الانفصال بين الأمة والدولة ووجوب المحاسبة
من الملاحظ في هذه الأيام أن الأمة منفصلة انفصالاً تاماً عن الدولة، أي عن الحكام وأن العلاقة بين جمهرة الناس والحكام علاقة بين فئتين متباينتين لا علاقة بين رعايا ودولة، وفضلاً عن ذلك فإن هذه العلاقة فوق كونها علاقة بين فئتين متباينتين هي علاقة كراهية وتضاد وتناقض ليس فيها أي تقارب ولا ما يشعر بإمكانية وجود تقارب في المستقبل، وهذا هو الذي يضعف كيان الأمة ويضعف الدولة، كذلك لأن الرعية بدون وجود راع منها تكون واهية البنيان، والدولة بدون وجود رعية تقف صفاً واحداً خلفها تكون واهية الوجود يمكن إزالتها بأقل جهد، وتكون عرضة للاستعانة بأعداء الأمة.
إن هذا الانفصال بين الأمة والدولة كان طبيعياً وواجباً يوم كانت الدولة الكافرة تحكم البلاد مباشرة، يوم كان الانتداب الإنجليزي هو المطبق على البلاد، ولكن بعد أن أزيل سلطان الإنجليز رسمياً وأصبح حكام البلاد يباشرون الحكم وهم من أبناء الأمة مسلمون، فإنه لم يعد هناك مبرر لبقاء هذا الانفصال، وكان يجب أن تتحول العلاقات بين جمهرة الناس وبين الدولة إلى علاقة رعية وراع، وإلى التحام بين الراعي والرعية. غير أن الواقع أن هذا الانفصال قد بقي ولا يزال باقياً، وظل الحكام فئة والأمة فئة أخرى، وظلت إحدى الفئتين مضادة للأخرى، الأمة تنظر إلى الحكام بأنهم أعداؤها كما كانت تنظر للإنجليز بل ربما شعرت بظلمهم أكثر من ظلم الإنجليز، والحكام ينظرون إلى الأمة بأنها تتآمر عليهم وتود أن تفتك بهم وأنها عدوة لهم، فهم يكيدون لها وهي تكيد لهم، وهذا ما يجعل الأمة في حالة يأس من أن تتقدم خطوة واحدة نحو العزة والرفاهية، ويجعل الحكام محصوراً تفكيرهم بما يبقيهم على كراسي الحكم ولو بالاستعانة بالأجنبي، ويجعلهم لا يفكرون برفع الأمة إلاّ نفاقاً وبأساليب تبعد الأمة عن الرقي، وتجعلها دائماً في حالة ضعيفة حتى يظلوا مسيطرين عليها.
إن هذه الحالة من الانفصال بين الأمة والدولة هي نتيجة عدم قيام الأمة بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام، وعدم شعورها بأنها هي مصدر السلطان، فلو كانت تشعر بأنها مصدر السلطان وتقوم بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام، لما تولاها حاكم خائن عدو لها، ولما كان بينها وبين الحكام هذا الانفصال ولما كانت في هذا الضعف، في هذا التفكك، في هذا التأخر، ولما ظلت تحت نفوذ الكفار فعلاً وإن كان الذي يحكمها حكماً مباشراً مسلماً من أبناء المسلمين. لذلك كان لا بد للامة حتى تكون كياناً واحداً هي والحكام وفئة واحدة هي والدولة أن تقوم بواجب محاسبة الحكام، وأن تقول كلمة الحق في وجه الحكام، وأن تعمل بقوة وبجد للتغيير على الحكام أو تغييرهم، وما لم تبادر إلى ذلك فإنها ولا شك ستظل تنحدر بسرعة فائقة هذا الانحدار الذي نراه حتى تفنى أو تشرف على الفناء.
