علمتني الحياةُ أن الصهيونيةَ لا تعيش إلا على الدماء والأشلاء
لقد وعد الله تعالى اليهود بالأرض المقدسة، فقال تعالى على لسان موسى (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم. ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين).
وهذا الوعد كان قد قطعه الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام، فهو بالتالي دعوة لبني إسرائيل وبني إسماعيل أن يسكنوا هذه الأرض، وهي بشارة مشروطة لهم؛ أنهم سيأمنون فيها ويملكونها إن أخلصوا لله تعالى. هذه البشارة ليست خاصة ببني إسرائيل، بل هي عامة في كل من آمن وعمل صالحًا، قال تعالى (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون). فالمسألة بشارة وليست أمرًا، أي أن الله تعالى لم يأمرهم بالقتال للسيطرة عليها، بل وعدهم أنهم إن آمنوا وعملوا الصالحات فستؤول إليهم ضمنيًا. وأما قول موسى لقومه: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة) فهي دعوة لهم لإعمار تلك المنطقة بعد أن اضطروا للفرار من مصر التي تستعبدهم وتقتل أبناءهم وتسحيي نساءهم، فمن حقّهم أن يسكنوا أي أرض، بشرط ألا يعتدوا على سكانها الأصليين. لكن، إن قاومهم السكان الأصليون ومنعوهم من إعمار الأراضي البور غير المسكونة فمن واجبهم قتالهم حينذاك. فنبي الله موسى عليه السلام يطلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، أي التي وعدهم بها على لسان إبراهيم، ولم يأمرهم بالقتال، لكن اليهود الجبناء ضعيفي الإيمان لم يصدقوا كلام الله ولا تفسير موسى، فارتعدوا خوفا، فقال لهم رجلان مؤمنان: ادخلوا الباب فقط، وعندها ستنتصرون على من يريد قتالكم، ذلك أن دخولكم هو طاعة لله ورسوله، وهو الشرط الوحيد لتحقيق وعد الله بدخول الأرض المقدسة.. لكنهم ظلوا في جبنهم يعمهون.. لأنهم ليسوا بمؤمنين.. وبالتالي قرر الله تعالى أن يحرمهم هذا الوعدَ أربعين سنة، حيث إنهم لم يفوا بشرطه.
إذن، وعْدُ الله لهم بهذه الأرض ليس أمرًا بقتال أهلها، ولا يعني أنه وعد أبديّ، بل هو بشارة تخبرهم بامتلاك الأرض إن آمنوا وعملوا الصالحات.. وهذا ليس خاصًّا بهم، بل هي مسألة عامة لأهل الأرض جميعًا.
ولو فهم أحدٌ منهم أن هذا الوعد خاص بهم، وأنه يجب عليهم أن يقاتلوا لتنفيذ وعد الله، فهذا الفهم ليس مخالفًا للوعد فحسب، بل إنه يتضمن إباحة الظلم والاغتصاب؛ ذلك أن قتال السكان الأصليين عدوان، كما أن السيطرة على أرضهم التي يزرعونها وبيوتهم التي يسكنونها اغتصاب لا يختلف دينان على تجريمه.. بل إن حرمته معلومة على البديهة.
من هنا فإن ما قام به الصهاينة من تخطيط لإقامة وطن على أرض فلسطين، بحيث يتضمن هذا الفعل طرد نسبة كبيرة من السكان، ويتضمن ظلم الناس واغتصاب أراضي كثير منهم، هو عمل عدواني. ولكنهم لو خططوا للسكن في هذه الأرض وأن يكونوا جزءا من الناس بحيث يشترون أرضًا ويبيعون، وبحيث يخضعون للقوانين التي تُسير شؤون المجتمع فيصبحون مواطنين عاديين فيه، فلا بأس بذلك حتى لو أصبحوا أغلبية بصورة طبيعية يومًا من الأيام.. وحيث إن هذا غير حاصل وغير مفكَّر فيه، فقد كان على العربِ سكانِ البلاد الأصليين أن لا يبيعوا أي شبر من هذه الأرض للصهاينة، ولا شك أن بيعهم كان مناصرة لعدوانهم، وبالتالي فقد يصل البائع إلى درجة الكفر إن علم نتيجة بيعه الوخيمة.
