قصة حقيقية تروي ضلال وفساد عقيدة النصيرية
الجيل التالي
إلى روح أستاذي "محمود" الذي أخذ بيدي بعيداً عن جحيم النصيرية. وشرح لي حقيقة الإسلام الذي وجدت فيه سعادتي وملاذي . .
وإلى أخي في الله الذي منحته في قصتي هذه اسم "عدنان" فهو الذي كان لي عوناً وسنداً.
وإلى روح "أمي" التي كانت راضية بمسلكي ووجهتي، وغلبها القهر، فمنعها من إعلان إسلامها؛ فقد هداها الله علي يديّ . .
وإلى كل شاب نصيري يتململ من الأباطيل، ويهفو قلبه إلى الإيمان . .
وإلى كل مؤمن بالله ورسوله محمد ص ويحب "علياً" الإنسان رضي الله عنه، ليدرك مكانته ومقامه، فالسعادة كل السعادة في إيمان صادق عميق، وعمل خالص لوجه الله الكرمي والشقاء كل الشقاء ألا يهتدي الإنسان إلى الطريق التي توصله إلى الله . .
إلى هؤلاء جميعاً.
أهدي قصتي وخلاصة تجربتي.
لم تمض غير شهور قليلة على موت "برهوم الحشّاش" حتى كان يطوف ببيته كلب هزيل الجسم، كريه المنظر، أغبر اللون، مبتور الذيل، أصلم [أصلم الأذنين: مقطوع الأذنين] الأذنين، أجرب الجلد، فيه آثار قروح لم تندمل بعد وما يزال بعضها ينزّ صديداً، فيستقبله صبية القرية بالحجارة، ليلوذ بالهرب، ويغيب خلف "الحواكير" [حواكير: ج حاكورة وهي الحديقة الملحقة بالبيت أو القرية منه] المتهدمة الجدران..
ولا يطول غيابه كثيراً، فما يغيب ذيله حتى يظهر رأسه، ولكنه لم يسلم من عين كانت تراقبه وتصاحبه جيئة وذهاباً، إنها عين "أم ونوس" زوج "برهوم الحشاش" الذي مر على وفاته شهور وأيام؛ أحست خلالها بفراغ هائل في حياتها، وخاصة أن صبحها كان يطلُع على أنغام الشتائم "المنقاة" والسباب الذي حفظت ألفاظه وكلماته حتى أنها كانت تعرف ما يتبع كل كلمة لأنها "نشيد الصباح" الذي اعتادت سماعه طيلة أربعين سنة شمسية، وذلك منذ الصباح الأول لعرسها، حينما وقف برهوم أمامها وفتل شاربيه وراح يزرع جسدها ضرباً لا لـ "صوج" [الصوج: الذنب وهي كلمة عامية ولعلها تركية الأصل] أو ذنب اقترفته، ولكن هذا الذي كان يفعله فتيان القرية وشبابها عند أول صباح يلي ليلة الزفاف، فإن لم يكن هذا تعبيراً عن الفُتوّة والرجولة عقب الزفة و"الدخلة" مباشرة، فإنه يعني بلا شك قطع رأس القط بلا مقدمات، والإيذان بحياة حافلة بالعبودية والأسر والظلم.. لكنها كانت ليلة ذكريات على أية حال.
كانت تنظر إلى الكلب متتبعة كل عضو فيه بعد أن وجدت أن ملامح مشتركة بينه وبين "برهوم" واضحة جلية، وخاصة أن عينيه "العمشاوين" تشبهان إلى حد كبير عيني برهوم.. وأذنيه المصلوميتين تشاكلان أذنيه الصغيرتين.. وإن في مشيته المتشاقلة دليلاً على أنه هو برهوم ذاته في جيله الجديد، لقد كان يستأهل هذا الثوب، فقد كان شريراً وبخيلاً، ولا يهتم كثيراً بتعاليم المشايخ ولا يحتفل بالأعياد من أعماق قلبه وخاصة "عيد الرابع" [عيد الرابع: من أعياد النصيرية وهو اليوم الرابع من نيسان شرقي المقابل لـ 17 نيسان (إبريل) غربي] الذي كان لا يجد له متعة إلا إذا شارك في "الوقعة" الكبيرة في بيت "المختار" [المختار: عمدة القرية والمسؤول عن شؤونها].
وكم من مرة تعرض فيها لـ "اللعن" والطرد لولا تدخل ابنه ونوس الذي كان يرضي المشايخ ببعض الدراهم والدجاج.
ويقترب الكلب من البيت حائماً حول "المزبلة" كأنما يبحث عن شيء أضاعه، غير أن عبث الصبية لم يكن ليدعه يتم مهمته، إلا أنهم المرة هذه لم يتمكنوا من دفعه للهرب في اتجاه الحقول، فقد كانت أم ونوس قد أعدت كل شيء حيث فتحت باب الدار على مصارعه الكبير وملأت علبة السمن الفارغة "مصلاً" كانت قد خبأته منذ الفجر بعد أن قامت باستخراج الجبن من الحليب الذي كانت تدره البقرات الخمس التي خلفها برهوم بعض إرث للأسرة؛ لأنها كانت تتوقع عودته في ساعة من هذا اليوم. لقد حاصره الأولاد عند زاوية قريبة من الباب وهم يمطرونه بوابل من الحجارة والنعال البالية، ولم ينجه من ذلك إلا خروج أم ونوس من الدار وصراخها في وجه الصبية وسبابها لهم، فارتدوا عنه هاربين، فكانت فرصته للإفلات منهم؛ فلم يجد غير الباب المفتوح ملاذاً فدخله مسرعاً دائراً في كل زاوية من الدار.. فلم يحظ بمكان أنسب له من المصطبة العالية حيث كان برهوم يقضي أواخر أيامه "متشمِّساً" ماصَّاً "المتة" [المتة: نبات يستورد من الأرجنتين ويشرب منقوعه بواسطة ممصّة معدنية] الأرجنتينية ماركة "النحلة" التي كان لا يفضل عليها شراباً آخر، إلا رشفات من "عرق أبي سعدة" أو "عرق التين" وخاصة عندما يزوره بعض المشايخ المولعين بهذا الصنف، الذي كان يحضره ابنه ونوس من لبنان عندما يعود من بيروت بأجرة ابنته التي تعمل خادمة عند أسرة أرمينية ثرية. إضافة لما يحمله من عند شقيقته "فيوليت" (ظرُّوف سابقاً) التي باعها أبوها لشاب موراني ثري بمبلغ من المال اشترى به "المسطَّحة" الأرض التي أقام عليها "بستان الرمان".. كانت شقراء رائعة، تُعرفُ في القرية باسم "الفرنساوية" لأن أمها – كما قيل – "توحمت" بها على ضابط فرنسي أشقر فجاءت مثله.
ويستريح الكلب قليلاً على المصطبة ويخف لهاثه فتقرِّب إليه "المصل" وما إن يشم رائحته حتى يتحرك من مكانه ليعبّ منه حتى كاد يأتي على آخر نقطة فيه..
كانت أم ونوس تنظر إليه وتعود بذاكرتها إلى برهوم الذي لم يكن يعجبه من الدرّ إلا ما كان ينفصل من ماء عن الجبن أو القريش ولو وجد هذا المصل سبيله إلى السوق لما شربه وأهدر قيمته.. قالت أم ونوس في نفسها:
إنه هو.. نعم هو.. فقد كان مولعاً بالمصل وما يزال..
ويحاول الكلب بعد حين الخروج من المنزل؛ ولكنه لا يفلح فالباب مغلق وعينا أم ونوس ترقبانه، يجرب التسلق على الجدار غير أنه لا ينجح أيضاً فقد كانت قواه خائرة، وحالته الصحية لا تساعده على تسلق الجدران المنتصبة، فأقام ليلته نائماً، على غير عادة الكلاب، وأم ونوس تنهض من فراشها مرة بعد مرة للاطمئنان إلى أنه ينام مستريحاً..
ويبزغ الفجر ليبدأ الكلب عواءً أجشَّ، على غير عادة الكلاب أيضاً، التي تكون في مثل هذا الوقت، قد استسلمت للنوم بعد طول سهر وعواء، ولكن ما الذي يمنعه من الاستيقاظ مبكراً وقد أخذ حصته من الراحة؟!!.
وتنهض أم ونوس من فراشها مسرعة إلى إفراغ ما بقي لديها من مصل في وعاء شرب الكلب ناثرةً بين يديه بعض كُسيراتٍ من خبر الأمس لم تستطع إثارة شهيته، أو إسالة لعابه، فلم تجد بدّاً من تقريب طاسة إليه لعلّ في رائحة المصل ما يحرك فيه الشهوة للطعام. وما إن أضحى وعاؤه في متناول فمه، حتى أخذ يشرب مستكثراً مسرعاً؛ كأنما يريد إطفاء غلة مزمنة أو عطش قديم.. كانت عينا أم ونوس في حركة ثلاثية الاتجاه: مرة إلى الطاس، وثانية إلى لسانه، وثالثة إلى بطنه لتطمئن إلى ازدياد حجمه..
