( عبادات أهل الغفلة عادات ) : يقوم ويغسل ويصلي ويذهب على العادة ،
و ( عادات أهل اليقظة عبادات ) : تجده إن أكل يريد امتثال أمر الله يريد إبقاء نفسه يريد ستر عورته يريد التكفف عن الناس يكون عبادة ،
آخر لبس ثوباً جديداً يريد أن يزبعه يريد أن يترفه بثيابه أو يكشخ هذا لا يؤجر ،
آخر لبس ثوباً جديداً يريد أن يعرف الناس قدر نعمة الله عليه وأنه غني هذا يؤجر ، في يوم الجمعة لبس أحسن ثيابه لأنها يوم الجمعة ،
والثاني لبس أحسن ثيابه تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم ،
أيهما العبادة ؟
الثاني ، وعلى هذا فقس ،
يصلي الإنسان ركعتين أحدهما ينوي بذلك التطوع والثاني ينوي الفريضة ،
تميز العملان أم لا ؟
تميزا ، هذا نفل وهذا واجب ، وعلى هذا فقس ،
إذن القصد تمييز العبادات بعضها عن بعض كالنفل مع الفريضة أو تمييز العادات عن العبادات هذا المقصود بالنية ،
النية محلها القلب لا ينطق بها إطلاقاً ،
لأن تتعبد لمن { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } ،
لست تعمل لإنسان حتى تقول : عملت هذا لك ،
تعمل لله عز وجل ،
ولهذا لم ينطق النبي صلى الله عليه وسلم بالنية أبداً ،
والنطق بها بدعة ينهى عنه ، لا سراً ولا جهراً ،
خلافاً لمن قال من أهل العلم : إنه ينطق بها جهراً ،
وبعضهم قال : ينطق بها سراًّ ،
وعللوا ذلك بأن يطابق اللسان القلب ،
نقول : يا سبحان الله ، أين رسول الله عن هذا ؟
لو كان هذا من شرع الرسول لفعله هو وبينه للناس ،
ويذكر أن عامياً من أهل نجد كان في المسجد الحرام وإلى جانبه رجل لا يعرف إلا الجهر بالنية ، الرجل النجدي هذا عامي ما يعرف شيء لما أقيمت صلاة الظهر قال الرجل الذي كان ينطق بالنية قال : اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات لله خلف إمام المسجد الحرام ، فعندما أراد أن يكبر قال العامي : اصبر يا رجل باقي عليك ، قال : وماذا تبقى ؟ قال : قال باقي عليك التاريخ ما اليوم وما الشهر وما السنة ، ما حاجة تعلم ،
إذا قال قائل : قول الملبي : لبيك اللهم عمرةً ولبيك اللهم حجاًّ ولبيك الله عمرةً وحجاًّ ، أليس هذا نطقاً بالنية ؟
فالجواب : لا ، هذا إظهاراً للشعيرة ،
ولهذا قال بعض العلماء : إن التلبية في النسك كتكبيرة الإحرام في الصلاة ،
يعني إذا لم تلبِّ ما انعقد إحرامك كما أن تكبيرة الإحرام لو لم تكبر ما انعقدت صلاتك ،
إذن قول الملبي : لبيك عمرةً أو حجاًّ أو عمرةً وحجاًّ ، ليس إلا لإظهار هذه الشعيرة فقط ،
ولهذا ليس من السنة أن نقول ما قاله الفقهاء رحمهم الله : اللهم إني أريد نسك العمرة فيسرها لي وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني ،
لا تقل هكذا ،
لأن هذا ذكر يحتاج إلى دليل ولا دليل ،
إذن النية لغةً : القصد ،
واصطلاحاً : نية العمل ،
ومحلها القلب ، والنطق بها بدعة ،
إذن أُنْكِرُ على من نطق بها أم لا ؟
أنكر عليه ، ولكن بهدوء ،
أقول : يا أخي هذه ما قالها الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه فدعها ،
فإذا قال : قالها فلان في كتابه الفلاني ،
قل : القول ما قاله الله ورسوله ،
( وإنما لكل امرئٍ ما نوى ) هذه الأخيرة وهي نية المعمول له ،
هي التي يتفاوت فيها الناس تفاوتاً عظيماً ،
نعم ، يتفاوت فيها الناس تفاوتاً عظيماً ،
تجد رجلان يصليان بينهما كما بين المشرق والمغرب في الثواب لأن أحدهما مخلص والثاني غير مخلص ، هذه يتفاوت فيها الناس تفاوتاً عظيماً ،
تجد شخصين يطلبان العلم التوحيد أو الفقه أو التفسير أو الحديث ، أحدهما بعيد عن الجنة والثاني قريب منها وهما يقرءان في كتاب واحد وعلى مدرس واحد ،