لقد استغل اليهود الصهاينة الحرب العالمية الأولى وما نتج عنها من انتصار الحلفاء على ألمانيا وتركيا للبدء في تقوية وجودهم في فلسطين عن طريق الهجرة، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية فاستغلوا ما أصابهم من مذابح في ألمانيا للتسريع في إقامة دولتهم العدوانية.
ولم يكن العرب في ذلك الوقت يملكون أي شيء يُذكر لمقاومة بريطانيا أو العصابات الصهيونية.. بل كانت غالبية الدول العربية غير مستقلة بعد، والمستقل منها كان مجبرًا على الخضوع لدولة *******ية بطريقة أو بأخرى، أي أنه لم يكن مستقلاً حقيقة. فهل يمكن لهؤلاء أن يقاتلوا الدولة العظمى، بل ليس بإمكانهم أن يقاتلوا الصهاينة وحدهم.
في ظل هذه الظروف أعلن مجلس الأمن تقسيم فلسطين، بحيث يبقى السكان في مناطقهم لا تسلب منهم ممتلكاتهم. هذا التقسيم يجعل للصهاينة 55% من فلسطين، ونصف هذه النسبة واقعة في صحراء النقب، أي أنها تكاد تكون غير مستغلة فلسطينيًّا..
قد يقول بعض الناس في هذا العالم: لا بدّ من التعاطف مع اليهود الذين ذُبحوا شر ذِبحة في ألمانيا، ولا بدّ من إسكانهم في أرض يعتقدون بقدسيتها من غير الاضرار بالسكان الأصليين.. وهذا أهون الشرور.
ولكنا نقول: هذا الأمر لم يكن ليكون من دون الاضرار بالسكان الأصليين.. ولا يمكن عقلاً أن تأتي بأقوام غرباء لتضعهم في بحر أناس ذوي جنس واحد ليقيموا دولة خاصَّة بهم من دون بحر من الدماء.. ولا يراودني شك في أن الإتيان باليهود كان مكيدة أوروبية للإبقاء على سيطرتهم على المنطقة العربية، مهما ادّعوا من مبررات إنسانية.
على كل حال، نحن لا نناقش هنا الموقف الأوروبي أو الأمريكي الذي أيّد قيام إسرائيل، إنما نناقش الموقف العربي الساذج الذي كان لجهله الدور الأبرز في قوة إسرائيل وديمومتها.
ولنعد إلى قرار التقسيم عام 1947، الذي يعطي اليهود أرضًا نصفها صحراء.. هذا القرار رفضه العرب فورًا، وعملوا على إفشال تنفيذه بالقوة المسلحة وهم لا يملكونها.. أرادوا أن يواجهوا هذه الدولة التي وافق العالم على وجودها، وبالتالي فهو ملزم بالدفاع عنها إن تعرضت لمخاطر حقيقية.. ولم يكن العالم الغربي ملزمًا بالدفاع عن إسرائيل فحسب، بل إن الدول العربية المستقلة الأعضاءَ في مجلس الأمن الدولي ملزمة كذلك بموجب التزامها بأحكام هذا المجلس، ومن ضمن هذه الأحكام الدفاع عن أي عضو معتدى عليه. لذا فقد دخلت الجيوش العربي لتعمل على عدم توسع إسرائيل عمليا، وادَّعت على أعين الناس أنها دخلت لطرد اليهود.. لذا فقد خدع الزعماءُ شعوبَهم، وقد يكون هذا الخداعُ هو الأول في القضية وتليه خداعات أخرى قام بها الحكام وبعضُ الأحزاب، معتبرة الشعوب لم تصل إلى مرحلة النضج السياسي، فهي بالتالي لا تستطيع أن تفهم المعادلة الدولية المعقدة، وأنه تجب معاملتها على قدر عقلها!
إذن، رفض العرب قرار التقسيم، فوجد الصهاينة الفرصة مواتية للتوسع قدر ما يمكن، فاستولوا على 78% من فلسطين بحلول عام 1949.. وحصلت الهدنة، وظل العرب خلال الهدنة يراوحون مكانهم، بينما تُعد إسرائيل العدّة.. وظل العرب يخططون لانقلابات عسكرية في مصر والعراق وسورية، بينما إسرائيل مستقرة سياسيًا إلى حد كبير.. وظل العرب يَكْفرون بالديمقراطية ويعتبرونها بضاعة غربية غريبة، بينما إسرائيل تعيشها بحذافيرها.. وظل العرب يهددون ويتوعدون بقذف اليهود في البحر، بينما ظلت إسرائيل تتمسكن وتمثل دور الضحية المغلوب على أمرها وسط بحر من الوحوش الضارية.. وظل العرب يصيحون ولا يعملون وإسرائيل ساكتة وتعمل بهدوء..
