الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده .. * وبعد : * فمن فضل الله تعالى على عباده أن جعل لهم مواسم للطاعات ، يستكثرون فيها من العمل الصالح ، ويتنافسون فيها فيما يقربهم إلى ربهم ، والسعيد من اغتنم تلك المواسم ، ولم يجعلها تمر عليه مروراً عابراً . ومن هذه المواسم الفاضلة عشر ذي الحجة ، وهي أيام شهد لها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنها أفضل أيام الدنيا ، وحث على العمل الصالح فيها ، بل إن الله تعالى أقسم بها ، وهذا وحده يكفيها شرفاً وفضلاً ، إذ العظيم لا يقسم إلا بعظيم .
وأن يحسن استقبالها واغتنامها . وفي هذه الرسالة بيان لفضل عشر ذي الحجة وفضل العمل فيها ، والأعمال المستحبة فيها .
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاستفادة من هذه الأيام ، وأن يعيننا على اغتنامها على الوجه الذي يرضيه .
بأي شيء نستقبل عشر ذي الحجة ؟
حريَّ بالمسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة ، ومنها عشر ذي الحجة بأمور :
1 ـ التوبة الصادقة : فعلى المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة بالتوبة الصادقة والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله ، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة ، يقول تعالى : { وتوبا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } [ النور : 31 ] .
2 ـ العزم الجاد على اغتنام هذه الأيام : فينبغي على المسلم أن يحرص حرصاً شديداً على عمارة هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة ، ومن عزم على شيء أعانه الله وهيأ له الأسباب التي تعينه على إكمال العمل ، ومن صدق الله صدق الله ، قال تعالى : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } [ العنكبوت : 69 ] .
3 ـ البعد عن المعاصي : فكما أن الطاعات أسباب للقرب من الله تعالى ، فالمعاصي أسباب للبعد عن الله والطرد من رحمته ، وقد يُحرم الإنسان رحمة الله بسبب ذنب يرتكبه ، فإن كنت تطمع في مغفرة الذنوب والعتق من النار فاحذر الوقع في المعاصي في هذه الأيام وفي غيرها . ومن عرف ما يطلب هان عليه كل ما يبذل . فاحرص أخي المسلم على اغتنام هذه الأيام وأحسن استقبالها قبل أن تفوتك فتندم ، ولات ساعة مندم .
فضل عشر ذي الحجة :
1 ـ أن الله تعالى أقسم بها : وإذا أقسم الله بشيء دلَّ هذا على عظم مكانته وفضله ، إذ العظيم لا يقسم إلا بعظيم ، قال تعالى : { والفجر (1) وليالٍ عشر } [ الفجر : 1، 2 ] . والليالي العشر هي عشر ذي الحجة ، وهذا ما عليه جمهور المفسرين من السلف والخلف ، وقال ابن كثير في تفسيره : وهو الصحيح .
2 ـ أنها الأيام المعلومات التي شرع الله فيها ذكره : قال تعالى : { ويذكروا اسم الله في ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } [ الحج : 28 ] وجمهور العلماء على أن الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة ، منهم ابن عمر وابن عباس .
3 ـ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهد لها بأنها أفضل أيام الدنيا : فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " أفضل أيام الدنيا أيام العشر ـ يعني عشر ذي الحجة ـ قيل : ولا مثلهن في سبيل الله ؟ قال : ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفِّر وجهه بالتراب " [ رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني ] .
4 ـ أن فيها يوم عرفة : ويوم عرفة يوم الحج الأكبر ، ويوم مغفرة الذنوب ، ويوم العتق من النيران ، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلاً ، وقد تكلمنا عن فضل يوم عرفة وهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه في رسالة " الحج عرفة " .
5 ـ أن فيها يوم النحر : وهو أفضل ايام السنة عند بعض العلماء ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ، ثم يوم القّرِّ " [ رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني ] .
6 ـ اجتماع أمهات العبادة فيها : قال الحافظ ابن حجر في الفتح : " والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه ، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ، ولا يتأتَّى ذلك في غيره " .
فضل العمل في عشر ذي الحجة :
* عن أبي عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما من ايام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا : يا رسول الله ، ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء [ رواه البخاري ] .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : " كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : فذكرت له الأعمال فقال : ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشر ، قالوا : يا رسول الله ، الجهاد في سبيل الله ؟ فأكبره . فقال : ولا الجهاد إلا أن يخرج رجل بنفسه وماله في سبيل الله ، ثم تكون مهجة نفسه فيه " [ رواه أحمد وحسن إسناده الألباني ] .