فالناس في الجملة الأخير ة يتفاوتون تفاوتاً عظيماً أبعد مما بين المشرق والمغرب أو مما بين السماء والأرض ،
( وإنما لكل امرئٍ ما نوى ) هذا رجل طلب الفقه ، لماذا يا أخي طلبت الفقه ؟
قال : لكي أكون قاضياً ، والقاضي له راتب رفيع ومرتبة رفيعة ،
والثاني قيل له : لم طلبت الفقه ؟
قال : لأكون عالماً معلماً لأمة محمد ، بينهما فرق عظيم ،
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من طلب علماً مما يُبتغى به وجه الله لا يريد إلا أن ينال عرضاً من الدنيا لم يَرَحْ رائحة الجنة ) أعوذ بالله ،
أخلص النية ،
صار الناس يختلفون في هذه الجملة : ( وإنما لكل امرئٍ ما نوى ) اختلافاً عظيماً ويتباعدون تباعداً عظيماً ،
ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً بالمهاجر :
فقال : ( فمن كانت هجرته ) الهجرة : هي الترك ،
والمراد بها الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ،
وهل هي واجبة أو سنة أو ما أشبه ذلك ، له بابٌ آخر ،
لكن نريد أن نعرف الهجرة كهجرة المسلمين من مكة إلى الحبشة أو من مكة إلى المدينة ،
وهي مأخوذة من الهجر وهو الترك ،
( ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ) رجل انتقل من مكة قبل الفتح يريد الله ورسوله يعني يريد ثواب الله ويريد الوصول إلى الله ،
كقوله تعالى : { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الله ورسوله } ،
( يريد الله ) أي يريد وجه الله ونصرة دين الله وهذه إرادة حسنة ،
( رسوله ) يريد رسول الله ليفوز بصحبته والذب عنه ونشر دينه فهجرته إلى الله ورسوله ،
والله تعالى يقول : ( من تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً ) ،
فهو إذا أراد الله فإن الله تعالى يكافئه على ذلك بأعظم مما عمل وكذلك الرسول بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام ،
هل يمكن أن تهاجر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ؟
فالجواب : أما إلى شخصه فلا ،
ولذلك لا نهاجر إلى المدينة من أجل شخص الرسول عليه الصلاة والسلام ،
لأنه تحت الثرى ،
وأما إلى سنته وشرعه فهذا وارد ،
أذهب إلى بلد أنصر فيها شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام وأذود عنها ،
هذه هجرة إلى رسول الله ،
الهجرة إلى الله في كل وقت وحين ،
الهجرة إلى رسول الله إلى شخصه وشريعته في حياته وإلى شريعته بعد مماته ،
نظير هذا قوله تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } ،
إلى الله دائماً ،
وإلى الرسول في حياته وإلى شريعته بعد وفاته ،
من ذهب مثلاً من البلد الفلاني إلى البلد الفلاني ليتعلم الحديث فهذا هجرته إلى الله ورسوله ،
ومن هاجر من بلد إلى بلد لامرأة يتزوجها خطبها وقالت : لا أتزوجك إلا إذا حضرت إلى بلدي ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ،
( أو دنياً يصيبها ) علم أن في البلد الفلاني تجارة رابحة فذهب إليها من أجل أن يربح فهذا هجرته إلى دنيا يصيبها ،
انتهى الكلام على الحديث من حيث اللفظ والشرح ،
أما الفوائد :
فهذا الحديث أيها الأخوة ركن من أركان الإسلام وليس من الأركان الخمسة ،
لكن على الإسلام مداره ،
ولهذا قال العلماء : مدار الإسلام على حديثين هذا الحديث وحديث عائشة : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) ،
هذا الحديث عمدة أعمال القلوب فهو ميزان الأعمال الباطنة ،
وحديث عائشة عمدة أعمال الجوارح فهو ميزان أعمال الجوارح ،
( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) هذا رجل مخلص غاية الإخلاص يريد الوصول إلى الله عز وجل وإلى دار كرامته لكنه أتى ببدع كثيرة رجل مخلص لله عز وجل لكنه يعمل عملاً بدعياً ، هذا من جهة النية ،