هكذا ظل العرب بحكامهم وأحزابهم ومشايخهم.. لقد كذبوا علينا، لقد خدعونا. لم يقل أحد منهم إن أمريكا ملزمة بالدفاع عن إسرائيل، ولن تسمح بإزالتها.. لم يقولوا: إنهم لا يستطيعون صناعة إبرة. لم يقولوا إن دخلهم القومي لا يعادل دخل ولاية أمريكية..
شعار "الإسلام هو الحل":
لذا لجئوا إلى الله يطلبون منه حلّ مشكلتهم وهم نيام، مع أن عليهم هم أن يقوموا بحلها متوكلين على الله.. فقال المشايخ: سبب هزيمة سنة 67 هو غناء أم كلثوم وعبد الحليم، وحين نعود إلى الله فسيُهزم اليهود. مع أنهم لم يعودوا إلى الله ولا يعرفون كيف تكون العودة.
وحين عجزت الأنظمة التقليدية ومعها الأنظمة القومية الثورية عن حل القضية، وطال الاحتلال من غير أي ضوء في النفق، طلع فريق يقول: الإسلام هو الحل. ومعنى هذا الشعار حسب السياق الذي يوردونه فيه: أن الإسلام يخلصنا من الاحتلال، فعلينا أن نتمسك به من أجل الخلاص من هذا الاحتلال الجاثم فوق صدورنا. مع أن العبارة يمكن فهمها بطرق مختلفة، أحدها لا بأس به، وهو: أنه لمن خاف مقام ربه جنتان؛ جنة في الدنيا، حيث السعادة الحقيقية والأمن والرخاء، لأن أهل القرى لو آمنوا وعملوا الصالحات لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، وجنة الآخرة المعروفة. فالإيمان يؤدي إلى تحقيق النصر والإيجابية في الحياة الدنيا؛ لكن مُطْلقيها لا يقصدون بها هذا مباشرة، بل يعملونها ورقة انتخابية يستغلونها لجعل الأكثرية تنتخبهم، كما أن إطلاقها حسب السياق الذي يوردونها فيه لا يصح؛ فلسان حالهم يقول: لقد جربتم -أيها الناس- الأنظمة القومية والوطنية والعلمانية فلم تنفعكم، فلماذا لا تجربون الإسلام فلعله يحرر لكم أرضكم! هذا المنطق يريد أصحابه أن يتخذوا من الدين مطية، بينما يجب على المسلم أن يتمسك بالدين لأنه الحق من عند الله وكفى، وحينها ينصره الله ويحقق آمانيه في الدنيا إن كان إيمانه خالصًا لوجهه الكريم.. أما منطقهم فيبين أن إيمانهم ليس خالصًا لله تعالى.. لذا لا ينصرهم الله ولا يحقق أمانيهم رغم أنهم أكثرية مطلقة في العالم العربي. ثم إن الإسلام لم يأتِ لحلّ مشكلةِ قومية من القوميات، بل هو دين يشمل عقيدة ومنهاج حياة؛ من التزمه وفقه الله تعالى، بشرط أن يكون التزامه مجردًا وخالصًا لوجهه تعالى، وليس بنية التحرر القومي. إن تحويل الدين إلى قوميةٍ كفرٌ بجوهر الدين، وهذا ما حصل مع اليهود.
يمكن للمرء أن يقول: إن سبب الهزائم المتتالية هو البعد عن الإسلام.. هذه عبارة صحيحة. لكن، أليست الجماعات الإسلامية هي الأكثر عددٍا، وهي التي تفوز في انتخابات المجالس البلدية والنقابية والطلابية والعمالية؟! فهذا يدل على أنهم يمثلون الغالبية، أي أنهم ليسوا ببعيدين عن الدين حسب فهمهم إياه. إذن، المشكلة في فهمهم هذا للدين، إنهم لا يعرفونه حقيقة، بل يعتقدون أفكارًا عنصرية كارهة ناتجة عن ردة فعل على الهزائم والنكسات والفقر وكراهية العالم.. فالقول إن سبب الهزيمة هو البعد عن الإسلام قول صحيح، لأنه يتضمن بعد هذه الجماعات عن الإسلام.