وتظهر علائم الارتواء عليه فيسترخي قليلاً ليتمدد بعد ذلك على قفاه وتراها تهمس من غير أن تشعر بما تقول: "بو ونوس شبعت؟"
وتتركه عل مصطبته مستقبلاً الشمس بغبطة وسرور، فلطالما كان يقف في خشوع عند شروقها وغروبها، حتى أيام البرد والزمهرير، متحيّناً لها، نظرة من خلال الغيوم المتلبِّدة، مرسلاً التحية إلى الإله ملك النحل علي بن أبي طالب.. ولكنها تتنهد وتقول:
يا حسرة، لم أكن أعرف أبداً ما يدور بينه وبين ربه، فقد قضت الديانة النصيرية، ألا تطَّلع النساء على شيء من أمور الدين لأنهن كما يقولون: ليس للمرأة دين إلا "……" ولن أنسى أبداً الشيخ "محمود أبو هبّول" الذي رشقني بكلمات اللعن والطرد عندما دخلت إلى "الجّمْعَة" [الجَمْعَة: البيت الذي يجتمع فيه النصيريون في المناسبات الدينية والاجتماعية] حاملة الديك الأحمر المشوي لأضعه بين يديه، فأسرع إلى طردي ومن معه.. لم أذكر من كلماته التي كان يحدث بها الناس عند دخولي إلا قوله: "سيدي عبد الله بن سبأ".
غير أني لا أدري من صاحب هذا الاسم وماذا يعني، إني صرت أهتم بسماعه من ولدي ونّوس عندما كان يطلب إلى ابنه أن يسمعه ما كان لقنه إياه "الشيخ مصطفى الضرير" بعد أن بلغ الثامنة عشرة من عمره يوم أمره بالانقطاع عن رفاقه من المسلمين الذين كانوا يزورونه في القرية أيام الربيع والصيف أولئك الرفاق الذين يسم يستطع الإفلات من تأثيرهم فيه، فقد كانوا شباباً مهذبين يحملون له من الهدايا كل زيارة ما يدل على كرمهم وإخلاصهم، ويكرمونه في المدينة أثناء السنة الدراسية، بما يقدمونه له من الخدمات ومع ذلك فقد كانوا شديدي الخطر عليه، هكذا كان يقول جده وأبوه والشيخ مصطفى لأنهم يرون أن حُسنَ معاملة زملائه له واستمرار العلاقة هذه قد يدفعه إلى اعتناق الإسلام، لا سيما أنه كان يرافقهم إلى المساجد ويصلي معهم بل ويصلي مثلهم وهذا الذي يمقته المشايخ ويحاربونه..
وتسقط دموع أم ونوس على وجنتيها وهي تتذكر "مخلوفاً" عندما كان يجلس تحت شجرة البلوط يبكي فراق زملائه ويتألم لمعاملة أهله القاسية تلك المعاملة التي كانوا يرغمونه من خلالها على تقبيل نعل الشيخ مصطفى الضرير ووضعها على رأسه وجبهته، عند ذلك كان يحسّ بفقد إنسانيته، بالصدمة الإذلالية، ويشعر بأنه من عالم آخر، بل من عالم أقل شأناً حتى من عالم الحيوانات الدنيا الدنية.
وتواصل أم ونوس أفكارها مخاطبةً نفسها:
لقد فكر مخلوف بالفرار واعتناق الإسلام، لكنهم هددوه بالقتل وأن "الذباب الأزرق" لن يستطيع معرفة مصيره أو مكانه، وقالوا له: إنك بعد ذلك سوف تتقمص كلباً أسود، أو حجراً في موقد دائم الاشتعال.. غير أن هذه الكلمات كانت أبعد من أن تؤثر فيه فقد كان يصارح أمه قائلاً:
إن الذي يزيدني ألماً وتعساً أن أقبّل نعل شيخ قذر، تعشعش فيه الجهالة، ولا يملك من السطوة إلا ما في نفوس العبيد من الخنوع والذل، أو الرهبة من سلطان أعمى لا يعرف إلا الطرد والقتل والتصفية الجسدية لكل متمرد عليه أو متبرم به!!
وتمضي أم ونوس في خواطرها، كأنما تخاطب جمعاً أمامها وضع آذانه على فمها:
ولا تزال القرى تذكر عائلة "أبو شلّة" التي كانت على وشك اعتناق الإسلام بأفرادها جميعاً، والانتقال إلى مدينة طرطوس حيث تجد متنفساً هناك بالقرب من أصدقائها من عائلة المؤذن وهيكل فلم يمهلهم المشايخ كثيراً فعمدوا إلى تدبير مقتل العائلة ولم ينج إلا طفل رضيع من المجزرة حينما ربطوا "سواميك" [سواميك : ج سُمُك مفردها السِّماك وهو العمود الذي يستند إليه السقف] البيت خلسة – بواسطة ضيفٍ اصطنعوه للعائلة – وكلهم نيام، إلى مؤخّرة جرّار "الجمعية الفلاحية" الذي سار إلى الأمام مقتلعاً الأعمدة من أماكنها ليستقر السقف على صدور ورؤوس عائلة كانت تستعد للرحيل، فكانوا أسرع في ترحيلها، وأسرع في إخفاء الجريمة وتمويهها.. حين أسرعوا إلى إبلاغ مخفر ناحية "الشيخ بدر" أن شدة الأمطار ليلاً قد أطبقت السقف الترابي على ساكنيه في بيت "أبي شلة" واختاروا لهم مقبرة خاصة بعيدةً عن مقبرة القرية لأنهم يرفضون أن يشاركهم غير النصيريين في مقابرهم.
هذه القصص وأمثالها كانت أقدر على زرع الرعب في قلوب الشباب الذين كانوا يستاءلون عن جدوى أن يكون المرء نصيرياً.. وماذا تعني النصيرية التي يجتهدون في إخفائها؟ لقد كانوا يألمون كثيراً عندما يسمعون الناس يقولون لهم: "الدين المخبأ صرماية عتيقة" [صرماية عتيقة: حذاء قديم مهترئ متقطع (عامية)] وإذا حاولوا إظهار هذا الدين، كيلا يكون كذلك، فما الذين يقدمونه للناس غير الجهل والكفر والخرافات والضلال؟ وهل يصدق الناس أن الخالق هو علي بن أبي طالب؟ وأن عبد الله بن سبأ من النجباء؟ وأن.. وأن.. وأن..؟
ذهبت أم ونوس في خيالاتها مذاهب شتى حتى أنها طافت بذكرياتها حول بيت "الحاج عبد الكريم الضناوي" في طرابلس الشام حيث كانت تعمل خادمة عند هذه العائلة الطرابلسية المسلمة، إذ عاشت أجمل أيام حياتها وأعذبها، حينما كانت هذه العائلة الفاضلة المثقفة تعاملها بما لا يختلف عن معاملة أفرادها بعضهم بعضاً..
ولكن ماذا تفعل حين كان طيش الصبا دافعاً للارتماء في أحضان "برهوم" الذي كان يمتاز على شباب القرية بأنه يحمل أثقل "جرن" فيها غير أنه سرعان ما فقد بريقه وفتوته، وانهمك في تجميع المال من كل ناحية وبكل أسلوب، حتى أصبح كما قيل عنه "جلده محشوّ بالفلوس". ولقد لقيت منه شدة وعسفاً لا أنساه أبداً ولكن.. تتنهد أم ونوس وتتمتم: لولا ذكريات تلحُّ عليَّ كانت معه لشمتُّ..
والتفتت نحو الكلب وقالت:
لشمتُّ بلك لأنك تقمصت كلباً.. ولكني أرجو أن تتخلص من ذنوبك في هذا الجيل لتعود في الجيل التالي طفلاً جميلاً عند أسرة طيبة كأسرة الحاج عبد الكريم الضناوي، وبصورة آدمي..
وتذكرت أم ونوس أنها على موعد معه "أم إبراهيم نظلة" للذهاب إلى دكان "سلمان الراعي" لشراء "حنجور" فازلين لأن "القشب" أكل يديها. وتهم بالخروج من باب الدار إلا أنها تتذكر الكلب فتنظر إليه قائلة:
"بو ونوس" لن أغيب عنك كثيراً.
يلاحظ ونوس وإخوته عظيم اهتمام أمهم بالكلب "فيلعب الفأر بعبهم" [تعبير شعبي يعبر عن التنبه إلى أمرٍ ما يستحق التفكير والمراقبة] ويتساءلون فيما بينهم:
ترى هل هذا الكلب هو أبونا لتصدق رؤيا عمتنا فيه؟ فقد رأته في منامها كلباً يشكو مطاردة الناس له، ولا يجد ملاذاً يحميه غير خرائب قصر قديم..
