كنت الطفل البكر .. لعائلة متوسطة الحال في مدينة تتسم بالجمال والهدوء.
كبرت وتربيت على الإحساس بالمسئولية، كنت طفلا ليس ككل الأطفال، لا ألعب كثيراً ولا انزل إلى الشارع كأطفال الحي الذي أسكن فيه .. وكنت دائم الالتزام باخوتي الاثنين ( المتوسط حسن والصغير أنور ) لأن طبيعة عمل أبى في مدينة أخرى غير التي نسكن نحن فيها أجبرني للالتزام .. وجعلني العب دور أبى الغائب اكثر أيام الأسبوع .
ومرت الأيام والسنون دون مشاكل لي ولعائلتي، فمن الناحية الاقتصادية نحن شبه أغنياء، فتعليمي كان في مدارس خاصة. ومن الناحية الدينية، كنا مسلمين نصلي ونصوم .. نقيم الفرائض ولكن بشكل عادي غير متزمت أو متعصب.
إلى أن جاء اليوم الذي فجر كل علامات الاستفهام بداخلي وغير مجرى حياتي .. من حياة عادية .. إلى حياة مليئة بالمفاجآت والمتغيرات. هذا اليوم يوم دخولي المرحلة الثانوية،هذه المرحلة المهمة جداً بحسب رأيي لكل شخص، لأن فيها يبدأ الإنسان في البحث عن ذاته.. في البحث عن أشياء تعود أن يتلقاها دون فحص أو امتحان أو حتى استفهام بديهي؟!!!
فكل منا توارث دينه .. ولونه .. ولغته .. وجنسه لم يختر أحد منا أي شيء من هذه الأشياء رغم أهميتها وتأثيرها.. وتشكيلها لكل منا، فنحن نتعامل بهذا التراث الجبري مع أنفسنا .. ومع الله .. ومع الآخرين فمثلاً : نحن المسلمون ولدنا وتربينا على كره اليهود وبعضنا تربى على كرهه اليهود والمسيحيين، وعلى أننا نحن المسلمون خير أمة أخرجت للناس، ولا يتخيل أحد منا أن الآخر اليهودي أو المسيحي أو .. الخ على صواب إطلاقا. هذه الفكرة ( صواب الآخر ) لا تأتي حتى في الأحلام!!
وعلى ما أظن أن قلة قليلة جداً هي التي تفكر في البحث عن الأشياء التي تسلمتها بالوراثة. وعلى مدى صحة هذا التوارث لأننا أن كنا نطالب الأخر ( اليهودي أو المسيحي ) أن يبحث في تراثه لاكتشافه وتنقيحه، لأننا على يقين مسبقاً انه على خطأ، ونعتبرهم عميان لأنهم يقبلون تراثهم دون فحص، فنحن بالأولى ينبغي أن نفعل ذلك ( المنطق يقول كما تريد أن يعاملوك الناس عاملهم أنت أيضا) وعلى ما أظن أن إعادة البحث في التراث .. و محاولة كشف حقيقته تجعلنا اكثر تجذرا وثباتا في مناطق الصواب فيه وتجعلنا مرنين ومتطورين ومتغيرين في مناطق الجاهلية والباطل فيه فبالتأكيد إن الإله الحقيقي يحب القوم الباحثين عن الحق وعن النور .. وعن الخير.. وعن الحياة الأفضل.
وبدأت المرحلة الثانوية… بعلاقات جديدة .. ومدرسة جديدة .. مليئة بالمفاجآت والتنوع ( وعلى ما أظن أن المدرسة لن تنسى في تاريخها هذا الجيل) . تعرفت على طلبة ملحدين لا تؤمن بوجود الله وعلى طلبة من الجماعات الإسلامية المتعصبة إلى حد العنف ، وعلى طلبة يحيوا سنهم ومراهقتهم .. غير مهتمين بشيء غير البنات.. تنوع عجيب وثري .. وبالذات بالنسبة لي .فمن حياة عادية تقترب إلى حد الملل .. إلى حياة ثرية كماً وكيفاً.