إن ما يسمى بالصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي –في غالبه-صحوة قومية جاءت ردّة فعل على هزائم المشروع القومي العربي المتكررة، فكانت العودة إلى الدين لتحقيق هدف دنيوي؛ هو الانتصار على إسرائيل المعتدية، وتحقيق الرفاه الاقتصادي.. ولم يكن حبًّا في الدين ذاته، أو في سبيل الله خاصّة..
لذا فإن من أهم عوامل غلبة هذا التيار الإسلامي السياسي هو عدوانية أمريكا والغرب وعنجهية إسرائيل ولؤمها وحقدها.. فهذا كله يزيد من حدّة ردّة الفعل القومي العربي الذي لم يبق أمامه سوى ورقة الدين ليلوذ به ويحقق من خلاله أمانيه السياسية والاقتصادية المقهورة.
كيف نواجه الصهيونية الآن؟
هناك طريقان لإرجاع أي حق مغتصب، الطريقة العسكرية، أي بالقوة، والطريقة السلمية، أي بالتفاوض أو الاعتصامات أو الشكوى إلى مجلس الأمن الدولي وما شابه ذلك. والعاقل يختار الطريق الذي يحقق هدفه بأقصى سرعة، أما الطريق الذي يزيد وعورة الطريق فلا يجدر أن يَلِجَه.
من هنا فإن القتال ليس غاية، بل هو وسيلة لإعادة الحق لأصحابه؛ فإن وُجدت وسيلة أفضل منه فالعاقل يختارها.. وقد يكون القتال وسيلة فعالة في ظرف معيّن، ثم يصبح وسيلة غير فعالة في ظرف آخر..
كما يجب الالتزام بالقيم الإسلامية خلال القتال كله، فلا يجوز قتل المدنيين والأطفال مثلا، ولا يجوز الغدر.
كما أن دخول معركة من غير إعدادٍ عملٌ مخالف لشرع الله الذي أوجب علينا أن نُعِدَّ ما استطعنا من قوة لنرهب عدو الله، ولا شكّ أن الوحدة الداخلية والتكافل الاجتماعي والاستقرار السياسي من أهم مقومات القوة. فإعلان الحرب من غير إعداد هو انتحار سياسي وعسكري ومخالفة لما أراد الله..
ولا شكّ أن قوة العدو أضعاف قوتنا من جميع النواحي.. فقتاله في هذا الحال ليس من الحكمة.. ومن باب ثانٍ فعلى الحكام أن يكونوا صرحاء مع شعوبهم، فيخبروهم أن إسرائيل قد أُعلنت دولة مستقلة من قبل مجلس الأمن الدولي الذي أصبح العرب أعضاء فيه وملزمين بأحكامه والتي من ضمنها عدم جواز الاعتداء على دولة أخرى، ووجوب الدفاع عن الدولة المعتدى عليها.. فهذا البند يوجب على الدول العربية المحافظة على إسرائيل من خطر الاستئصال، فكيف الحال بالدول الغربية التي أوجدت إسرائيل؟! وهل من العقل مواجهة هؤلاء جميعًا بشعب مفكك حزبيًّا وقبليًّا وبعيد عن روح الدين وجوهره.
فتح الحدود:
هناك دعوة لفتح الحدود أمام المتطوعين ليقاتلوا إسرائيل ويبيدوها من الوجود، ويقول هؤلاء الدعاة: إن الدول العربية حارسة لأمن إسرائيل، وهي بالتالي عميلة، ويوجب بعضهم قتال الأنظمة والانقلاب عليها.
لا شك أن هؤلاء يهذون، ذلك أنه إذا أعلنت دولة أن حدودها مفتوحة لمن أراد أن يقاتل جارتها فهذا إعلان حرب من هذه الدولة.. ولا خلاف في أن الأردن مثلا لا يقدر على مواجهة إسرائيل.. ولا سورية ولا مصر ولا الدول العربية مجتمعة، وهي لا تستطيع أن تجتمع أصلا، كما لا تستطيع ذلك الأحزاب القومية ولا الأحزاب الإسلامية، ولا يستطيع ذلك أهل قرية ولا أهل مدينة.