وفي يوم من الأيام كان ونوس يحمل معه أحشاء دجاجة ذبحوها (بفصل رأسها عن جسدها باليد) لأنها مصابة "بالوجعة" ليقدمها للكلب. وقف إلى جانب أمه يراقبان معاً أكله. وما أشد دهشة ونوس حينما نظر إلى أمه فإذا عيناها تسقطان دمعاً سخياً فيسألها:
ما الذي يبكيك يا أمي؟
"بيّك" يا عيني إنه لا يستطيع الأكل بارتياح فهذه القروح والجروح تمنعه من أخذ راحته والتمتع بحريته.. (وتتوقف عن الكلام وكأنها تخشى ألا يصدّق ونوس أن الكلب أبوه) ويدهشها ما رأت أشد الدهشة ويثير إعجابها ويبعث طمأنينتها: فقد هوى ونوس إلى الكلب يقبله ويقول:
(بيّي) كم كنا في اشتياق إليك، وانشغال فكرنا عليك، وخشينا ألا تكون قد شفيت من هذه القروح التي كانت سبب موتك.. أبشِر فأنا عند عينيك وغداً صباحاً سوف أحضر لك الطبيب.
إنها كلمات أثلجت صدر أم ونوس، وأدخلت في نفسها الطمأنينة وبعثت في حناياها الارتياح فقالت:
الرب يرضى عنك يا ونوس.. أنت مرضيّ فقد كان أبوك يحبك كثيراً، وها قده جاء دورك الآن لتقوم بالواجب نحوه.
ويرى ونوس أن من الواجب عليه القيام بإخبار أشقائه وشقيقاته وأقربائه، وهل هناك أجمل من البشرى يحملها آخر النهار لأخوته فيكون له شرف نقل هذا الخبر المفرح عن "مقدم" العائلة.
ولم يكد الخبر يصل إليهم حتى هبّوا مسرعين إلى منزل أمهم، كباراً وصغاراً، حتى أن كلابهم تبعتهم تستوضح الخبر وكادت تقع في معركة مع "المقدم" لولا تدخل الجميع وقيامهم "بفض الاشتباك" المحتمل وطرد الكلاب كافة ما عدا حبيب القلوب، ومنعهم الدروب، الذي طالب انتظاره وتتابعت أطواره..
وتحلّقوا حوله كلّ يريد نظرة، ولم يفزع منظره إلا الأطفال الذين كانوا يهربون صارخين مستنجدين عندما كان يدفع بهم الآباء والأمهات لنيل نظرة واستراق "تكشير" من جدهم العائد بعد غياب طويل..
وتدور الأحاديث مسترجعة أيام برهوم السابقة.
وكان أكثر الحاضرين فرحاً وألماً "زلخة" شقيقة برهوم ورفيقة طفولته فقد امتزجت دموع الفرح والألم معاً، الفرح بعودته والاطمئنان إلى أنه يمتلك الآن فرصة التخلص من كثير من ذنبه ليحظى بجيل آخر أفضل حالاً وأحسن مآلاً؛ والألم لهذه القروح التي لا تدعه يستقر على جنب واحد وكأنه يتلوى من الألم الذي لا يستطيع التعبير عنه أحياناً إلا بصوت "انتعاص" شديد يثير في من حوله كوامن الألم والجزع عليه، ومع ذلك كله فقد كانت سهرة ممتعة اجتمع فيها الأبناء والأحفاد "بالمقدم" الذي طالت غيبته..، وكانت أحاديث لم تخرج عن دائرة برهوم وأسقامه حتى استقر الرأي على استحضار طبيب يداوي جراحاته.
ولم تكد أول خيوط النور تؤذن بالفجر حتى كان ونوس يطرق باب "حامد الشوفير" الذي كان يستقبل زبائن هذا الوقت بالسباب والشتائم "من الزنّار ونازل"..
خرج حامد يفرك عينيه على أنغام شتائمه المميزة الشهيرة إلا أنه توقف فجأة عن ذلك لما رأى أن زبونه الثقيل ليس إلا ونوس فأقبل نحوه مستفسراً عن حقيقة والده إذ لم يتمكن من زيارته وتهنئته بذلك لعودته متأخراً من "الطليعي" قرب برج صافيتا إذ كان برفقة بيت أبي محمود معلاّ الذين قصدوا "المزار" استشفاءً لابنهم محمود المصاب بشلل الأطفال والذي كما قيل أعيا داؤه الطب والأطباء.. ولم يكد يعلم "حامد الشوفير" بمراد صيدقه ونوس حتى سارع إلى ارتداء ثيابه لمرافقة صاحبه إلى الدكتور في مدينة طرطوس..
وكان حديثاً شيقاً لم يحسا معه بصوت المحرك الذي يحكي حال سيارة الشيفروليه المولودة قبل احتلال الصهاينة لفلسطين.. لم يكن معهما في "الأطمبيل" من أحد فقد رغب ونوس في السرعة وتعهد بدفع أجرة عشرة ركاب على الأقل مع "ورقة تتن حموي" وقد وصلا مبكرين إلى طرطوس وذهبا إلى بيت "بديعة" بنت الشيخ عمران في حي الرمل حتى يحين وقت افتتاح مصلحة الصحة الحيوانية في مديرية زراعة طرطوس. فمن عادة حامد أن يزور بديعة بين الحين والآخر حاملاً بعض الهدايا ولا يضيق به بيتها فهي ابنة شيخه وقريته وزوجها في الكويت يغيب عنها سنة ويقيم معها شهراً.
ولما اقترب موعد وصول الأطباء إلى الدائرة قصداها واتفقا مع الطبيب البيطري على الذهاب معاً إلى القرية بعد انتهاء الدوام. وكان من الممكن الانتقال إلى القرية مبكرين لولا الخلاف الحادّ بين رئيس المصلحة والأطباء خلال الأيام الأخيرة، والصراع على حصة الأسد في حصيلة الرشاوي التي يتلقاها هؤلاء الموظفين الذين تحولت يد الواحد منهم إلى منشار يعمل على "الطالع والنازل".. حتى أصبح كل صاحب معاملة يضع في حسابه دفع الرشوة ولا يجد لذة للحديث عن متاعب معاملته إلا إذا اقترنت بأرقام الرشوة التي أصبحت ملح كل معاملة، وطابع أي قرار..
وتنطلق السيارة بالطبيب من طرطوس ناهشة الطريق الترابية المتصاعدة بين الجبال لتقف أمام البيت في القرية فيسرع كل من في البيت لاستقبال "الدكتور" القادم لمداواة "المقدم".
ولم يكد الدكتور يصل إلى ساحة الدار حتى صاحت أم ونوس بأعلى صوتها: ويلي دكتور بيطري؟! دكتور كلاب وجحاش يداوي برهوم!؟ لا لا هذا الأمر غير ممكن أبداً!!
إنها تعرف الطبيب هذا شخصياً، فلطالما أحضره برهوم لمداواة بقراته وحيواناته. ولم تنته من هذه الكلمات الرافضة حتى وجدت الجميع إلى جانبها مؤيدين لها، رافضين أن يضع الدكتور يده فيه فهو بشر إنه أبو ونوس في جيله الجديد ولو ظهر في قميص كلب، فلا بد له من طبيب بشري وليس بيطرياً. ويقفل الرجل عائداً من حيث أتى ويرافقه ونوس إلى طرطوس يحضر طبيباً بشرياً فقد أدرك مدى خطئه في اختيار طبيب مختص بمداواة الحيوانات.
وفي طرطوس ذهب ونوس إلى الطبيب البشري الدكتور حسن وشرح له الأمر. وبعد مداولة في الأجر الذي طلبه كانت السيارة تعود إلى القرية من جديد لتقديم المعونة لبرهوم للتخلص من قروحه وأسقامه.
لم يستغرب الطبيب أن يُدعى لمداواة طلب فلطالما دُعي لمثل هذه الحالة التي يتكرر حدوثها بين الآونة والأخرى في هذه القرية أو تلك حتى حي الرمل في طرطوس لم ينس حقه في استدعاء الأطباء البشريين لمداواة الكلاب أو البقر أو الحمير عندما تظهر علامات "التقمص" عليها كما يتخيلون.
وما أكثر ما كانت تصطنع حالات التقمص وينسج حولها من الأساطير ليرسخ ذلك في أذهان النصيريين وخاصة الصغار منهم، فكم من صبي درّبه أبواه على ادّعاء أنه فلان الذي مات في قرية كذا وأن أولاده هم فلان وفلان وفلان وأن له أرض كذا وكذا وحدث معه أمور يحدِّث بها وكأنها واقعة، وهي في حقيقتها لا تخرج عن كونها من محفوظات الناس عن ذلك الرجل الذي مات. ويستقبل النصيريون هذه الافتعالات بكل تصديق وتأكيد وتعزيز واقعيتها بذكر حوادث كثيرة مشابهة لها، حدثت لهم ولأقربائهم ومعارفهم في قرى كثيرة من قرى النصيريين.
ويتفحص الطبيب الكلب الأجرب ويصف له الدواء المناسب ويطمئن الأهل والأحباب أن مريضهم بخير ولا داعي للقلق أو الخوف فسوف لن تمضي إلا أيام حتى يسترد صحته وعافيته ونباحه الشجي المطرب.