فدلَّ هذان الحديثان وغيرهما على أن كل عمل صالح يقع في ايام عشر ذي الحجة أحبُّ إلى الله تعالى من نفسه إذا وقع في غيرها ، وإذا كان العمل فيهن أحب إلى الله فهو أفضل عنده . ودلَّ الحديثان أيضاً على أن العامل في هذه العشر أفضل من المجاهد في سبيل الله الذي رجع بنفسه وماله ، وأن الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة تُضاعف من غير استنثاء شيء منها .
من الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة :
إذا تبيَّن لك أخي المسلم فضل العمل في عشر ذي الحجة على غيره من الأيام ، وأن هذه المواسم نعمة وفضل من الله على عباده ، وفرصة عظيمة يجب اغتنامها ، إذا تبيَّن لك كل هذا فحريّ بك أن تخص هذه العشر بمزيد عناية واهتمام ، وأن تحرص على مجاهدة نفسك بالطاعة فيها ، وأن تكثر من أوجه الخير وأنواع الطاعات ، فقد كان هذا هو حال السلف الصالح في مثل هذه المواسم ، يقول أبو عثمان النهدي : كانوا ـ أي السلف ـ يعطمون ثلاث عشرات : العشر الأخير من رمضان ، والعشر الأول من ذي الحجة ، والعشر الأول من المحرم .
ومن الأعمال التي يستحب للمسلم أن يحرص عليها ويكثر منها في هذه الأيام ما يلي :
1 ـ أداء مناسك الحج والعمرة : * وهما أفضل ما يُعمل في عشر ذي الحجة ، ومن يسرَّ الله له حج بيته أو أداء العمرة على الوجه المطلوب فجزاؤه الجنة ، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " [ متفق عليه ] . * والحج المبرور هو الحج الموافق لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي لم يخالطه إثم من رياء أو سمعة أو رفث أو فسوق ، المحفوف بالصالحات والخيرات .
2 ـ الصيـــــام : * وهو يدخل في جنس الأعمال الصالحة ، بل هو من أفضلها وقد أضافه الله إلى نفسه لعظم شأنه وعلو قدره ، فقال سبحانه في الحديث القدسي : " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " [ متفق عليه ] . * وقد خصَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم صيام يوم عرفة من بين أيام عشر ذي الحجة بمزيد عناية ، وبيَّن فضل صيامه فقال : " صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده " [ رواه مسلم ] . * وعليه فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حث على العمل الصالح فيها . وقد ذهب إلى استحباب صيام العشر الإمام النووي وقال : صيامها مستحب استحباباً شديداً .
3 ـ الصـــــلاة : * وهي من أجلِّ الأعمال وأعظمها وأكثرها فضلاً ، ولهذا يجب على الملم المحافظة عليها في أوقاتها مع الجماعة ، وعليه أن يكثر من النوافل في هذه الأيام ، فإنها من أفضل القربات ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربِّه : " وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه " [ رواه البخاري ] .
4 ـ التكبير والتحميد والتهليل والذكر : * فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد " [ رواه احمد ] . وقال البخاري : كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرها . وقال : وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً . وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه . وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً . * ويستحب للمسلم أن يجهر بالتكبير في هذه اليام ويرفع صوته به ، وعليه أن يحذر من التكبير الجماعي حيث لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أحد من السلف ، والسنة أن يكبر كل واحد بمفرده .
5 ـ الصدقـــــة : * وهي من جملة الأعمال الصالحة التي يستحب للمسلم الإكثار منها في هذه الأيام ، وقد حث الله عليها فقال : { يا ايها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون } [ البقرة : 253 ] ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " ما نقصت صدقة من مال " [ رواه مسلم ] .
وهناك أعمال أخرى يستحب الإكثار منها في هذه الأيام بالإضافة إلى ما ذكر ، نذكر منها على وجه التذكير ما يلي :
ـ قراءة القرآن وتعلمه ـ والاستغفار ـ وبر الوالدين ـ وصلة الأرحام والأقارب ـ وإفشاء السلام وإطعام الطعام ـ والإصلاح بين الناس ـ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وحفظ اللسان والفرج ـ والإحسان إلى الجيران ـ وإكرام الضيف ـ والإنفاق في سبيل الله ـ وإماطة الأذى عن الطريق ـ والنفقة على الزوجة والعيال ـ وكفالة الأيتام ـ وزيارة المرضى ـ وقضاء حوائج الإخوان ـ والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعدم إيذاء المسلمين ـ والرفق بالرعية ـ وصلة أصدقاء الوالدين ـ والدعاء للإخوان بظهر الغيب ـ وأداء الأمانات والوفاء بالعهد ـ والبر بالخالة والخال ـ والدعاء بين الأدان والإقامة ـ وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة ـ والذهاب إلى المساجد والمحافظة على صلاة الجماعة ـ والمحافظة على السنن الراتبة ـ والحرص على صلاة العيد في المصلى ـ وإدخال السرور على المسلمين ـ والشفقة بالضعفاء ـ والصدق في البيع والشراء ـ والدعاء للوالدين ـ وسلامة الصدر وترك الشحناء ـ وتعليم الأولاد والبنات ـ والتعاون مع المسلمين فيما فيه خير .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
إعداد القسم العلمي بدار الوطن بالرياض
=======
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
وأن يحسن استقبالها واغتنامها . وفي هذه الرسالة بيان لفضل عشر ذي الحجة وفضل العمل فيها ، والأعمال المستحبة فيها .