لكن من جهة العمل سيئ مردود ، لفقده موافقة الشريعة ،
رجل آخر أتى بصلاة الفريضة على أتم وجه لكن يرائي والده ،
قلنا : لماذا صليت مع الجماعة ؟ قال : خائف من أبي ،
هذا فقد الإخلاص لا يثاب على ذلك ،
إلا إذا كان يصلي خوفاً من أبيه أن يضربه على ترك الصلاة فيكون متعبداً لله تعالى بالصلاة ،
من فوائد هذا الحديث :
1 – أنه يجب تمييز العبادات بعضها عن بعض والعبادات عن المعاملات ،
لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) فيجب أن تميز
ولنضرب مثلاً : بالصلاة حتى لا تتشعب علينا العلوم ،
الصلاة مثلاً إنسان أراد أن يصلي بعد الزوال ، ما هذه الصلاة ؟ بعد زوال الشمس الظهر يجب أن ينوي الظهر حتى تتميز عن غيرها إذا كان عليه ظهران ظهر أمس وظهر قبل أمس يجب أن يميز ظهر أمس عن ظهر قبل أمس ،
لأن كل صلاة لها نية ،
لو نوى بصلاة الظهر بعد زوال الشمس خرج من بيته متطهر وراح ودخل المسجد ولا في قلبه أنه ظهر ولا عصر ولا عشاء فقط أنه فرض الوقت ،
تجزيء أم لا تجزيء ؟
على القاعدة : لا تجزيء ،
لأنه ما عيَّن الظهر وهذا هو المذهب ،
وإذا قلت لكم : المذهب ، يعني مذهب الحنابلة ،
وقيل : تجزيء ، وهو رواية عن أحمد ، أنه إذا نوى فرض الوقت كفى ،
وهذا القول هو الصحيح ، الذي لا يسع الناس العمل إلا به ،
لأنه أحياناً يأتي إنسان مع العجلة على طول يكمل ويدخل مع الإمام بدون أن يقع في ذهنه أنها الظهر لكن وقع في ذهنه أنها فرض الوقت ولم يأتي إلا لهذا ،
فعلى المذهب نقول : أعدها ،
وعلى القول الصحيح ، نقول : لا تعدها ،
وهذا يريح القلب ،
لأن هذا يقع كثيراً حتى الإمام أحياناً يسج – معنى يسج لغة عامية هذه معنى يسج يسهو – ويكبر على أن هذا فرض الوقت ،
فهذا على المذهب : لابد أن يعيد ،
وعلى القول الراجح : لا يعيد وهو الذي لا يسع الناس إلا العمل به ،
2 – ومن فوائد هذا الحديث : الحث على الإخلاص لله عز وجل ،
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الناس إلى قسمين :
قسم أراد بعمله وجه الله والدار الآخرة ،
وقسم بالعكس وهذا يعني الحث على الإخلاص لله عز وجل ،
والإخلاص جديرٌ بالحث عليه ،
لأنه هو الركيزة الأولى الهامة التي خلق الناس من أجلها قال الله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ،
ومنها مشروعية الهجرة لأنها انقسمت إلى :
مقبولة ،
ومردودة ،
والمقبولة هي المشروعة وهو كذلك ،
فالهجرة سنة مؤكدة وهي : ( الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ) ،
وإذا كان الإنسان في بلد الشرك لا يستطيع أن يظهر شعائر دينه وجب عليه أن يهاجر ،
مثل : أن يضرب على الصلاة أو على الصيام أو على قراءة القرآن أو ما أشبه ذلك ،
فهنا يجب أن يهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ،
3 – من فوائد هذا الحديث : حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ،
وذلك بالتنويع تنويع الكلام وتقسيم الكلام ،
لأنه قال : ( إنما الأعمال بالنيات ) وهذا للعمل ( وإنما لكل امرئٍ ما نوى ) وهذا للمعمول له ،
ثانياً : الهجرة قسمها إلى قسمين :
شرعية ،
وغير شرعية ،
وهذا من حسن التعليم ،
ولذلك ينبغي للمعلم أن لا يسرد المسائل على الطالب سرداً ،
لأن هذا يُنسى بل يؤصل يعني يجعل أصولاً ويجعل قواعد ويجعل تقسيماً ،
لأن ذلك أدعى لثبوت العلم في قلبه ،
أما أن تسرد عليه مسائل ما أسرع ما ينساها ،
4 – ومن فوائد هذا الحديث : قرن الرسول عليه الصلاة والسلام مع الله بالواو ،
قال : ( إلى الله ورسوله ) ،
ولم يقل : ( إلى الله ثم رسوله ) .
