وسئل ـ رحمه الله : عمن يلعن [معاوية] فماذا يجب عليه؟
وهل قال النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأحاديث، وهي إذا (اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون)؟ وأيضًا: (إن عمارًا تقتله الفئة الباغية).
وقتله عسكر معاوية؟ وهل سبوا أهل البيت؟
أو قتل الحجاج شريفًا؟
فأجاب:
الحمد لله،
من لعن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ـ كمعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ونحوهما، ومن هو أفضل من هؤلاء؛ كأبي موسي الأشعري، وأبي هريرة، ونحوهما، أو من هو أفضل من هؤلاء؛ كطلحة، والزبير، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، أو أبي بكر الصديق، وعمر، أو عائشة أم المؤمنين،
وغير هؤلاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ـ فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين.
وتنازع العلماء: هل يعاقب بالقتل؟ أو ما دون القتل؟
كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع.
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) واللعنة أعظم من السب، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن المؤمن كقتله)،
فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم لعن المؤمن كقتله.
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيار المؤمنين، كما ثبت عنه أنه قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)،
وكل من رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به فله من الصحبة بقدر ذلك،
كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يغزو جيش، فيقول: هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم. فيفتح لهم، ثم يغزو جيش؛ فيقول: هل فيكم من رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون، نعم. فيفتح لهم).
وذكر الطبقة الثالثة، فعلق الحكم برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما علقه بصحبته.
ولما كان لفظ [الصحبة] فيه عموم وخصوص، كان من اختص من الصحابة بما يتميز به عن غيره يوصف بتلك الصحبة، دون من لم يشركه فيها،
قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد المتقدم لخالد بن الوليد لما اختصم هو وعبد الرحمن: (يا خالد، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فإن عبد الرحمن بن عوف هو وأمثاله من السابقين الأولين من الذين أنفقوا قبل الفتح ـ فتح الحديبية - وخالد بن الوليد وغيره ممن أسلم بعد الحديبية وأنفقوا وقاتلوا دون أولئك، قال تعالي: { لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } [الحديد: 10]
والمراد [بالفتح] فتح الحديبية لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحت الشجرة، وكان الذين بايعوه أكثر من ألف وأربعمائة، وهم الذين فتحوا خيبر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة).
و [سورة الفتح] الذي فيها ذلك أنزلها الله قبل أن تفتح مكة، بل قبل أن يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد بايع أصحابه تحت الشجرة عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وصالح المشركين صلح الحديبية المشهور، وبذلك الصلح حصل من الفتح ما لا يعلمه إلا الله، مع أنه قد كان كرهه خلق من المسلمين، ولم يعلموا ما فيه من حسن العاقبة
حتي قال سهل بن حنيف
أيها الناس اتهموا الرأي، فقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت) رواه البخاري وغيره،
فلما كان من العام القابل اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل هو ومن اعتمر معه مكة معتمرين، وأهل مكة يومئذ مع المشركين، ولما كان في العام الثامن فتح مكة في شهر رمضان، وقد أنزل الله في سورة الفتح:
{ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا } [الفتح: 27]،
فوعدهم في سورة الفتح أن يدخلوا مكة آمنين، وأنجز موعده من العام الثاني، وأنزل في ذلك: { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } [البقرة: 194]،
وذلك كله قبل فتح مكة فمن توهم أن [سورة الفتح] نزلت بعد فتح مكة فقد غلط غلطًا بينًا.
والمقصود أن أولئك الذين صحبوه قبل الفتح اختصوا من الصحبة بما استحقوا به التفضيل علي من بعدهم، حتى قال لخالد: (لا تسبوا أصحابي)،
فإنهم صحبوه قبل أن يصحبه خالد وأمثاله.
ولما كان لأبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ من مزية الصحبة ما تميز به على جميع الصحابة، خصه بذلك في الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري عن أبي الدرداء، أنه كان بين أبي بكر وعمر كلام، فطلب أبو بكر من عمر أن يستغفر له فامتنع عمر، وجاء أبو بكر إلي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ما جري، ثم إن عمر ندم، فخرج يطلب أبا بكر في بيته، فذكر له أنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء عمر أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يغضب لأبي بكر، وقال: (أيها الناس، إني جئت إليكم فقلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟! فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟!)،
فما أوذي بعدها) .
فهنا خصه باسم الصحبة، كما خصه به القرآن في قوله تعالي: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } [التوبة: 40]، وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة، فاختار ذلك العبد ما عند الله)، فبكي أبو بكر، فقال: بل نفديك بأنفسنا؛وأموالنا. قال: فجعل الناس يعجبون أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به.)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخي وصاحبي، سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر)،
وهذا من أصح حديث يكون باتفاق العلماء العارفين بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وأحواله.
