نهاية رحلة البعث

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • عراقي ابدا
    عضو فعال
    • Apr 2005
    • 505

    #1

    نهاية رحلة البعث

    د. احمد بشارة ـ كاتب وأستاذ جامعي كويتيمن الصدف التاريخية الفريدة أن يتزامن الانسحاب السوري المذل من لبنان تحت وطأة الضغوط الدولية مع تشكيل أول حكومة عراقية منتخبة بإرادة ديمقراطية حرة بعد سقوط نظام البعث عبر بوابة التحالف الدولي . في الأول خلاص للبنانيين من تسلط البعث السوري ، وفي الثاني نهاية حقبة البعث العراقي الإجرامية . ويحمل الحدثان هزيمة قاضية للفكر العبثي الذي جاء به حزب البعث إلى المجتمعات العربية ومارسه لأكثر من نصف قرن ، بدد خلاله مقدرات كل من العراق وسوريا واختطف حلم أجيال متعاقبة من الشباب العربي في حياة كريمة . كما أضر بدول الجوار وشعوبها أيما إضرار . عندما عبر آخر جندي سوري الحدود اللبنانية السورية لم يجد أحداً من يودعه من اللبنانيين ، رغم نفوذه لقرابة ثلاثين عاماً . بل سارع اللبنانيون بإزالة جميع الأصنام التي شيدها السوريون في نواصي لبنان ، مثلما حطم العراقيون أيقونات صدام وحزبه في أول ساعة لهم من الحرية . ولولا حماية القوات الدولية لمزق العراقيون صدام وأزلامه .
    ولربما شيء كريه كان ينتظر السوريين لولا تدخل المجتمع الدولي عبر قرار 1559 الذي وفر الرحمة وحفظ "ماء الوجه" للانسحاب السوري .
    يمكن الاسترسال في المعاني الرمزية للحدثين بكل يسر . لكن العبرة في دلالاتهما التاريخية والسياسية لأنهما يشيران إلى نهاية هيمنة حزب البعث العربي الاشتراكي على الساحة الفكرية العربية ، واندحاره أمام مد التحولات العالمية في الانفتاح السياسي والاقتصادي وموجة الحريات والديمقراطية . ترى لماذا فشل حزب البعث ؟ وهل كان له مآل آخر ؟
    حزب البعث بدأ بفكرة قومية طوبائية بعد الحرب العالمية الثانية . وكان نموذجاً عربياً مشوهاً وسطحياً للفكر الأممي الذي جاءت به الشيوعية . وهنا تقف المقارنة . فالشيوعية قامت على قاعدة واسعة وعميقة من الفكر السياسي والفلسفي في قلب أوروبا الزاخر ، والذي أسهمت فيها عقول جبارة وكتابات مؤثرة لألمع المفكرين . في المقابل جاء فكر البعث قومياً عربياً خالصاً ، معادياً للقوميات الأخرى ، ومنغلقاً على الذات ومتوجساً من الغير وغير قادر على تحديد موقعه من الحركات العالمية السياسية . وتجاهل البعث الموقف من الدين في السياسة . وقاعدته الفكرية مفبركة ، وأساسها كتابات مؤسسه ميشيل عفلق وعدد محدود من رفاقه والتي ظلت تستهوي بعض المثقفين العرب فقط . وزخر فكر البعث بتعظيم شأن العرب حتى نسب إليهم "الرسالة الخالدة" التي ستسعد الإنسانية جمعاء ! وبحكم فشله في العمل السياسي الشعبي سعى حزب البعث إلى التحالف مع العسكر للاستيلاء على السلطة في كل عاصمة . فتحول من حزب سياسي إلى عصبة النخبة ومنها إلى عصابة مسلحة ترفع شعارات سياسية . هناك خمسة مواقف أساسية جامدة كسرت ظهر حزب البعث في الأخير ، وطاردت فلوله في بغداد ومن ساحة الشهداء في بيروت . أولها موقفه الشعوبي الكريه من القوميات غير العربية وتعصبه ضدهم ، سواء من الفرس أو الأكراد أو الأتراك . وأسس في هذا الصدد لثقافة شعوبية مدمرة عند العرب ستحتاج لعهد طويل لإعادة جسور الثقة والاحترام للغير . وثانيها قفزه المتهور على المسألة الوطنية إلى شعارات القومية الفارغة من أي مضمون . فتجاهل الحقائق على الأرض في كل بلد وخصوصيات كل مجتمع ، وسعى دون بوصلة واقعية خلف سحابة أوهام الوحدة العربية .وفقد مصداقيته بالتمام في هذا الموضوع عندما فشل مشروع الوحدة بين بغداد ودمشق رغم حكمهما من قبل الحزب . وثالث هذه المواقف يتمثل في وقوعه في مستنقع القضية الفلسطينية والعداء غير العقلاني للدول الغربية . فدخل في هزائم عسكرية وصراعات سياسية قاضية في هذا الموضوع . ورابع المواقف ازدراؤه لجميع مفاهيم الحرية والمشاركة السياسية وحقوق الإنسان . بل تسيدت الحزب العقلية المتسلطة والمتعالية التي آثرت التحالف مع الجناح العسكري المتخلف أصلاً على العمل الشعبي . وآمن الحزب بالقوة كسبيل سهل وسريع للوصول إلى السلطة . وخامسها أن حزب البعث لم يعر المسألة الاقتصادية أي اهتمام على الإطلاق بل ظل رافعاً للشعارات الاشتراكية رغم أنه لم يفها حقها هي الأخرى . فدمر مناخاً اقتصادياً واعداً في سوريا وقضى على مقدرات العراق الهائلة وفوت نفوذه الطويل في لبنان فرص التنمية والاستثمار التي اقتنصتها دبي . وكشفت ممارسات الحزب في العراق وسوريا ولبنان كيف أفسدت الثروة والنفوذ المُثل التي يدعيها ، فانشغلت قياداته في النهب والتهريب وتداول الذمم . ظل حزب البعث حبيس هذه المواقف حتى وهو يلتقط أنفاسه الأخيرة ، سواء في بغداد أو بيروت أو دمشق الآن . وعندما عبر آخر جندي سوري الحدود الدولية مع لبنان منذ يومين دبك اللبنانيون فرحاً بينما كان السفير السوري يركض إلى مجلس الأمن طالباً شهادة براءة الذمة . فيا لها من مفارقة مؤلمة ونهاية موجعة لرحلة طويلة في العبث .
    لو خيرت بين ان اكون ماضيا بلا حاضر او حاضرا بلا ماضي
    لما ترددت ان اكون الثاني

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...