إن الإسلام جعل محاسبة الحكام فرضاً على المسلمين، وأمرهم بمحاسبة الحكام وبقول الحق أينما كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم. أما قول الحق والجهر به فإن المسلمين في بيعة العقبة الثانية حين بايعوا الرسول قد بايعوه على قول الحق فقد قالوا في نص البيعة ما نصه "وأن نقول الحق أينما كان لا نخاف في الله لومة لائم" وأما محاسبة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فإنه بالرغم من أنها داخلة في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جاءت نصوص صريحة بالأمر بمحاسبة الحكام، فعن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله r : «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». وعن أبي أمامة قال: «عرض لرسول الله رجل عند الجمرة الأولى فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: أين السائل؟ فقال: أنا يا رسول الله، قال: «كلمة حق تقال عند سلطان جائر» فهذا نص في الحاكم ووجوب قول الحق عنده، ووجوب محاسبته، وقد حث الرسول على مكافحة الحكام الظلمة مهما حصل في سبيل ذلك من أذى حتى لو أدى إلى القتل. فقد رُوي عنه أنه قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» وهذا من أبلغ الصيغ في التعبير عن الحث على تحمل الأذى حتى الموت في سبيل محاسبة الحكام، وكفاح الحكام الظلمة.
إن كفاح ظلم الحكام الذي نراه اليوم، ومحاسبة هؤلاء الحكام على أعمالهم كلها، وعلى خياناتهم وتآمرهم على الأمة فرض فرضه الله علينا معشر المسلمين. والقيام بهذا الفرض هو الذي يزيل الفواصل الموجودة بين الأمة والحكام. وهو الذي يجعل الأمة والحكام كلها فئة واحدة وكتلة واحدة، وهو الذي يضمن التغيير على الحكام، ويضمن كذلك تغييرهم إن لم يكن التغيير عليهم. وهو أول طريق النهضة، فالنهضة لا يمكن أن تتأتى إلاّ عن طريق الحكم حين يقام على عقيدة الإسلام، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بإيجاد الحكم على العقيدة الإسلامية، وإيجاد الحكم على هذا الأساس، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بكفاح الحكام الظلمة وبمحاسبة الحكام.
إقامة الأحزاب السياسية فرض كفاية
إن محاسبة الحكام التي أمر الله المسلمين بها تكون من الأفراد، بوصفهم أفراداً. وتكون من التكتلات والأحزاب بوصفها تكتلات وأحزاباً.
والله سبحانه وتعالى كما أمر المسلمين بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام، أمرهم كذلك بإقامة تكتلات سياسية من بينهم، تقوم بوصفها تكتلات بالدعوة إلى الخير، أي إلى الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام، قال تعالى :]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر[ أي لتوجدوا أيها المسلمون جماعة منكم، لها وصف الجماعة، تقوم بعملين: عمل الدعوة إلى الإسلام، وعمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذا الطلب بإقامة الجماعة هو طلب جازم، لأن العمل الذي بينته الآية لتقوم به هذه الجماعة هو فرض، على المسلمين القيام به كما هو ثابت في الآيات والأحاديث الكثيرة. فيكون ذلك قرينة على أن الطلب بإقامة الجماعة طلب جازم. وبذلك يكون الأمر الوارد في الآية للوجوب، وهو فرض على الكفاية على المسلمين، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وليس هو فرض عين، لأن الله طلب من المسلمين أن يقيموا من بينهم جماعة، لتقوم بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يطلب من المسلمين في الآية أن يقوموا كلهم بذلك، وإنما طلب منهم أن يقيموا جماعة منهم لتقوم بهذا الفرض، فالأمر في الآية مسلط على إقامة الجماعة وليس مسلطاً على العملين.
والعملان هما بيان لأعمال الجماعة المطلوب إيجادها، فيكون وصفاً لنوع الجماعة المطلوب إيجادها.
والجماعة حتى تكون جماعة تستطيع مباشرة العمل بوصف الجماعة، لا بد لها من أمور معينة حتى تكون جماعة، وتظل جماعة وهي تقوم بالعمل.
والذي يجعلها جماعة هو وجود رابطة تربط أعضائها، ليكونوا جسماً واحداً، أي كتلة. ومن غير وجود هذه الرابطة لا توجد الجماعة المطلوب إيجادها، وهي جماعة تعمل بوصفها جماعة. والذي يبقيها جماعة وهي تعمل هو وجود أمير لها، تجب طاعته. لأن الشرع أمر كل جماعة بلغت ثلاثة فصاعداً بإقامة أمير لهم. قال r : «لا يحل لثلاثة بفلاة من الأرض إلاّ أمروا أحدهم».
