مواجهة الاحتلال
من الوهم أن نتصور أن الإسلام قد أتى بنصوص شرعية تفصيلية لمواجهة الاحتلال الأجنبي للأرض.
إن من واجبات المسلم مواجهة الظلم وتحقيق العدل ومواجهة العدوان وقتال المعتدين والدفاع عن المستضعفين. وواجبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان..
ولا ريب أن هذه القواعد العامة معلومة للجميع، ولست هنا أعرض جديدا، لكن المهم معرفته أيضا هو أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأن النهي عن المنكر إن كان سيؤدي إلى منكر أكبر منه، فيصبح النهي غير جائز؛ فالمنكر الصغير أفضل من المنكر الأكبر منه، وعلينا المحافظة على المنكر الأصغر إن كان هو الطريق الوحيد للتخلص من المنكر الأكبر.
ومهما يكن من اتفاق على المبادئ العامة والقواعد العريضة، فإن تطبيقها على أرض الواقع لن يكون محل اتفاق؛ ذلك أن قراءة الناس الواقعَ وفهمهم إياه تختلف باختلاف هؤلاء الناس وباختلاف الزاوية التي ينظرون من خلالها لهذا الواقع.
من هنا فإن الناس في بلادنا ظلوا عبر تاريخ النضال ضد المغتصب الصهيوني مختلفين حول مواجهة هذا العدو؛ ليس لاختلافهم حول وجوب رد الحق لأصحابه، ولا لوجوب الضرب على يد الظالم، ولكن لاختلافهم بمدى استطاعتهم في هذه الظروف العالمية، ولظن بعضهم أن محاولة ردّ الحقّ لأصحابه ستؤدي-في هذه الظروف-إلى إضاعة حقوق جديدة.
ومنذ هزيمة العثمانيين ودخول البريطانيين القدس قبل سبع وثمانين سنة، شعر الناس بالخطر الصهيوني القادم عبر الهجرة اليهودية المركّزة وعبر قوانين الانتداب المشرََّعة لصالح الصهاينة. لكن هذا الشعور واكبه شعور آخر بصعوبة المواجهة. فهل يستطيع الشعب الفلسطيني مواجهة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؟ وخصوصًا في وقت كان الفلسطيني لا يجد فيه قوت يومه، بَلْهَ أن يجد ما يشتري به سلاحًا.
وتبقى وجهتا النظر المعروضتان محترمتيْن، وهما: المواجهة العسكرية، والمواجهة السلمية؛ فكلتاهما قائمة على القواعد ذاتها، لكن الأولى منها لم تراعِ قضية تقديم الأولويات، ولا الاستطاعة، ولا قاعدة (قربط بمنحوسك حتى لا يأتيك من هو أنحس منه). أما الثانية، فقد راعت ذلك. وقد يراها البعض غير ذلك، ولكن لا بأس برؤيته.
إذن، إذا احتل الأعداء أرضًا ما، فإن على أصحابها أن يعملوا على درء العدوان، فإذا كانت لهم قيادة، فهي التي تحدد طريقة المواجهة؛ سلما أم حربا. وإن لم تكن قيادة، وكان الأمر فوضى، أو أن القيادة قتلت أو اعتقلت، فليحاولوا إيجاد قيادة، فإن تعذّر فليحاولوا إيجاد تنظيمات، وليحاولوا أن يوحدوا قرار هذه التنظيمات في طريقة المواجهة، فإن تعذّر، فليجتهد كل تنظيم ليختار الطريق الأنسب للمواجهة.
ويُشترط على من اختار أي الطريقيْن أن يحترم قرار الفئة الأخرى ما دام الوضع ليس مستقرًّا، أي ما دام لم توجد حكومة. فلا يحق للمقاتل أن يقتل المفاوض، كما لا يحق للمفاوض أن يسعى لقتل المقاتل أو التآمر عليه.
إذن، يجب على أهل أي بلد تعرض لأي عدوان أن يقاتلوا دفاعا عن بلدهم ضد المعتدين، فيخرج الناس القادرين على القتال من الذكور والإناث والكبار والصغار للقتال المنظّم.
ولكن، إذا تمكن العدو من البلاد، فاحتلّها وسيطر عليها، فإن لسكانها أن يختاروا بين استمرار مقاتلة المحتل، وبين الخضوع له، أي الاستسلام مقابل وقف القتال. كما يجوز لهم أن يدفعوا له جزية مقابل رحيله.
