مع كتاب ( حديث رمضان - السنة الخامسة - جواد عبد المحسن الهشلمون

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • طالب عوض الله
    موقوف
    • Jul 2007
    • 262

    #1

    مع كتاب ( حديث رمضان - السنة الخامسة - جواد عبد المحسن الهشلمون

    ننقل في هذا نسخة السنة الخامسة من ( حديث رمضان ) للكاتب جواد الهشلمون داعيا الله أن يرزقنا العلم النافع ان شاء الله

    حديث رمضان
    نسخة السنة الخامسة

    إعداد
    جواد عبد المحسن الهشلمون


    بسم الله الرحمن الرحيم


    أقدم هذا الجهد المقل للقارئ الكريم الذي خرجت به من خلال تطوافي في رياض الكتاب والسنة ن، ففتح الله علىّ بهذه الباقة من المفاهيم التي رأيت من الواجب عليّ أن القي المزيد من الضوء عليها ضاماً جهدي إلى جهد الذين سبقوني ، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي.

    إلى ولــدي ....

    أهديك أغلى ما أملك .. و أرجو أن تحافظ عليه حتى يصبح أغلى ما تملك ...

    هو ما لا يمكن أن تخسره ، وتحافظ عليه بحيث أنك لا تفقده ، ويبقى معك بل تبقى فيه ولا تغادره ...

    و أرجو الله عز وجل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم و أن يمن علينا بالفتح المبين ، ولي على القارئ الكريم أن يدعو لي في ظهر الغيب.

    والله ولي التوفيق



    الدليل

    1. الدليل : من الفعل دَلَلَ وهو المعرفة والإهتداء كقولك دله على الطريق: هداه وعّرفه في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً}الفرقان45 ؛ يعني أنّا هدينا العقول الى معرفةِ وجوده بأن اطلعنا الشمس فكانت دليلاً على وجود هذه النعمة.
    إن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل ملازمه فكل من اراد الاهتداء احتاجَ الى هادٍ يهديه فكان الدليل هو الهادي والمُعرِّفْ فإذا لم يوجد الهادي ضل المهتدي وتاه وقد كان الرسل جميعاً هداةً لأقوامهم يدلونهم على الخير ويعرِّفونهم في قوله تعالى {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً }الإنسان 3 ، وقوله تعالى {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ }البلد10.
    فكان السؤال الذي يطرح نفسه هو كم عدد الأدلة التي يحتاجها الإنسانُ حتى يهتدي ويعرف الطريق..؟؟؟
    لقد قال العرب قديماً أن البعر يدل على البعير والأثر يدل على المسير بمعنى أنه لم يلزمهم إلا دليل واحد يدلهم على البعير والأثر دليل واحد يدلهم على المسير, فإذا كثرت الأدلة بعد وجود الدليل الأول فلا عبرةَ لكثرتها أو قلتها لحصول العلم والاهتداء بالدليل الأول وإنما تكون فائدة كثرتها طمأنينة النفس وسكون الصدر في قوله تعالى {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}البقرة259
    إن التصديق الجازم والذي يمكن أن يُتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري والذي يتعلق بالعقيدة حول أن هذا الكون مخلوق لخالق أوجده من عدم وأن الرسول صلى الله عليه واله وسلم هو رسول الله وأن هذا القرآن من عند الله لا يحتاج لأكثر من دليل واحد يحصل العلم بصحيح النظر فيه بكون هذا الخلق له خالق وهكذا يُصارُ إلى ايجاد العقيدةِ عند من حصل له العلم.
    وفي حديث البخاري في صحيحه (3938) عن انس بن مالك أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم الرسول صلى الله عليه واله وسلم المدينة فأتاه يسأل عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟؟، وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟؟؟ وما بال الولد ينـزع إلى أبيه أو إلى أُمه ؟؟؟ قال أخبرني به جبريل آنفا, قال ابن سلام ذلك عده اليهود من الملائكة, قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب, وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزبادة كبد الحوت, وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نَزَعَ الولد, وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد, قال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله, قال يا رسول الله إن اليهود قوم بُهْت,فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي, فجاءت اليهود فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم أي رجل عبد الله بن سلام فيكم..؟؟ قالوا خيرنا وابن خيرنا وأفضلنا و ابن أفضلنا, فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام , قالوا أعاذه الله من ذلك فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك,فخرج عليهم عبد الله بن سلام فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله, فقالوا: شرنا وابن شرنا وتنقصوه, قال هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وصدق الله {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ }البقرة89
    2. إن المسلم عندما يقرأ قول الحق سبحانه و تعالى {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }المائدة78 ، ويقرأ قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ }آل عمران118، لا يداخله شك في هذا مطلقاً ولا يحاول أن يفرق بين أهل كتاب وأهل كتاب ولا بين كافر وكافر ولا يلوي عنق النص لياً ليستخرج منه ما يوافق هواه أو ليثبت سماحة الإسلام ومسايرته للعصر, بل يأخذ ما يقرأ أخذاً عقائدياً لأنه دليل شرعي ولا يحتاج لهذا الأمر لأكثر من دليل واحد وعندما يقرأ قول الحق {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}فاطر6 ، يعلم ويدرك إدراكا عقائدياً أن الشيطان و أولياءه في النار ولا يحتاج في ذلك لأكثر من دليل وعداء الكفار للمسلمين ظاهر ولا يحتاج لأكثر من دليل.
    إن السحرةَ من قوم فرعونَ عندما جاءوا فرعون قالوا له { َفلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ{41} قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ{42}الشعراء 42 ، فقد وعدهم فرعون بالأجر والتقريب منه إن هم غلبوا موسى فشدوا أزرهم بقول فرعون و زادت همتهم وكذلك فرعون فقد شدّ أزره بالسحرة فقال لموسى {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَاناً سُوًى }طه58 ، فأراد أن يتحدى موسى أمام الناس فرد عليه موسى {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}طه59
    فكان الموقف موقف تحدٍ من فرعون والملأ والسحرةِ من جانب وموسى من جانبٍ آخر والناس مجتمعون ورأيهم غير ثابت يقول قائلهم {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ}الشعراء40, وفي خضم هذه الأحداث وضخامة الموقف يقول السحرة بتحدٍ واضح {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى }طه65 فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ{44} فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ{45} فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ{46} قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ{47} رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ{48} الشعراء .
    لم يحتج السحرة لأكثر من دليل واحدٍ ليهتدوا إلى الحق ويعلموه حتى امنوا ولو تمعَنا قليلاً بفاء الترتيب والتعقيب لعلمنا أن الأمر تم بسرعةٍ وتتابع فلم تعقد اجتماعات على مستوى القمة ولا على مستوى القاعدة بل حصل عندهم الإيمان { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ{46} قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ{47}.
    لقد كانت الهزيمة شديدة على فرعون من فعل السحرةِ في هذا الموقف فأراد أن يعيد لنفسه هيبتها {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ{49}، فأجابه السحرة باطمئنانٍ وإيمان وفي نفس الموقف {قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ{50} وفي موقف آخر أجابوه { قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{72} إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى{73} إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى{74} وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى{75}
    هذا قولهم في موقف ايمانهم فقد حصل عندهم الدليل الدافع لهم ليصدعوا بالحق ويجهروا بقوله ولم يأبهوا لما سوف يفعل فرعون وهم أدرى بفعله بخصومه وضمن هذا السياق نرى أن حديثهم مع موسى لم يكن سوى بضع كلمات عندما آمنوا فقالوا {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ{47} رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ{48}، وأما كلامهم مع فرعون فقد كان أوضح وأصرح ويظهر فيه العزم والحزم رغم التهديد والوعيد.
    إن السحرة عندما آمنوا لم يطلبوا من موسى أكثر مما رأوا فلم يطلبوا تعليلاً ولا تفسيراً ولا تفسير التفاسير ولا شرحاً ولا شرحاً للشرح بل حملوا العقيدةَ ودافعوا عن عقيدتهم بمجرد حصول دليل واحدٍ عندهم.
    إن التسليم والانقياد هي من صفات المؤمن في قوله تعالى {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }النور51 ، وقوله تعالى { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } ، وليس التشكيك والتشكل والمراء والمواربة والمهلة والإنتظار وتقليب الأمور وحساب الربح و الخسارة والنفع والضر بل هو طاعة واستسلام بغض النظر عن حسابات الدنيا وبريقها أو اخضاع الأفعال لمآلاتها.