وبدأت اصنع علاقات متعددة وعميقة إلى أن تعرفت إلى شخص أصبحنا في وقت قليل صديقين بمعنى الكلمة.{ أتخيل بعد 16 عام تقريبا من صداقتنا أن من لا يختبر الصداقة الحقيقية يظل وحيداً إلى الأبد .. لا يعرف معنى الدفء.. والمعية.. والصدق .. والإخلاص .. لم يكتشف الآخر لانه لم يكتشف ذاته أولاً .. "سامحوني فأنا متعصب للصداقة" وكان صديقي الجديد ( باسل ) يحمل نفس أفكاري عن الإنسانية باعتبارها ذات منبع واحد هو أبونا آدم وأمنا حواء .. وان الإخاء والصداقة هو الشعور الذي ينبغي أن يحكم كل العلاقات الإنسانية وهو الوحيد القادر على تخطي كل الحواجز الوهمية منها والحقيقية ( حيث حاجز العقيدة واللغة واللون والجنس والطبقة )
وكان يقول: أن البشر لو عادوا لحقيقة الوحدة لم تكن هناك حروب أو مجاعات ولا صبح العالم اكثر سعادة مما نحن فيه الآن .. لأصبح العالم بيتاً صغير لعائلة كبيرة .. حيث السلام والعدالة والمساواة والحرية .
وكانت هذه المبادئ هي شغلنا الشاغل حتى في علاقتنا العاطفية كنا ننتمي لهذا النوع من الحب الأفلاطوني .. ( هذا النوع من الحب الذي يقدس الروح ولا يهتم بالجسد ) كانت لحظات وأيام وسنين جميلة حقا .
كنا مراهقين مثاليين .. نحمل قلب الأطفال .. وبراءة الأطفال .. ودهشة الأطفال.
حيث حلم اليوتوبيا ( المدينة الفاضلة ) كان حلمنا المفضل والمُلح في اليقظة وحتى في المنام.
أتذكر كنا نقضي ليالي كاملة في النقاش والقراءة .. وكانت لعائلتي شقة أخرى غير التي نسكن فيها، كانت بمثابة صومعتنا أنا وباسل .. كنا نقضي اكثر أوقاتنا فيها نكتب، ونسمع الأغاني التي نعشقها ونقرأ كل الكتب الممنوعة وغير الممنوعة ( باعتبار الممنوع مرغوب ومن وجهة نظري الممنوع مرغوب وأيضا مطلوب)
وكانت ممنوعاتنا من نوع خاص. ليست هي بالسجائر أو المخدرات ولكن ممنوعاتنا كانت من هذه الكتب التي حرم علينا قراءتها، لأنها كانت محرمة.
( ما تدخلنيش الجنة يارب لو للجنة سور ) صلاح جاهين
وكان صديقي باسل يثير أسئلة عديدة. أتذكر كان يقول لي أن دعوة التحريف التي يعلنها الإسلام عن اليهودية والمسيحية دعوة تسقط كل الأديان . حتى الإسلام ذاته.
كنت أقول له كيف؟! الإسلام الوحيد المحفوظ .. والمهيمن عليه وأقول له الآية الشهيرة ( إن نحن نزلنا الذكر وأنا له أتحافظون) فيقول، نحن نصدق هذا الكلام لأننا مسلمون .. ولم يحاول أحد منا أن ينظر لمسألة التحريف نظرة محايدة وموضوعية بمعنى.. هل الله هو الذي أوحي بالتوراة والزبور والإنجيل؟
أقول له: نعم
فيقول باسل هل مبدل لكلمات الله أو مغير لها.
فأقول له الآيات التي تعلن انه لا تبديل لكلمات الله و لا تغيير، فلا يقدر أحد من البشر أو حتى من الملائكة أن يفعل ذلك لأن الله هو القادر والقوي والجبار الذي يقدر أن يحافظ على كتبه.
فيقول باسل: أنت تؤمن أن الله قوي وقادر على كل شيء وجبار ولا مبدل لكلماته، فكيف سمح أن يحدث التحريف ليس فقط لكتاب واحد من كتبه بل لجميع كتبه ما عدا كتاب واحد.
فسمح بتحريف التوراة الذي أنزله على موسى!!
وبعد ذلك سمح بتحريف الزبور ( المزامير ) الذي أنزله على داود!!!
وبعد ذلك سمح بتحريف الإنجيل الذي أنزله على عيسى!!!!
وبعد 600 سنة تقريباً .. ستة قرون متكاملة .. أجيال ماتت وأجيال عاشت على الضلال وعلى تحريف الكتب المقدسة. آتى الله بكتاب لا يقدر أحد أن يحرفه !!!!!
