أخلاقنا ومواثيقنا بين حالتي الضعف والقوة

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • ala-najami
    عضو
    • Apr 2004
    • 39

    #1

    أخلاقنا ومواثيقنا بين حالتي الضعف والقوة

    أخلاقنا ومواثيقنا بين حالتي الضعف والقوة

    كلما انتقدنا سلوكا نضاليا باعتباره يتنافى مع الأخلاق، انبرى لنا كثير من الناس رافضين هذا النقد، ومبررين ذلك بحالة الضعف التي يحيوْنها. ولسان حالهم يقول: التزام الأخلاق مقصور على القويّ الذي يملك الأسلحة الفتاكة! أما الضعيف فهو متحرر من هذه القيود! ولا يعييهم الردّ السريع المشتت الذي يتلقف الأحداث التاريخية غير المتفقة مع ما يريدون.

    وقبل مناقشة استدلالاتهم المتناثرة يجدر التأكيد أن التزام الأخلاق في الحرب أمرٌ واجبٌ كل الوجوب، بل هو أولى من التزامها حالةَ السلم. ولا فرق في ذلك بين حالة القوة وحالة الضعف. فالمسلم لا يغدر ولا يخون ولا يكذب، سواء أكان قويا أم ضعيفا، وسواء أكان في حالة حرب أم في حالة سلم. وسواء أكان يتعامل مع عدو أم مع صديق.

    والمسلم حين يعقد معاهدة أو اتفاقا أو هدنة أو صلحا لا يقبل أن تتضمن المعاهدة حكما يخالف الشريعة الإسلامية. كما أنه سيظل ملتزما بنودَها مهما تغيرت موازين القوى. والمعنى: أننا إذا عقدنا مع العدو صلحا على أنه له أرضا معينة، وكنا ضعفاء عند موافقتنا على هذا الصلح، فلا يجوز لنا نقض هذه المعاهدة إذا صرنا أقوى من عدونا. لكن، إذا نقض العدو جزءا من هذه الاتفاقية، فإننا نعلن له إنهاءها كلها، ثم نعمل على شطبها في الواقع.. أما إذا ظلّ العدو ملتزما ببنودها، فليس لنا إلا التقيّد التامّ.

    ولطالما سمعت عامة الناس يستدلون بصلح الحديبية عندما نتحدث عن وجوب الوفاء بالعهود، وحرمة الغدر. وكأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد غدر بمشركي مكة! وكأنه قد ألغى المعاهدة عندما قوي ساعده! أو كأنه وافق في الصلح على بنود تخالف الشريعة الإسلامية!!

    إن هذه التصورات محض أوهام سببها البلبلة الفكرية التي يحياها الناس في مجتمعاتنا، بحيث أضحوْا يناقشون في حكم الغدر!! مع أن عدد الآيات القرآنية التي أمرت بالوفاء بالعقود والعهود لا يسهل حصرها.

    إن بنود صلح الحديبية لا حرمة فيها؛ ذلك أن أي اتفاق بين عدوّيْن لا بدّ أن يتضمن تنازلا من كل فريق عن بعض مطالبه، ولو أصرّ فريقٌ على كل مطالبه، وتنازل الفريق الآخر، لكان هذا استسلاما لا صلحا. لقد أراد المسلمون أن يعتمروا هذا العام، فاضطروا لتأجيله عاما آخر، فما الحرمة في ذلك؟ وما المشكلة في التأجيل حقْنًا للدماء؟ أليست دماء المسلمين أولى من عمرتهم؟ ثم أراد المشركون من المسلمين أن يُعيدوا أي مواطن مكيّ إلى مكة إن انحاز إلى المدينة بسبب إسلامه أو غير ذلك. فما المانع من تلبية رغبتهم هذه؟ نعم، من المؤلم بالنسبة إلى مسلم مضطهد في مكة يحاول الهجرة فرارا بدينه أن يمتنع المسلمون عن استقباله. لكن، يمكنه أن يهاجر إلى بلد آخر، وما أكثر القبائل! ويمكنه أن يقاتل هذا المجتمع الذي يضطهده ويمنعه من الهجرة، ويمكنه أن يصبر ويحتسب أجره عند الله تعالى. ثم إن تضحيته تزيد إيمانه، وهي أولى من إراقة الدماء. قد يقول البعض: إن هذا البند يتضمن تخليًا عن المسلمين المكيين. وما كان ينبغي أن يتخلى مسلمو المدينة عن مسلمي مكة. نقول: هكذا هي الاتفاقيات، إنها تعتمد على المستوى العسكري لأي فريق، ولا بدّ فيها من التنازل من كل طرف بشكل يتناسب مع قوته العسكرية وقواه التفاوضية. المهم أن هذا التنازل ليس محرما بحدّ ذاته.