    يتبع
  • طالب عوض الله
    موقوف
    • Jul 2007
    • 262

    #2
    الرد: مع كتاب ( حديث رمضان - السنة الخامسة - جواد عبد المحسن الهشلمون

    رد : حديث الصيام - جواد عبد المحسن الهشلمون - السنة الخامسة -2-
    إن الدليل يطلبه من يريد الاستدلال والهداية يطلبها من يريد الاهتداء أما من لا يريد الاهتداء أو الاستدلال فلا يطلب الدليل حتى وإن أتيته بألف دليل لأن هواه قد حدد له غايته مسبقا.
    فالذي أراد الدليل للاستدلال أعانه الله فاستدل واهتدى في قوله تعالى {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة259
    وفي هذا المعنى فقد روى الماوردي أن صعصعة ابن ناجية جد الفرزدق أتى النبي صلى الله عليه واله وسلم يستقرأه فقرأ عليه قول الحق سبحانه وتعالى { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ{7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ{8} الزلزلة ، فقال صعصعة: حسبي حسبي إن عملتُ مثقال ذرةٍ شراً رأيته. وأيضا فقد روى معمر عن زيد بن أسلم : أن رجلاً جاء النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال علمني مما علمك الله ...فدفعه إلى رجل يعلمه فعلمه إذا زلزلت الأرض حتى بلغ { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ{7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ{8} ، قال حسبي فأخبر النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال (دعوه فإنه قد فَقُهْ ) ؛ يعني أنه قد حصل عنده الفهم والوعي فاهتدى واستدل من دليل واحد فقال حسبي يعني يكفيني , فلم يعد يحتاج إلى دليل آخر.
    إن ما يحتاجه الواحد هو نفسه ما تحتاجه الجماعة من قيام الدليل عندهم ورؤيتهم للحجة الدامغة على صدق المخبر لهم فقول الرسل لأقوامهم يكاد يكون واحد في قوله تعالى {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ }الأعراف65 ، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ } ، {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ }
    فلا يوجد أبلغ من الناقة دليلاً على صدق المخبر و وحدانية الله ولكنهم عتوا واستكبروا بل {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً }نوح7 , و كان الجواب وكأنه واحد عندهم {وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }الأنعام29 ، {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ }سبأ 35.
    والصورة الأخرى قوم يونس نرى سلاستهم وسهولة ايمانهم من سياق قول الحق سبحانه { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ{139} إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ{140} فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ{141} فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ{142} فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ{143} لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{144} فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ{145} وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ{146} وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ{147} فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ{148} ، هذه كل قصتهم على عكس قصة بني إسرائيل فقد كانت تكفيهم بقرة ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم وصدق الله العظيم { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ }البقرة67
    ونخلص مما سبق إلى القول بأن الدليل له قيمة عند من يريد الإستدلال أما من لم يرد الإستدلال ولا يطلب الهداية فما قيمة الدليل عنده أوُجِدَ دليل واحد أم ألف دليل وصدق الله العظيم { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ }يونس32 ، ونورد مثالين على المعاندة والكِبر والمراء والتشكيك.
    أما المثال الأول فهو الأمم المتحدةُ والقانون الدولي والشرعية الدولية فقد حصل الدليل القاطع على أنها لم توجد إلا لحماية مصالح الكفر ضد كل الشعوب المستضعفة وضد الأمة الإسلامية ورغم هذا نرى أن التمسح بأعتابها وطلب رضاها غاية عند كل دول الضرار الإسلامية والدول العربية والأرقام عندما تتكلم لابد أن يصمت المراوغون.
    لقد صدر قرار 194 الخاص بالقضية الفلسطينية في 18/12/1948 ، وصدر قرار 242 الخاص بالقضية الفلسطينية في 22تشرين ثاني 1967 فالمدة الزمنية بين القرارين حوالي عشرين عاماً وما بينهما حوالي (48) قرار ، وصدر القرار 684 الخاص بموضوع العراق والكويت سنة1991, وصدر القرار 1717 الخاص بموضوع دارفور سنة 2006, يعني أن التسارع في القرارات في الخمسة عشر سنة الأخيرة قد وصل إلى حوالي ( 1033) قرار بينما في العشرين سنة الأولى حوالي(48)قرار فهل تحتاج أنظمة الضرار والمتحاكمون إلى الطاغوت لأكثر من ألف دليل ودليل على عدائها للإسلام والمسلمين وعلى وجوب محاربتها وليس فقط الإنسحاب منها..؟؟؟
    ثم نسمع في خضم الأحداث الدائرةِ في لبنان تصريح للمؤتمر الإسلامي يقول حرفياً (المؤتمر الإسلامي يدعو إلى محاسبة اسرائيل على انتهاكها لحقوق الإنسان في لبنان....؟؟؟).
    وأما المثال الثاني فكم مذبحة يلزم اسرائيل أن تفعلها حتى يتبين لهؤلاء الذين يدعونَ لضرورةِ التعايش سلمياً والتطبيع بأن ما يدعون إليه باطل ولا أساس له وقد حاولت أن أسرد أهم المجازر وليس كلها:-
    عدد القتلى التاريخ المذبحة
    30 31/12/1947 مذبحتي الشيخ وحواسة
    60 14-15/2/1948 مذبحة قرية سعسع
    27 27/2/1948 مذبحة رحويوت, حيفا
    30 13/3/1948 مذبحة كفر حسينية
    64 27/3/1948 مذبحة بنياميناه
    53طفل 25رجل 9/4/1948 مذبحة دير ياسين
    قتل كل أهل القرية سوى40 14/4/1948 مذبحة ناصر الدين, طبريا
    90 16/4/1948 مذبحة تل لنفسنلي
    قتل في الميناء 150 22/4/1948 مذبحة حيفا
    القتلى أعداد غير معروفة 21/5/1948 مذبحة بيت داراس, غزة
    250 أوائل6/1948 مذبحة اللد
    75+35 عائلة 29/10/1948 مذبحة الدوايمة قرب الخليل
    15 1948 مذبحة يازور قرب حيفا
    10 7/2/1951 مذبحة شرفات الفرس
    6 26/1/1952 مذبحة بيت لحم
    9 وهدمت القرية 29/1/1952 مذبحة قرية فلمة
    20 28/8/1953 مذبحة مخيم البربج
    70 10/10/1953 مذبحة قلقيلية
    69 15/10/1953 مذبحة قيسة
    11 29/3/1954 مذبحة مخالين,بيت لحم
    3 أطفال 12/11/1954 مذبحة دير أيوب
    33 2/2/1955 مذبحة غزة الأولى
    56 4+5/4/1956 مذبحة غزة الثانية
    20 30/5/1955 مذبحة خان يونس الأولى
    46 1/9/1955 مذبحة خان يونس الثانية
    15 11+12/9/1956 مذبحة أزهوه
    49 29/10/1956 مذبحة كفر قاسم
    275 3/11/1956 مذبحة خان يونس الثالثة
    18 13/11/1966 مذبحة السموع
    70 12/2/1970 مذبحة أبي زعبل
    19 طفل 8/4/1970 مذبحة بحر البقر
    80 6/يونيه/1982 مذبحة صيدا
    1500 6-18/9/1982 مذبحة صبرا وشاتيلا
    15 16/5/1984 مذبحة عين الحلوة
    13 30/9/1982 مذبحة سحمر
    50 11/10/1985 مذبحة حمامات الشط
    60 25/2/1994 مذبحة الحرم الإبراهيمي
    250 18/4/1996 مذبحة قانا
    موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

    فكم من المذابح يلزم أو قل هل ما زال سيل الدم الذي يسيل إلى اليوم لم يقنع دعاةَ التطبيع أن ما يحاولونه هو الوهم أو السراب , فهل يعزى هذا الأمر إلى قصور الدليل أم يعود لقصور عقولهم عن فهم أو إدراك ما يحصل لأنهم قد أغلقوا عقولهم عن مجرد التفكير بما يحصل تفكيراً مجرداً.......؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.

