سلسلة شرح الأربعين النووية (ابن عثيمين) الحديث الأول (1)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • yadyenila
    عضو فعال
    • Jul 2004
    • 57

    #1

    سلسلة شرح الأربعين النووية (ابن عثيمين) الحديث الأول (1)

    الحديث الأول

    عن أمير المؤمنين أبي حفصٍ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله عليه وسلم يقول إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) .

    رواه إماما المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما من أصح الكتب المصنفة .

    الشرح

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الإمام الحافظ النووي من أصحاب الشافعي الذين تعتبر أقوالهم ،

    ومن أشد الشافعية في الحرص على التأليف ،

    وأَلَّفَ في فنونٍ شتى ، في الحديث ومتعلقاته وفي اللغة كما في ( تهذيب الأسماء واللغات ) ،

    وهو في الحقيقة من أعلم الناس ،

    والظاهر والله أعلم أنه من أخلص الناس في التأليف ،

    لأن تأليفاته رحمه الله انتشرت في العالم الإسلامي ،

    لا تكاد تجد مسجداًَ إلا ويقرأ فيه ( رياض الصالحين ) ،

    وكتبه مشهورة مبثوثة في العالم مما يدل على صحة نيته ،

    فإن قبول الناس للمؤلفات من الأدلة على إخلاص النية وهو رحمه الله مجتهد والمجتهد يخطئ ويصيب ،

    وقد أخطأ رحمه الله في مسائل الأسماء والصفات فكان يؤول فيها لكنه لا ينكرها ،

    فمثلاً : { على العرش استوى } ، فيقول أهل التأويل معناها : استولى على العرش ،

    لكن لا ينكرون { استوى } ،

    لأنهم لو أنكروا الاستواء لكفروا إذا أنكروه تكذيباً لكنهم يصدقون ولكن يحرفونه ،

    مثل هذه المسائل ،

    إذا علمنا صدق نية النووي رحمه الله وكثرة ما انتفعت الأمة بمؤلفاته فإنها تغتفر ،

    ولقد ضل قومٌ أخذوا يسبونه سباًّ عظيماً من الخلف الخالفين ،

    حتى بلغني أن بعضهم قال : ( يجب أن يُحرق شرح النووي على صحيح مسلم ) ،

    نسأل الله العافية ،

    فالنووي نشهد له فيما نعلم من حاله بالصلاح ، وأنه مجتهد ، وأن كل مجتهد قد يصيب ، وقد يخطئ وإن أخطأ فله أجرٌ واحد وإن أصاب فله أجران ،

    وقد ألف مؤلفات كثيرة من أحسنها هذا الكتاب ( الأربعين النووية ) ،

    وهي ليست أربعين بل اثنان وأربعون ،

    لكن العرب يحذفون الكسر في الأعداد ،

    فيقولون : أربعون وإن زاد واحداً أو اثنين أو نقص واحداً أو اثنين ،

    هذه الأربعون ينبغي لطالب العلم أن يحفظها ، لأنها منتخبة من أحاديث عديدة ، ومن أبواب متفرقة ،

    يعني لو جئنا إلى ( عمدة الأحكام ) ، ( عمدة الأحكام ) منتخبة لا شك لكنها في باب واحد باب الفقه ،

    أما هذه فهي من أبواب متفرقة متنوعة ،

    قوله : ( عن أمير المؤمنين أبي حفصٍ ) : أمير المؤمنين هو أبو حفص عمر بن الخطاب ،

    آلت إليه الخلافة ، بتعيين أبي بكر الصديق رضي الله عنه له ،

    فهو حسنةٌ من حسنات أبي بكر ،

    ونصبه في الخلافة شرعي ،

    لأن الذي عيَّنه أبو بكر ،

    وأبو بكر تعيَّن بمبايعة الصحابة له في السقيفة ،

    فخلافته شرعية كخلافة أبي بكر ،

    ولقد أحسن أبو بكر اختياراً حيث اختار عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،

    يقول : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ............ الخ ،

    وفي قوله : ( سمعت ) : دليلٌ على أنه أخذ من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلا واسطة ،

    والعجب أن هذا الحديث لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر مع أهميته ،

    لكن له شواهد في القرآن والسنة :

    ففي القرآن : { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } هذه نية ،

    { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً } وهذه نية ،

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها حتى ما تجعله في فِيِّ امرأتك ) ،

    قوله : ( تبتغي بها وجه الله ) هذه نية ،

    فالمهم أن معنى الحديث ثابت بالقرآن والسنة ،

    ولفظ الحديث انفرد به عمر رضي الله عنه ،

    لكن تلقته الأمة بالقبول التام حتى إن البخاري صدَّر كتاب الصحيح بهذا الحديث ،

    يقول : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ) نتكلم أولاً على ما فيه من البلاغة ،

    الحديث : ( إنما الأعمال بالنيات ) : فيه من البلاغة :

    الحصر : وهو : ( إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه ) ،

    طريق الحصر في هذا الحديث : ( إنما ) ،

    لأن ( إنما ) تفيد الحصر ،

    إذا قلت ( زيدٌ قائم ) ما فيه حصر ،

    ( إنما زيدٌ قائم ) فيه حصر ، وأنه ليس إلا زيد قائماً فهذا أداة حصر ،

    وكذلك ( وإنما لكل امرئٍ ما نوى ) ،

    ونمشي في الحديث : ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ،

    في الجملة الأخيرة من البلاغة :