وهذان الوصفان اللذان هما وجود الرابطة بين الجماعة، ووجود الأمير الواجب الطاعة يدلان على أن قوله تعالى: ]ولتكن منكم أمة[ يعني لتوجد منكم جماعة، لها رابطة تربط أعضائها، ولها أمير واجب الطاعة، وهذه هي الجماعة أو الكتلة أو الحزب أو الجمعية أو أي اسم من الأسماء التي تطلق على الجماعة، التي تستوفي ما يجعلها جماعة، ويبقيها جماعة وهي تعمل. وبذلك يظهر أن الآية أمر بإيجاد أحزاب أو تكتلات أو جمعيات أو منظمات أو ما شاكل ذلك.
أما كون الأمر في الآية بإيجاد جماعة هو أمر بإقامة أحزاب سياسية فذلك آتٍ من كون الآية عينت عمل هذه الجماعة، وهو الدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعمل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر جاء عاماً فيشمل أمر الحكام بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وهذا يعني وجوب محاسبتهم. ومحاسبة الحكام عمل سياسي، تقوم به الأحزاب السياسية، وهو من أهم أعمال الأحزاب السياسية.
لذلك كانت الآية دالة على إقامة أحزاب سياسية لتدعوا إلى الإسلام، ولتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحاسب الحكام على ما يقومون به من أعمال وتصرفات.
والآية تدل على أن هذه الأحزاب يجب أن تكون أحزاباً إسلامية تقوم على العقيدة الإسلامية، وتتبنى الأحكام الشرعية، ولا يجوز أن تكون أحزاباً شيوعية أو اشتراكية، أو رأسمالية، أو قومية، أو وطنية أو تدعو إلى الديمقراطية، أو إلى العلمانية، أو إلى الماسونية، أو تقوم على غير العقيدة الإسلامية، أو تتبنى غير الأحكام الشرعية. ذلك أن الآية حددت صفة هذه الأحزاب بالأعمال التي تقوم بها. وهذه الأعمال هي الدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن يقوم بهذه الأعمال لا بد من أن يكون حاملاً للإسلام وقائماً على أساس الإسلام، ومتبنياً أحكام الإسلام. ومن يتكتل على أساس شيوعي أو اشتراكي أو رأسمالي، أو ديمقراطي أو علماني أو ماسوني أو قومي أو وطني أو إقليمي لا يمكن أن يكون قائماً على أساس الإسلام، ولا حاملاً للإسلام، ولا متبنياً لأحكام الإسلام. وإنما يكون قائماً على أساس كفر، ومتكتلاً على أفكار كفر.
لذلك يحرم أن يتكتل المسلمون على أساس الشيوعية أو الاشتراكية، أو الرأسمالية أو الديمقراطية، أو العلمانية، أو الماسونية، أو القومية أو الوطنية، أو على أي أساس غير أساس الإسلام.
ويجب أن تكون هذه الأحزاب علنية غير سرية، لأن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام، والعمل للوصول إلى الحكم عن طريق الأمة تكون علنية وصريحة، ولا تكون في السر والخفاء، حتى تؤدي الغرض المطلوب منها.
ويجب أن تكون أعمال هذه الأحزاب غير مادية، لأن عملها هو القول، فهي تدعو إلى الإسلام بالقول، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالقول، لذلك يجب أن تكون وسائلها سلمية، ولا تستعمل السلاح، ولا تتخذ العنف وسيلة لعملها. لأن حمل السلاح في وجه الحاكم غير جائز لورود الأحاديث الناهية عن ذلك، ولذلك يمكن أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام دون إشهار السلاح عليهم، لذلك يجب أن تكون وسائل سلمية، ويمنع أن تكون مادية، ويحرم إشهار السلاح في وجه الحاكم إلاّ في حالة واحدة، وهي حالة ما لو أظهر الكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت «وأن لا ننازع الأمر أهله قال: إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان».