    4. إن الموضوع الذي طرحناه حول الدليل لابد أن نستكمله بل ونضعه داخل إطاره حتى تتضح الصورة وتحصل الفائدة من هذا البحث ونبدأ بقول الحق سبحانه {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ{94} وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ{95} إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ{96} وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ{97}يونس.
    إن الشك هو التوقف بين أمرين أو التردد بين النقيضين وهذا الأمر ما حاول الكفار عمله مع من آمنوا فقد حاولوا زرع الشك في قلوبهم وأنهم قد تشككوا في أمر نبوة محمد صلى الله عليه واله وسلم, أما أنه صلى الله عليه واله وسلم قد شك في أمر رسالته فكلا وحاشا أن يكون كذلك فقد قال عندما نزلت (لا أشك ولا أسال بل أشهد أنه الحق) والذي يدل على ذلك قوله عز وجل في آخر السورة {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }يونس104
    إن الذين يكابرون ويكفرون برسول الله صلى الله عليه واله وسلم ورسالته يعرفونه كما يعرفونَ أبناءهم وقد قال عبد الله بن سلام (لقد عرفت محمداً حين رأيته كمعرفتي لإبني ومعرفتي لمحمد أشد) وذكر ابن كثير في تفسيره أن عمر بن الخطاب سأل عبد الله بن سلام : أتعرف محمداً كما تعرف ولدك قال نعم وأكثر, نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعمته فعرفته وصدق الله العظيم {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ }الأنعام33
    هذا ما يفعله مفكروا اليوم أو المنظرين من محاولة زرع الشك في أذهان المسلمين وأننا في القرن الواحد والعشرين وأن زمان الخلافة وعصر الحريم قد ولى وأننا اليوم في عصر الفضاء فمسايرة العصر وضرورة تجديد الفكر الديني هي من احتياجات هذا العصر وأن من يدعو وينادي لإيجاد الخلافة إنما هو صوت نشاز يحاول أن يعيدنا إلى الخلف وما هم إلا دعاةَ فتنةٍ وفساد.
    وهذا ما فعله فرعون والملأ ويفعله كل الفراعنةِ اليوم حين وصفوا كل خارجٍ عن إرادتهم أو داعٍ بغير دعوتهم أو مناهضٍ لهم فاتهموه بالفساد والإفساد {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}الأعراف127
    إن الخطاب بالأمس والخطاب اليوم هو واحد واحد والفرق هو الزمن فقط والبضاعة التي سوقها فراعنة الأمس هي نفس البضاعة التي يسوقها فراعنة اليوم فزرع الشك بضاعتهم والإعتداء على الأعراض والقتل والسجن والقهر هي طريقتهم والحجة هي محاربة الفساد أو الإفساد والتهم دائماً جاهزة.
    إن الفرق واضح بين من يطلب الدليل ليهتدي به وبين من وجد عنده الدليل ويريد أن يطمسه أو يشكك به بجبروته وقهره أو أن يحاول تشكيل الدليل بشكل يتوافق مع أهوائه حتى يظهر بمظهر المستدل حتى وهو في طريق ضلاله وغوايته وصدق الله العظيم { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ }الأنعام91.

    للبحث بقية على حلقات

    تعليق

    • طالب عوض الله
      موقوف
      • Jul 2007
      • 262

      #3
      الرد: مع كتاب ( حديث رمضان - السنة الخامسة - جواد عبد المحسن الهشلمون

      رد : حديث الصيام - جواد عبد المحسن الهشلمون - السنة الخامسة
      الأدلة والفراعنة

      إن فرعون ليس إسماً لشخص بل هو توصيفٌ لوظيفة تُنْبئ عن البطش والظلم وال******* في قوله تعالى {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعا}القصص 4 ,فالإستعلاء هو وصف للفرعون وكقوله تعالى{وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ{10} الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ{11} فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ{12}الفجر,فالجبار المسرف الطاغية الظالم وكل ما يدور ضمن هذا المعنى هو الفرعون الذي قال في السابق {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي}القصص38,ويقول اليوم أنا ربكم الأعلى يعينه الملأ من المنتفعين بل ويزيدونه ضلالاً على ضلاله.
      إن الفرق كبير بين ايمان الإجبار وايمان الإختيار والفراعنة في كل عصر يمارسون ايمانَ الإجبار على شعوبهم حتى يذعنوا لهم ويخضعوا له حين قال (أنا ربكم الأعلى) وحين قال{أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}الزخرف52,وفي عنفوانِ غفلة الفرعونَ كجهةِ كفر وضلال يأتي موسى كجهة حق و إيمان ولا بد لهذا الحق من حجةٍ ودليل{فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ{107} وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ{108},بعد أن قال الفرعون {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}الأعراف106,فهل آمن الفرعون كجهة للضلال أم أعماه ضلاله عن رؤية الحق بعين رأسه...؟؟؟.
      إن وجهة النظر التي يحملها فرعون والمتمثلة في إيمان الإجبار قد دفعته بعد أن رأى ما رأى ليقول لجهة الحق {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ }الشعراء29,فتلك حاله وهذا نهجه الذي يمارسه في إضلال وإجبار الناس إما بالإغراء الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الآخرين, وإما بالقوةِ التي يمنحها المال لأصحابه فيجعلهم قادرين أو متصورين أنهم قادرون على إذلال الآخرين أو إغوائهم, فوجود النعمةِ في أيدي المفسدين قد تزعزع كثيراً من القلوب الضعيفة التي لا يبلغ من يقينها بالله أن تدرك أن هذه النعمة هي إبتلاء وإختبار وأنها كذلك ليست شيئاً ذا قيمة إلى جانب فضل الله في الدنيا والآخرة, فقد روى الإمام أحمد , عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله رسول الله عليه واله وسلم ألا أنبئكم بأهل الجنة, كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره, ألا أنبئكم بأهل النار؟؟ كل عتل جواظ مستكبر وفي رواية, كل جواظ جعظري مستكبر, أخرجه الشيخان والإمام أحمد.
      ويبقى الفرعون على حاله رغم ما جاءه وما شاهده ويأتي دور الملأ في إغراء الفرعون بموسى فقالوا{وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ }الأعراف127, ويوغروا صدره فلم يرتدع أو يرعوي رغم الآيات التي جاءته بعد ذلك هو والملأ {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ}الأعراف133.
      والفراعنة اليومَ كذلك في البلاد الإسلامية يمارسون ما مارسه الفرعون في السابق ولكن تحت شعاراتٍ براقة سبقوا فرعون بها بل وتميزوا عنه , بل كان حال الفرعون أفضل من حالهم فقد كان الفرعون يعمل لصالح نفسه وفراعنة اليوم يعملونَ لصالح أسيادهم فقد عطلوا عقولهم وجعلوا من أنفسهم ممرات يمر عليها الكافر للوصول إلى الأمةِ لإفسادها وتغيير مفاهيمها,فلم يدركوا ولم يحاولوا أن يدركوا لأن أي محاولة منهم للإدراك تودي بهم وبعروشهم وبدائلهم حاضرون ليقوموا بنفس العمل بل وأحسن.
      لقد استمع فرعون لموسى وأعطاه الوقت اللازم حتى يشرح عقيدته ويريه آيات الله {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ{106} فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ{107} وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ{108} الأعراف, وأما فراعنة اليوم فلا يملكونَ من أنفسهم مجرد الإستماع للحجة خوفاً من أن يحسب عليهم مساندتهم للإرهاب أو يوصفوا بهذا الوصف فحال فراعنة اليوم كما أخبر ربنا عز وجل على لسان نوح{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً }نوح7 ,فقلوبهم مغلقة وإحساسهم بالواقع مفقود لتعطل أجهزة العقل عندهم فلا يكادونَ يفقهونَ إلا املاءات الأسياد.
      إن فراعنة الأمس واليوم وإن اختلفوا في توجهاتهم وأهوائهم في كيفية معاندة الحق وال******* إلا أن آخرتهم واحدة بقدرةِ الله عز وجل لتكون العبرة دائماً واحدة عند من يتدبر ويتفكر, فالخاتمة واحدة وصدق الله العظيم {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }هود102 ,فبيان رعاية الله وحمايته لأوليائه قائم دائم {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }, وأنزل العذاب والهلاك بأعدائه الذين يغفلون عن آيات الله المتجددةِ المتكررة في دورةِ الحياةِ والموت, وآياته مع رسله ونصره لهم وإهلاكه للمعاندين فقد قالوا في عنفوان قوتهم {وَيَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{48} قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ{49} قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ{50} أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ{51}يونس , هذه قصتهم في السابق واليوم ولكنهم لا يتدبرونَ القرآن فالأقفال على العقول والقلوب .
      إن انتقال الفرعون من مرحلة بغيه وعَدْوَه واستكباره وعتوه إلى مرحلة ذله وصغاره وهوانه تأتي مباشرةً لا فاصل بينهما وصدق الله العظيم{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}يونس90 ,فقد سقطت عن الفرعون كل أقنعته وكل أرديته التي تنفخ فيه فتظهره لقومه أو للعالم المغرور به كأنه قوة هائلة مخيفة.... في لحظةٍ واحدةٍ يتضائل بل و يتصاغر ويستخذي ويوضع في قفص وصدق الله العظيم{فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا}غافر85ا.
      إن قدرة الله تتجلى في كيفية وحالة أخذه للظالم وللفرعون فأخذ الله له في حالة قوته وعنفوان جبروته وليس في حال عجزه وضعفه وهنا البشرى وهي أن الناظر إلى الشطر الأول في الآية يرى أن فرعون {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً}يونس90, أنه قد ملك القدرةَ والقوة وأن موسى وقومه هم المنهزمون الفارون من فرعون المنصور بقوتهِ وعدته وعتاده, فلا يخطر بباله أن فرعون بعد لحظاتٍ سيأخذه الله أخذ عزيز مقتدر , وهنا في الشطر الثاني نرى موسى حين قال له قومه{إنا لمدركون} قال قول الواثق المطمئن لنصر الله {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }الشعراء62.
      هذا هو القول الفصل بين من ينظر إلى الأمور المادية والقدرةِ العسكرية والصناعة بمنأى ومعزل عن قدرةِ الله فلا يكاد يرى إلا هذه الآليات والبوارج, في حين أن الذي ينظر إلى الأمور وإلى الواقع من زاويةِ العقيدةِ وأن الله على كل شيئ قدير وأنه قد وعد عباده بالنصر والتمكين يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله متمم وعده على عباده كإعتقاد موسى حين قال { كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}الشعراء62, أما كيف ومتى فهذا يدركه إدراكه لعقيدته بأنه من أمر الله وحده وليس للعبد فيه شيء فهو يعتقد أن الناصر هو الله وأن الله لن يخذل عباده المؤمنين أما متى وكيف فهذا أمره عز وجل.
      إن العبرةَ قائمة ما بقي التحدي بين الحق والباطل وصدق الله العظيم {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}يونس92.