تغادر السيارة القرية في اتجاه طرطوس عائدة بالطبيب إلى عيادته ومرضاه، وبرفقته مخلوف بن ونوس الذي كلفه أبوه مرافقة الطبيب وشراء الدواء من إحدى صيدليات حي الرمل في طرطوس إذ لا يجوز للنصيري شراء أية حاجة من حاجاته من غير النصيري إلا إذا لم يكن هناك نصيري في قريته أو مدينته أو حيه لديه مطلوبه وعند ذلك يبحث عن أقرب الناس مودة وخدمة للنصيريين للحصول على مشترياته منه فالنصيريون لا يشترون من غير هذه الأصناف إلا مضطرين مكرهين أو ماكرين.
لم يشارك عدنان في هذا الحفل لأن نفسه تأبى أن ترى مثل هذه الأعمال التي لا تليق بذوي العقول النيرة الرشيدة، ولكم شاهد مثل هذه الأمور فلم تزده إلا اشمئزازاً وتقززاً، فصمم على ألا يقرب أي احتفالات من هذا النوع، ولكنه مع ذلك كان يشارك واحداً من الحاضرين شعوره ألا وهو صديقه مخلوف، الذي يقدر أنه لن يشارك إلا مرغماً مجبراً، فهو أعرف الناس به وأقربهم فكراً إليه.
ومع ذلك فلم ينج من بعض آثار هذا المهرجان اللعين حين كانت تترامى إلى سمعه الصرخات الهستيرية، وأصوات الأعيرة النارية، وهرج السكارى ومرجهم، لقد كان في سوق إلى رؤية مخلوف ولكنه قدّر أنه تعب من سهر البارحة، ولا بد أن يرتاح قليلاً فلم يزره إلا بعد عصر اليوم التالي فوجده مكتئباً حزيناً، كأنما أعياه مرض، أو هدته هموم.
لم يلبثا في بيت مخلوف إلا قليلاً، لخرجا إلى الحقول بعيداً عن الناس، وجلسا فوق رابية خضراء تشرف على القرية والوديان المحيطة بها، حيث اعتادا الجلوس في المكان هذا الذي أنس بالأحاديث التي كانت تدور بينهما، إذ لم يحظ من قبل بأمثالهما، فلطالما كانت جنباته مسرحاً للفجور والعصيان، واقتراف الذنوب والموبقات.
تحدث الصديقان في أمور شتى يدور معظمها حول ترّهات العقيدة النصيرية وما عليه أهلها من الباطل والبعد عن الحق، وما هو السبيل الأمثل لسلوك الصراط المستقيم والدين القويم.
قال مخلوف: يا عدنان أيكون المخلوق خالقاً؟
عدنان: هذا غير ممكن هذا مناقض للعقل.
مخلوف: إن أول سورة من سور الصلوات النصيرية تجعل عليّاً بن أبي طالب رضي الله عنه، البشر المولود من أبوين والذي كان يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتزوج النساء والذي مات كما يموت كل إنسان، نعم إن أول سورة تجعله إلهاً ولا إله إلا هو ولا معبود سواه.
فعندما أخذني الشيخ صالح الجبلي شيخ الخياطين إلى بيته أخرج من مخبأ له في بيته كتاباً مخطوطاً اسمه "الكافي" وأملى عليّ منه ما يسمونه "التلب" وفيه يدرك المرء أن دين النصيرية قام على الكفر والإلحاد ومعصية الله والرسول وهدم شوامخ الإسلام، والنيل من الأطهار الذين آمنوا بالرسول وناصروه.
كتبت ما أملى عليّ وطلب مني أن أحفظه لأبتدئ بعده بتلقي سور الصلاة. وسوف أقرأ عليك التلب الذي يدرك أي عاقل منصف بأنه كذب واختراع لا يصدر إلا عن كافر أو زنديق.
اسمع يا صاحبي هذا الهراء المقيت الذي سيقشعرّ له جلدك، ويقف لهوله شعرك. أملى عليّ الفاجر ما يلي:
"الفصل الرابع من كتاب الكافي، رواه السيد أبو شعيب محمد بن نصير عن سلمان الفارسي علينا سلامه قال: إنه يوم دخلت على حضرة مولاي علي أمي النحل عليَّ منه السلام وإليه التسليم، وجدته قائماً يصلي، فسمعت منه كلاماً لم أسمعه من قبل ذلك الوقت أبداً وهو يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من التسعة أرهاط المفسدين الذين فسدوا في الأرض وما أصلحوا في الدين، أعوذ بالله من أصنام قريش وطغاهم وبغاهم وإفكهم وزوجي ابنتيهما الذين أكلوا نعماءك وجحدوا أوليائك، وبغضوا رسولك، وأفسدوا بلادك، وأضروا عبادك؛ اللهم تلعنهم بكل منكرٍ فعلوه، وشملٍ بددوه، وإمامٍ خالفوه، وربٍ نكروه، وفريضةٍ تركوها، وآيات حرفوها، ورسومٍ قطعوها، وجوامعَ بنوها، ومنابرَ علوها ومآذن رفعوها، وقصورٍ شيدوها، وبابٍ دحرجوها، وزياقٍ مزقوها، ومعتقداتٍ أفسدوها، اللهم تلعنهم، وتلعن آباءهم وتعذبهم، وتعذب آباءهم عذاباً تستغيث منه أهل النار لأهل النار، منهم يغوث ويعوق ونثر، وسدوع وسواع وهامان، وقيدر عاقر الناقة، نيثيب بد بخت جوبالت يا هود الخالف، صخريوت الجن، أبرهة بن الصياخ، جوبر بن كوش بن كنعان، وحبتر ونعثل، وقنفذ الأعسر، وكنكر وإسحاق الأحمر الكافر المتجبر الجلندي انب كنكر، وأبو بكر وعمر وعثمان بن عفان، وطلحة ومعاوية ويزيد، وعمرو بن العاص وشمر، وميمونة الصفرا، وعائشة الحمرا، وأبو موسى الأشعري وخالد بن الوليد، اللهم خلّد عليهم اللعنة تخليداً إلى أن نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد، اللهم الْعَنْ غباره وأبا لهب سراق الملك الملعون، اللهم العن الكيسية والفظحية والعزاقرية الحلولية الجبابرة الطاغية الباغية، من دور عزرائيل لدور قابيل، لعنهم الله لعنة كرش مرش، على عدد ورق الحرش، وشعر الطرش، لعنة أبدية سرمدية لأبد الآبدين، ودهر الداهرين، ولك يا عليّ بالحقيقة عابدين، اللهم الْعَنْ الذين اغتصبوا الخلافة من مولانا أمير النحل علي، ومنع السيدة فاطمة إرثها من أرض فدك، اللهم العنهم، والعن أتباعهم وأشياعهم، والعن كل من قال في مقالهم، ودان في ديانتهم، وكل من تقرب إليهم معتقداً في عقيدتهم اللهم العنهم لعنة أبدية إلى يوم الدين. وكما أننا نحمد من حمده مولانا وسيدنا وشيخ ديننا، ومصحح عقيدتنا الحسين بن حمدان الخصيبي وبهذا معتقد اعتقاداً جازماً ولا أحيد عن ذلك إلى يوم الوقت المعلوم. الله بتوحيدك وتمجيدك أن تطهر قلوبنا، وقلوب إخواننا من هؤلاء الطغاة والأبالسة أجمعين ولا تجعل للشيطان له علينا سبيل بحق الزبور والإنجيل حق الحمد لله رب العالمين"
كان مخلوف يتلو هذا الكلام، وعدنان يغلي ألماً لما يسمع حتى إنه ليشعر بأنه يكاد يطير كالبازي لينقضّ على أي شيخ نصيري يلقاه أولاً.. لقد كان الألم بادياً على محيا عدنان الذي لم يجد ما يقول غير كلمات تنبئ عما يعتمل في داخله.
يا لهم من مجرمين كفرة، والله إنهم هم الأبالسة وليس أولئك الأطهار الذين حشروهم بين كفرة مارقين.
قال مخلوف: لا تعجب يا أخي العزيز مما سمعت فما ستسمعه بعد قليل سيذهلك حقاً.. ولم تمض أيام حتى سمعت بأن الشيخ الجبلي فطس فقلت الحمد لله الذي أبعد من طريقي السوء. ولكن بعد أيام أمرين والدي أن أذهب إلى بيت الشيخ عبد اللطيف مرهج الذي سيخلف الشيخ الفاطس في تلقيني بقية الدين النصيري..
ذهبت إليه رجلاً إلى الأمام وأخرى إلى الخلف كما يقولون، أما التي للخلف فهو كراهية أهل الباطل والاقتراب منهم، وأما التي للأمام فهو حب الاطلاع ومعرفة ما عليه هؤلاء الناس من الباطل فطالما أخفوا الديانة عن الآخرين، ولو كانت ديانة صالحة محترمة لأظهروها، ولكنها سبة في جبين كل من يعتقنها إلى يوم الدين.