والمقصود أن الصحبة فيها خصوص وعموم، وعمومها يندرج فيه كل من رآه مؤمنًا به، ولهذا يقال: صحبته سنة، وشهرًا، وساعة، ونحو ذلك.
و[معاوية وعمرو بن العاص وأمثالهم] من المؤمنين، لم يتهمهم أحد من السلف بنفاق،
بل قد ثبت في الصحيح أن عمرو بن العاص لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم قال: علي أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي. فقال: (ياعمرو، أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله)، ومعلوم أن الإسلام الهادم هو إسلام المؤمنين، لا إسلام المنافقين.
وأيضًا فعمرو بن العاص وأمثاله ممن قدم مهاجرًا إلي النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية هاجروا إليه من بلادهم طوعًا لا كرهًا،
والمهاجرون لم يكن فيهم منافق، وإنما كان النفاق في بعض من دخل من الأنصار؛
وذلك أن الأنصار هم أهل المدينة، فلما أسلم أشرافهم وجمهورهم، احتاج الباقون أن يظهروا الإسلام نفاقًا؛ لعز الإسلام وظهوره في قومهم.
وأما أهل مكة فكان أشرافهم وجمهورهم كفارًا فلم يكن يظهر الإيمان إلا من هو مؤمن ظاهرًا وباطنًا؛ فإنه كان من أظهر الإسلام يؤذي ويهجر، وإنما المنافق يظهر الإسلام لمصلحة دنياه.
وكان من أظهر الإسلام بمكة يتأذي في دنياه، ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلي المدينة هاجر معه أكثر المؤمنين، ومنع بعضهم من الهجرة إليه، كما منع رجال من بني مخزوم مثل الوليد بن المغيرة أخو خالد أخو أبي جهل لأمه؛
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت لهؤلاء ويقول في قنوته:
(اللهم نج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك علي مضر، واجعلها عليهم سنينًا كسني يوسف).
والمهاجرون من أولهم إلي آخرهم ليس فيهم من اتهمه أحد بالنفاق، بل كلهم مؤمنون مشهود لهم بالإيمان،
ولعن المؤمن كقتله).
وهل قال النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأحاديث، وهي إذا (اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون)؟ وأيضًا: (إن عمارًا تقتله الفئة الباغية).
وقتله عسكر معاوية؟ وهل سبوا أهل البيت؟
أو قتل الحجاج شريفًا؟
فأجاب:
الحمد لله،
من لعن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ـ كمعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ونحوهما، ومن هو أفضل من هؤلاء؛ كأبي موسي الأشعري، وأبي هريرة، ونحوهما، أو من هو أفضل من هؤلاء؛ كطلحة، والزبير، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، أو أبي بكر الصديق، وعمر، أو عائشة أم المؤمنين،
وغير هؤلاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ـ فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين.
وتنازع العلماء: هل يعاقب بالقتل؟ أو ما دون القتل؟
كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع.
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) واللعنة أعظم من السب، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن المؤمن كقتله)،
فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم لعن المؤمن كقتله.
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيار المؤمنين، كما ثبت عنه أنه قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)،
وكل من رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به فله من الصحبة بقدر ذلك،
كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يغزو جيش، فيقول: هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم. فيفتح لهم، ثم يغزو جيش؛ فيقول: هل فيكم من رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون، نعم. فيفتح لهم).
وذكر الطبقة الثالثة، فعلق الحكم برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما علقه بصحبته.
ولما كان لفظ [الصحبة] فيه عموم وخصوص، كان من اختص من الصحابة بما يتميز به عن غيره يوصف بتلك الصحبة، دون من لم يشركه فيها،
قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد المتقدم لخالد بن الوليد لما اختصم هو وعبد الرحمن: (يا خالد، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فإن عبد الرحمن بن عوف هو وأمثاله من السابقين الأولين من الذين أنفقوا قبل الفتح ـ فتح الحديبية - وخالد بن الوليد وغيره ممن أسلم بعد الحديبية وأنفقوا وقاتلوا دون أولئك، قال تعالي: { لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } [الحديد: 10]
والمراد [بالفتح] فتح الحديبية لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحت الشجرة، وكان الذين بايعوه أكثر من ألف وأربعمائة، وهم الذين فتحوا خيبر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة).