      للبحث بقية على حلقات

      تعليق

      • طالب عوض الله
        موقوف
        • Jul 2007
        • 262

        #4
        الرد: مع كتاب ( حديث رمضان - السنة الخامسة - جواد عبد المحسن الهشلمون

        رد : حديث الصيام - جواد عبد المحسن الهشلمون - السنة الخامسة -4-
        الغــوث


        الغوث : هو إجابة الطلب (واغوثاه)وهو قول الواقع في بلية....أغثني..أي فرج عني.
        فيطلب الغوث ممن يملكه ولا يطلب ممن لا يملك أو ممن لا يقدر, فإذا كان الغوث مالاً أو حاجة فتطلب ممن يملكها كما قال الشاعر:
        أغثني يا فداك أبي و أمي
        وإذا كانت الحاجة رفع مظلمةٍ أو نصراً أو معونةً فإنها تطلب ممن هو قادر عليها ولا تطلب من عاجز.
        وأما وقتها فهو عند مسيس الحاجةِ إليها فإنها تسمى الغوث فهي كالقطعة التي لا يمكن لغيرها أن تملأ فراغها أكانت أكبر أم أصغر فليس البحث هنا عن أكبر و أصغر وإنما عن أمر لا يمكن الإستغناء عنه أو الإستعاضة عنه أو تأخيره.
        فإن الذي يملك مالاً ويربح على ماله مالاً لا يسمى هذا الربح غوثاً وإنما يسمى الدرهم الذي يلزمه وقت مسيس حاجته إليه غوثاً ليس من حيث الرقم وإنما من ناحية الحاجة .
        ومن طريف ما قرأت أن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص كانَ لها مولى يسمى(فِند)بعثته ليقتبس لها ناراً فتوجه إلى مصر فأقام بها سنة, ثم جاءها بنار وهو يعدوا فعثر فتبدد الجمر فقال: تعست العجله فقالت عائشة:
        بعثتك قابساً فلبثت حولاً متى يأتي غواثك من تغيث
        فقد كانت حاجتها للجمر في وقتٍ معين وانقضى هذا الوقت وذهب فلا يسمى قضاء الحاجة في غير وقتها غوثاً.
        وأما الغيث فهو المطر والكلأ وقيل الأصل المطر ثم يُسمّى ما ينبت به غيثاً وأنشد ثعلب:
        وما زلت مثل الغيث يُركب مرةً فيُعلى ويولى مرةً فيثيبُ
        ويقال غاث الأرض أصابها ومنه الحديث فادع الله يغيثنا والإغاثة الإعانة......وغيثَ القوم أصابهم الغيث.
        في قول الحق سبحانه وتعالى {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ }الشورى28,وفي الآية مسائل:

        1. أنه وحده سبحانه وتعالى القادر على قضاء كل حاجات البشر وأنهم جميعاً محتاجون إليه لأنه الخالق الباسط القابض وأنه مالك الملك فحصول الإعتقاد عند المسلمين بأنه سبحانه وتعالى هو المعطي الوهاب وأن حاجتهم عنده ولا يملكها غيره فلا تطلب من غيره, فرجاء المؤمن بربه في قضاء كل حوائجه عقيدة عنده وليس بينه وبين ربه حجاب فيسأله في كل وقت{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}البقرة186,وقوله {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}غافر60.

        2. {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ} فإذا كان الغيث هو المطر فإنه قضاء حاجةٍ في فصلٍ معينٍ ويدخل في باب الغوث الذي هو أوسع وأشمل , ولا يتعلق بأمرٍ معينٍ في فصل معين ولجانب معين من جوانب الحياة, وقد أخبر ربنا عز وجل في آية {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}لقمان34.
        إن نزول المطر وإنبات الزرع بعد الجفاف الذي هو ابتلاء من الله حين غفلة الناس عن أوامر ربهم ونواهيه وحين تفشّي المعاصي ويحتاج الأمر لتوبة واستغفار وتضرعٍ لله عز وجل الذي بيده وحده مفاتح الغيب,فالإستغفار والمطر أو الرزق مترابطان ويستنـزل بالإستغفار المطر أو يسترزقُ به في قوله تعالى{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً{11} وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً{12} نوح, وقوله تعالى{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ }هود52 .
        وروى الشعبي قال: خرج عمر بن الخطاب يستسقي فلم يزد عن الإستغفار حتى رجع فأمطروا....فقالوا: ما رأيناك استسقيت فقال(لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر ثم قرأ {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10}

        3.{وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا},
        إن القنوط هو وصف لحالهم في مرحلةٍ معينة وقد جاءهم الغيث وهم في هذه الحالةِ من القنوط, فقد كانوا في مسيس الحاجة للغوث حتى ظهر هذا الأمر فانعكس ما في قلوبهم على وجوههم من تجهم وحزنٍ فوصف حالهم بالقنوط فجاءهم الغوث بالغيث من الله لأنه هو وحده مالك الملك القادر على الغوث بالغيث وغيره.
        إن اليأس وما يترتب عليه من قنوط هو معصيةٌ بحد ذاته فلا يصح للمسلم أن ييأس أو يقنط فهذا ليس حاله إذ أن فرحه أو حزنه منضبط بضوابط شرعية فلا إقبال الدنيا أو إدبارها تؤثر في عقيدته لأن العقيدة التي حملها واعتقدها قد هذبته بحيث أنه قد اختلف عن غيره اختلافاً ليس بمكونات إنسانيته بل بما يحمل ويعتقد فالإنسان بوصفه إنساناً حاله كما أخبر ربنا عز وجل{لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ }فصلت49, وأما المؤمن فكل أمره خير ويلهج دائماً حامداً ربه في كل حال ويقرأ قوله {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الزمر53.

        4. {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ}
        إن المطر إذا نزل لا ينزل على كل الدنيا وإنما ينزل في أرضٍ دون أرض بخلافِ رحمة الله عز وجل التي نزلت وقال عنها{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} وأرسل لنا رسوله الكريم وخاطبه وقال {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}الأنبياء107, وأنزل عليه القرآن وقال عنه {هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }الأعراف52 ,وتعلمنا أن نفتتح كل أمر ب(بسم الله الرحمن الرحيم).
        ففي حديث ألا تدعوا لنا ألا تستنصرنا يقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم (والله ليُتمَّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه) وهذه من رحمة الله التي نشرها في كل مكان.
        لقد جاء الترتيب في الآية{وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} بعد {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا} وهنا تتعلق رحمة الله تعالى بالإعتقاد الجازم بقدرةِ الله ومثلها في قوله تعالى{قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ{54} قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ{55} قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ{56} الحجر.
        وهنا المدخل إلى الفكرةِ الثانية وهي أنه جل وعلا قد شرفنا وأكرمنا وجعلنا من عباده ونسأله أن تشملنا رحمته التي وسعت كل شيئ, فمن كان في كنف الله فمحال أن ييأس أو أن يقنط بل يناجي ربه ويناديه ويسأله حتى شسع نعله إن فقده, ويعتقد أن ما يصيبه هو بلاء واختبار من الله له وواجب عليه إما أن يصبر أو أن يشكر.