مع أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ما شاء الله وشئت ، فقال : ( ما شاء الله وحده ) ،
فما الفرق ؟
نقول : أما ما يتعلق بالشريعة : فبالواو ،
لأن ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من الشرع كالذي صدر من الله ،
كما قال الله عز وجل : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ،
وأما الأمور الكونية : فلا يجوز أن يقرن مع الله أحدٌ بالواو أبداً ،
لأن كل شيءٍ تحت إرادة الله ومشيئته صار هذا هو الفرق ،
فإذا قال قائل : هل ينزل المطر غداً ؟
قال : الله ورسوله أعلم ،
ماذا نقول ؟
نقول : خطأ ،
الرسول صلى الله عليه وسلم ليس عنده علم بهذا ،
إذا قال : هل هذا حرام أو حلال ؟
قال : الله ورسوله أعلم ؟
صحيح أم غير صحيح ؟
صحيح ،
لأن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمور حكمٌ لله ،
كما قال عز وجل : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ،
الهجرة من أي الأمور ؟
شرعية ، الهجرة شرعية ،
الإنسان يهاجر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل أن يحمي شريعته ودينه ،
هنا سؤال : أيهما أفضل العلم أو الجهاد في سبيل الله ؟
العلم أفضل ، العلم أفضل من حيث هو ،
لأن الناس كلهم محتاجون إلى العلم ،
وسمعتم قول الإمام أحمد : العلم لا يعدله شيء ،
العلم من حيث هو علم أفضل من الجهاد ،
ولا يمكن أبداً أن يكون الجهاد فرض عين ،
لقول الله تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ،
فلو كان فرض عين لوجب على جميع المسلمين ،
{ فلولا نفر من كل فرقةٍ طائفة } يعني وقعدت طائفة،
{ ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ،
قلت لكم : العلم من حيث هو علم أفضل من الجهاد في سبيل الله ،
لكن باعتبار أحوال وأشخاص قد يكون الجهاد أفضل ،
مثال ذلك : جاءنا رجل شجاع مقدام قوي جسمه كالبعير لكن ذهنه ذهن بليد ، بليد لا يفهم ، فجاء يسأل أيهما أفضل له : الجهاد أو طلب العلم ؟ الجهاد لأنه أنفع ، رجل مقدام شجاع نشيط يمسك الرجلين والثلاثة من العدو ويغفصه هذا أفضل في الجهاد ،
رجل آخر نحيف جبان لو يتحرك الباب من الهواء فزع ولكنه في العلم قوي حافظ ذكي مثابر محب للعلم ، ماذا نقول له ؟ العلم أفضل بلا شك ،
حصر العدو البلد ، وواحد في المكتبة يطالع ، فقال : العلم لا يعدله شيء أفضل ،
وآخر قال : اذهب ادفع عن البلد لو احتل الكفار البلد لذهب ما فيه ،
أيهما أفضل ؟
أن يبقى في مكتبته أو أن يدافع عن البلد ؟ أن يدافع عن البلد ،
فيختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ،
لكن من حيث الجنس : جنس العلم أفضل من جنس الجهاد في سبيل الله ،
قوله : ( إنما الأعمال بالنيات ) : هل يدخل في ذلك الطلاق أي أنه على نية المطلق أو لا ؟
إذا قال الرجل لزوجته : أنتِ طالق ، أي غير مقيدة اليدين والرجلين ، يقع الطلاق أو لا ؟
لا يقع ، إنما الأعمال بالنيات ،
لكن هل يُصدق أو لا يُصدق ؟
إن كان أميناً يخشى الله عز وجل صُدِّقْ ، ووجب على الزوجة ألا تطالبه ، وإن كان بالعكس وجب أن ترافعه إلى القاضي ، والقاضي يحكم بالظاهر ، ويقول : ليس لنا إلا ما سمعنا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما أقضي بنحو ما أسمع ) ،
المهم يا إخوان أن هذا الحديث عظيم تنبني عليه كل الأعمال الباطنة التي محلها القلب ،
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ( رواه إمام المحدثين محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري ) من بخارى وهو إمام المحدثين ،
و ( مسلم ) قشيري ،
( في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة ) صحيح البخاري وصحيح مسلم هما أصح الكتب المصنفة في علم الحديث ،
ولهذا قال بعض المحدثين : إن ما اتفقا عليه يفيد العلم ، يعني ليس يفيد الظن فقط يفيد العلم ،
وأيهما أصح ؟
البخاري أصح من مسلم ،