    أما ما يهمنا في هذا الموضوع فهو أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يغدر باتفاقية الحديبية، ولم يفكر في الغدر، ولم يلمح إلى أنه سيُنهي الاتفاقية إذا اشتدّ ساعده وضعفت قوات مكة. فليس يصح لأحد الاحتجاج بصلح الحديبية على الغدر. ولا على أن التزام القيم مقصور على حالة القوة.

    إن الميثاق الواجب التزامه ليس مقصورا على ذلك الموقَّع عليه بين الدول، بل يتعدى ذلك إلى أي ميثاق بين الأفراد، وبين الفرد والدولة. فالجندي قد تعهّد بطاعة النظام الحاكم، فعليه أن يلتزم ذلك مهما تغير الحال، وإذا قرر أن يُنهي هذا الميثاق لسبب وجيه مقنع، فعليه أن يعلن إنهاءه، ثم يمارس ما يتنافى مع هذا الميثاق. وأقصد بالسبب الوجيه: أي سلوك قامت به الدولة ورآه هذا الجندي نقضا للميثاق بينها وبينه، كأن يُصبح الحاكم خائنا مثلا؛ فالجندي قد تعهد بحماية النظام الوطني لا الخائن. وهنا: يجب عليه إعلان إنهاء الميثاق قبل نقضه عمليا. أما من تغيّر فكره خلال خدمته في الجيش، كأن أصبح تكفيريا أو تحريريا أو ماركسيا ثوريا، وأصبح يرى في النظام الحاكم نفسِه نظاما كافرا خائنا، فعليْه أن يستقيل من الجيش، وبهذه الطريقة يُنهي الميثاق بطريقة لا غدر فيها. ذلك أن اعتناق الإسلام لا يبيح لصاحبه أن يُنهي العهود والمواثيق القديمة التي عقدها قبل إسلامه. فالإسلام لا يجُبُّ المواثيق. من هنا فإن المحاولات الانقلابية التي تقوم بها عدد من الجماعات الإسلامية وغير الإسلامية ضد الأنظمة الحاكمة من خلال الجيوش إنما هي دعوة إلى الخيانة والغدر، بل هي تأصيل دينيّ لذلك. ومن هنا يمكن لنا أن نفسر سبب فشلهم وهزيمتهم؛ إن الله لا يقبل أن يخون الناسُ ويغدرون باسمه تعالى. وحين تقمع الأنظمة الحاكمة هذه الجماعات الانقلابية، فلا يصحّ القول إنها تحارب الإسلام، بل هي تحارب من ينافسها على كرسي الحكم. وقولنا هذا لا يتضمن أيّ حبٍّ للأنظمة الحاكمة، فمسئوليتها عن كثرة الجماعات الانقلابية كبيرة.

    من هنا فإن الدفاع عن الدقامسة باعتباره قد آمن فجأة بكفر النظام الأردني وخيانته، فقرر فجأة قتل فتيات يهوديات جئن سائحات، دفاع باطل. كان عليه أن ينبذ هذا الميثاق إن اكتشف هذا الأمر.

    وأما القول "إن الأنظمة الحاكمة قد جاءت بطريقة انقلابية تضمنت خيانة للنظام السابق لها"، فرغم صحته-غالبا- لكنه لا يعني صحّة غدرنا وخيانتنا. فخيانة الآخرين لا تبيح لنا الخيانة.

    وأما القول "إن الأنظمة الحاكمة ليست شرعية ولم ينتخبها أحد، ولا يريدها أحد، بل هي متسلطة مغتصبة تجب محاربتها"، فَقَوْلٌ يمكن أن يكون صحيحا، لكنه لا يبيح الغدر بها البتة. فأيّما شخص عاهد نظامًا مغتصبًا كافرًا وحشيًّا على طاعته، فعليه أن يلتزم بهذا التعهد. وإن أراد التخلي فعليه أن يُعلم الطرف الآخر قبل أن يمارس ما يتناقض مع هذا الميثاق. قال الله تعالى (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء).

    وأما التذرع بحالة الضعف التي يحياها المسلمون على إباحة الغدر والخيانة، والادعاء بأنه لا يمكن النصر إلا من خلال مثل هذه الأعمال، فهو مرفوض وفوق ذلك فإنه يدل على جُبن وتخاذل. إن من اقتنع بفكرة فعليه أن يكون جريئا لإعلانها والعمل الدءوب لتحقيقها. والله يتكفل بنصره إن كان على الحقّ. قال الله تعالى (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد). فابحثوا في إيمانكم بدل تأصيل الغدر والخيانة والكذب والنفاق.
    لمزيد من المعلومات والاستفسار ابعثوا ميل الى:[email protected]
    آخر تعديل بواسطة ala-najami; 08-02-2005, 09:39 AM.

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...