فجأة اصبح الله قوي وجبار وغير مبدل لكلماته ، بعد كل هذا التاريخ الذي حرفت فيه كتبه وضلت فيه عباده ( بني إسرائيل الذي فضلهم على العالمين ) والقسيسين والرهبان الذين يتلون الكتاب ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر!!
كل هؤلاء ضلوا ..
فهل تتخيل معي اله لم يقدر أن يحفظ كتابه من التبديل والتغيير والتحريف .. يقدر ان يحفظ عباده؟!!
كنت أفكر واصمت ولا أجد أجابه للرد عليه، لأنني كنت أعلم أن القضية ليست في إيجاد حلول أو إجابة تنقذ الله من المعضلة التي وضع نفسه فيها .. ولم يضعه فيها أحد.
وفي نفس الوقت كنت أثق في علامات استفهام صديقي باسل وإنها استفهامات منطقية يسألها أي شخص عاقل يفكر وكنت اعلم أيضا انه يحمل نية خالصة لله لا يطلب منها رضا بشر أو متع الدنيا الزائلة.
وكان يقول لماذا ندعي نحن المسلمون بتحريف الكتب المقدسة وفي نفس الوقت ندعي بحفظ القرآن وحده
( وكأن القرآن وحده هو كتاب الله ) فهل يوجد لدى الله محاباة بين كتبه ورسله؟!!
وهل لا يهتم الله بهذه الأجيال من البشر التي ماتت في ضلال وهي تتخيل أنها ماتت على حق.. سنين من الإخلاص يقرؤون الكتب بكل تقديس وبكل طهارة وبكل تقوى وهي في الحقيقة كتب محرفة.
فيا صديقي.. أنا لا أؤمن بان الله الحقيقي يفرق بين أحد من كتبه ورسله ..ولا أؤمن حتى انه يفرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى..
ولذلك يا صديقي ينبغي أن نسأل كل هذه الأسئلة ليس لليهود أو للمسيحيين ولكن نسألها لله سبحانه وتعالى. كنت اشعر أن باسل صادق في كل كلمة يقولها، أتذكر أن بعض الليالي كنا نقضيها في قراءة الكتب الثلاثة (التوراة والإنجيل والقرآن ) نخرج التشابه والاختلاف بينهم.
كانت أوقات جميلة .. رغم أنها كانت مرهقة جدا فكريا ونفسيا .. لان النزاهة الفكرية والحياد في البحث أمر ليس بهين.. فلا يوجد اسهل من أن تخرج دينا صحيحا وآخر خطأ دون بحث حقيقي.. يرضي ذاتك ويرضي الله.
وكان باسل يقول لي هل العملة الجيدة تكون أولا أم العملة المزيفة تكون أولا؟
أقول له طبعا العملة الجيدة الحقيقية أولاً ، وبعد ذلك تقلد وتزيف .. فيقول المنطق يقول هذا ولكن كيف يسمح الله أن يكون كتبه الثلاثة الأوائل محرفة وكتابه الرابع ( القرآن ) هو الوحيد غير المحرف .. كيف؟!!
أين العملة الحقيقية التي نقيس عليها التحريف؟ الكتب الأولى؟ أم الكتاب الأخير؟!!
وكان باسل يتأسف كثيراً وهو يقول لي .. " سامحني يا صديقي كيف يجرؤ شخص سمح بهذا التفريط في كتبه أن يطالبنا بهذه الثقة في كتابه الرابع !!
هل تصدقوا إنني كنت اقبل هذه الاستفهامات الجريئة من باسل دون أدنى إحساس انه يسخر من الله أو من القرآن أو من أحد. فأنا اعرفه بحق انه يحب الله ويحترم الجميع .. لكنه فقط كان يفكر بعدالة وبأمانة وبلا أي محاباة.. فكان يقول لي دائما .. أن الآخرة لن ينفع فيها شفيع إلا الحق. فكان باسل يثير كل الأسئلة البديهية مثلاً كان يقول: كيف حرفت الكتب المقدسة ومتي حرفت واين حرفت ومن حرفها؟!
وكثير من الأسئلة التي لم ينشغل أحد من المسلمين الأوائل ولا المتأخرين ( من السلف أو الخلف ) من أن يبذل القليل من الجهد للإجابة عليها وكأن مسألة التحريف واضحة وضوح الشمس ولا يجهلها إلا الجاهل!!!