لأنه يشترط في الرواية أن يكون الراوي قد لقي من روى عنه ،
وأما مسلم رحمه الله فيكتفي بمطلق المعاصرة إن لم يثبت لقيه ،
وقد أنكر على من يشترط اللقاء في أول الصحيح إنكاراً عجيباً ،
فالصواب ما ذكره البخاري لابد من ثبوت اللقي ،
ومسلم يقول يكفي إمكان اللقي وإن لم يثبت لقاؤه ،
وبهذا صار البخاري أصح ،
لكن ذكر العلماء أن سياق مسلم أحسن من سياق البخاري ،
لأنه رحمه يذكر الحديث ثم يذكر شواهده وتوابعه في مكانٍ واحد ،
والبخاري يفرق ،
ففي الصناعة مسلم أفضل ،
وأما في الرواية والصحة فالبخاري أفضل ،
قال بعض أهل العلم : ولولا البخاري ما ذهب مسلمٌ ولا راح ،
فالحديث إذن صحيح أم غير صحيح ؟
صحيح ، يفيد العلم اليقيني ،لكنه ليس يقينياً بالعقل ،إنما هو يقينيٌّ بالنظر ،لثبوته عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ،
و ( عادات أهل اليقظة عبادات ) : تجده إن أكل يريد امتثال أمر الله يريد إبقاء نفسه يريد ستر عورته يريد التكفف عن الناس يكون عبادة ،
آخر لبس ثوباً جديداً يريد أن يزبعه يريد أن يترفه بثيابه أو يكشخ هذا لا يؤجر ،
آخر لبس ثوباً جديداً يريد أن يعرف الناس قدر نعمة الله عليه وأنه غني هذا يؤجر ، في يوم الجمعة لبس أحسن ثيابه لأنها يوم الجمعة ،
والثاني لبس أحسن ثيابه تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم ،
أيهما العبادة ؟
الثاني ، وعلى هذا فقس ،
يصلي الإنسان ركعتين أحدهما ينوي بذلك التطوع والثاني ينوي الفريضة ،
تميز العملان أم لا ؟
تميزا ، هذا نفل وهذا واجب ، وعلى هذا فقس ،
إذن القصد تمييز العبادات بعضها عن بعض كالنفل مع الفريضة أو تمييز العادات عن العبادات هذا المقصود بالنية ،
النية محلها القلب لا ينطق بها إطلاقاً ،
لأن تتعبد لمن { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } ،
لست تعمل لإنسان حتى تقول : عملت هذا لك ،
تعمل لله عز وجل ،
ولهذا لم ينطق النبي صلى الله عليه وسلم بالنية أبداً ،
والنطق بها بدعة ينهى عنه ، لا سراً ولا جهراً ،
خلافاً لمن قال من أهل العلم : إنه ينطق بها جهراً ،
وبعضهم قال : ينطق بها سراًّ ،
وعللوا ذلك بأن يطابق اللسان القلب ،
نقول : يا سبحان الله ، أين رسول الله عن هذا ؟
لو كان هذا من شرع الرسول لفعله هو وبينه للناس ،
ويذكر أن عامياً من أهل نجد كان في المسجد الحرام وإلى جانبه رجل لا يعرف إلا الجهر بالنية ، الرجل النجدي هذا عامي ما يعرف شيء لما أقيمت صلاة الظهر قال الرجل الذي كان ينطق بالنية قال : اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات لله خلف إمام المسجد الحرام ، فعندما أراد أن يكبر قال العامي : اصبر يا رجل باقي عليك ، قال : وماذا تبقى ؟ قال : قال باقي عليك التاريخ ما اليوم وما الشهر وما السنة ، ما حاجة تعلم ،
إذا قال قائل : قول الملبي : لبيك اللهم عمرةً ولبيك اللهم حجاًّ ولبيك الله عمرةً وحجاًّ ، أليس هذا نطقاً بالنية ؟
فالجواب : لا ، هذا إظهاراً للشعيرة ،
ولهذا قال بعض العلماء : إن التلبية في النسك كتكبيرة الإحرام في الصلاة ،
يعني إذا لم تلبِّ ما انعقد إحرامك كما أن تكبيرة الإحرام لو لم تكبر ما انعقدت صلاتك ،
إذن قول الملبي : لبيك عمرةً أو حجاًّ أو عمرةً وحجاًّ ، ليس إلا لإظهار هذه الشعيرة فقط ،
ولهذا ليس من السنة أن نقول ما قاله الفقهاء رحمهم الله : اللهم إني أريد نسك العمرة فيسرها لي وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني ،
لا تقل هكذا ،
لأن هذا ذكر يحتاج إلى دليل ولا دليل ،
إذن النية لغةً : القصد ،
واصطلاحاً : نية العمل ،
ومحلها القلب ، والنطق بها بدعة ،
إذن أُنْكِرُ على من نطق بها أم لا ؟
أنكر عليه ، ولكن بهدوء ،
أقول : يا أخي هذه ما قالها الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه فدعها ،
فإذا قال : قالها فلان في كتابه الفلاني ،
قل : القول ما قاله الله ورسوله ،
