبراً أو جحوداً أو استخفافاً، فهنا لا شك أنه كافر مرتد عن الدين.
ومن الحكام من ينحاز لغير حكم الله إما: لشهوة مال أوبطن أو فرج أو كرسي، وإما لضعف أو خوف أواضطرار أو غيره ، فلا يصح أن يقال في مثل هذين: انهما كافران كفراً ينقل عن الإسلام، لأن الأوصاف التي ذكرها الله تعالى لا بد أن تؤدي وظيفتها التعبيرية اولاً، لتسوقنا إلى المعنى الشرعي السليم.
فالتعبير بالكفر مع التعبير بالفسق والظلم, إن قلنا إنها بمعنى واحد، فإن الألفاظ هنا لا تكون قد أدت وظيفتها في الدلالة على المعنى: لأن الأصل أن كل لفظ وضع لمعنى مقصود لذاته, فأن زعمنا غير ذلك، أخرجنا اللفظ عما وضع له ولو استعمالاً بغير وجه حق، وهذا بحد ذاته يجعل في القرآن نوعاً من التكرار الذي لا مسوغ له.
وعليه فلا بد أن يكون لكل لفظ معناه على حدة: فأولئك هم الكافرون: تعني المرتد الكافر بشرطها.
وهو أن نحمل الفاسق والظالم على غير هذا المعنى لتسلم دلالة السياقات.
والخلاصة تكون:
- كل من حكم بغير كل ما أنزل الله فهو كافر.
- كل من حكم بغير كل ما أنزل الله فهو فاسق.
- كل من حكم بغير كل ما أنزل الله فهو ظالم.
مهمة: قد يعرض إشكال: كيف يكون كل من حكم بغير كل ما أنزل الله: فهو في نفس الوقت: كافر_فاسق_ظالم.
نقول: يسلم بما يلي:
من المعروف عند العلماء - علماء البلاغة قبل علماء الأصول – ما يعرف بدلالة المقتضى, وهي باختصار: تقدير كلمة غير موجودة لا بد منها ليتم ويصح معنى الكلام، فمثلاً قال الله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) فهنا لابد من كلمة تقدر، فهل هي:
أمهاتكم حرام أن تجلسوا وتخلوا بهن.
أو أمهاتكم حرام أن تعقدوا عليهن.
قطعاً الثاني، فلاحتمال ورود معنى خطأ في الذهن، لا بد من تقدير الصواب.
ومثل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" وهكذا.
ولذا وحتى يزول الاشكال نقول:
من حكم بغير ما أنزل الله:
أ- جحوداً واستكباراً ونحوها فهو كافر مرتد.
ب- شهوة مع الإقرار به فهو فاسق أو ظالم.
هذا مع أن من أئمة التفسير من قال: ان الآيات في اليهود والنصارى وليست في المسلمين أصلاً. والله أعلم.
مسألة الحكم أين هي من الدين؟!
فرق بين الألوهية والربوبية، وبين اعتقاد الحاكمية لله، وبين حكم الافراد بالشرع.
قال تعالى: (الحمد لله رب العالمين)
فـ (لله) عبودية و (رب) ربوبية.
وقال (إياك نعبد) (وإياك نستعين)
فـ (إياك نعبد) حق الله تعالى القابل للنقص والكمال والإعدام ، من جهة العبد الفاعل.
و (إياك نستعين) حق العبد على الله التام إن حصل شرطه.
وعليه: فمن حق الله علينا اعتقاد الحاكمية له .
ومن حق الله علينا أن نحكم بما أنزل .
لكن: الاعتقاد لا يجوز تخلفه.
والحكم يجوز تخلفه، لأنه حكم تكليف كالصلاة والصدقة.
يلزم : أن من تخلف عنده اعتقاد الحاكمية فهو كافر لأنه اعتقاد ، ومن تخلف عنده الحكم بشرع الله تعالى فليس كافرا لأنه تشريع، ما لم يجحد أو نحو ذلك لأنه بذلك يصير اعتقادا .
أي: أن من ترك الأول فليس معظما لله وتوحيده غير صحيح، وأما الثاني فانما هو مجرد : ترك مأمور به، وترك المأمور ما لم يكن من الاعتقاد فليس كفرا على اطلاقه.