كبرت وتربيت على الإحساس بالمسئولية، كنت طفلا ليس ككل الأطفال، لا ألعب كثيراً ولا انزل إلى الشارع كأطفال الحي الذي أسكن فيه .. وكنت دائم الالتزام باخوتي الاثنين ( المتوسط حسن والصغير أنور ) لأن طبيعة عمل أبى في مدينة أخرى غير التي نسكن نحن فيها أجبرني للالتزام .. وجعلني العب دور أبى الغائب اكثر أيام الأسبوع .
ومرت الأيام والسنون دون مشاكل لي ولعائلتي، فمن الناحية الاقتصادية نحن شبه أغنياء، فتعليمي كان في مدارس خاصة. ومن الناحية الدينية، كنا مسلمين نصلي ونصوم .. نقيم الفرائض ولكن بشكل عادي غير متزمت أو متعصب.
إلى أن جاء اليوم الذي فجر كل علامات الاستفهام بداخلي وغير مجرى حياتي .. من حياة عادية .. إلى حياة مليئة بالمفاجآت والمتغيرات. هذا اليوم يوم دخولي المرحلة الثانوية،هذه المرحلة المهمة جداً بحسب رأيي لكل شخص، لأن فيها يبدأ الإنسان في البحث عن ذاته.. في البحث عن أشياء تعود أن يتلقاها دون فحص أو امتحان أو حتى استفهام بديهي؟!!!
فكل منا توارث دينه .. ولونه .. ولغته .. وجنسه لم يختر أحد منا أي شيء من هذه الأشياء رغم أهميتها وتأثيرها.. وتشكيلها لكل منا، فنحن نتعامل بهذا التراث الجبري مع أنفسنا .. ومع الله .. ومع الآخرين فمثلاً : نحن المسلمون ولدنا وتربينا على كره اليهود وبعضنا تربى على كرهه اليهود والمسيحيين، وعلى أننا نحن المسلمون خير أمة أخرجت للناس، ولا يتخيل أحد منا أن الآخر اليهودي أو المسيحي أو .. الخ على صواب إطلاقا. هذه الفكرة ( صواب الآخر ) لا تأتي حتى في الأحلام!!
وعلى ما أظن أن قلة قليلة جداً هي التي تفكر في البحث عن الأشياء التي تسلمتها بالوراثة. وعلى مدى صحة هذا التوارث لأننا أن كنا نطالب الأخر ( اليهودي أو المسيحي ) أن يبحث في تراثه لاكتشافه وتنقيحه، لأننا على يقين مسبقاً انه على خطأ، ونعتبرهم عميان لأنهم يقبلون تراثهم دون فحص، فنحن بالأولى ينبغي أن نفعل ذلك ( المنطق يقول كما تريد أن يعاملوك الناس عاملهم أنت أيضا) وعلى ما أظن أن إعادة البحث في التراث .. و محاولة كشف حقيقته تجعلنا اكثر تجذرا وثباتا في مناطق الصواب فيه وتجعلنا مرنين ومتطورين ومتغيرين في مناطق الجاهلية والباطل فيه فبالتأكيد إن الإله الحقيقي يحب القوم الباحثين عن الحق وعن النور .. وعن الخير.. وعن الحياة الأفضل.
وبدأت المرحلة الثانوية… بعلاقات جديدة .. ومدرسة جديدة .. مليئة بالمفاجآت والتنوع ( وعلى ما أظن أن المدرسة لن تنسى في تاريخها هذا الجيل) . تعرفت على طلبة ملحدين لا تؤمن بوجود الله وعلى طلبة من الجماعات الإسلامية المتعصبة إلى حد العنف ، وعلى طلبة يحيوا سنهم ومراهقتهم .. غير مهتمين بشيء غير البنات.. تنوع عجيب وثري .. وبالذات بالنسبة لي .فمن حياة عادية تقترب إلى حد الملل .. إلى حياة ثرية كماً وكيفاً.