    إخفاء نية من هاجر إلى الدنيا ،

    لقوله : ( فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ، ولم يقل : ( إلى دنيا يصيبها ) ،

    الفائدة البلاغية في ذلك :

    هو تحقير ما هاجر إليه هذا الرجل ، يعني لي أهلاً لأن يذكر ،

    بل يُكنَّى عنه بقوله : ( إلى ما هاجر إليه ) ،

    ( من كانت هجرته إلى الله ورسوله ) ،

    الجواب : ( فهجرته إلى الله ورسوله ) ذكرها ،

    ( من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها – أو ينكحها – فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ،

    ولم يقل : ( إلى دنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها ) ،

    لماذا ؟

    تحقيراً لشأن ما هاجر إليه وهي الدنيا أو المرأة ،

    أما الأول : ( فهجرته إلى الله ورسوله ) فذكره تنويهاً بفضله ،

    أما من حيث الإعراب : وهو البحث الثاني :

    ( إنما الأعمال بالنيات ) مبتدأ وخبر ،

    ( الأعمال بالنيات ) : ( الأعمال ) مبتدأ ،

    و ( بالنيات ) خبره ،

    ( وإنما لكل امرئٍ ما نوى ) أيضاً مبتدأ وخبر ،

    لكن قُدِّمَ الخبر على المبتدأ ،

    لأن المبتدأ في قوله : ( وإنما لكل امرئٍ ما نوى ) هو : ( ما نوى ) متأخر ،

    قوله : ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ) : هذه جملة شرطية .

    أداة الشرط فيها : ( من ) ،

    وفعل الشرط : ( كانت ) ،

    وجواب الشرط ( فهجرته إلى الله ورسوله ) ،

    وهكذا نقول في : ( ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها .... ) في الإعراب ،

    أما في اللغة :

    فنقول :

    ( الأعمال ) : جمع عمل ،

    ويشمل : الأعمال القلبية والأعمال النطقية والأعمال الجوارحية ،

    يشمل : الأعمال كلها القلبية والنطقية والجوارحية ،

    الأعمال القلبية : ما في القلب من الأعمال .

    كالتوكل على الله والإنابة إليه والخشية منه وما أشبه ذلك ،

    هذه أعمال قلبية ،

    الأعمال النطقية : أعمال اللسان .

    وما أكثر أقوال اللسان ،

    لا أعلم شيئاً من الجوارح أكثر عملاً من اللسان ،

    اللهم إلا أن تكون العين أو الأذن ،

    الثالث : الجوارحية : أعمال اليدين والرجلين وما أشبه ذلك ،

    قوله : ( الأعمال بالنيات ) : النيات : جمع نية ، وهي : القصد ، ومحلها : القلب ،

    فهي عمل قلب وتعلق للجوارح بها ،

    قوله : ( وإنما لكل امرئ ) : لكل إنسان ،

    قوله : ( ما نوى ) : أي ما نواه ،

    هاتان الجملتان ، هل هما بمعنى واحد أو هما مختلفتان ؟

    الجواب : يجب أن نعلم أن الأصل في الكلام التأسيس دون التوكيد ،

    ومعنى التأسيس يعني أن الثانية لها معنى مستقل ،

    ومعنى التوكيد أن الثانية بمعنى الأولى ،

    هذه ، ننظر ،

    بعض العلماء يقول : الجملتان بمعنىً واحد ،

    فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) .

    وأكد ذلك بقوله : ( وإنما لكل امرئٍ ما نوى )

    هذا قولٌ لبعض العلماء ،

    وبعض العلماء قال : إن الثانية غير الأولى ،

    فالكلام من باب التأسيس لا من باب التوكيد ،

    فالقاعدة أيها الاخوة الطلبة أنه إذا دار الكلام بين تأسيساً أو توكيداً أن نجعله تأسيساً وأن نجعل الثاني غير الأول ،

    لأنك لو جعلت الثاني هو الأول صار في ذلك تكرار يحتاج إلى أن نعرف السبب ،

    والصواب : أن الثانية غير الأولى ،

    فالأولى : باعتبار المنوي وهو العمل ،

    والثانية : باعتبار المنوي له وهو المعمول له ،

    هل أنت عملت لله أو عملت للدنيا ؟

    ويدل لهذا ما فَرَّعَهُ النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ) ،

    وعلى هذا فيبقى الكلام لا تكرار فيه ،

    قوله : ( الأعمال بالنيات ) : والمقصود من هذه النية تمييز العادات عن العبادات وتمييز العبادات بعضها عن بعض ،

    تمييز العادات عن العبادات :

    مثاله : الرجل يأكل الطعام شهوةً والرجل الآخر يأكل الطعام امتثالاً لأمر الله في قوله : { وكلوا واشربوا } ،

    صار أكل الثاني عبادة وأكل الأول عادة ،

    ثانياً : الرجل يسبح بالماء تبرداً والثاني يسبح بالماء للغسل من الجنابة ،

    الأول عادة والثاني عبادة ،

    ولهذا لو كان على الإنسان جنابة ثم انغمس في الماء للتبرد ثم صلى ،

    هل يجزؤه ذلك أو لا ؟

    لا يجزؤه ،

    لا بد من النية وهو لم ينو التعبد وإنما نوى التبرد ،

    ولهذا قال بعض أهل العلم : عبادات أهل الغفلة عادات وعادات أهل اليقظة عبادات ،

    سبحان الله سبحان الله ،

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...