مثاله : أمر الله تعالى بالبر للوالدين، ونهى عن السرقة.
فمن عق فقد ترك المأمور، ومن سرق فقد فعل المنهي عنه.
فمن عق معتقدا أن ذلك معصية لله فليس كافرا.
ومن سرق معتقدا أن ذلك معصية لله فليس كافرا.
وفي كل من اعتقد أن ذلك ـ مع علمه بالشرع ـ ليس من دين الله، أي أنه ينكر ضروريا فهو كافر .
مثله تماما: من ترك الحكم فهو تارك لخصلة من خصال الشرع التي أمر الله بها، كمن ترك البر تماما، فترك الحكم من جنس ترك المأمور به ظاهرا، فلا يكون كافرا الا اذا جحد ذلك مع العلم والقدرة، لأن مناطات التكليف باتفاق ليس مجرد العلم بل :
العلم والفهم ـ القدرة ـ القصد والاختيار .
فان تخلف واحد منها تخلف الحكم، ولذا لا تكليف مع الجهل ، ولا تكليف مع الإكراه ، ولا تكليف مع التلبيس والتقليد ، ولا مع الخطأ.
ملاحظة : سبق أن قلنا بأن من جحد حكم الله ولو في سواك فقد كفر ، مع أننا قلنا بعموم قوله : ( بما أنزل الله )، أقول : أما مجرد الترك فلا يكفر صاحبه الا بترك الكل ، فهو المعروف بعموم التشريع ، وليس لهذا وجود في المسلمين الى الآن مع امكان المنازعة حتى في هذا ، لكن لا يفهم من قولي هذا جواز الحكم بغير ما أنزل الله ـ معاذ الله ـ اذ ترك الحكم بما أنزل الله من الكبائر لكن الخلاف في التكفير وعدمه، وليس ذلك مقصودي الدندنة حول الجواز بدعوى المصلحة سواء كانت معتبرة شرعا أم لا، فهذا خطأ كبير وقع فيه البعض قدموا المصلحة مطلقا، ولست كذلك، ولهذا بحث آخر .
وأما الجحد فيصدق ولو بالجزء، لأنه ناقض لأصل التسليم والتوحيد، كمن كفر بنبي واحد ، كان قد كفر لزوما بجميع الأنبياء والله أعلم .
كيف ـ بعد هذا كله ـ لو أوردنا على من يقول بالتكفير من الأدلة ما ينقض قولهم من أساسه ، وهذا من حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، حيث يوضح منهج حياة يسير عليه المسلمون ، حيث لا يجوز لهم أن يضعوا السيوف على رقاب الناس بمجرد فهم فهموه لا يدل عليه دين الله تعالى ، بل بمجرد العقل العاري عن ضوابط الشرع ، قال عليه الصلاة والسلام : " ولكنكم " أي : أيها المسلمون، أنتم كثيرون لكن بدون فائدة .
والعلة والنكتة في النص هي: اشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى كثرة المسلمين، في حين، يزعم البعض بأن المسلمين قليلون، وعجبا لمن يزعم أن المؤمنين الحق في الدنيا أربعون؟!!! وليس هو منهم كما يزعم، فهذا ضلال مبين في قول الطرفين، قول من يزعم بأن الأكثر كفار، وقول من يزعم بأن المؤمنين الحق أربعون.
كيف بهؤلاء المكفرين الحكام لو قرع آذانهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مع حديث " ولكنكم كثير "، " لتنقضن عرى الاسلام عروة عروة ، أولها الحكم وآخرها الصلاة ، حتى اذا انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ".
فقوله : " تشبث الناس بالتي تليها " أي : أخذ المسلمون بما هو بعدها من شعائر الاسلام، ولا يتشبث بشعيرة من الاسلام غير مسلم، لا يقال: الحكام خارجون عن ذلك، لأنهم من جنس الناس، ولا يخرجون الا بدليل خاص، والدليل الذي يعتمدون عليه قد سبق أن ذكرناه لك وذكرنا بيانه على وجه الحق والله أعلم ونسبة العلم اليه أسلم .
كتبه
سمير مراد
عمان -الاردن
سمير مراد
عمان -الاردن


تعليق