( وإنما لكل امرئٍ ما نوى ) هذه الأخيرة وهي نية المعمول له ،
هي التي يتفاوت فيها الناس تفاوتاً عظيماً ،
نعم ، يتفاوت فيها الناس تفاوتاً عظيماً ،
تجد رجلان يصليان بينهما كما بين المشرق والمغرب في الثواب لأن أحدهما مخلص والثاني غير مخلص ، هذه يتفاوت فيها الناس تفاوتاً عظيماً ،
تجد شخصين يطلبان العلم التوحيد أو الفقه أو التفسير أو الحديث ، أحدهما بعيد عن الجنة والثاني قريب منها وهما يقرءان في كتاب واحد وعلى مدرس واحد ،
فالناس في الجملة الأخير ة يتفاوتون تفاوتاً عظيماً أبعد مما بين المشرق والمغرب أو مما بين السماء والأرض ،
( وإنما لكل امرئٍ ما نوى ) هذا رجل طلب الفقه ، لماذا يا أخي طلبت الفقه ؟
قال : لكي أكون قاضياً ، والقاضي له راتب رفيع ومرتبة رفيعة ،
والثاني قيل له : لم طلبت الفقه ؟
قال : لأكون عالماً معلماً لأمة محمد ، بينهما فرق عظيم ،
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من طلب علماً مما يُبتغى به وجه الله لا يريد إلا أن ينال عرضاً من الدنيا لم يَرَحْ رائحة الجنة ) أعوذ بالله ،
أخلص النية ،
صار الناس يختلفون في هذه الجملة : ( وإنما لكل امرئٍ ما نوى ) اختلافاً عظيماً ويتباعدون تباعداً عظيماً ،
ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً بالمهاجر :
فقال : ( فمن كانت هجرته ) الهجرة : هي الترك ،
والمراد بها الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ،
وهل هي واجبة أو سنة أو ما أشبه ذلك ، له بابٌ آخر ،
لكن نريد أن نعرف الهجرة كهجرة المسلمين من مكة إلى الحبشة أو من مكة إلى المدينة ،
وهي مأخوذة من الهجر وهو الترك ،
( ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ) رجل انتقل من مكة قبل الفتح يريد الله ورسوله يعني يريد ثواب الله ويريد الوصول إلى الله ،
كقوله تعالى : { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الله ورسوله } ،
( يريد الله ) أي يريد وجه الله ونصرة دين الله وهذه إرادة حسنة ،
( رسوله ) يريد رسول الله ليفوز بصحبته والذب عنه ونشر دينه فهجرته إلى الله ورسوله ،
والله تعالى يقول : ( من تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً ) ،
فهو إذا أراد الله فإن الله تعالى يكافئه على ذلك بأعظم مما عمل وكذلك الرسول بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام ،
هل يمكن أن تهاجر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ؟
فالجواب : أما إلى شخصه فلا ،
ولذلك لا نهاجر إلى المدينة من أجل شخص الرسول عليه الصلاة والسلام ،
لأنه تحت الثرى ،
وأما إلى سنته وشرعه فهذا وارد ،
أذهب إلى بلد أنصر فيها شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام وأذود عنها ،
هذه هجرة إلى رسول الله ،
الهجرة إلى الله في كل وقت وحين ،
الهجرة إلى رسول الله إلى شخصه وشريعته في حياته وإلى شريعته بعد مماته ،
نظير هذا قوله تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } ،
إلى الله دائماً ،
وإلى الرسول في حياته وإلى شريعته بعد وفاته ،
من ذهب مثلاً من البلد الفلاني إلى البلد الفلاني ليتعلم الحديث فهذا هجرته إلى الله ورسوله ،
ومن هاجر من بلد إلى بلد لامرأة يتزوجها خطبها وقالت : لا أتزوجك إلا إذا حضرت إلى بلدي ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ،
( أو دنياً يصيبها ) علم أن في البلد الفلاني تجارة رابحة فذهب إليها من أجل أن يربح فهذا هجرته إلى دنيا يصيبها ،
انتهى الكلام على الحديث من حيث اللفظ والشرح ،
فوائد الحديث
أما الفوائد :
فهذا الحديث أيها الأخوة ركن من أركان الإسلام وليس من الأركان الخمسة ،
لكن على الإسلام مداره ،
ولهذا قال العلماء : مدار الإسلام على حديثين هذا الحديث وحديث عائشة : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) ،
هذا الحديث عمدة أعمال القلوب فهو ميزان الأعمال الباطنة ،