وبدأت اصنع علاقات متعددة وعميقة إلى أن تعرفت إلى شخص أصبحنا في وقت قليل صديقين بمعنى الكلمة.{ أتخيل بعد 16 عام تقريبا من صداقتنا أن من لا يختبر الصداقة الحقيقية يظل وحيداً إلى الأبد .. لا يعرف معنى الدفء.. والمعية.. والصدق .. والإخلاص .. لم يكتشف الآخر لانه لم يكتشف ذاته أولاً .. "سامحوني فأنا متعصب للصداقة" وكان صديقي الجديد ( باسل ) يحمل نفس أفكاري عن الإنسانية باعتبارها ذات منبع واحد هو أبونا آدم وأمنا حواء .. وان الإخاء والصداقة هو الشعور الذي ينبغي أن يحكم كل العلاقات الإنسانية وهو الوحيد القادر على تخطي كل الحواجز الوهمية منها والحقيقية ( حيث حاجز العقيدة واللغة واللون والجنس والطبقة )
وكان يقول: أن البشر لو عادوا لحقيقة الوحدة لم تكن هناك حروب أو مجاعات ولا صبح العالم اكثر سعادة مما نحن فيه الآن .. لأصبح العالم بيتاً صغير لعائلة كبيرة .. حيث السلام والعدالة والمساواة والحرية .
وكانت هذه المبادئ هي شغلنا الشاغل حتى في علاقتنا العاطفية كنا ننتمي لهذا النوع من الحب الأفلاطوني .. ( هذا النوع من الحب الذي يقدس الروح ولا يهتم بالجسد ) كانت لحظات وأيام وسنين جميلة حقا .
كنا مراهقين مثاليين .. نحمل قلب الأطفال .. وبراءة الأطفال .. ودهشة الأطفال.
حيث حلم اليوتوبيا ( المدينة الفاضلة ) كان حلمنا المفضل والمُلح في اليقظة وحتى في المنام.
أتذكر كنا نقضي ليالي كاملة في النقاش والقراءة .. وكانت لعائلتي شقة أخرى غير التي نسكن فيها، كانت بمثابة صومعتنا أنا وباسل .. كنا نقضي اكثر أوقاتنا فيها نكتب، ونسمع الأغاني التي نعشقها ونقرأ كل الكتب الممنوعة وغير الممنوعة ( باعتبار الممنوع مرغوب ومن وجهة نظري الممنوع مرغوب وأيضا مطلوب)
وكانت ممنوعاتنا من نوع خاص. ليست هي بالسجائر أو المخدرات ولكن ممنوعاتنا كانت من هذه الكتب التي حرم علينا قراءتها، لأنها كانت محرمة.
( ما تدخلنيش الجنة يارب لو للجنة سور ) صلاح جاهين
وكان صديقي باسل يثير أسئلة عديدة. أتذكر كان يقول لي أن دعوة التحريف التي يعلنها الإسلام عن اليهودية والمسيحية دعوة تسقط كل الأديان . حتى الإسلام ذاته.
كنت أقول له كيف؟! الإسلام الوحيد المحفوظ .. والمهيمن عليه وأقول له الآية الشهيرة ( إن نحن نزلنا الذكر وأنا له أتحافظون) فيقول، نحن نصدق هذا الكلام لأننا مسلمون .. ولم يحاول أحد منا أن ينظر لمسألة التحريف نظرة محايدة وموضوعية بمعنى.. هل الله هو الذي أوحي بالتوراة والزبور والإنجيل؟
أقول له: نعم
فيقول باسل هل مبدل لكلمات الله أو مغير لها.
فأقول له الآيات التي تعلن انه لا تبديل لكلمات الله و لا تغيير، فلا يقدر أحد من البشر أو حتى من الملائكة أن يفعل ذلك لأن الله هو القادر والقوي والجبار الذي يقدر أن يحافظ على كتبه.
فيقول باسل: أنت تؤمن أن الله قوي وقادر على كل شيء وجبار ولا مبدل لكلماته، فكيف سمح أن يحدث التحريف ليس فقط لكتاب واحد من كتبه بل لجميع كتبه ما عدا كتاب واحد.
فسمح بتحريف التوراة الذي أنزله على موسى!!
وبعد ذلك سمح بتحريف الزبور ( المزامير ) الذي أنزله على داود!!!
وبعد ذلك سمح بتحريف الإنجيل الذي أنزله على عيسى!!!!
وبعد 600 سنة تقريباً .. ستة قرون متكاملة .. أجيال ماتت وأجيال عاشت على الضلال وعلى تحريف الكتب المقدسة. آتى الله بكتاب لا يقدر أحد أن يحرفه !!!!!