الجيل التالي
تأليف / محمد حسين
بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
وإلى أخي في الله الذي منحته في قصتي هذه اسم "عدنان" فهو الذي كان لي عوناً وسنداً.
وإلى روح "أمي" التي كانت راضية بمسلكي ووجهتي، وغلبها القهر، فمنعها من إعلان إسلامها؛ فقد هداها الله علي يديّ . .
وإلى كل شاب نصيري يتململ من الأباطيل، ويهفو قلبه إلى الإيمان . .
وإلى كل مؤمن بالله ورسوله محمد ص ويحب "علياً" الإنسان رضي الله عنه، ليدرك مكانته ومقامه، فالسعادة كل السعادة في إيمان صادق عميق، وعمل خالص لوجه الله الكرمي والشقاء كل الشقاء ألا يهتدي الإنسان إلى الطريق التي توصله إلى الله . .
إلى هؤلاء جميعاً.
أهدي قصتي وخلاصة تجربتي.
لم تمض غير شهور قليلة على موت "برهوم الحشّاش" حتى كان يطوف ببيته كلب هزيل الجسم، كريه المنظر، أغبر اللون، مبتور الذيل، أصلم [أصلم الأذنين: مقطوع الأذنين] الأذنين، أجرب الجلد، فيه آثار قروح لم تندمل بعد وما يزال بعضها ينزّ صديداً، فيستقبله صبية القرية بالحجارة، ليلوذ بالهرب، ويغيب خلف "الحواكير" [حواكير: ج حاكورة وهي الحديقة الملحقة بالبيت أو القرية منه] المتهدمة الجدران..
ولا يطول غيابه كثيراً، فما يغيب ذيله حتى يظهر رأسه، ولكنه لم يسلم من عين كانت تراقبه وتصاحبه جيئة وذهاباً، إنها عين "أم ونوس" زوج "برهوم الحشاش" الذي مر على وفاته شهور وأيام؛ أحست خلالها بفراغ هائل في حياتها، وخاصة أن صبحها كان يطلُع على أنغام الشتائم "المنقاة" والسباب الذي حفظت ألفاظه وكلماته حتى أنها كانت تعرف ما يتبع كل كلمة لأنها "نشيد الصباح" الذي اعتادت سماعه طيلة أربعين سنة شمسية، وذلك منذ الصباح الأول لعرسها، حينما وقف برهوم أمامها وفتل شاربيه وراح يزرع جسدها ضرباً لا لـ "صوج" [الصوج: الذنب وهي كلمة عامية ولعلها تركية الأصل] أو ذنب اقترفته، ولكن هذا الذي كان يفعله فتيان القرية وشبابها عند أول صباح يلي ليلة الزفاف، فإن لم يكن هذا تعبيراً عن الفُتوّة والرجولة عقب الزفة و"الدخلة" مباشرة، فإنه يعني بلا شك قطع رأس القط بلا مقدمات، والإيذان بحياة حافلة بالعبودية والأسر والظلم.. لكنها كانت ليلة ذكريات على أية حال.
كانت تنظر إلى الكلب متتبعة كل عضو فيه بعد أن وجدت أن ملامح مشتركة بينه وبين "برهوم" واضحة جلية، وخاصة أن عينيه "العمشاوين" تشبهان إلى حد كبير عيني برهوم.. وأذنيه المصلوميتين تشاكلان أذنيه الصغيرتين.. وإن في مشيته المتشاقلة دليلاً على أنه هو برهوم ذاته في جيله الجديد، لقد كان يستأهل هذا الثوب، فقد كان شريراً وبخيلاً، ولا يهتم كثيراً بتعاليم المشايخ ولا يحتفل بالأعياد من أعماق قلبه وخاصة "عيد الرابع" [عيد الرابع: من أعياد النصيرية وهو اليوم الرابع من نيسان شرقي المقابل لـ 17 نيسان (إبريل) غربي] الذي كان لا يجد له متعة إلا إذا شارك في "الوقعة" الكبيرة في بيت "المختار" [المختار: عمدة القرية والمسؤول عن شؤونها].
وكم من مرة تعرض فيها لـ "اللعن" والطرد لولا تدخل ابنه ونوس الذي كان يرضي المشايخ ببعض الدراهم والدجاج.
ويقترب الكلب من البيت حائماً حول "المزبلة" كأنما يبحث عن شيء أضاعه، غير أن عبث الصبية لم يكن ليدعه يتم مهمته، إلا أنهم المرة هذه لم يتمكنوا من دفعه للهرب في اتجاه الحقول، فقد كانت أم ونوس قد أعدت كل شيء حيث فتحت باب الدار على مصارعه الكبير وملأت علبة السمن الفارغة "مصلاً" كانت قد خبأته منذ الفجر بعد أن قامت باستخراج الجبن من الحليب الذي كانت تدره البقرات الخمس التي خلفها برهوم بعض إرث للأسرة؛ لأنها كانت تتوقع عودته في ساعة من هذا اليوم. لقد حاصره الأولاد عند زاوية قريبة من الباب وهم يمطرونه بوابل من الحجارة والنعال البالية، ولم ينجه من ذلك إلا خروج أم ونوس من الدار وصراخها في وجه الصبية وسبابها لهم، فارتدوا عنه هاربين، فكانت فرصته للإفلات منهم؛ فلم يجد غير الباب المفتوح ملاذاً فدخله مسرعاً دائراً في كل زاوية من الدار.. فلم يحظ بمكان أنسب له من المصطبة العالية حيث كان برهوم يقضي أواخر أيامه "متشمِّساً" ماصَّاً "المتة" [المتة: نبات يستورد من الأرجنتين ويشرب منقوعه بواسطة ممصّة معدنية] الأرجنتينية ماركة "النحلة" التي كان لا يفضل عليها شراباً آخر، إلا رشفات من "عرق أبي سعدة" أو "عرق التين" وخاصة عندما يزوره بعض المشايخ المولعين بهذا الصنف، الذي كان يحضره ابنه ونوس من لبنان عندما يعود من بيروت بأجرة ابنته التي تعمل خادمة عند أسرة أرمينية ثرية. إضافة لما يحمله من عند شقيقته "فيوليت" (ظرُّوف سابقاً) التي باعها أبوها لشاب موراني ثري بمبلغ من المال اشترى به "المسطَّحة" الأرض التي أقام عليها "بستان الرمان".. كانت شقراء رائعة، تُعرفُ في القرية باسم "الفرنساوية" لأن أمها – كما قيل – "توحمت" بها على ضابط فرنسي أشقر فجاءت مثله.
ويستريح الكلب قليلاً على المصطبة ويخف لهاثه فتقرِّب إليه "المصل" وما إن يشم رائحته حتى يتحرك من مكانه ليعبّ منه حتى كاد يأتي على آخر نقطة فيه..
كانت أم ونوس تنظر إليه وتعود بذاكرتها إلى برهوم الذي لم يكن يعجبه من الدرّ إلا ما كان ينفصل من ماء عن الجبن أو القريش ولو وجد هذا المصل سبيله إلى السوق لما شربه وأهدر قيمته.. قالت أم ونوس في نفسها:
إنه هو.. نعم هو.. فقد كان مولعاً بالمصل وما يزال..
ويحاول الكلب بعد حين الخروج من المنزل؛ ولكنه لا يفلح فالباب مغلق وعينا أم ونوس ترقبانه، يجرب التسلق على الجدار غير أنه لا ينجح أيضاً فقد كانت قواه خائرة، وحالته الصحية لا تساعده على تسلق الجدران المنتصبة، فأقام ليلته نائماً، على غير عادة الكلاب، وأم ونوس تنهض من فراشها مرة بعد مرة للاطمئنان إلى أنه ينام مستريحاً..
ويبزغ الفجر ليبدأ الكلب عواءً أجشَّ، على غير عادة الكلاب أيضاً، التي تكون في مثل هذا الوقت، قد استسلمت للنوم بعد طول سهر وعواء، ولكن ما الذي يمنعه من الاستيقاظ مبكراً وقد أخذ حصته من الراحة؟!!.
وتنهض أم ونوس من فراشها مسرعة إلى إفراغ ما بقي لديها من مصل في وعاء شرب الكلب ناثرةً بين يديه بعض كُسيراتٍ من خبر الأمس لم تستطع إثارة شهيته، أو إسالة لعابه، فلم تجد بدّاً من تقريب طاسة إليه لعلّ في رائحة المصل ما يحرك فيه الشهوة للطعام. وما إن أضحى وعاؤه في متناول فمه، حتى أخذ يشرب مستكثراً مسرعاً؛ كأنما يريد إطفاء غلة مزمنة أو عطش قديم.. كانت عينا أم ونوس في حركة ثلاثية الاتجاه: مرة إلى الطاس، وثانية إلى لسانه، وثالثة إلى بطنه لتطمئن إلى ازدياد حجمه..