وحديث عائشة عمدة أعمال الجوارح فهو ميزان أعمال الجوارح ،
( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) هذا رجل مخلص غاية الإخلاص يريد الوصول إلى الله عز وجل وإلى دار كرامته لكنه أتى ببدع كثيرة رجل مخلص لله عز وجل لكنه يعمل عملاً بدعياً ، هذا من جهة النية ،
لكن من جهة العمل سيئ مردود ، لفقده موافقة الشريعة ،
رجل آخر أتى بصلاة الفريضة على أتم وجه لكن يرائي والده ،
قلنا : لماذا صليت مع الجماعة ؟ قال : خائف من أبي ،
هذا فقد الإخلاص لا يثاب على ذلك ،
إلا إذا كان يصلي خوفاً من أبيه أن يضربه على ترك الصلاة فيكون متعبداً لله تعالى بالصلاة ،
من فوائد هذا الحديث :
1 – أنه يجب تمييز العبادات بعضها عن بعض والعبادات عن المعاملات ،
لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) فيجب أن تميز
ولنضرب مثلاً : بالصلاة حتى لا تتشعب علينا العلوم ،
الصلاة مثلاً إنسان أراد أن يصلي بعد الزوال ، ما هذه الصلاة ؟ بعد زوال الشمس الظهر يجب أن ينوي الظهر حتى تتميز عن غيرها إذا كان عليه ظهران ظهر أمس وظهر قبل أمس يجب أن يميز ظهر أمس عن ظهر قبل أمس ،
لأن كل صلاة لها نية ،
لو نوى بصلاة الظهر بعد زوال الشمس خرج من بيته متطهر وراح ودخل المسجد ولا في قلبه أنه ظهر ولا عصر ولا عشاء فقط أنه فرض الوقت ،
تجزيء أم لا تجزيء ؟
على القاعدة : لا تجزيء ،
لأنه ما عيَّن الظهر وهذا هو المذهب ،
وإذا قلت لكم : المذهب ، يعني مذهب الحنابلة ،
وقيل : تجزيء ، وهو رواية عن أحمد ، أنه إذا نوى فرض الوقت كفى ،
وهذا القول هو الصحيح ، الذي لا يسع الناس العمل إلا به ،
لأنه أحياناً يأتي إنسان مع العجلة على طول يكمل ويدخل مع الإمام بدون أن يقع في ذهنه أنها الظهر لكن وقع في ذهنه أنها فرض الوقت ولم يأتي إلا لهذا ،
فعلى المذهب نقول : أعدها ،
وعلى القول الصحيح ، نقول : لا تعدها ،
وهذا يريح القلب ،
لأن هذا يقع كثيراً حتى الإمام أحياناً يسج – معنى يسج لغة عامية هذه معنى يسج يسهو – ويكبر على أن هذا فرض الوقت ،
فهذا على المذهب : لابد أن يعيد ،
وعلى القول الراجح : لا يعيد وهو الذي لا يسع الناس إلا العمل به ،
2 – ومن فوائد هذا الحديث : الحث على الإخلاص لله عز وجل ،
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الناس إلى قسمين :
قسم أراد بعمله وجه الله والدار الآخرة ،
وقسم بالعكس وهذا يعني الحث على الإخلاص لله عز وجل ،
والإخلاص جديرٌ بالحث عليه ،
لأنه هو الركيزة الأولى الهامة التي خلق الناس من أجلها قال الله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ،
ومنها مشروعية الهجرة لأنها انقسمت إلى :
مقبولة ،
ومردودة ،
والمقبولة هي المشروعة وهو كذلك ،
فالهجرة سنة مؤكدة وهي : ( الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ) ،
وإذا كان الإنسان في بلد الشرك لا يستطيع أن يظهر شعائر دينه وجب عليه أن يهاجر ،
مثل : أن يضرب على الصلاة أو على الصيام أو على قراءة القرآن أو ما أشبه ذلك ،
فهنا يجب أن يهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ،
3 – من فوائد هذا الحديث : حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ،
وذلك بالتنويع تنويع الكلام وتقسيم الكلام ،
لأنه قال : ( إنما الأعمال بالنيات ) وهذا للعمل ( وإنما لكل امرئٍ ما نوى ) وهذا للمعمول له ،
ثانياً : الهجرة قسمها إلى قسمين :
شرعية ،
وغير شرعية ،
وهذا من حسن التعليم ،
ولذلك ينبغي للمعلم أن لا يسرد المسائل على الطالب سرداً ،
لأن هذا يُنسى بل يؤصل يعني يجعل أصولاً ويجعل قواعد ويجعل تقسيماً ،
لأن ذلك أدعى لثبوت العلم في قلبه ،
أما أن تسرد عليه مسائل ما أسرع ما ينساها ،
4 – ومن فوائد هذا الحديث : قرن الرسول عليه الصلاة والسلام مع الله بالواو ،
قال : ( إلى الله ورسوله ) ،
ولم يقل : ( إلى الله ثم رسوله ) .