        5.{وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ }
        قلنا أن الغوث أعم وأشمل من الغيث –المطر- ورحمته عز وجل تسع كل شيئ وهو الولي الحميد فالوليُّ هو مالك التدبير كولي اليتيم الذي يدبر أمور اليتيم فالله هو الولي المدبر المأمول منه النصر والمعونة لأنه هو وحده المالك, فولاية العبد لربه هي إعتقاد كل ما جاء به الرسول من عند ربه والإمتثال لأوامره ونواهيه والتفويض إليه والتوكل عليه والإستسلام لأمره في السر والعلن والشدةِ والرضى وصدق الله العظيم {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }آل عمران31.
        والحميد هو المستحق أن يحمد لأنه جل ثناؤه بدأ فأوجد ثم جمع بين النعمتين الحياة والعقل ووالى بعد منحه وتابع آلاءه ومننه علينا حتى فاقت العد وإن استفرغ فيها الجهد وصدق الله العظيم {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} إبراهيم, فالواجب على كل مكلف أن يعتقد أن الحمد على الإطلاق هو لله وحده وأن الألف والام للإستغراق فهو الذي يستحق جميع المحامد بأسرها فنحمده على كل حال ما علمنا منها وما لم نعلم فقد روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول (ربنا ولك الحمد ملء السموات والأرض وما بينهما وملء ما شئت بعد).
        إن حال المسلمين اليوم وواقعهم الذي يعيشون فيه من ظلم ونهب وسلب وغصب وذلةٍ وهوان لا يمكن للمطر إن نزل عليهم أكثر من معدله السنوي أضعافاً مضاعفة أن يخرجهم مما هم فيه فإننا وإن كنا نحتاج إلى الغيث فإن حاجتنا للغوث أكبر وأشد فلا بد من وجود قاعدة صلبة وأساسية نستند إليها ونعتمد عليها ولا بد لهذه القاعدة أن تكون واحدة لا تتعدد حتى لا يحصل الخلط والغلط وعدم وضوح الغاية.
        إن الإعتقاد الجازم عندنا من أن الله جل وعلا هو {الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ }وأنه هو وحده القادر على النصر والإعانة والغوث وأنه المحمود دوماً وعلى كل حال, يثبت حقيقة وينفي وهماً, فيثبت حقيقة أننا عباده وواجب علينا الإلتزام بأمره ونهيه في سرنا وعلننا وأن نسير وفق منهجه وأن الدار الدنيا لها ما بعدها إما جنة أو نار, وينفي وهماً قد توهمه كثير من جهلاء المسلمين انبهروا ببريق سراب الكافر فتوهموا أن السعادة هي السير في ركاب الكافر فتاهوا وضلوا وأضلوا بل وحاولوا زرع الشك في نفوس أتباعهم ومحبيهم وخلط مفاهيمهم حتى صرنا نسمع من أبناء المسلمين من يدعوا للديمقراطية وفقه الموازنات وتجديد الفكر الديني.
        إن الغيث يطلب في القحط والمحل ووقت الحاجة إليه ونصلي صلاةَ الإستسقاء وحين نسقى الماء يتحقق أمرٌ واحد ولا تحل كل مشاكلنا فهل نحن حقيقة بحاجةٍ للغيث أم للغوث....؟؟؟؟؟؟؟؟؟
        إننا حين نسأل هذا السؤال لا نتلاعب بالكلمات بل نوضح مفهوم معيناً بين قضيةٍ واحدةٍ وقضايا متعددة تتعلق بقضيةٍ وأمرٍ واحد هو أننا نعيش القحط والجدب الفكري منذ أن هدمت الخلافة فقد تعطلت كل الحدود وكل الأحكام مع أن المطر ينهمر في كل عام وبدرجاتٍ وكميات مختلفة.
        صحيح أنه بدون الماء لا خياة في قول الحق سبحانه وتعالى{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ }الأنبياء30,وهذا يدل على ظواهر استمرار الحياة في الزرع والدواب والطير والبشر فهم متساوون بإحتياج استمرار وجودهم للماء وللمطر ولكن البشر المخاطبون بالأحكام الشرعية قد خاطبهم ربنا عز وجل فقال {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة179,فحياتنا كمسلمين هي بوجود الذي ينفذ القصاص وسائر أحكام الله عز وجل.
        إن الماء للمخلوقات حياة واتباع الحق حياة والفرق بين هذه وتلك هو وجود العقل المميز الذي استدل بهداية الله له وصدق الله العظيم {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأنعام122, فطريق الحق واتباع أوامر الله وإقامة شرعه على أرضه هي الحياة التي أمرنا ربنا عز وجل أن نحياها وأن نقيمها إن لم تكن قائمة وأن نطلب الغوث من الله عز وجل وأن نسير في الطريق إلى الحياةِ, إذ أن السير لطلب الحياةِ حياه, والقعود عن السير في هذه الطريق هو استمراء ظلم وركون وخنوع وذلة, فحياتنا وغوثنا في إقامة دولتنا فقط فلا الغيث ولا البترول ولاالصناعة ولا الغنى بالنسبة لنا غوث وإنما غوثنا بدولتنا فقط.
        إن الناظر لحال المسلمين اليوم يرى أن حالهم لا يرجعُ إلى قلةِ مواردهم أو جهلهم, بل أنهم يمتلكون المال والثروة والموقع الإستراتيجي في العالم ومع ذلك فلا مكان لهم ولا مكانة ضمن هذا العالم بل أنهم يتأثرون به ولا يؤثرون فيه فلم يكن البترول والمال والموقع عامل قوةٍ بل كان سبباً لإستهدافهم وللهجوم عليهم مع التسليم من الجميع بعراقتهم وتاريخهم وفضلهم, فهل زيادة انتاج بترولهم وكثرةِ عددهم هل هو غوث لهم..؟؟؟؟؟
        إن وجود الخير في يد من لا يمتلك إرادته السياسية أو لا يستطيع أن يتخذ قراره بالفعل وعدمه فلا يُعتبر ما يملك من مال أو بترول خيراً له, فكثرة المال أو قلته والغنى والفقر أمر والقدرة على سياسة ورعاية الأمة شيئ, فالرعايةُ عند المسلمين في حال الغنى هي نفس الرعاية في حال الفقر فلا تؤثر هذه الحالات على مفهوم الرعاية من حيث كونه أحكاماً شرعية لا بد أن يتقيد به الناس ويسوسهم أميرهم يحسبها في كل حال.
        إن المسلمين اليوم بحاجةٍ ماسةٍ لإيجاد رأسٍ لهم ليسوسهم فهذا الجسد المترهل لا بد من وجود رأس له ليعرف به ويتميز به عن الآخرين, فوجود الرأس هو الغوث لهذا الجسد ووجود أمير المؤمنين هو الغوث لهذه الأمة.


        للبحث بقية على حلقات

        تعليق

        • طالب عوض الله
          موقوف
          • Jul 2007
          • 262

          #5
          الرد: مع كتاب ( حديث رمضان - السنة الخامسة - جواد عبد المحسن الهشلمون

          {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}


          الصدق: نقيض الكذب ...وصدَّقه قَبِلَ قوله...وصَدَقه الحديث أنبأه الصدق قال الأعشى: فصدَّقتها وكذبتُها والمرء ينفعه كِذابه.
          وفي كلام العرب صدق صادق كقولهم شِعر شاعر .
          والصدّيق : الدائم التصديق في قوله تعالى {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} مبالغة في الصدقوقوله تعالى{وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }الزمر33 , روي عن علي بن أبي طالب أنه قال (الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم والذي صدّق به أبو بكر رضي الله عنه.
          جاءت هذه الآية بعد قصةِ الثلاثةِ الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهذا كعب بن مالك يحدث فيقول (ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي (ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك) قال قلت يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ولقد أُعطيتُ جدلا, ولكني والله قد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذبٍ ترضى به عني ليوشكنّ الله أن يسخطك علي, ولئن حدثتك حديث صدقٍ تجد عليَّ فيه أني لأرجو عقبى الله, والله ما كان لي عذر والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك) فجاءت هذه الآية لتبين للمؤمنين فضيلة الصدق بل والأمر من الله بأن نكون معهم .
          وقد مدح الله المؤمنين ووصفهم بالصدق فقال {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}الأحزاب, وقال{وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }البقرة , وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا).
          وذم الله المنافقين ووصفهم بالكذب فقال جل وعلا {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ }المنافقون1,وقال صلى الله عليه وسلم ( إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ).
          وقد ورد في هذه الآية أمران من الله للذين آمنوا أولهما (اتقوا الله),(وكونوا مع الصادقين) أما الأمر الأول وهو التقوى فليسَ أمراً لمرةٍ واحدة وجوباً كالحج ولكنه في كل حركةٍ وفعل نحن مأمورون بها وجوباً في قول الحق سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}آل عمران102,وقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }الحشر18.