وتظهر علائم الارتواء عليه فيسترخي قليلاً ليتمدد بعد ذلك على قفاه وتراها تهمس من غير أن تشعر بما تقول: "بو ونوس شبعت؟"
وتتركه عل مصطبته مستقبلاً الشمس بغبطة وسرور، فلطالما كان يقف في خشوع عند شروقها وغروبها، حتى أيام البرد والزمهرير، متحيّناً لها، نظرة من خلال الغيوم المتلبِّدة، مرسلاً التحية إلى الإله ملك النحل علي بن أبي طالب.. ولكنها تتنهد وتقول:
يا حسرة، لم أكن أعرف أبداً ما يدور بينه وبين ربه، فقد قضت الديانة النصيرية، ألا تطَّلع النساء على شيء من أمور الدين لأنهن كما يقولون: ليس للمرأة دين إلا "……" ولن أنسى أبداً الشيخ "محمود أبو هبّول" الذي رشقني بكلمات اللعن والطرد عندما دخلت إلى "الجّمْعَة" [الجَمْعَة: البيت الذي يجتمع فيه النصيريون في المناسبات الدينية والاجتماعية] حاملة الديك الأحمر المشوي لأضعه بين يديه، فأسرع إلى طردي ومن معه.. لم أذكر من كلماته التي كان يحدث بها الناس عند دخولي إلا قوله: "سيدي عبد الله بن سبأ".
غير أني لا أدري من صاحب هذا الاسم وماذا يعني، إني صرت أهتم بسماعه من ولدي ونّوس عندما كان يطلب إلى ابنه أن يسمعه ما كان لقنه إياه "الشيخ مصطفى الضرير" بعد أن بلغ الثامنة عشرة من عمره يوم أمره بالانقطاع عن رفاقه من المسلمين الذين كانوا يزورونه في القرية أيام الربيع والصيف أولئك الرفاق الذين يسم يستطع الإفلات من تأثيرهم فيه، فقد كانوا شباباً مهذبين يحملون له من الهدايا كل زيارة ما يدل على كرمهم وإخلاصهم، ويكرمونه في المدينة أثناء السنة الدراسية، بما يقدمونه له من الخدمات ومع ذلك فقد كانوا شديدي الخطر عليه، هكذا كان يقول جده وأبوه والشيخ مصطفى لأنهم يرون أن حُسنَ معاملة زملائه له واستمرار العلاقة هذه قد يدفعه إلى اعتناق الإسلام، لا سيما أنه كان يرافقهم إلى المساجد ويصلي معهم بل ويصلي مثلهم وهذا الذي يمقته المشايخ ويحاربونه..
وتسقط دموع أم ونوس على وجنتيها وهي تتذكر "مخلوفاً" عندما كان يجلس تحت شجرة البلوط يبكي فراق زملائه ويتألم لمعاملة أهله القاسية تلك المعاملة التي كانوا يرغمونه من خلالها على تقبيل نعل الشيخ مصطفى الضرير ووضعها على رأسه وجبهته، عند ذلك كان يحسّ بفقد إنسانيته، بالصدمة الإذلالية، ويشعر بأنه من عالم آخر، بل من عالم أقل شأناً حتى من عالم الحيوانات الدنيا الدنية.
وتواصل أم ونوس أفكارها مخاطبةً نفسها:
لقد فكر مخلوف بالفرار واعتناق الإسلام، لكنهم هددوه بالقتل وأن "الذباب الأزرق" لن يستطيع معرفة مصيره أو مكانه، وقالوا له: إنك بعد ذلك سوف تتقمص كلباً أسود، أو حجراً في موقد دائم الاشتعال.. غير أن هذه الكلمات كانت أبعد من أن تؤثر فيه فقد كان يصارح أمه قائلاً:
إن الذي يزيدني ألماً وتعساً أن أقبّل نعل شيخ قذر، تعشعش فيه الجهالة، ولا يملك من السطوة إلا ما في نفوس العبيد من الخنوع والذل، أو الرهبة من سلطان أعمى لا يعرف إلا الطرد والقتل والتصفية الجسدية لكل متمرد عليه أو متبرم به!!
وتمضي أم ونوس في خواطرها، كأنما تخاطب جمعاً أمامها وضع آذانه على فمها:
ولا تزال القرى تذكر عائلة "أبو شلّة" التي كانت على وشك اعتناق الإسلام بأفرادها جميعاً، والانتقال إلى مدينة طرطوس حيث تجد متنفساً هناك بالقرب من أصدقائها من عائلة المؤذن وهيكل فلم يمهلهم المشايخ كثيراً فعمدوا إلى تدبير مقتل العائلة ولم ينج إلا طفل رضيع من المجزرة حينما ربطوا "سواميك" [سواميك : ج سُمُك مفردها السِّماك وهو العمود الذي يستند إليه السقف] البيت خلسة – بواسطة ضيفٍ اصطنعوه للعائلة – وكلهم نيام، إلى مؤخّرة جرّار "الجمعية الفلاحية" الذي سار إلى الأمام مقتلعاً الأعمدة من أماكنها ليستقر السقف على صدور ورؤوس عائلة كانت تستعد للرحيل، فكانوا أسرع في ترحيلها، وأسرع في إخفاء الجريمة وتمويهها.. حين أسرعوا إلى إبلاغ مخفر ناحية "الشيخ بدر" أن شدة الأمطار ليلاً قد أطبقت السقف الترابي على ساكنيه في بيت "أبي شلة" واختاروا لهم مقبرة خاصة بعيدةً عن مقبرة القرية لأنهم يرفضون أن يشاركهم غير النصيريين في مقابرهم.
هذه القصص وأمثالها كانت أقدر على زرع الرعب في قلوب الشباب الذين كانوا يستاءلون عن جدوى أن يكون المرء نصيرياً.. وماذا تعني النصيرية التي يجتهدون في إخفائها؟ لقد كانوا يألمون كثيراً عندما يسمعون الناس يقولون لهم: "الدين المخبأ صرماية عتيقة" [صرماية عتيقة: حذاء قديم مهترئ متقطع (عامية)] وإذا حاولوا إظهار هذا الدين، كيلا يكون كذلك، فما الذين يقدمونه للناس غير الجهل والكفر والخرافات والضلال؟ وهل يصدق الناس أن الخالق هو علي بن أبي طالب؟ وأن عبد الله بن سبأ من النجباء؟ وأن.. وأن.. وأن..؟
ذهبت أم ونوس في خيالاتها مذاهب شتى حتى أنها طافت بذكرياتها حول بيت "الحاج عبد الكريم الضناوي" في طرابلس الشام حيث كانت تعمل خادمة عند هذه العائلة الطرابلسية المسلمة، إذ عاشت أجمل أيام حياتها وأعذبها، حينما كانت هذه العائلة الفاضلة المثقفة تعاملها بما لا يختلف عن معاملة أفرادها بعضهم بعضاً..
ولكن ماذا تفعل حين كان طيش الصبا دافعاً للارتماء في أحضان "برهوم" الذي كان يمتاز على شباب القرية بأنه يحمل أثقل "جرن" فيها غير أنه سرعان ما فقد بريقه وفتوته، وانهمك في تجميع المال من كل ناحية وبكل أسلوب، حتى أصبح كما قيل عنه "جلده محشوّ بالفلوس". ولقد لقيت منه شدة وعسفاً لا أنساه أبداً ولكن.. تتنهد أم ونوس وتتمتم: لولا ذكريات تلحُّ عليَّ كانت معه لشمتُّ..
والتفتت نحو الكلب وقالت:
لشمتُّ بلك لأنك تقمصت كلباً.. ولكني أرجو أن تتخلص من ذنوبك في هذا الجيل لتعود في الجيل التالي طفلاً جميلاً عند أسرة طيبة كأسرة الحاج عبد الكريم الضناوي، وبصورة آدمي..
وتذكرت أم ونوس أنها على موعد معه "أم إبراهيم نظلة" للذهاب إلى دكان "سلمان الراعي" لشراء "حنجور" فازلين لأن "القشب" أكل يديها. وتهم بالخروج من باب الدار إلا أنها تتذكر الكلب فتنظر إليه قائلة:
"بو ونوس" لن أغيب عنك كثيراً.
يلاحظ ونوس وإخوته عظيم اهتمام أمهم بالكلب "فيلعب الفأر بعبهم" [تعبير شعبي يعبر عن التنبه إلى أمرٍ ما يستحق التفكير والمراقبة] ويتساءلون فيما بينهم:
ترى هل هذا الكلب هو أبونا لتصدق رؤيا عمتنا فيه؟ فقد رأته في منامها كلباً يشكو مطاردة الناس له، ولا يجد ملاذاً يحميه غير خرائب قصر قديم..