فإذا أصرّ المعتدون على إخضاع هذا البلد لهم، وادّعوا أن هذا هو بلدهم وأنهم حرروه الآن، فليس أمام أهل البلد إلا أحد طريقيْن: إما الاستمرار في المقاومة، أو الخضوع للمحتل مع الاستمرار بالمطالبة بإعادة وطنهم وحقوقهم بطرق سلمية. فإذا اختاروا الطريق الثاني فلا يصح لهم أن يقاتلوا العدوّ عسكريًّا. أما الخضوع فلا يتضمن الامتناع عن النضال، بل لا بدّ من النضال السلمي المتواصل حتى لو تضمن تضحياتٍ جِسامًا.
أما إذا انقسم أهل البلد، فاختار بعضهم الخضوع، وأخذوا الهوية الجديدة، واختار بعضهم القتال، فإن القتال العسكري لا يجوز ممن اختار الخضوع. وأما من أصرّ على القتال ولم يخضع، فعليه الاستمرار في القتال، وهو مأجور في اجتهاده إن ابتغى به وجه الله تعالى.
وأما إذا نشأ جيل جديد، فعلى كل شخص بلغ سن البلوغ أن يختار بين أحد الطريقيْن؛ المفاوضات والنضال السلمي أو القتال. فإن قدّم طلبًا للحصول على هوية فقد اختار طريق الخضوع، وإلا فقد اختار القتال. ولا بد ّمن تحديد موقف ما.
وإذا انقسم الناس بعد تشتت القيادة أو قتلها أو اعتقالها إلى فريقيْن، أحدهما يريد القتال والآخر يريد الخضوع، فلا يصحّ لأحد الفريقيْن أن يخوّن الآخر. لكن، لا يجوز للخاضعين أن يُعينوا المقاتلين على حرب الدولة التي خضعوا لها. كما لا يجوز لهم أن يُعينوا الدولة المعتدية ضدّ المقاتلين. ذلك أن على الذين خضعوا أن يعلنوا أن الدولة المحتلة معتدية ظالمة وأن من اختار قتالها فهو مأجور على ذلك، لكنهم هم قد اختاروا الخضوع لها لأنه الخيار الأفضل، لذا فلن يساعدوا الدولة المعتدية ضد مقاتليها من قومهم، فالخضوع لا يقتضي ذلك. لكنهم لن يساعدوا المقاتلين من قومهم ضد الدولة المعتدية، لأن الخضوع يقتضي ذلك. أي أن الخاضعين محايدون في المعركة الدائرة بين المقاتلين والدولة المعتدية. ولا بأس أن يغيّر أحد الخاضعين رأيه ويقاتل الدولة المعتدية، لكن بشرط واحد، هو أن يعلن عن قراره قبل أن يبدأ بإطلاق أي رصاصة. كما أنه لا بأس أن يغيّر أحد المقاتلين رأيه، فينضم إلى الخاضعين، وهنا عليه أن يعلن للمقاتلين أنه لم يعُد واحدًا منهم، وان عليهم أن لا يتصلوا به، لأنه لن يساعدهم ضد الدولة المحتلة.
أما إذا أًصرّت الدولة المعتدية على إجبار الخاضعين على التجسس على المقاتلين أو مقاتلتهم، فعليهم أن يرفضوا ذلك رفضا قاطعا مهما كلّف الأمر. أما إذا كانت الدولة المعتدية تريد الرحيل، وتدّعي أنها تريد إعادة مقاليد الحكم لأهل هذا البلد، وأن عليها إيجاد حكومة من أهل هذا البلد، فيجوز للخاضعين أن يشكلوا هذه الحكومة التي ستنسق مع المحتل على تحديد خطة زمنية للانسحاب. وفي هذه الحالة لا يجوز للحكومة أن تتعهد بقتل من يقاتل المحتلين؛ فهذا هو اجتهادهم الذي يؤجرون عليه، لكن عليها أن تنشئ جهاز شرطة وحرس وطني لحماية الأمن الداخلي ثم الخارجي، ولا يجوز للمقاتلين أن يخوّنوا هذه الحكومة، فهذا هو اجتهادها الذي تؤجر عليه. فإن قاتل أحد الطرفيْن الآخر، جاز للطرف الثاني قتاله. والبادئ أظلم.
وأما إذا رأى بعض المواطنين أن الدولة المحتلة ليست محتلة، بل صديقة محرِّرة، ورآها آخرون معتدية ظالمة، فلا مجال للالتقاء بين الطرفيْن، وهما قد وقعا في معركة لا مجال لتجنبها. لأن على الطرف الأول أن يحمي صديقه ومحرِّره. ومع هذا فإن الواجب في مثل هذه الحالة هو محاولة عقد ميثاق بين هذين الطرفيْن، بحيث يتجنبا القتال، وأن يقتصر القتال على الدولة المحتلة والطرف الذي يراها عدوا. وهذه المسألة لن تجد لها جوابًا واحدًا، بل إن الظروف المحيطة لها دور حاسم في ذلك. لذا من الخطأ التفصيل الزائد فيها.