          أما في هذه الآية فقد جاء الأمر{ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ },وفي الآية مسائل.
          1. إن الصدق يأتي من تقي وغير تقيفلا تلزمه التقوى حتى يكون صادقاً فالكافر أو المشرك قد يكون صادقاً في أمرٍ معين ولكن صدقه لا يمكن أن يدل على تقواه لأنها معدومة عنده ولكن الدافع لصدقه أمر آخر ليس له علاقة بالتقوى على الإطلاق إذ قد يكون الخوف أو الطمع أو الربح أو أي شيءٍ له علاقة بالنفع فالصدق لا يلزمه تقوى ولكن التقوى يلزمها الصدق فالتقي صادق.
          قال العلامة إبن أبي شريف في حواشي شرح العقائد ( الصدق: استعمله الصوفيون بمعنى إستواء السر والعلانية والظاهر والباطن بألا تكذب أحوال العبد أفعاله , وجعلوا الإخلاص لازماً أعم فقالوا كل صادقٍ مخلص وليس كل مخلصٍ صادقاً.
          والصدق بالنسبة للإنسان هو صدق مع نفسه وصدق مع الغير وصدق مع الله, فأما الصدق مع النفس فهو بتحديد ما يريد وما يطلب وطريق وصوله لمبتغاه وأي الطرق يسلك وما هي مواقفه تجاه الأمور وهل تتساوى أحوال قلبه مع سلوكه أم أن هناك أختلافاً وهذا لا يحتاج إلى إسلام أو كفر فلربما كا الكافر صادقاً مع نفسه في وضوح الرؤية عنده فيما يطلب أو ما يريد وأنه ليس بالإمعة,وقد نهى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن أن يكون المسلم إمعه.
          فقد روى الترمذي عن حذيفة قال .. قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ( لا تكونوا أمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنّا ، و إن ظلموا ظلمنا ، و لكن وَطّنوا أنفسكم إن أحسن أن تحسنوا و إن أساؤوا فلا تظلموا ) .
          وأما الصدق مع الغير فإما أن يكون مبنياً على أمر ونهي أو على منفعه وهوى, فإذا كان بناءً على أمر ونهي فهو إمتثال وإنصياع لله تعالى ويؤجر عليه, وإذا كان لمنفعة وهوىً فهو متغير لتغير المصالح والأهواء.
          وأما الصدق مع الله فهو مالا يعلمه إلا الله ونسأل الله أن نكون من الصادقين.
          فالفرق بين الصدق والإخلاص: أن الصدقَ أصل والإخلاص فرع , فالصدق أصل كل شيء والإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في الأعمال, والأعمال لا تكون مقبولة إلا بها فالخطاب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ }التوبة119, كونوا مع المقيمين على منهاج الحق مع من ترضى حاله سراً وعلانيه وظاهراً وباطناً.
          2. {وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } وهو أمر من الله بالكون مع الصادقين.
          والكون هو الحَدَث والكائنة.. الحادثة وفي حديث توبة كعب: رأى رجلاً لا يزول به السرابُ فقال كن أبا خيثمة أي جده.
          وفي الحديث ( من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتكونني) وفي رواية لا تكون على صورتي) يعني لا يصير كائناً في صورتي.
          فكان الخطاب صيروا مع الصادقين المخلصين الذين استوى سرهم وجهرهم فهم هم في الخفاء وفي العلن فهم كما قال الشاعر :

          فسري كإعلاني وتلك خليقتي وظلمة ليلي مثل ضوء نهاري

          { اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } في كل ما يحملون حتى تلتحموا فيهم ويأتي غيركم فيلتحموا بكم ليكونوا معكم في حملكم لدعوتكم الصادقة أيها الصادقون.
          إن هناك فرق بين صدق الدعوةِ وصدق الداعية والخطاب هنا من الله عز وجل يخاطب بها المؤمنون ليكونوا مع الصادقين في دعوتهم الصادقة, فقد يكون الداعي مخلصاً فيما يدعوا له ولكن الدعوةَ غير خالصة حين يخالطها دخن أو غشاوةٌ أو لا يدرك هذا الداعي حقيقة ما يدعوا إليه أو لم يفهم هذه الدعوة, فوضوح الفكرة التي قامت على أساسها هذه الدعوة وضوحاً لا يخفى حتى على غير حملة هذه الدعوة منذ بدايتها وطريقة حملها وغايتها وتطابقها مع أوامر الله ونواهيه بمنأى عن تغير الواقع أو الموقع, فالحكم الشرعي في الأردن مثلاً هو نفسه في سوريا أو في العراق والإلتزام به هنا واجب كالإلتزام به هناك هو من العوامل التي تؤسس لصفاء هذه الدعوةِ وخلوصها من الشوائب.
          إن خلوص الدعوةِ يظهر حين لا تخضع هذه الدعوة لإرادة قادتها أو لأهوائهم لضمانه سلامتهم ومصالحهم, بل إن الدعوةِ نخضع من حملها في السر والعلن للتقيد بطريقتها حتى يذوب الداعي في الدعوة أو تذوب الدعوة بالداعي, فلا تفصل الدعوة على مقياس الواقع بل يجب صياغة الواقع ليتوافق مع الدعوة, وهنا لابد أن يبرز صدق حامل هذه الدعوة حين يظهر أي انحراف أو دخن في هذه الدعوة.
          3. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ }التوبة119,إنه أمر من الله عز وجل لعباده المؤمنين بالكون مع الصادقين, ومتى وجب الكون معهم وجب وجود الصادقين في كل وقت فإذا لم يكن الصادقون موجودين في كل وقت فإن الله سبحانه يكون كلفنا بما لا نطيق –وحاشا لله- والقاعدة التي تنطبق هنا هي ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, فالواجب علينا أن نكون مع الصادقين فلا يمكن أن يتم هذا الواجب إلا بوجودهم وعدم انقطاعهم لحديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (أمتي كالمطر لا يدرى أولها خير أم آخرها)
          إن خطاب ربنا لنا. {وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } دليل على وجودهم وعدم انقطاعهم فالقضية هنا ليست وجودهم أو انقطاعهم وإنما القضية المهمة هي معرفتهم أولاً ثم الكون معهم, أما بالنسبة لمعرفتهم, فإن معرفة الحق من مستلزمات معرفتهم فلا يعرفُ الصادقين من لم يطلب الحق ليلتزم به, وكما قال علي بن أبي طالب للأحوط بن قيس ( يا أحوط إنه ملبوس عليك إعرف الحق تعرف أهله), وطلب المعرفة هذا يحتاج إلى النقاء والصفاء والصدق مع النفس وعدم اتباع الهوى والحب والبغض وكما ورد في الدعاء اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
          إن طلب معرفةِ الصادقين إن شابه هوىً أبعد صاحبه عن رؤيةِ الحق حقاً إذ قد يرى الباطل حقاً والعياذ بالله أو يرى الهوى حقاً ... بل ويدافع عنه, فإن من يغمض عينيه لا يمكنه رؤية الجبل الكبير ليس لعدم وجود الجبل أو لإختفائه وإنما لأنه لا يريد رؤيته,وكذلك من لا يريد معرفة الحق لأنه يخالف هواه ومصالحه وهنا يأتي التذكير من الله للذين آمنوا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ } في طريق معرفتكم للحق ولا تتبعوا أهواءكم حين تدركون {وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } حين تعرفونهم ولا تكتفوا بمعرفتهم فقط.
          أما الثانية وهي الكونُ مع الصادقين والإلتحام بهم فإن لها تبعات كثيرة وقيود ثقيلة, فإن طريق معرفة الحق وإن كان صعباً فالسير فيه أصعب من معرفته, والصبر على مشاق ووعورة الطريق وقلة المعين وما قد يحصل للسالك لهذا الطريق من المعاناةِ والغربةِ هو الأمر الطبيعي, فالكون مع الصادقين في زمن العولمة وفقه الموازنات وفقه الواقع وطغيان المادية هو الغربة الفكرية حين ترتفع أصوات الذين ينادونَ بضرورة تجديد الفكر الديني وتسمع بالمقابل أصوات الصادقين ينادون بضرورةِ عودة دولة الإسلام وتنصيب خليفة وصدق الله العظيم{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }لقمان17.
          إن الالتزام بالحق حين يُعلم أنه الحق له ثمن يدفعه هذا الملتزم به من جهد ومعاناةٍ في هذه الحياة الدنيا حين يجهر بمخالفته للأعراف والعادات والتقاليد ولأنظمة الحكم وللمفاهيم المغلوطة عند الناس, والقصة هنا للعبرةِ والعظة لصحابي جليل طلب الحق فعرفه ثم التزم به.
          إنه صهيب الرومي:حالف صهيب سيداً من سادات مكة هو عبد الله بن جدعان وطفق يعمل في التجارة فدرت عليه الخير الوفير والمال الكثير, وقد عاد إلى مكة من إحدى رحلاته فقيل له إن محمداً بن عبد الله قد بُعث وقام يدعوا الناس إلى الايمان بالله وحده ويحضهم على العدل والإحسان وينهاهم عن الفحشاء والمنكر.....فقال أليس هو الذي يلقبونه بالأمين ..... فقيل له بلى, فقال أين مكانه..... قيل له في دار الأرقم بن أبي الأرقم عند الصفا...
          فمضى صهيب إلى دار الأرقم ..... فلما بلغها وجد عند الباب عمار بن ياسر..... فتردد لحظة ثم دنا منه وقال ما تريد يا عمار...؟؟ قال.. بل ما تريد أنت...؟؟ قال صهيب أردت أن أدخل على هذا الرجل فأسمع منه ما يقول...قال عمار وأنا أريد ذلك, قال صهيب...إذاً ندخل معاً.
          ودخل صهيب الرومي وعمار بن ياسر على الرسول صلى الله عليه واله وسلم واستمعا إلى ما يقول فأشرق نور الإيمان في صدريهما.... وتسابقا في مد أيديهما إليه وشهدا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله وتحمل صهيب وعمار وبلال وسمية وخباب وغيرهم من أذى المشركين الكثير الكثير, ثم أذن للرسول صلى الله عليه وال وسلم بالهجرةِ فهاجر.
          عزم صهيب على أن يمضي في صحبةِ الرسول صلى الله عليه وال وسلم لكن قريش منعته بل وأقامت الرقباء عليه حتى لا يفلت من أيديهم..... وظل صهيب يتحين الفرص للّحاق برسول الله فعمد إلى الحيلة حتى يخرج من مكة..... ففي ليلةٍ باردةٍ أكثر صهيب من الخروج إلى الخلاء كأنه يقضي حاجة..... فكان لا يرجع من قضاء حاجةٍ حتى يعود إليها..... فقال بعض الرقباء... طيبوا نفساً فإن اللآت والعزى شغلاه ببطنه..... ثم آووا إلى مضاجعهم.
          تسلل صهيب من بينهم ثم يمم شطر المدينة..... ولم يمض وقت قليل حتى فطن له رقباؤه..... فهبوا من نومهم.... وامتطوا السوابق وأطلقوا أعنتها خلفه حتى أدركوه.... فلما أحسَّ بهم وقف على مكان عالٍ وأخرج سهامه من كنانته ووتر قوسه وقال.... يا معشر قريش لقد علمتم والله أني من أرمى الناس وأحكمهم إصابة..... ووالله لا تصلونَ إليَّ حتى أقتل بكل سهم معي رجلاً منكم,ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي شيء منه.
          قال قائل منهم: والله لا ندعك تفوز منا بنفسك ومالك...... لقد أتيت مكة صعلوكاً فاغتنيت وبلغت ما بلغت.... فقال أرأيتم إن تركت لكم مالي أتخلون سبيلي ......؟؟ قالوا نعم..... فدلهم على موضع ماله في بيته في مكة فمضوا إليه وأخذوه ثم أطلقوا سراحه.