وأما الدعوة إلى التغاضي عن المقاتلين الذاهبين عبر الحدود، والسماح لهم مع الإعلان أمام العالم أن الحدود مغلقة، فهذا دجل وتضليل وكذب، فهو محرم.. ولا يجوز لدولة أن تمارس هذا السلوك المشين المخالف للإسلام العظيم.
إذن، لا بدّ من إغلاق الحدود أمام المتطوعين الذين لا يذهبون إلا ليُقتلوا.. ولا خطر على إسرائيل من قِبَلِهِم أصلاً.. فالحدود إما أن تُفتح أمام الجيش بشكل علني بعد إعلان الحرب، أو أن تغلق، وليس هناك (نصف فتحة) للحدود بحيث يدخل المتطوعون خِلسة.
ولا يصحّ اتخاذ بعض الأمثلة دليلا على تفنيد قولي هذا، مع أن الأمثلة الواقعية تصح حجة لصالح قولي، لكني لن أستغلها لدعم موقفي، بل لا بدّ أن يكون الموقف صحيحا بغض النظر عن إثبات التاريخ لصحته، وبخاصة أن هناك جدلا كبيرا في صحة ما تم من ممارسات قتالية عبر العقود الماضية. ثم إن الصحة، عندي، ليست هي تحقيق مكاسب على الأرض، بل هي التزام الحق.
كيف نواجه إسرائيل التي تغتصب كل يوم أرضا وتصادر أخرى تحت شتى الذرائع؟
لنعلم أن العالم يُدار من أناس دجالين، لكنهم يغلفون دجلهم بغلاف من العدالة والحق والحرية والمساواة.. أي أنهم لا يمارسون الظلم إلا بعد أن يحفظوا لأنفسهم خطّ الرجعة.. والمعنى: أنهم يُظهرون للعالم شيئًا ويمارسون شيئًا آخر غالبًا.. وهذا الأمر ليس سهلاً دائمًا عليهم، لذا فإنهم حين يخططون لعمل إجرامي فإنهم يبحثون عن مبررات تقنع العالم بجرائمهم، بحيث يرى كثير من الناس العملَ الإجراميَّ دفاعًا عن الخير والحق والعدالة. ولنضرب بعض الأمثلة:
-قدوم أمريكا إلى الخليج كان تحت مبرر الحرب العراقية الإيرانية ولحماية المصالح المختلفة هناك. وحربها للعراق سنة 90-91 كان تحت شعار تحرير الكويت وشعبها من طغيان صدّام.
-احتلال أفغانستان سنة 2001-2002 كان تحت مبرر اعتقال أعضاء القاعدة بعد ضرب برجي نيويورك، مع أن أعضاء القاعدة قد تلقوا دعما كبيرا من أمريكا والسعودية قبل ذلك بسنوات عندما استُخدموا أداة لضرب الاتحاد السوفييتي في أفغانستان.
-احتلال العراق سنة 2003 كان تحت مبررات عديدة، من ضمنها القضاء على الدكتاتورية الجاثمة فوق صدور العراقيين. ولما كانت هذه المبررات ضعيفة، فلم يقتنع كثير من العالم بها، وكادت تقوض التحالف الغربي لو أحبّ العراقيون قائدهم ودافعوا عن بلادهم شهرين اثنيْن، لكن كرههم لصدام جعلهم يرحبون بأمريكا أمام الكاميرات.
-حتى طرد الفلسطينيين من قراهم سنة 48 كان يبرره اليهود بالضرورة العسكرية، أي أنهم اضطروا لطرد سكان بعض القرى والمدن لأن سبعة جيوش عربية كانت تقاتلهم، عدا عن السكان المحليين.. ويدّعون أن البقية خرجوا بمحض إرادتهم.. ولا أشك أن اليهود كذبة في ادعائهم.. لكن قدوم سبعة جيوش لا تملك شيئًا، وقيام بعض المتطوعين بالغارات على مستوطنات من دون أن يملكوا سلاحا حقيقيا كان مبررا كافيا لليهود ليقنعوا أنفسهم ثم العالم بضرورة القيام بجرائمهم.
-ثم جاءت حرب ال67 التي خسرنا فيها ما تبقى لنا من أرض.. فقد كان سببها عنجهية عبد الناصر الذي لم يكن ليستطيع الوقوف أمام الصهاينة حتى لو اتّحد معه العرب أجمعون.. وقد تبيّن ذلك سنة 73، حيث لم يحقق العرب شيئًا رغم أنهم باغتوا إسرائيل في حرب وهي تحتفل بعيد دينيّ.. وسرعان ما انقلبت الموازين في المعركة لصالح اليهود.