وفي يوم من الأيام كان ونوس يحمل معه أحشاء دجاجة ذبحوها (بفصل رأسها عن جسدها باليد) لأنها مصابة "بالوجعة" ليقدمها للكلب. وقف إلى جانب أمه يراقبان معاً أكله. وما أشد دهشة ونوس حينما نظر إلى أمه فإذا عيناها تسقطان دمعاً سخياً فيسألها:
ما الذي يبكيك يا أمي؟
"بيّك" يا عيني إنه لا يستطيع الأكل بارتياح فهذه القروح والجروح تمنعه من أخذ راحته والتمتع بحريته.. (وتتوقف عن الكلام وكأنها تخشى ألا يصدّق ونوس أن الكلب أبوه) ويدهشها ما رأت أشد الدهشة ويثير إعجابها ويبعث طمأنينتها: فقد هوى ونوس إلى الكلب يقبله ويقول:
(بيّي) كم كنا في اشتياق إليك، وانشغال فكرنا عليك، وخشينا ألا تكون قد شفيت من هذه القروح التي كانت سبب موتك.. أبشِر فأنا عند عينيك وغداً صباحاً سوف أحضر لك الطبيب.
إنها كلمات أثلجت صدر أم ونوس، وأدخلت في نفسها الطمأنينة وبعثت في حناياها الارتياح فقالت:
الرب يرضى عنك يا ونوس.. أنت مرضيّ فقد كان أبوك يحبك كثيراً، وها قده جاء دورك الآن لتقوم بالواجب نحوه.
ويرى ونوس أن من الواجب عليه القيام بإخبار أشقائه وشقيقاته وأقربائه، وهل هناك أجمل من البشرى يحملها آخر النهار لأخوته فيكون له شرف نقل هذا الخبر المفرح عن "مقدم" العائلة.
ولم يكد الخبر يصل إليهم حتى هبّوا مسرعين إلى منزل أمهم، كباراً وصغاراً، حتى أن كلابهم تبعتهم تستوضح الخبر وكادت تقع في معركة مع "المقدم" لولا تدخل الجميع وقيامهم "بفض الاشتباك" المحتمل وطرد الكلاب كافة ما عدا حبيب القلوب، ومنعهم الدروب، الذي طالب انتظاره وتتابعت أطواره..
وتحلّقوا حوله كلّ يريد نظرة، ولم يفزع منظره إلا الأطفال الذين كانوا يهربون صارخين مستنجدين عندما كان يدفع بهم الآباء والأمهات لنيل نظرة واستراق "تكشير" من جدهم العائد بعد غياب طويل..
وتدور الأحاديث مسترجعة أيام برهوم السابقة.
وكان أكثر الحاضرين فرحاً وألماً "زلخة" شقيقة برهوم ورفيقة طفولته فقد امتزجت دموع الفرح والألم معاً، الفرح بعودته والاطمئنان إلى أنه يمتلك الآن فرصة التخلص من كثير من ذنبه ليحظى بجيل آخر أفضل حالاً وأحسن مآلاً؛ والألم لهذه القروح التي لا تدعه يستقر على جنب واحد وكأنه يتلوى من الألم الذي لا يستطيع التعبير عنه أحياناً إلا بصوت "انتعاص" شديد يثير في من حوله كوامن الألم والجزع عليه، ومع ذلك كله فقد كانت سهرة ممتعة اجتمع فيها الأبناء والأحفاد "بالمقدم" الذي طالت غيبته..، وكانت أحاديث لم تخرج عن دائرة برهوم وأسقامه حتى استقر الرأي على استحضار طبيب يداوي جراحاته.
ولم تكد أول خيوط النور تؤذن بالفجر حتى كان ونوس يطرق باب "حامد الشوفير" الذي كان يستقبل زبائن هذا الوقت بالسباب والشتائم "من الزنّار ونازل"..
خرج حامد يفرك عينيه على أنغام شتائمه المميزة الشهيرة إلا أنه توقف فجأة عن ذلك لما رأى أن زبونه الثقيل ليس إلا ونوس فأقبل نحوه مستفسراً عن حقيقة والده إذ لم يتمكن من زيارته وتهنئته بذلك لعودته متأخراً من "الطليعي" قرب برج صافيتا إذ كان برفقة بيت أبي محمود معلاّ الذين قصدوا "المزار" استشفاءً لابنهم محمود المصاب بشلل الأطفال والذي كما قيل أعيا داؤه الطب والأطباء.. ولم يكد يعلم "حامد الشوفير" بمراد صيدقه ونوس حتى سارع إلى ارتداء ثيابه لمرافقة صاحبه إلى الدكتور في مدينة طرطوس..
وكان حديثاً شيقاً لم يحسا معه بصوت المحرك الذي يحكي حال سيارة الشيفروليه المولودة قبل احتلال الصهاينة لفلسطين.. لم يكن معهما في "الأطمبيل" من أحد فقد رغب ونوس في السرعة وتعهد بدفع أجرة عشرة ركاب على الأقل مع "ورقة تتن حموي" وقد وصلا مبكرين إلى طرطوس وذهبا إلى بيت "بديعة" بنت الشيخ عمران في حي الرمل حتى يحين وقت افتتاح مصلحة الصحة الحيوانية في مديرية زراعة طرطوس. فمن عادة حامد أن يزور بديعة بين الحين والآخر حاملاً بعض الهدايا ولا يضيق به بيتها فهي ابنة شيخه وقريته وزوجها في الكويت يغيب عنها سنة ويقيم معها شهراً.
ولما اقترب موعد وصول الأطباء إلى الدائرة قصداها واتفقا مع الطبيب البيطري على الذهاب معاً إلى القرية بعد انتهاء الدوام. وكان من الممكن الانتقال إلى القرية مبكرين لولا الخلاف الحادّ بين رئيس المصلحة والأطباء خلال الأيام الأخيرة، والصراع على حصة الأسد في حصيلة الرشاوي التي يتلقاها هؤلاء الموظفين الذين تحولت يد الواحد منهم إلى منشار يعمل على "الطالع والنازل".. حتى أصبح كل صاحب معاملة يضع في حسابه دفع الرشوة ولا يجد لذة للحديث عن متاعب معاملته إلا إذا اقترنت بأرقام الرشوة التي أصبحت ملح كل معاملة، وطابع أي قرار..
وتنطلق السيارة بالطبيب من طرطوس ناهشة الطريق الترابية المتصاعدة بين الجبال لتقف أمام البيت في القرية فيسرع كل من في البيت لاستقبال "الدكتور" القادم لمداواة "المقدم".
ولم يكد الدكتور يصل إلى ساحة الدار حتى صاحت أم ونوس بأعلى صوتها: ويلي دكتور بيطري؟! دكتور كلاب وجحاش يداوي برهوم!؟ لا لا هذا الأمر غير ممكن أبداً!!
إنها تعرف الطبيب هذا شخصياً، فلطالما أحضره برهوم لمداواة بقراته وحيواناته. ولم تنته من هذه الكلمات الرافضة حتى وجدت الجميع إلى جانبها مؤيدين لها، رافضين أن يضع الدكتور يده فيه فهو بشر إنه أبو ونوس في جيله الجديد ولو ظهر في قميص كلب، فلا بد له من طبيب بشري وليس بيطرياً. ويقفل الرجل عائداً من حيث أتى ويرافقه ونوس إلى طرطوس يحضر طبيباً بشرياً فقد أدرك مدى خطئه في اختيار طبيب مختص بمداواة الحيوانات.
وفي طرطوس ذهب ونوس إلى الطبيب البشري الدكتور حسن وشرح له الأمر. وبعد مداولة في الأجر الذي طلبه كانت السيارة تعود إلى القرية من جديد لتقديم المعونة لبرهوم للتخلص من قروحه وأسقامه.
لم يستغرب الطبيب أن يُدعى لمداواة طلب فلطالما دُعي لمثل هذه الحالة التي يتكرر حدوثها بين الآونة والأخرى في هذه القرية أو تلك حتى حي الرمل في طرطوس لم ينس حقه في استدعاء الأطباء البشريين لمداواة الكلاب أو البقر أو الحمير عندما تظهر علامات "التقمص" عليها كما يتخيلون.
وما أكثر ما كانت تصطنع حالات التقمص وينسج حولها من الأساطير ليرسخ ذلك في أذهان النصيريين وخاصة الصغار منهم، فكم من صبي درّبه أبواه على ادّعاء أنه فلان الذي مات في قرية كذا وأن أولاده هم فلان وفلان وفلان وأن له أرض كذا وكذا وحدث معه أمور يحدِّث بها وكأنها واقعة، وهي في حقيقتها لا تخرج عن كونها من محفوظات الناس عن ذلك الرجل الذي مات. ويستقبل النصيريون هذه الافتعالات بكل تصديق وتأكيد وتعزيز واقعيتها بذكر حوادث كثيرة مشابهة لها، حدثت لهم ولأقربائهم ومعارفهم في قرى كثيرة من قرى النصيريين.
ويتفحص الطبيب الكلب الأجرب ويصف له الدواء المناسب ويطمئن الأهل والأحباب أن مريضهم بخير ولا داعي للقلق أو الخوف فسوف لن تمضي إلا أيام حتى يسترد صحته وعافيته ونباحه الشجي المطرب.