          أخذ صهيب يغذ السير نحو المدينة فاراً بدينه إلى الله غير آسف على المال وكان كلما أصابه التعب استفزه الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيعود إليه نشاطه.... فلما بلغ قباء رآه الرسول صلى الله عليه واله وسلم مقبلاً فهشَّ له وبش وقال..... (ربح البيع أبا يحيى ربح البيع) وكررها ثلاثاً , فغلبت الفرحة وجه صهيب وقال: والله ما سبقني إليك أحد يا رسول الله وما أخبرك إلا جبريل.
          يتبع >>>> >>>>مفهوم اليأس39

          تعليق

          • ماهر البنا
            عضو
            • Sep 2007
            • 43

            #6
            الرد: مع كتاب ( حديث رمضان - السنة الخامسة - جواد عبد المحسن الهشلمون

            مفهوم اليأس

            اليأس : هو نقيض الرجاء في قول الحق سبحانه وتعالى {يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ }يوسف87.

            قال ابن عباس (إن المؤمن من الله على خبر يرجوه في البلاء ويحمده في الرخاء), فلا يحصل اليأسُ الذي هو عدم الرجاء من رحمة الله إلا إذا اعتقد الإنسانُ أن الله غير قادرٍ على الكمال أو غير عالمٍ بجميع الأحوال وأنه جل وعلا غير كريم بل هو بخيل وكل واحدةٍ من هذه الثلاثة أمور توجب الكفر لوحدها, فإذا كان اليأسُ لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الأمور أو كلها فإن اليأسَ لا يحصل إلا لمن كانَ كافراً وصدق الله العظيم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ}الممتحنة13.
            وفد جاء عن عبد الله بن مسعود أن اليأس من الكبائر, وكذلك القنوط وسوء الظن فكان لا بد من التفريق بين هذه المصطلحات:-

            1. اليأس: قالوا فيه: إن اليأسَ هو عدم رجاء وقوع شيءٍ من الرحمة له فكأنه يقول قد دعوت الله كثيراً فلم يستجب لي بأن يرفع عني هذا الهم بل زاد وقد دعوت الله أن يهلك الأعداء فلم يهلكهم.... ويذر الدعاء وهذا يسمّى الإستعجال وقد فسره رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيقول (يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أرَ يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء), وهذا من موانع الإستجابة لأنه دخله بابٌ من أبواب الشك والعياذ بالله, فمداخلة رجاء العبد بربه شك يحدث في نفسه بل في قلبه مرض وشفاء القلب لا يكون إلا بعودةِ القلب خالصاً متيقناً بأن حبل رجائه بربه موصول قطعاً.
            ويكون الجواب على من يسأل بأننا ندعوا ولا نرى أثر الدعاء.... والجواب في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري

            أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال ( ما من مسلم يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها احدى ثلاث, إما أن يعجل له دعوته, وإما أن يدّخر له, وإما أن يكفَّ عنه من السوء بمثلها) قالوا (إذن لنكثر) قال (لله أكثر).
            والرجاء كما أخبر عنه ربنا جل وعلا{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110, يعني أن الإعتقاد وحده لا يكفي بل لا بد بالقيام بكل الفروض والأوامر والنواهي ومن ثم يحصل الرجاء.... كالذي حرث وزرع وأخذ بالأسباب, يكون على رجاءٍ من الله أن يغفر له ويستجيب لدعائه,وليس الرجاء كالتمني, فلا صام ولا صلى ولا زكى ولم يأخذ بالأسباب ثم يتمنى على الله الأماني.
            وأما فيما يتعلق بعدم وقوع الرحمة له فإن الله تعالى قد أخبر فقال {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}, فإن الله لا يخرج عبداً من رحمته, بل العبد هو الذي يُخرج نفسه من رحمة ربه عز وجل باستكباره عن دعائه وخضوعه له{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }غافر60 .
            2. وأما القنوط فهو: عدم رجاء وقوع شيءٍ من الرحمة له مع انضمام حالةٍ هي أشدُّ منه في التصميم على عدم الوقوع, وتنعكس آثار هذا اليأس في الوجه والملامح والتصرفات ويفهم هذا الأمر من قوله تعالى {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ }الحجر55,وطلاقة الوجه تَنُمُّ عن فرح قد انعكس على الوجه, واليأس إن انعكست آثاره على الوجه فهو القنوط.
            فإن الوجه هو الذي تظهر عليه آثار السرور أو آثار الحزن, فالتجهم مثلاً هو الأثر الذي انعكس أو ظهر على الوجه وهو نتيجة لحزنٍ أو لغيره وكذلك السرور تظهر آثاره على الوجه وصدق الله العظيم{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ{38} ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ{39} وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ{40} تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ{41} أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ{42}عبس, فلا يعرف المرءُ أنه مسرورٌ من يده أو من ساقه بل من وجهه, وكذلك القنوط الذي هو آثار اليأس وانقطاع الرجاء الذي ظهرت آثاره على الوجه, وهذه أيضاً أحوال أهل الجنة في قوله تعالى{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ{22} عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ{23} تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ{24}المطففين, وقوله تعالى {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ }النحل58, يعني ظهرت على وجهه آثار انفعالاته.
            وهذا قطعاً ليس حال المؤمن الذي قرأ {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}, فإن فرحه مضبوط بقواعد شرعية وحزنه أيضاً, وإقبال الدنيا عليه أو إدبارها عنه لا تؤثر في حاله, فيستبشر بإقبالها أو ييأس حين إدبارها أو حين خسارته أو بوار تجارته, فيتقلب في الدنيا تبعاً لربحه فيها خسارته وصدق الله العظيم {لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ }فصلت49, بل هو ثابت على الحق, والربح والخسارة والغنى والفقر والجوع والشبع كلها أحوال آنية لا تستقر ولا تبقى بل الثابت هو الحق وحده.
            وقد تمر بالإنسان أحوال يخطئ فيها أو يظلم نفسه حين يرتكب إثماً أو يتجاوز حداً, فلا يقولنَّ إنني قد فعلت كذا وكذا وأن ذنوبي عظيمة فييأس ثم تفتر همته وتنعكس آثار هذا الأمر على وجهه بقنوطه من رحمة الله عز وجل وصدق الله العظيم {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}آل عمران135,وروى مسلم عن أبي هريرةَ أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم, ولجاء بقومٍ يذنبونَ فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم), وروى أبو داود والترمذي والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه, غُفِرَت ذنوبه وإن كانَ قد فر من الزحف).
            إن استشعار المرء بقدرةِ الله وقوته وأنه وحده القادر الغافر للذنب وأن بقاءه في كنف الله حتى حين يخطئ بوصفه الآدمي ولا يُصِّرُ على ما فعل, هو الذي يبقيه في دائرةِِ عبوديته لله عز وجل وأن حبله بربه موصول بإستغفاره له وطلب إعانته, وقد روى البخاري عن شداد بن أوس عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال (سيّدُ الإستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت, أعوذ بك من شر ما صنعت, أبوء لك بنعمتك علي, وأبوء بذنبي, فاغفرلي, فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت.من قالها من النهار موقناً بها, فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة, ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة).

