سُئل صاحب الفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
لماذا يدعو الإنسان ولا يستجاب له ؟ والله ـ عز وجل ـ يقول: {ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [ غافر: 60] ؟
أجاب رحمه الله:الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد،وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأسأل الله تعالى لي ولإخواني المسلمين التوفيق للصواب عقيدة، وقولاً، وعملاً، يقول الله عز وجل: {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ} [ غافر: 60]. ويقول السائل: إنه دعا الله عز وجل ولم يستجب الله له فيستشكل هذا الواقع مع هذه الآية الكريمة التي وعد الله – تعالى- فيها من دعاه بأن يستجيب له والله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد. والجواب على ذلك أن للإجابة شروطًا لابد أن تتحقق وهي:
الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل بأن يخلص الإنسان في دعائه فيتجه إلى الله سبحانه وتعالى بقلب حاضر صادق في اللجوء إليه، عالم بأنه عز وجل قادر على إجابة الدعوة، مؤمل الإجابة من الله – سبحانه وتعالى-.
الشرط الثاني: أن يشعر الإنسان حال دعائه بأنه في أمسّ الحاجة بل في أمسّ الضرورة إلى الله – سبحانه وتعالى- وأن الله – تعالى- وحده هو الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، أما أن يدعو الله – عز وجل- وهو يشعر بأنه مستغن عن الله – سبحانه وتعالى- وليس في ضرورة إليه وإنما هكذا عادة فقط فإن هذا ليس بحري بالإجابة.
الشرط الثالث: أن يكون متجنبًا لأكل الحرام فإن أكل الحرام حائل بين الإنسان والإجابة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)) فقال – تعالى-: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [ البقرة: 182]. وقال – تعالى-: {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيّبَـاتِ وَاعْمَلُواْ صَـالِحاً} [ المؤمنون: 51]. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فأنى يُستجاب له)). فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجاب لهذا الرجل الذي قام بالأسباب الظاهرة التي بها تستجلب الإجابة وهي:
أولاً: رفع اليدين إلى السماء أي إلى الله – عز وجل- لأنه تعالى في السماء فوق العرش، ومد اليد إلى الله –عز وجل- من أسباب الإجابة كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند: ((إن الله حيىٌّ كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صِفْرا)).
ثانياً: هذا الرجل دعا الله – تعالى- باسم الرب ((يا رب، يا رب)) والتوسل إلى الله – تعالى- بهذا الاسم من أسباب الإجابة؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور فبيده مقاليد السموات والأرض ولهذا تجد أكثر الدعاء الوارد في القرآن الكريم بهذا الاسم: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـانِ أَنْ ءامِنُواْ بِرَبّكُمْ فَـئَامَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الاْبْرَار (193) رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىا رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَـامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىا بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ...} [ آل عمران: 193 – 195]. الآيات. فالتوسل إلى الله – تعالى- بهذا الاسم من أسباب الإجابة.
ثالثاً: هذا الرجل كان مسافرًا والسفر غالـبًا من أسباب الإجابة؛ لأن الإنسان في السفر يشعر بالحاجة إلى الله – عز وجل- والضرورة إليه أكثر مما إذا كان مقيمًا في أهله، وأشعث أغبر غير معني بنفسه كأن أهم شيء عنده أن يلتجئ إلى الله ويدعوه على أي حال كان هو سواء كان أشعث أغبر أم مترفًا، الشعث والغبر له أثر في الإجابة كما في الحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الله – تعالى- ينزل إلى السماء الدنيا عشية عرفة يباهي الملائكة بالواقفين فيه يقول: ((أتوني شعثًا غُبرًا ضاحين من كل فج عميق)).
هذه الأسباب لإجابة الدعاء لم تُجد شيئًا؛ لكون مطعمه حرامًا، وملبسه حرامًا، وغذي حرامًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فأنى يُستجاب له)). فهذه الشروط لإجابة الدعاء إذا لم تتوافر فإن الإجابة تبدو بعيدة، فإذا توافرت ولم يستجب الله للداعي، فإنما ذلك لحكمة يعلمه الله – عز وجل- ولا يعلمها هذا الداعي، فعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم وإذا تمت هذه الشروط ولم يستجب الله – عز وجل- فإنه إما أن يدفع عنه من السوء ما هو أعظم، وإما أن يدخرها له يوم القيامة فيوفيه الأجر أكثر وأكثر؛ لأن هذا الداعي الذي دعا بتوفر الشروط ولم يستجب له ولم يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، يكون قد فعل الأسباب ومنع الجواب لحكمة فيعطى الأجر مرتين مرة على دعائه ومرة على مصيبته بعدم الإجابة فيدخر له عند الله – عز وجل- ما هو أعظم وأكمل.
ثم إن المهم أيضًا أن لا يستبطئ الإنسان الإجابة، فإن هذا من أسباب منع الإجابة أيضًا كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل)). قالوا: كيف يعجل يا رسول الله ؟ قال: ((يقول دعوت ودعوت ودعوت فلم يستجب لي)). فلا ينبغي للإنسان أن يستبطئ الإجابة فيستحسر عن الدعاء ويدع الدعاء بل يلح في الدعاء فإن كل دعوة تدعو بها الله – عز وجل- فإنها عبادة تقربك إلى الله – عز وجل- وتزيدك أجرًا، فعليك يا أخي بدعاء الله – عز وجل- في كل أمورك العامة والخاصة الشديدة واليسيرة، ولو لم يكن من الدعاء إلا أنه عبادة لله – سبحانه تعالى- لكان جديرًا بالمرء أن يحرص عليه. والله الموفق.

اهلا وسهلا بكم بمنتدى ساوندروز مع تحيات محمد القدس 