مع أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ما شاء الله وشئت ، فقال : ( ما شاء الله وحده ) ،
فما الفرق ؟
نقول : أما ما يتعلق بالشريعة : فبالواو ،
لأن ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من الشرع كالذي صدر من الله ،
كما قال الله عز وجل : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ،
وأما الأمور الكونية : فلا يجوز أن يقرن مع الله أحدٌ بالواو أبداً ،
لأن كل شيءٍ تحت إرادة الله ومشيئته صار هذا هو الفرق ،
فإذا قال قائل : هل ينزل المطر غداً ؟
قال : الله ورسوله أعلم ،
ماذا نقول ؟
نقول : خطأ ،
الرسول صلى الله عليه وسلم ليس عنده علم بهذا ،
إذا قال : هل هذا حرام أو حلال ؟
قال : الله ورسوله أعلم ؟
صحيح أم غير صحيح ؟
صحيح ،
لأن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمور حكمٌ لله ،
كما قال عز وجل : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ،
الهجرة من أي الأمور ؟
شرعية ، الهجرة شرعية ،
الإنسان يهاجر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل أن يحمي شريعته ودينه ،
هنا سؤال : أيهما أفضل العلم أو الجهاد في سبيل الله ؟
العلم أفضل ، العلم أفضل من حيث هو ،
لأن الناس كلهم محتاجون إلى العلم ،
وسمعتم قول الإمام أحمد : العلم لا يعدله شيء ،
العلم من حيث هو علم أفضل من الجهاد ،
ولا يمكن أبداً أن يكون الجهاد فرض عين ،
لقول الله تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ،
فلو كان فرض عين لوجب على جميع المسلمين ،
{ فلولا نفر من كل فرقةٍ طائفة } يعني وقعدت طائفة،
{ ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ،
قلت لكم : العلم من حيث هو علم أفضل من الجهاد في سبيل الله ،
لكن باعتبار أحوال وأشخاص قد يكون الجهاد أفضل ،
مثال ذلك : جاءنا رجل شجاع مقدام قوي جسمه كالبعير لكن ذهنه ذهن بليد ، بليد لا يفهم ، فجاء يسأل أيهما أفضل له : الجهاد أو طلب العلم ؟ الجهاد لأنه أنفع ، رجل مقدام شجاع نشيط يمسك الرجلين والثلاثة من العدو ويغفصه هذا أفضل في الجهاد ،
رجل آخر نحيف جبان لو يتحرك الباب من الهواء فزع ولكنه في العلم قوي حافظ ذكي مثابر محب للعلم ، ماذا نقول له ؟ العلم أفضل بلا شك ،
حصر العدو البلد ، وواحد في المكتبة يطالع ، فقال : العلم لا يعدله شيء أفضل ،
وآخر قال : اذهب ادفع عن البلد لو احتل الكفار البلد لذهب ما فيه ،
أيهما أفضل ؟
أن يبقى في مكتبته أو أن يدافع عن البلد ؟ أن يدافع عن البلد ،
فيختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ،
لكن من حيث الجنس : جنس العلم أفضل من جنس الجهاد في سبيل الله ،
قوله : ( إنما الأعمال بالنيات ) : هل يدخل في ذلك الطلاق أي أنه على نية المطلق أو لا ؟
إذا قال الرجل لزوجته : أنتِ طالق ، أي غير مقيدة اليدين والرجلين ، يقع الطلاق أو لا ؟
لا يقع ، إنما الأعمال بالنيات ،
لكن هل يُصدق أو لا يُصدق ؟
إن كان أميناً يخشى الله عز وجل صُدِّقْ ، ووجب على الزوجة ألا تطالبه ، وإن كان بالعكس وجب أن ترافعه إلى القاضي ، والقاضي يحكم بالظاهر ، ويقول : ليس لنا إلا ما سمعنا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما أقضي بنحو ما أسمع ) ،
المهم يا إخوان أن هذا الحديث عظيم تنبني عليه كل الأعمال الباطنة التي محلها القلب ،
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ( رواه إمام المحدثين محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري ) من بخارى وهو إمام المحدثين ،
و ( مسلم ) قشيري ،
( في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة ) صحيح البخاري وصحيح مسلم هما أصح الكتب المصنفة في علم الحديث ،
ولهذا قال بعض المحدثين : إن ما اتفقا عليه يفيد العلم ، يعني ليس يفيد الظن فقط يفيد العلم ،
وأيهما أصح ؟
البخاري أصح من مسلم ،
لأنه يشترط في الرواية أن يكون الراوي قد لقي من روى عنه ،
وأما مسلم رحمه الله فيكتفي بمطلق المعاصرة إن لم يثبت لقيه ،
وقد أنكر على من يشترط اللقاء في أول الصحيح إنكاراً عجيباً ،
فالصواب ما ذكره البخاري لابد من ثبوت اللقي ،
ومسلم يقول يكفي إمكان اللقي وإن لم يثبت لقاؤه ،
وبهذا صار البخاري أصح ،
لكن ذكر العلماء أن سياق مسلم أحسن من سياق البخاري ،
لأنه رحمه يذكر الحديث ثم يذكر شواهده وتوابعه في مكانٍ واحد ،
والبخاري يفرق ،
ففي الصناعة مسلم أفضل ،
وأما في الرواية والصحة فالبخاري أفضل ،
قال بعض أهل العلم : ولولا البخاري ما ذهب مسلمٌ ولا راح ،
فالحديث إذن صحيح أم غير صحيح ؟
صحيح ، يفيد العلم اليقيني ،لكنه ليس يقينياً بالعقل ،إنما هو يقينيٌّ بالنظر ،لثبوته عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ،


تعليق