            3. وأما سوء الظن فهو: عدم رجاء وقوع شيءٍ من الرحمة له والتصميم على عدم الوقوع ويزيد عليها أنه مع عدم رحمته له يشدد له في العذاب كالكفار, فإن حال المنافقين والكافرين والعياذ بالله هو ظن السوء, في قوله تعالى{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً }الفتح6, وظن السوء الذي ذكره الله في هذه السورةِ بقوله{بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً }الفتح12.
            وقد اختار المحققونَ الأدباء أن السوء عبارة عن الفساد, والصدق عبارة عن الصلاح, فيقال مررت برجل سوء أي فاسد, وسألت رجل صدق أي صالح, فالسوء وحده يكون بمعنى الفساد, وهذا ما اتفق عليه الخليل والزجاج؟, وتحقيق هذا أن السوء في المعاني كالفساد في الأجسام فيقال ساء مزاجه وساء خلقه وساء ظنه, كما يقال فسد اللحم وفسد الهواء, وكل ما ساء فقد فسد وكل ما فسد فقد ساء, ففي فساد الأجرام قال تعالى{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}الروم41, وفي المعاني قال تعالى {سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }التوبة9 , وفي قوله تعالى {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}الفتح, أي دائرة الفسادوحاق بهم الفساد بحيث لا خروج لهم منه.
            وسوء الظن لا يتعلق إلا بمنافق أو بمن ظن أن الله لا يحيي الموتى وظن أن الله لن ينصر رسله وصدق الله العظيم {وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ{22} وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ{23}فصلت.
            وحال المنافق واحد في كل وقت فحاله زمن بعثة النبي صلى الله عليه واله وسلم هو حاله اليوم, وقولهم بالأمس كقولهم اليوم ولا فرق, وسوء ظنهم بالأمس كسوء ظنهم اليوم وصدق الله العظيم {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ }الحج15, وقد قال ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحّاك وقتاده والسّدي والفراء والزَّجاج أنه يرجع إلى محمد صلى الله عيه واله وسلم يريد أن من ظن أن لن ينصر الله محمداً في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه وفي الآخرةِ بإعلاء درجته والإنتقام ممن كذبه {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء} يعني فاليطلبحيلة يصل بها إلى السماء, {ثُمَّ لِيَقْطَعْ} أي ليقطع النصر إن تهيأ له.
            وهذه الآية لكل وقت فمن ظن أن الله تعالى لن ينصر دينه بإظهاره على الدين كله وأنه تعالى قد وعد عباده بالنصر والإستخلاف والتمكين, من ظن أن الله لن يفي بوعده فحاله كحال الذي يعبد الله على حرف فإن أصابه خير إطمأن له, وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه, خسر الدنيا والآخرةِ, ذلك هو الخسران المبين.
            ليس هذا فحسب بل إذا صلى أو زكى أو صام أو حج, وظن أن الله لن يقبل منه صلاةً أو صيام..... أنى يكون هذا حال مؤمن والعياذ بالله فكان الجواب, من كان يظن أن الله لا يرزقه فاليختنق فاليقتل نفسه إذ لا خير في حياةٍ تخلو من عون الله عز وجل, وإدراك عون الله للعبد لا يكون إلا بحسن ظنه بربه.
            وكذلك الذي يحمل الإسلام ويدعوا له ويعمل لتطبيق شرع الله في أرضه كيف يمكنه العمل والإجتهاد فيه وجعله مركزاً لحياته وهو يظن أن الله لن ينصره...؟؟؟
            إن سوء الظن هو حال المنافق أو من تزعزعت عقيدته وأصبح إيمانه متعلق بيسره, فإذا أصابه العسر اختل إيمانه وتشكك في قدرة الله وقوته بعكس المؤمن المحتسب الصابر الموقن بقوله عز وجل{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ}النحل , فيدرك إدراكاً أن ما عند الله أقرب له مما في يده اعتقاداً جازماً وهذا هو حسن الظن بالله عز وجل الموجود في قلوب الؤمنين حين قال لهم الناس {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }آل عمران173, وحسن الظن بالله واطمئنان قلبهم لقضاء الله عز وجل دفعهم للقول{هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً }الأحزاب22.
            إنهم حين حملوا الدعوةَ إلى الله عز وجل كان سلاحهم وعدتهم وعتادهم حسن الظن بالله بأنه ناصرهم ومؤيدهم ورازقهم فهم السائرون بوعد الله وهم المنصورون بوعد الله وهم المحسنون الظن بالله, وحال كل من حمل من بعدهم مثل ما حملوا , هو هذا لا يختلف عنه من أن الله ناصرهم ومؤيدهم ورازقهم وحاميهم وأنهم في كنف الله ومعيته وأنهم ضمن إطار أوامره ونواهيه يتبعون الهدى ويبتعدون عن الهوى, فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه واله وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول ( لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل ).
            إن اطمئنان القلب لقضاء الله عز وجل وحسن الظن به هو الزاد لحامل الإسلام الذي يعينه في حمله ولتبعاته فهو الموعود من الله بالنصر والتمكين وهو صاحب البشارة والوعد فرغم الواقع السيء الذي يراه حامل الدعوةِ من تفرق الصديق وتكالب الأعداء والخوف والسجن والقتل والتشريد ورغم ضيق الحال وقلة ما في اليد, يبقى حبل الرجاء مع الله هو هو لا يؤثر فيه كل هذه الأحوال لوجود الإعتقاد الجازم بأن الله يدافع عن الذين آمنوا وأنه جل وعلا خاطبنا فقال{ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ}المائدة,
            فلا يمكن للكفار وحلفائهم أن يطعنو في هذا الدين أو يحرفوه, فعمدوا إلى أهله يحاولون مع النفوس المريضة تارةً ومع حملة الدعوة تارات, ولكن أنى لهم ذلك.
            إن القضية التي يحملها حامل الدعوة إلى الله هي تبليغ رسالة الله إلى عباد الله لهدايتهم بغلبة الحجة وليس بغلبة القهر, فبدأت الدعوة في عالمٍ كله فساد وضلال وجميع القوى المادية فيه بأيدي أهل الشرك والكفر, وصمدت هذه النبتة الوليدة للهزات العنيفة في مكة وصبرت على كل أنواع الأذى من أعدائها وخصومها, فما هي إلا سنين قليلة حتى دانت لها الأمم ودخلت في دين الله أفواجاً.
            وهذا قد حدث ولسوف يحدث مرةً أخرى لأن الوعد من الله لعباده المؤمنين وصدق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (أمتي كالمطر لا يدرى أولها خير أم آخرها), وصدق اله العظيم {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ{5} وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ{6}القصص.
            لقد استقبل موسى ومن آمن معه وعد الله استقبال المطمئن الواثق بوعد الله, وحصل هذا الأمر ورآه من كان البارحة يستبعد أو يكذب كل من يقول هذا القول , في الوقت الذي كان المؤمنون مع موسى من المستضعفين في حال خوف وضعف.
            وتكرر الأمر مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عندما وعدهم بقصور بصرى في أضيق الأحوال على المؤمنين فقال لهم (إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زويَ لي منها), وحصل هذا الأمر ورآه كل من آمن ولسوف يتكرر هذا الأمر فبشرنا ربنا فقال {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}النور55 .
            فهذا الأمر هو الوعد الحق وهو الزاد في السفر في هذه الحياةِ الدنيا.
            يتبع >>>> >>>> مفهوم الرجاء47






            بربك أيها الغافي تيقظ*** فقد ضجت بغفوتك المُهودُ
            ألم توقظك ولولةُ العذارى*** مروعة ترددها النجودُ

            تعليق

            مواضيع مرتبطة

            Collapse

            جاري العمل...