إعداد
عبد العزيز بن ريس الريس
صادق عليه الشيخ / عبدالله الجبرين
بسم الله الرحمن الرحيم فيما شجر بين الصحابة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد :
فلقد انتشرت في هذه الأيام محاضرات عن الفتنة الواقعة بين الصحابة للأخ طارق السويدان – جمعنا الله وإياه في الفردوس الأعلى – بواسطة أشرطة سجلتها مؤسسة قرطبة فلما سمعتها سألت بعض أهل العلم عنها فذمها، وحثني أن أكتب رداً مختصراً عليها لينتفع به من شاء الله من خلقه فاستعنت الله في ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وسيكون الرد إجمالياً وتفصيلياً :
الأول: الرد الإجمالي / إن لأهل السنة والجماعة منهجاً تجاه ما جرى بين الصحابة الكرام في الفتن – ولا منهج موصل إلى الله غير منهجهم – وهو أنهم يمسكون عن ما شجر بين الصحابة، صرح بذلك غير واحد من أهل السنة وحكى بعضهم إجماعاً على ذلك وإليك طرفاً من كلامهم :
1- روى أبو بكر الخلال في كتاب السنة رقم ( 717 ) وابن سعد في الطبقات (5/394) من طريقين عن عمر بن عبد العزيز بلفظين متقاربين أنه كان إذا سئل عن صفين والجمل قال: أمرٌ أخرج الله يدي منه لا أدخل لساني فيه .
2- ذكر ابن الجوزي في مناقب أحمد ص126 قال إبراهيم بن أرز الفقيه: حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية ؟ فأعرض عنه، فقيل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم فأقبل عليه فقال: اقرأ " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون " وانظر السنة للخلال رقم (768) .
وقال أبو عبد الله بن بطة – رحمه الله – في كتاب الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة ص 268: ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله فقد شهدوا المشاهد معه وسبقوا الناس بالفضل فقد غفر الله لهم ، وأمر بالاستغفار لهم ، والتقرب إليه بمحبتهم ، وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون وإنما فضلوا على سائر الخلق لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم وكل ما شجر بينهم مغفور ا.هـ
4- قال أبو عثمان الصابوني – رحمه الله – وهو أحد أئمة أهل السنة من أعيان القرن الخامس في كتابه عقيدة السلف وأصحاب الحديث: ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم ، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم ا.هـ
5- قال النووي في شرح مسلم (18/11): ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم ... ا.هـ
6- قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية – رحمه الله تعالى – في العقيدة المباركة التي كتبها لرجل ( بواسط ) واشتهرت باسم العقيدة الواسطية: ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون : إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه ، والصحيح منه هم فيه معذورون ؛ إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون ا.هـ علماً أن ابن تيمية ذكر في أوائل هذه العقيدة بأنها اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة .
7- قال الإمام أبو عبد الله بن أحمد الذهبي مؤرخ الإسلام ومحدث الأنام في سير ا‘علام النبلاء ( 10/ 92) : تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم – رضي الله عنهم أجمعين – وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى حيث يقول:" والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا " فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم وجهاد محاء وعبادة ممحصة ا.هـ أعد أيها الناظر النظر ، وأمعن الفكر في كلام ابن تيمية والذهبي فإنه مفيد للغاية .
8- وأخيراً قال الشيخ حافظ الحكمي – رحمه الله – في كتابه معارج القبول (3/1208): أجمع أهل السنة والجماعة الذين هم أهل الحل والعقد الذين يعتد بإجماعهم وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة – رضي الله عنهم – بعد مقتل عثمان – رضي الله عنه – والاسترجاع على تلك المصائب ا.هـ
تنبيه : قد يجوز للعالم المنصف المحقق ذكر ما شجر بين الصحابة للرد على المخالفين كالرافضة كما تجده في منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، والعواصم من القواصم لابن العربي ، أو لزوال شبهة عند بعض أهل السنة . وانظر لوامع الأنوار (2/387) والإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص64 .
وقبل البدء في الرد التفصيلي قد يقول قائل : إن صنيع الأخ طارق السويدان في محاضراته من هذا الباب فيقال جواباً على هذا : ليس صنيعه كذلك من وجهين:
أولاً : أنه عرض محاضراته في ملأ عام ، ثم أخبرهم بأنها مسجلة في أشرطة، وأنه يمكنهم الحصول عليها – كما تجده في آخر الشريط الثامن – وهذا مما يساعد الكثير على سماعها وإن كانوا من عوام الناس الذين لم يخطر ببالهم ما وقع بين الصحابة ، وهم مع ذلك لا فقه لهم – وهذا قد حصل ووقع – فيوغر صدورهم على بعض الصحابة ، وينزل من قدرهم في نفوس الناس ، وهذا أيضاً والله وقع .
ثانياً : أن الأخ طارقاً السويدان لم يحسن الخوض في هذا البحر فاعتمد في أكثر أخباره على رواية الضعفاء والكذابين التي تكون أحياناً مخالفة لرواية الثقات – كما سيأتي بيانه - .



تعليق