والله المستعان
أخوكم في الله
قنــاص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المسلمون أمة واحدة من دون الناس *
* يجـب عليهم أن يكونوا دولة واحدة *
* تحت رايـة خليفــة واحـــد*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[email protected]
من الملاحظ في هذه الأيام أن الأمة منفصلة انفصالاً تاماً عن الدولة، أي عن الحكام وأن العلاقة بين جمهرة الناس والحكام علاقة بين فئتين متباينتين لا علاقة بين رعايا ودولة، وفضلاً عن ذلك فإن هذه العلاقة فوق كونها علاقة بين فئتين متباينتين هي علاقة كراهية وتضاد وتناقض ليس فيها أي تقارب ولا ما يشعر بإمكانية وجود تقارب في المستقبل، وهذا هو الذي يضعف كيان الأمة ويضعف الدولة، كذلك لأن الرعية بدون وجود راع منها تكون واهية البنيان، والدولة بدون وجود رعية تقف صفاً واحداً خلفها تكون واهية الوجود يمكن إزالتها بأقل جهد، وتكون عرضة للاستعانة بأعداء الأمة.
إن هذا الانفصال بين الأمة والدولة كان طبيعياً وواجباً يوم كانت الدولة الكافرة تحكم البلاد مباشرة، يوم كان الانتداب الإنجليزي هو المطبق على البلاد، ولكن بعد أن أزيل سلطان الإنجليز رسمياً وأصبح حكام البلاد يباشرون الحكم وهم من أبناء الأمة مسلمون، فإنه لم يعد هناك مبرر لبقاء هذا الانفصال، وكان يجب أن تتحول العلاقات بين جمهرة الناس وبين الدولة إلى علاقة رعية وراع، وإلى التحام بين الراعي والرعية. غير أن الواقع أن هذا الانفصال قد بقي ولا يزال باقياً، وظل الحكام فئة والأمة فئة أخرى، وظلت إحدى الفئتين مضادة للأخرى، الأمة تنظر إلى الحكام بأنهم أعداؤها كما كانت تنظر للإنجليز بل ربما شعرت بظلمهم أكثر من ظلم الإنجليز، والحكام ينظرون إلى الأمة بأنها تتآمر عليهم وتود أن تفتك بهم وأنها عدوة لهم، فهم يكيدون لها وهي تكيد لهم، وهذا ما يجعل الأمة في حالة يأس من أن تتقدم خطوة واحدة نحو العزة والرفاهية، ويجعل الحكام محصوراً تفكيرهم بما يبقيهم على كراسي الحكم ولو بالاستعانة بالأجنبي، ويجعلهم لا يفكرون برفع الأمة إلاّ نفاقاً وبأساليب تبعد الأمة عن الرقي، وتجعلها دائماً في حالة ضعيفة حتى يظلوا مسيطرين عليها.
إن هذه الحالة من الانفصال بين الأمة والدولة هي نتيجة عدم قيام الأمة بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام، وعدم شعورها بأنها هي مصدر السلطان، فلو كانت تشعر بأنها مصدر السلطان وتقوم بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام، لما تولاها حاكم خائن عدو لها، ولما كان بينها وبين الحكام هذا الانفصال ولما كانت في هذا الضعف، في هذا التفكك، في هذا التأخر، ولما ظلت تحت نفوذ الكفار فعلاً وإن كان الذي يحكمها حكماً مباشراً مسلماً من أبناء المسلمين. لذلك كان لا بد للامة حتى تكون كياناً واحداً هي والحكام وفئة واحدة هي والدولة أن تقوم بواجب محاسبة الحكام، وأن تقول كلمة الحق في وجه الحكام، وأن تعمل بقوة وبجد للتغيير على الحكام أو تغييرهم، وما لم تبادر إلى ذلك فإنها ولا شك ستظل تنحدر بسرعة فائقة هذا الانحدار الذي نراه حتى تفنى أو تشرف على الفناء.