إذن، لا يقوم العالم اليوم بحرب من دون مبرر.. بل إن الأنظمة العربية لا تقوم باعتقال من دون مبرر، لكن هذه المبررات تكون واهية في كثير من الأحيان.. وإن أسوأ فكرة منتشرة بين الناس أن العالم سيهاجمهم ويحتل ديارهم ويقتلهم، سواء وجد مبررًا أم لم يجد. هذه الفكرة تدميرية إحباطية قنوطية.. فصاحبها محبط، يائس، مفعول به. إن الواجب علينا أن نفهم المعادلة الدولية.. أن نفهم الواقع السياسي، لنتحرك لنيل حقوقنا وكشف دجل أعدائنا من خلال المؤسسات الدولية والحقوقية والإنسانية المنتشرة في العالم كله.. إن الغرب ليس كله شرًّا.. لقد خرجت مسيرات تستنكر الحرب على العراق بالملايين في كثير من دول العالم الغربي.. ولقد خرجت مسيرات عند استشهاد محمد الدرة في أمريكا نفسها.. إن العالم ليس كتلة من الشر، بل فيهم الصالح والطالح، وفيهم الصادق والدجال.. وحتى الدجال فليس كتلة من الدجل، بل فيه جوانب مضيئة يمكن تقويتها.. إن علينا أن نُظهر عدالة قضيتنا أمام هؤلاء جميعًا.. ويجب أن نجعل ذلك على رأس أولويات نضالنا.. لا أن نجعل قتل أكبر عدد من اليهود هو العمل الأساس الأوّلي.. فالقتل ليس غاية ولا يجوز أن يكون كذلك في أي حال من الأحوال.
النضال السلمي:
لا أرفض النضال العسكري رفضا مبدئيا، لكني أرفض الكذب والغدر والخيانة والتضليل.. أما النضال العسكري الملتزم فهو مرحّب به بداية، لكنه ليس هو الحل دائما، بل قد يكون عقبةً أحيانًا، وقد يكون حلاًّ مثاليًّا، وقد نجتهد فنختلف في تطبيق ذلك على ظرف خاص. لكن ما يجب معرفته هو أن القتال الملتزم وسيلة وليس غاية.. وفي ظل ظروفنا الحالية[1][2] أرى أن النضال العسكري لا يفيد قضيتنا. لذا فإني أَعْجبُ للمناضلين الذين يقاتلون لتحقيق قرارات مجلس الأمن الدولي! أليس من واجب العالم أن يقوم بتطبيق هذه القرارات؟! أليس هذا واجب الأمم المتحدة ودول العالم قاطبة؟ إذن، واجبنا أن نناضل سلميًّا لإجبارهم على التسريع في تنفيذ ذلك.. أما من يسعى من خلال نضاله لطرد اليهود من فلسطين كلها ببندقية قلّما تصيب هدفها، فلا أظنه إلا عبثيًّا يعلم يقينًا أن عمله ليس أكثر من مادة للتنظير في الجلسات النقاشية الحادّة. إن من يريد أن يحرر فلسطين كلها عليه أن يعدّ العدّة لذلك.. وهذا لن يكون سهلاً في ظروفنا الحالية التي تشهد انهيارًا سياسيًّا واقتصاديًَّا في الدول الإسلامية كافة.. وتشهد صعودًا سياسيًّا واقتصاديًّا في دول الغرب كافة.
يجد بنا أن ننطلق من قرار التقسيم لعام 47 في تفاوضنا مع إسرائيل، وعلى العالم أن يساعدنا في ذلك.. وإن أصرّت إسرائيل على رفض قرار مجلس الأمن، فلتكن فلسطين كلها دولة ديمقراطية علمانية واحدة، حيث سنكون أغلبية بعد عقد من الزمان، وستنتهي الصهيوينة وستذوب من غير قتال.. لأن السلام يقضي على الأفكار العدوانية كلها، ذلك أنها لا تعيش إلا على الدماء والأشلاء. هذا هو التصور الذي علينا التمسك به للقضاء على الفكرة الصهيونية العدوانية.
يتبع
تعليق