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاستفادة من هذه الأيام ، وأن يعيننا على اغتنامها على الوجه الذي يرضيه .
بأي شيء نستقبل عشر ذي الحجة ؟
حريَّ بالمسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة ، ومنها عشر ذي الحجة بأمور :
1 ـ التوبة الصادقة : فعلى المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة بالتوبة الصادقة والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله ، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة ، يقول تعالى : { وتوبا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } [ النور : 31 ] .
2 ـ العزم الجاد على اغتنام هذه الأيام : فينبغي على المسلم أن يحرص حرصاً شديداً على عمارة هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة ، ومن عزم على شيء أعانه الله وهيأ له الأسباب التي تعينه على إكمال العمل ، ومن صدق الله صدق الله ، قال تعالى : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } [ العنكبوت : 69 ] .
3 ـ البعد عن المعاصي : فكما أن الطاعات أسباب للقرب من الله تعالى ، فالمعاصي أسباب للبعد عن الله والطرد من رحمته ، وقد يُحرم الإنسان رحمة الله بسبب ذنب يرتكبه ، فإن كنت تطمع في مغفرة الذنوب والعتق من النار فاحذر الوقع في المعاصي في هذه الأيام وفي غيرها . ومن عرف ما يطلب هان عليه كل ما يبذل . فاحرص أخي المسلم على اغتنام هذه الأيام وأحسن استقبالها قبل أن تفوتك فتندم ، ولات ساعة مندم .
فضل عشر ذي الحجة :
1 ـ أن الله تعالى أقسم بها : وإذا أقسم الله بشيء دلَّ هذا على عظم مكانته وفضله ، إذ العظيم لا يقسم إلا بعظيم ، قال تعالى : { والفجر (1) وليالٍ عشر } [ الفجر : 1، 2 ] . والليالي العشر هي عشر ذي الحجة ، وهذا ما عليه جمهور المفسرين من السلف والخلف ، وقال ابن كثير في تفسيره : وهو الصحيح .
2 ـ أنها الأيام المعلومات التي شرع الله فيها ذكره : قال تعالى : { ويذكروا اسم الله في ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } [ الحج : 28 ] وجمهور العلماء على أن الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة ، منهم ابن عمر وابن عباس .
3 ـ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهد لها بأنها أفضل أيام الدنيا : فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " أفضل أيام الدنيا أيام العشر ـ يعني عشر ذي الحجة ـ قيل : ولا مثلهن في سبيل الله ؟ قال : ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفِّر وجهه بالتراب " [ رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني ] .
4 ـ أن فيها يوم عرفة : ويوم عرفة يوم الحج الأكبر ، ويوم مغفرة الذنوب ، ويوم العتق من النيران ، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلاً ، وقد تكلمنا عن فضل يوم عرفة وهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه في رسالة " الحج عرفة " .
5 ـ أن فيها يوم النحر : وهو أفضل ايام السنة عند بعض العلماء ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ، ثم يوم القّرِّ " [ رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني ] .
6 ـ اجتماع أمهات العبادة فيها : قال الحافظ ابن حجر في الفتح : " والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه ، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ، ولا يتأتَّى ذلك في غيره " .
فضل العمل في عشر ذي الحجة :
* عن أبي عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما من ايام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا : يا رسول الله ، ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء [ رواه البخاري ] .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : " كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : فذكرت له الأعمال فقال : ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشر ، قالوا : يا رسول الله ، الجهاد في سبيل الله ؟ فأكبره . فقال : ولا الجهاد إلا أن يخرج رجل بنفسه وماله في سبيل الله ، ثم تكون مهجة نفسه فيه " [ رواه أحمد وحسن إسناده الألباني ] .
فدلَّ هذان الحديثان وغيرهما على أن كل عمل صالح يقع في ايام عشر ذي الحجة أحبُّ إلى الله تعالى من نفسه إذا وقع في غيرها ، وإذا كان العمل فيهن أحب إلى الله فهو أفضل عنده . ودلَّ الحديثان أيضاً على أن العامل في هذه العشر أفضل من المجاهد في سبيل الله الذي رجع بنفسه وماله ، وأن الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة تُضاعف من غير استنثاء شيء منها .
من الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة :
إذا تبيَّن لك أخي المسلم فضل العمل في عشر ذي الحجة على غيره من الأيام ، وأن هذه المواسم نعمة وفضل من الله على عباده ، وفرصة عظيمة يجب اغتنامها ، إذا تبيَّن لك كل هذا فحريّ بك أن تخص هذه العشر بمزيد عناية واهتمام ، وأن تحرص على مجاهدة نفسك بالطاعة فيها ، وأن تكثر من أوجه الخير وأنواع الطاعات ، فقد كان هذا هو حال السلف الصالح في مثل هذه المواسم ، يقول أبو عثمان النهدي : كانوا ـ أي السلف ـ يعطمون ثلاث عشرات : العشر الأخير من رمضان ، والعشر الأول من ذي الحجة ، والعشر الأول من المحرم .
ومن الأعمال التي يستحب للمسلم أن يحرص عليها ويكثر منها في هذه الأيام ما يلي :
1 ـ أداء مناسك الحج والعمرة : * وهما أفضل ما يُعمل في عشر ذي الحجة ، ومن يسرَّ الله له حج بيته أو أداء العمرة على الوجه المطلوب فجزاؤه الجنة ، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " [ متفق عليه ] . * والحج المبرور هو الحج الموافق لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي لم يخالطه إثم من رياء أو سمعة أو رفث أو فسوق ، المحفوف بالصالحات والخيرات .
2 ـ الصيـــــام : * وهو يدخل في جنس الأعمال الصالحة ، بل هو من أفضلها وقد أضافه الله إلى نفسه لعظم شأنه وعلو قدره ، فقال سبحانه في الحديث القدسي : " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " [ متفق عليه ] . * وقد خصَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم صيام يوم عرفة من بين أيام عشر ذي الحجة بمزيد عناية ، وبيَّن فضل صيامه فقال : " صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده " [ رواه مسلم ] . * وعليه فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حث على العمل الصالح فيها . وقد ذهب إلى استحباب صيام العشر الإمام النووي وقال : صيامها مستحب استحباباً شديداً .
3 ـ الصـــــلاة : * وهي من أجلِّ الأعمال وأعظمها وأكثرها فضلاً ، ولهذا يجب على الملم المحافظة عليها في أوقاتها مع الجماعة ، وعليه أن يكثر من النوافل في هذه الأيام ، فإنها من أفضل القربات ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربِّه : " وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه " [ رواه البخاري ] .
4 ـ التكبير والتحميد والتهليل والذكر : * فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد " [ رواه احمد ] . وقال البخاري : كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرها . وقال : وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً . وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه . وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً . * ويستحب للمسلم أن يجهر بالتكبير في هذه اليام ويرفع صوته به ، وعليه أن يحذر من التكبير الجماعي حيث لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أحد من السلف ، والسنة أن يكبر كل واحد بمفرده .
5 ـ الصدقـــــة : * وهي من جملة الأعمال الصالحة التي يستحب للمسلم الإكثار منها في هذه الأيام ، وقد حث الله عليها فقال : { يا ايها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون } [ البقرة : 253 ] ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " ما نقصت صدقة من مال " [ رواه مسلم ] .
وهناك أعمال أخرى يستحب الإكثار منها في هذه الأيام بالإضافة إلى ما ذكر ، نذكر منها على وجه التذكير ما يلي :
ـ قراءة القرآن وتعلمه ـ والاستغفار ـ وبر الوالدين ـ وصلة الأرحام والأقارب ـ وإفشاء السلام وإطعام الطعام ـ والإصلاح بين الناس ـ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وحفظ اللسان والفرج ـ والإحسان إلى الجيران ـ وإكرام الضيف ـ والإنفاق في سبيل الله ـ وإماطة الأذى عن الطريق ـ والنفقة على الزوجة والعيال ـ وكفالة الأيتام ـ وزيارة المرضى ـ وقضاء حوائج الإخوان ـ والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعدم إيذاء المسلمين ـ والرفق بالرعية ـ وصلة أصدقاء الوالدين ـ والدعاء للإخوان بظهر الغيب ـ وأداء الأمانات والوفاء بالعهد ـ والبر بالخالة والخال ـ والدعاء بين الأدان والإقامة ـ وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة ـ والذهاب إلى المساجد والمحافظة على صلاة الجماعة ـ والمحافظة على السنن الراتبة ـ والحرص على صلاة العيد في المصلى ـ وإدخال السرور على المسلمين ـ والشفقة بالضعفاء ـ والصدق في البيع والشراء ـ والدعاء للوالدين ـ وسلامة الصدر وترك الشحناء ـ وتعليم الأولاد والبنات ـ والتعاون مع المسلمين فيما فيه خير .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
إعداد القسم العلمي بدار الوطن بالرياض
=======
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

تعليق