إن الإسلام جعل محاسبة الحكام فرضاً على المسلمين، وأمرهم بمحاسبة الحكام وبقول الحق أينما كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم. أما قول الحق والجهر به فإن المسلمين في بيعة العقبة الثانية حين بايعوا الرسول قد بايعوه على قول الحق فقد قالوا في نص البيعة ما نصه "وأن نقول الحق أينما كان لا نخاف في الله لومة لائم" وأما محاسبة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فإنه بالرغم من أنها داخلة في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جاءت نصوص صريحة بالأمر بمحاسبة الحكام، فعن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله r : «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». وعن أبي أمامة قال: «عرض لرسول الله رجل عند الجمرة الأولى فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: أين السائل؟ فقال: أنا يا رسول الله، قال: «كلمة حق تقال عند سلطان جائر» فهذا نص في الحاكم ووجوب قول الحق عنده، ووجوب محاسبته، وقد حث الرسول على مكافحة الحكام الظلمة مهما حصل في سبيل ذلك من أذى حتى لو أدى إلى القتل. فقد رُوي عنه أنه قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» وهذا من أبلغ الصيغ في التعبير عن الحث على تحمل الأذى حتى الموت في سبيل محاسبة الحكام، وكفاح الحكام الظلمة.
إن كفاح ظلم الحكام الذي نراه اليوم، ومحاسبة هؤلاء الحكام على أعمالهم كلها، وعلى خياناتهم وتآمرهم على الأمة فرض فرضه الله علينا معشر المسلمين. والقيام بهذا الفرض هو الذي يزيل الفواصل الموجودة بين الأمة والحكام. وهو الذي يجعل الأمة والحكام كلها فئة واحدة وكتلة واحدة، وهو الذي يضمن التغيير على الحكام، ويضمن كذلك تغييرهم إن لم يكن التغيير عليهم. وهو أول طريق النهضة، فالنهضة لا يمكن أن تتأتى إلاّ عن طريق الحكم حين يقام على عقيدة الإسلام، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بإيجاد الحكم على العقيدة الإسلامية، وإيجاد الحكم على هذا الأساس، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بكفاح الحكام الظلمة وبمحاسبة الحكام.
إقامة الأحزاب السياسية فرض كفاية
إن محاسبة الحكام التي أمر الله المسلمين بها تكون من الأفراد، بوصفهم أفراداً. وتكون من التكتلات والأحزاب بوصفها تكتلات وأحزاباً.
والله سبحانه وتعالى كما أمر المسلمين بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام، أمرهم كذلك بإقامة تكتلات سياسية من بينهم، تقوم بوصفها تكتلات بالدعوة إلى الخير، أي إلى الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام، قال تعالى :]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر[ أي لتوجدوا أيها المسلمون جماعة منكم، لها وصف الجماعة، تقوم بعملين: عمل الدعوة إلى الإسلام، وعمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذا الطلب بإقامة الجماعة هو طلب جازم، لأن العمل الذي بينته الآية لتقوم به هذه الجماعة هو فرض، على المسلمين القيام به كما هو ثابت في الآيات والأحاديث الكثيرة. فيكون ذلك قرينة على أن الطلب بإقامة الجماعة طلب جازم. وبذلك يكون الأمر الوارد في الآية للوجوب، وهو فرض على الكفاية على المسلمين، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وليس هو فرض عين، لأن الله طلب من المسلمين أن يقيموا من بينهم جماعة، لتقوم بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يطلب من المسلمين في الآية أن يقوموا كلهم بذلك، وإنما طلب منهم أن يقيموا جماعة منهم لتقوم بهذا الفرض، فالأمر في الآية مسلط على إقامة الجماعة وليس مسلطاً على العملين.
والعملان هما بيان لأعمال الجماعة المطلوب إيجادها، فيكون وصفاً لنوع الجماعة المطلوب إيجادها.
والجماعة حتى تكون جماعة تستطيع مباشرة العمل بوصف الجماعة، لا بد لها من أمور معينة حتى تكون جماعة، وتظل جماعة وهي تقوم بالعمل.
والذي يجعلها جماعة هو وجود رابطة تربط أعضائها، ليكونوا جسماً واحداً، أي كتلة. ومن غير وجود هذه الرابطة لا توجد الجماعة المطلوب إيجادها، وهي جماعة تعمل بوصفها جماعة. والذي يبقيها جماعة وهي تعمل هو وجود أمير لها، تجب طاعته. لأن الشرع أمر كل جماعة بلغت ثلاثة فصاعداً بإقامة أمير لهم. قال r : «لا يحل لثلاثة بفلاة من الأرض إلاّ أمروا أحدهم».