و [سورة الفتح] الذي فيها ذلك أنزلها الله قبل أن تفتح مكة، بل قبل أن يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد بايع أصحابه تحت الشجرة عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وصالح المشركين صلح الحديبية المشهور، وبذلك الصلح حصل من الفتح ما لا يعلمه إلا الله، مع أنه قد كان كرهه خلق من المسلمين، ولم يعلموا ما فيه من حسن العاقبة
حتي قال سهل بن حنيف
أيها الناس اتهموا الرأي، فقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت) رواه البخاري وغيره،فلما كان من العام القابل اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل هو ومن اعتمر معه مكة معتمرين، وأهل مكة يومئذ مع المشركين، ولما كان في العام الثامن فتح مكة في شهر رمضان، وقد أنزل الله في سورة الفتح:
{ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا } [الفتح: 27]،
فوعدهم في سورة الفتح أن يدخلوا مكة آمنين، وأنجز موعده من العام الثاني، وأنزل في ذلك: { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } [البقرة: 194]،
وذلك كله قبل فتح مكة فمن توهم أن [سورة الفتح] نزلت بعد فتح مكة فقد غلط غلطًا بينًا.
والمقصود أن أولئك الذين صحبوه قبل الفتح اختصوا من الصحبة بما استحقوا به التفضيل علي من بعدهم، حتى قال لخالد: (لا تسبوا أصحابي)،
فإنهم صحبوه قبل أن يصحبه خالد وأمثاله.
ولما كان لأبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ من مزية الصحبة ما تميز به على جميع الصحابة، خصه بذلك في الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري عن أبي الدرداء، أنه كان بين أبي بكر وعمر كلام، فطلب أبو بكر من عمر أن يستغفر له فامتنع عمر، وجاء أبو بكر إلي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ما جري، ثم إن عمر ندم، فخرج يطلب أبا بكر في بيته، فذكر له أنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء عمر أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يغضب لأبي بكر، وقال: (أيها الناس، إني جئت إليكم فقلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟! فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟!)،
فما أوذي بعدها) .
فهنا خصه باسم الصحبة، كما خصه به القرآن في قوله تعالي: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } [التوبة: 40]، وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة، فاختار ذلك العبد ما عند الله)، فبكي أبو بكر، فقال: بل نفديك بأنفسنا؛وأموالنا. قال: فجعل الناس يعجبون أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به.)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخي وصاحبي، سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر)،
وهذا من أصح حديث يكون باتفاق العلماء العارفين بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وأحواله.
والمقصود أن الصحبة فيها خصوص وعموم، وعمومها يندرج فيه كل من رآه مؤمنًا به، ولهذا يقال: صحبته سنة، وشهرًا، وساعة، ونحو ذلك.
و[معاوية وعمرو بن العاص وأمثالهم] من المؤمنين، لم يتهمهم أحد من السلف بنفاق،
بل قد ثبت في الصحيح أن عمرو بن العاص لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم قال: علي أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي. فقال: (ياعمرو، أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله)، ومعلوم أن الإسلام الهادم هو إسلام المؤمنين، لا إسلام المنافقين.
وأيضًا فعمرو بن العاص وأمثاله ممن قدم مهاجرًا إلي النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية هاجروا إليه من بلادهم طوعًا لا كرهًا،
والمهاجرون لم يكن فيهم منافق، وإنما كان النفاق في بعض من دخل من الأنصار؛
وذلك أن الأنصار هم أهل المدينة، فلما أسلم أشرافهم وجمهورهم، احتاج الباقون أن يظهروا الإسلام نفاقًا؛ لعز الإسلام وظهوره في قومهم.
وأما أهل مكة فكان أشرافهم وجمهورهم كفارًا فلم يكن يظهر الإيمان إلا من هو مؤمن ظاهرًا وباطنًا؛ فإنه كان من أظهر الإسلام يؤذي ويهجر، وإنما المنافق يظهر الإسلام لمصلحة دنياه.
وكان من أظهر الإسلام بمكة يتأذي في دنياه، ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلي المدينة هاجر معه أكثر المؤمنين، ومنع بعضهم من الهجرة إليه، كما منع رجال من بني مخزوم مثل الوليد بن المغيرة أخو خالد أخو أبي جهل لأمه؛
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت لهؤلاء ويقول في قنوته:
(اللهم نج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك علي مضر، واجعلها عليهم سنينًا كسني يوسف).
والمهاجرون من أولهم إلي آخرهم ليس فيهم من اتهمه أحد بالنفاق، بل كلهم مؤمنون مشهود لهم بالإيمان،
ولعن المؤمن كقتله).



تعليق