فجأة اصبح الله قوي وجبار وغير مبدل لكلماته ، بعد كل هذا التاريخ الذي حرفت فيه كتبه وضلت فيه عباده ( بني إسرائيل الذي فضلهم على العالمين ) والقسيسين والرهبان الذين يتلون الكتاب ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر!!
كل هؤلاء ضلوا ..
فهل تتخيل معي اله لم يقدر أن يحفظ كتابه من التبديل والتغيير والتحريف .. يقدر ان يحفظ عباده؟!!
كنت أفكر واصمت ولا أجد أجابه للرد عليه، لأنني كنت أعلم أن القضية ليست في إيجاد حلول أو إجابة تنقذ الله من المعضلة التي وضع نفسه فيها .. ولم يضعه فيها أحد.
وفي نفس الوقت كنت أثق في علامات استفهام صديقي باسل وإنها استفهامات منطقية يسألها أي شخص عاقل يفكر وكنت اعلم أيضا انه يحمل نية خالصة لله لا يطلب منها رضا بشر أو متع الدنيا الزائلة.
وكان يقول لماذا ندعي نحن المسلمون بتحريف الكتب المقدسة وفي نفس الوقت ندعي بحفظ القرآن وحده
( وكأن القرآن وحده هو كتاب الله ) فهل يوجد لدى الله محاباة بين كتبه ورسله؟!!
وهل لا يهتم الله بهذه الأجيال من البشر التي ماتت في ضلال وهي تتخيل أنها ماتت على حق.. سنين من الإخلاص يقرؤون الكتب بكل تقديس وبكل طهارة وبكل تقوى وهي في الحقيقة كتب محرفة.
فيا صديقي.. أنا لا أؤمن بان الله الحقيقي يفرق بين أحد من كتبه ورسله ..ولا أؤمن حتى انه يفرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى..
ولذلك يا صديقي ينبغي أن نسأل كل هذه الأسئلة ليس لليهود أو للمسيحيين ولكن نسألها لله سبحانه وتعالى. كنت اشعر أن باسل صادق في كل كلمة يقولها، أتذكر أن بعض الليالي كنا نقضيها في قراءة الكتب الثلاثة (التوراة والإنجيل والقرآن ) نخرج التشابه والاختلاف بينهم.
كانت أوقات جميلة .. رغم أنها كانت مرهقة جدا فكريا ونفسيا .. لان النزاهة الفكرية والحياد في البحث أمر ليس بهين.. فلا يوجد اسهل من أن تخرج دينا صحيحا وآخر خطأ دون بحث حقيقي.. يرضي ذاتك ويرضي الله.
وكان باسل يقول لي هل العملة الجيدة تكون أولا أم العملة المزيفة تكون أولا؟
أقول له طبعا العملة الجيدة الحقيقية أولاً ، وبعد ذلك تقلد وتزيف .. فيقول المنطق يقول هذا ولكن كيف يسمح الله أن يكون كتبه الثلاثة الأوائل محرفة وكتابه الرابع ( القرآن ) هو الوحيد غير المحرف .. كيف؟!!
أين العملة الحقيقية التي نقيس عليها التحريف؟ الكتب الأولى؟ أم الكتاب الأخير؟!!
وكان باسل يتأسف كثيراً وهو يقول لي .. " سامحني يا صديقي كيف يجرؤ شخص سمح بهذا التفريط في كتبه أن يطالبنا بهذه الثقة في كتابه الرابع !!
هل تصدقوا إنني كنت اقبل هذه الاستفهامات الجريئة من باسل دون أدنى إحساس انه يسخر من الله أو من القرآن أو من أحد. فأنا اعرفه بحق انه يحب الله ويحترم الجميع .. لكنه فقط كان يفكر بعدالة وبأمانة وبلا أي محاباة.. فكان يقول لي دائما .. أن الآخرة لن ينفع فيها شفيع إلا الحق. فكان باسل يثير كل الأسئلة البديهية مثلاً كان يقول: كيف حرفت الكتب المقدسة ومتي حرفت واين حرفت ومن حرفها؟!
وكثير من الأسئلة التي لم ينشغل أحد من المسلمين الأوائل ولا المتأخرين ( من السلف أو الخلف ) من أن يبذل القليل من الجهد للإجابة عليها وكأن مسألة التحريف واضحة وضوح الشمس ولا يجهلها إلا الجاهل!!!

تعليق