وهذان الوصفان اللذان هما وجود الرابطة بين الجماعة، ووجود الأمير الواجب الطاعة يدلان على أن قوله تعالى: ]ولتكن منكم أمة[ يعني لتوجد منكم جماعة، لها رابطة تربط أعضائها، ولها أمير واجب الطاعة، وهذه هي الجماعة أو الكتلة أو الحزب أو الجمعية أو أي اسم من الأسماء التي تطلق على الجماعة، التي تستوفي ما يجعلها جماعة، ويبقيها جماعة وهي تعمل. وبذلك يظهر أن الآية أمر بإيجاد أحزاب أو تكتلات أو جمعيات أو منظمات أو ما شاكل ذلك.
أما كون الأمر في الآية بإيجاد جماعة هو أمر بإقامة أحزاب سياسية فذلك آتٍ من كون الآية عينت عمل هذه الجماعة، وهو الدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعمل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر جاء عاماً فيشمل أمر الحكام بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وهذا يعني وجوب محاسبتهم. ومحاسبة الحكام عمل سياسي، تقوم به الأحزاب السياسية، وهو من أهم أعمال الأحزاب السياسية.
لذلك كانت الآية دالة على إقامة أحزاب سياسية لتدعوا إلى الإسلام، ولتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحاسب الحكام على ما يقومون به من أعمال وتصرفات.
والآية تدل على أن هذه الأحزاب يجب أن تكون أحزاباً إسلامية تقوم على العقيدة الإسلامية، وتتبنى الأحكام الشرعية، ولا يجوز أن تكون أحزاباً شيوعية أو اشتراكية، أو رأسمالية، أو قومية، أو وطنية أو تدعو إلى الديمقراطية، أو إلى العلمانية، أو إلى الماسونية، أو تقوم على غير العقيدة الإسلامية، أو تتبنى غير الأحكام الشرعية. ذلك أن الآية حددت صفة هذه الأحزاب بالأعمال التي تقوم بها. وهذه الأعمال هي الدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن يقوم بهذه الأعمال لا بد من أن يكون حاملاً للإسلام وقائماً على أساس الإسلام، ومتبنياً أحكام الإسلام. ومن يتكتل على أساس شيوعي أو اشتراكي أو رأسمالي، أو ديمقراطي أو علماني أو ماسوني أو قومي أو وطني أو إقليمي لا يمكن أن يكون قائماً على أساس الإسلام، ولا حاملاً للإسلام، ولا متبنياً لأحكام الإسلام. وإنما يكون قائماً على أساس كفر، ومتكتلاً على أفكار كفر.
لذلك يحرم أن يتكتل المسلمون على أساس الشيوعية أو الاشتراكية، أو الرأسمالية أو الديمقراطية، أو العلمانية، أو الماسونية، أو القومية أو الوطنية، أو على أي أساس غير أساس الإسلام.
ويجب أن تكون هذه الأحزاب علنية غير سرية، لأن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام، والعمل للوصول إلى الحكم عن طريق الأمة تكون علنية وصريحة، ولا تكون في السر والخفاء، حتى تؤدي الغرض المطلوب منها.
ويجب أن تكون أعمال هذه الأحزاب غير مادية، لأن عملها هو القول، فهي تدعو إلى الإسلام بالقول، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالقول، لذلك يجب أن تكون وسائلها سلمية، ولا تستعمل السلاح، ولا تتخذ العنف وسيلة لعملها. لأن حمل السلاح في وجه الحاكم غير جائز لورود الأحاديث الناهية عن ذلك، ولذلك يمكن أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام دون إشهار السلاح عليهم، لذلك يجب أن تكون وسائل سلمية، ويمنع أن تكون مادية، ويحرم إشهار السلاح في وجه الحاكم إلاّ في حالة واحدة، وهي حالة ما لو أظهر الكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت «وأن لا ننازع الأمر أهله قال: إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان».
والله المستعان
أخوكم في الله
قنــاص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المسلمون أمة واحدة من دون الناس *
* يجـب عليهم أن يكونوا دولة واحدة *
* تحت رايـة خليفــة واحـــد*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[email protected]