ولا ريب أن الموضوع بحاجة إلى زيادة في التفصيل، وقد ترد أمثلة واقعية ليست مما ذكرت، لكن ليس صعبا على من استوعب القواعد العامة أن يجيب عليها.
إن هذا التفصيل يستند إلى القواعد القرآنية الآمرة بالصدق والوفاء والتعاون على البر والتقوى، ويستند إلى الآيات التي تحرم الكذب والغدر والنفاق.
ولست أعرض فيها أي جديد، ويمكن لأي شخص أن يصل إلى هذه النتائج لو تفكر قليلا.
لذا أرجو منك أخي الكريم أن تكتب تصورا تنصح فيه أهل فلسطين بطريقة واضحة لمواجهة الصهاينة، وتصورا للعراقيين لمواجهة الأمريكان، وتصورا للأفغان لمواجهة الأمريكان، وتصورا للكشميريين لمواجهة الهنود، وتصورا لأبي سياف لمواجهة الفلبين.
الفلسطينيون بين بناء المستوطنات والنضال العسكري للقضاء عليها
إن العمل في بناء المستوطنات يتضمن موافقة على وجودها، لذا فإنه يحرم على العاملين فيها المشاركة في النضال العسكري ضدها. وعلى كل من يرفض وجود هذه المستوطنات أن يمتنع عن العمل فيها.
إن النضال السلمي ضد المعتدي يتضمن أمورا عديدة بحاجة إلى تضحيات كبيرة، ومن هذه الأمور: مقاطعة بضائع العدو، ومقاطعة مؤسساته الاقتصادية والمدنية، والاعتصامات المتواصلة، وإظهار جرائمه أمام العالم، والعصيان المدني. أما الجمع بين القتال والعمل في مؤسسات الدولة المعتدية، هو نفاق وخداع ودجل. إن الشجاعة ليست في حمل البنادق، بل في الثبات على الرأي أمام العدو مهما كلّف ذلك من سجن وتعذيب وقهر. إن البندقية تمنح صاحبها ثقة في نفسه تزيل الخوف عنه، لكن مواجهة المعتدين بصدر عارٍ هي الأصعب، وهي التي تجبر هؤلاء المعتدين على التفكير مرارا في موقف هؤلاء المواجِهين من غير حول ولا قوة، وبصمود وثبات وتضحية. أما القتال غير الأخلاقي فإنه يوحّد صفوف العدو، ويعطيهم مبررا لاستمرار جرائمهم. لقد رحل الإنجليز عن الهند من دون قتال، بل بالنضال السلمي الذي أعقبه وحدة وطنية وحياة ديمقراطية رغم تعدد الأديان والملل والأعراق، بينما رحل الفرنسيون عن الجزائر التي لم تستطع أن تبقى من غير قتال داخلي أسوأ من جرائم المستعمِر. وهل المهمُ أن نقدّم مليون شهيد أم المهم أن نتحرر؟ ألم يكن من الأفضل لو ناضل الجزائريون سلميًّا؟ ثم ألا يجدر بنا نحن الفلسطينيين أن نعيد النظر في نضالنا كله؟ ألا يجدر بنا أن نحسب ما حققناه وما خسرناه من هذا القتال العسكري غير المنتهي؟
النضال السلمي يتضمن مقاطعة المستوطنات، والتجهم في وجوه الجنود، والعودة إلى الأرض وتشجيرها، ومحاولة الاكتفاء الذاتي، وغير ذلك كثير. ولا بأس خلال ذلك بإعلان طليعة من الناس التمرد العسكري ضد المحتلين، وعليهم أن يسكنوا الجبال والكهوف، وأن يتصدّوا للعسكريين والمستوطنين خلال ذلك كله. لكن الجو العام هو نضال سلمي، هو رفض للعدو. لكن، أن يقوم شخص بإطلاق النار على المستوطنين، ثم يذهب للعمل في المستوطنة، فهذا غدر. أو أن يقوم عامل بطعن صاحب العمل، فهذا غدر مركّب. إن التزام الأخلاق في المعركة مقدّم على التزامها في الأحوال العاديّة.
لمزيد من المعلومات والاستفسار ابعثوا ميل الى:[email protected]