تغادر السيارة القرية في اتجاه طرطوس عائدة بالطبيب إلى عيادته ومرضاه، وبرفقته مخلوف بن ونوس الذي كلفه أبوه مرافقة الطبيب وشراء الدواء من إحدى صيدليات حي الرمل في طرطوس إذ لا يجوز للنصيري شراء أية حاجة من حاجاته من غير النصيري إلا إذا لم يكن هناك نصيري في قريته أو مدينته أو حيه لديه مطلوبه وعند ذلك يبحث عن أقرب الناس مودة وخدمة للنصيريين للحصول على مشترياته منه فالنصيريون لا يشترون من غير هذه الأصناف إلا مضطرين مكرهين أو ماكرين.
لم يشارك عدنان في هذا الحفل لأن نفسه تأبى أن ترى مثل هذه الأعمال التي لا تليق بذوي العقول النيرة الرشيدة، ولكم شاهد مثل هذه الأمور فلم تزده إلا اشمئزازاً وتقززاً، فصمم على ألا يقرب أي احتفالات من هذا النوع، ولكنه مع ذلك كان يشارك واحداً من الحاضرين شعوره ألا وهو صديقه مخلوف، الذي يقدر أنه لن يشارك إلا مرغماً مجبراً، فهو أعرف الناس به وأقربهم فكراً إليه.
ومع ذلك فلم ينج من بعض آثار هذا المهرجان اللعين حين كانت تترامى إلى سمعه الصرخات الهستيرية، وأصوات الأعيرة النارية، وهرج السكارى ومرجهم، لقد كان في سوق إلى رؤية مخلوف ولكنه قدّر أنه تعب من سهر البارحة، ولا بد أن يرتاح قليلاً فلم يزره إلا بعد عصر اليوم التالي فوجده مكتئباً حزيناً، كأنما أعياه مرض، أو هدته هموم.
لم يلبثا في بيت مخلوف إلا قليلاً، لخرجا إلى الحقول بعيداً عن الناس، وجلسا فوق رابية خضراء تشرف على القرية والوديان المحيطة بها، حيث اعتادا الجلوس في المكان هذا الذي أنس بالأحاديث التي كانت تدور بينهما، إذ لم يحظ من قبل بأمثالهما، فلطالما كانت جنباته مسرحاً للفجور والعصيان، واقتراف الذنوب والموبقات.
تحدث الصديقان في أمور شتى يدور معظمها حول ترّهات العقيدة النصيرية وما عليه أهلها من الباطل والبعد عن الحق، وما هو السبيل الأمثل لسلوك الصراط المستقيم والدين القويم.
قال مخلوف: يا عدنان أيكون المخلوق خالقاً؟
عدنان: هذا غير ممكن هذا مناقض للعقل.
مخلوف: إن أول سورة من سور الصلوات النصيرية تجعل عليّاً بن أبي طالب رضي الله عنه، البشر المولود من أبوين والذي كان يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتزوج النساء والذي مات كما يموت كل إنسان، نعم إن أول سورة تجعله إلهاً ولا إله إلا هو ولا معبود سواه.
فعندما أخذني الشيخ صالح الجبلي شيخ الخياطين إلى بيته أخرج من مخبأ له في بيته كتاباً مخطوطاً اسمه "الكافي" وأملى عليّ منه ما يسمونه "التلب" وفيه يدرك المرء أن دين النصيرية قام على الكفر والإلحاد ومعصية الله والرسول وهدم شوامخ الإسلام، والنيل من الأطهار الذين آمنوا بالرسول وناصروه.
كتبت ما أملى عليّ وطلب مني أن أحفظه لأبتدئ بعده بتلقي سور الصلاة. وسوف أقرأ عليك التلب الذي يدرك أي عاقل منصف بأنه كذب واختراع لا يصدر إلا عن كافر أو زنديق.
اسمع يا صاحبي هذا الهراء المقيت الذي سيقشعرّ له جلدك، ويقف لهوله شعرك. أملى عليّ الفاجر ما يلي:
"الفصل الرابع من كتاب الكافي، رواه السيد أبو شعيب محمد بن نصير عن سلمان الفارسي علينا سلامه قال: إنه يوم دخلت على حضرة مولاي علي أمي النحل عليَّ منه السلام وإليه التسليم، وجدته قائماً يصلي، فسمعت منه كلاماً لم أسمعه من قبل ذلك الوقت أبداً وهو يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من التسعة أرهاط المفسدين الذين فسدوا في الأرض وما أصلحوا في الدين، أعوذ بالله من أصنام قريش وطغاهم وبغاهم وإفكهم وزوجي ابنتيهما الذين أكلوا نعماءك وجحدوا أوليائك، وبغضوا رسولك، وأفسدوا بلادك، وأضروا عبادك؛ اللهم تلعنهم بكل منكرٍ فعلوه، وشملٍ بددوه، وإمامٍ خالفوه، وربٍ نكروه، وفريضةٍ تركوها، وآيات حرفوها، ورسومٍ قطعوها، وجوامعَ بنوها، ومنابرَ علوها ومآذن رفعوها، وقصورٍ شيدوها، وبابٍ دحرجوها، وزياقٍ مزقوها، ومعتقداتٍ أفسدوها، اللهم تلعنهم، وتلعن آباءهم وتعذبهم، وتعذب آباءهم عذاباً تستغيث منه أهل النار لأهل النار، منهم يغوث ويعوق ونثر، وسدوع وسواع وهامان، وقيدر عاقر الناقة، نيثيب بد بخت جوبالت يا هود الخالف، صخريوت الجن، أبرهة بن الصياخ، جوبر بن كوش بن كنعان، وحبتر ونعثل، وقنفذ الأعسر، وكنكر وإسحاق الأحمر الكافر المتجبر الجلندي انب كنكر، وأبو بكر وعمر وعثمان بن عفان، وطلحة ومعاوية ويزيد، وعمرو بن العاص وشمر، وميمونة الصفرا، وعائشة الحمرا، وأبو موسى الأشعري وخالد بن الوليد، اللهم خلّد عليهم اللعنة تخليداً إلى أن نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد، اللهم الْعَنْ غباره وأبا لهب سراق الملك الملعون، اللهم العن الكيسية والفظحية والعزاقرية الحلولية الجبابرة الطاغية الباغية، من دور عزرائيل لدور قابيل، لعنهم الله لعنة كرش مرش، على عدد ورق الحرش، وشعر الطرش، لعنة أبدية سرمدية لأبد الآبدين، ودهر الداهرين، ولك يا عليّ بالحقيقة عابدين، اللهم الْعَنْ الذين اغتصبوا الخلافة من مولانا أمير النحل علي، ومنع السيدة فاطمة إرثها من أرض فدك، اللهم العنهم، والعن أتباعهم وأشياعهم، والعن كل من قال في مقالهم، ودان في ديانتهم، وكل من تقرب إليهم معتقداً في عقيدتهم اللهم العنهم لعنة أبدية إلى يوم الدين. وكما أننا نحمد من حمده مولانا وسيدنا وشيخ ديننا، ومصحح عقيدتنا الحسين بن حمدان الخصيبي وبهذا معتقد اعتقاداً جازماً ولا أحيد عن ذلك إلى يوم الوقت المعلوم. الله بتوحيدك وتمجيدك أن تطهر قلوبنا، وقلوب إخواننا من هؤلاء الطغاة والأبالسة أجمعين ولا تجعل للشيطان له علينا سبيل بحق الزبور والإنجيل حق الحمد لله رب العالمين"
كان مخلوف يتلو هذا الكلام، وعدنان يغلي ألماً لما يسمع حتى إنه ليشعر بأنه يكاد يطير كالبازي لينقضّ على أي شيخ نصيري يلقاه أولاً.. لقد كان الألم بادياً على محيا عدنان الذي لم يجد ما يقول غير كلمات تنبئ عما يعتمل في داخله.
يا لهم من مجرمين كفرة، والله إنهم هم الأبالسة وليس أولئك الأطهار الذين حشروهم بين كفرة مارقين.
قال مخلوف: لا تعجب يا أخي العزيز مما سمعت فما ستسمعه بعد قليل سيذهلك حقاً.. ولم تمض أيام حتى سمعت بأن الشيخ الجبلي فطس فقلت الحمد لله الذي أبعد من طريقي السوء. ولكن بعد أيام أمرين والدي أن أذهب إلى بيت الشيخ عبد اللطيف مرهج الذي سيخلف الشيخ الفاطس في تلقيني بقية الدين النصيري..
ذهبت إليه رجلاً إلى الأمام وأخرى إلى الخلف كما يقولون، أما التي للخلف فهو كراهية أهل الباطل والاقتراب منهم، وأما التي للأمام فهو حب الاطلاع ومعرفة ما عليه هؤلاء الناس من الباطل فطالما أخفوا الديانة عن الآخرين، ولو كانت ديانة صالحة محترمة لأظهروها، ولكنها سبة في جبين كل من يعتقنها إلى يوم الدين.



تعليق