من سرق القمر؟ ... بقلم: عبد السلام هيكل

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • ورق الألوان
    عضو متألق
    • Aug 2004
    • 2997

    #1

    من سرق القمر؟ ... بقلم: عبد السلام هيكل

    يسألني بعض الأصدقاء: لماذا أنت متفائل؟ وينظر إلي آخرون بنظرة تشكيك بمقدرتي العقلية أو شفقة على سذاجتي أمام أمر يبدو لهم من المسلمات. بل وقد يصل البعض للتشكيك بإيماني على مبدأ أنه لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين، وقد لدغنا مرات ومرات عديدة بالشعارات الرنانة والوعود البراقة.

    ويؤكدون لي بثقة العارف "الملدوع" أنها ليلة ظلماء كالحة سُرق من سمائها القمر ومازالت تُسرق منها النجوم نجمة بعد نجمة. ويحذرونني من "التورط" في مزيد من المشاريع الأهلية والريادية وتلك المساندة لعملية الاصلاح، ومن الظنّ أنه علينا أن نصنع المبادرة لا أن ننتظرها. ويسوقون لي أمثلة صارخة عن أشخاص وقعوا في فخ خدمة الوطن ومصيدة أن الرأي الصادق مطلوب. ويشيرون إلى منظومة "متعوب عليها" خربت وما زالت تخرب، وكبلت ومازالت تكبل، فلم تبقي ولن تذر لا حجراً ولا بشراً ولا أملاً حتى في نفس طفل بريء. وأنا أجيب بالصمت البليغ ومعه ابتسامة قلقة تقع بين المطرقة والسندان: شعوري بصحة كلامهم مئة في المئة، وتشبثي العنيد بأمل يدفعني ويدفع ربما العديد من حولي بالرغم من واقع لا يبشر بخير. فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

    **

    أجلس الآن في جناح الجمعية السورية لرواد الأعمال الشباب في معرض سوق العمل والتوظيف الأول. كل شيء هنا مختلف. المارد السوري متجلي بوضوح ملهم في جوّ مفعم بالإيجابية. الجميع هنا يسير في عجقة محببة وفي هدى الضياء الذي يبثه قمر النجاح ونجوم الأمل. الحدث من تنظيم مؤسسة أهلية اقتصادية حديثة تضم الرواد المتطوعين الراغبين في مشاركة الوطن بخبراتهم وقدراتهم. قررت جمعية الرواد أن تستغل مدينة المعارض التي تنتظر أن يتم تسويقها بشكل احترافي فتنشغل بمعارض دولية حقا معيدة سورية، حاضنة طريق الحرير التاريخي، إلى مركز عالمي للتبادل التجاري. وبجمالية تترافق مع نافورات المياه الملونة في أرض المعرض تتراقص على أنغام موسيقا سريعة مرحة، اغتص المعرض بشابات وشبان تبدو على وجوههم الحماسة والطموح والاقبال على الحياة. كلهم رياديون إما بأعمالهم الخاصة وإما بوظائفهم في شركات ريادية. "الموظف الريادي" هو المبدأ الذي ترغب جمعية الرواد الشباب بنشره. وهذا الموظف لا يمكن أن يكون نتاج علم ومعرفة فقط، بل تدريب وتأهيل عمليين في المبادرة والريادة. ويجب أن يُحتضن في شركة تؤدي واجبها تجاهه ليس بالمادة فحسب، بل وتسمح له بالنمو المهني والشخصي وتعينه على ذلك. وهو موظف آمن، إنسانيته محققة وجهده مقدر وحقوقه محفوظة طالما قام بوظيفته وبواجباته، وبما يمليه عليه ضمير صاح همه الانجاز لا تسجيل ساعات دوام.

    وتلك الشركات الحاضنة هي شركات القطاع الخاص، التي تسعى جاهدة لاجتذاب هؤلاء الموظفين الرياديين الذين يدعمون نموها وازدهارها ويستفيدون من خبرة انطلاقتها الريادية ربما لدعم هؤلاء الشباب لتأسيس أعمال خاصة بهم في المستقبل القريب. كتاكيت على سبيل المثال هي قصة نجاح ملهمة لشباب رياديين أصبحوا من كبار الصناعيين على مستوى المنطقة. الشركة المتميزة انتاجاً وتسويقاً وإدارةً شعارها اليوم هو "جودة من أجل الحياة"، معتبرة ذلك جزءاً من مسؤوليتها تجاه الوطن وأبنائه الذين صنعوا نجاحها. عضو جمعية الرواد أيمن برنجكجي يفخر بعدد الأيدي العاملة المتزايد في مؤسسته التي كانت بدايتها شديدة التواضع، وهو يطمح إلى توسيع شبكة مطاعم تشيك إن Chick Inn لوجبات الدجاج السريعة التي تضاهي جودتها ما تقدمة المطاعم المشابهة في أوروبا بالرغم من كل الصعوبات البيروقراطية التي تواجهه والتي لا تزيده إلا تصميماً. أما نستله فهي مثال عن الاستثمار الأجنبي الناجح في سورية، بعد غياب طويل للمعايير الدولية عن السوق المحلي، وهي توظف عدداً كبيراً من الموظفين الرياديين الموهوبين وتشكل حافزا لكافة الشركات وللموظفين على حد سواء.

    هذه الإيجابيات التي تبرز اليوم تزيد من حسرة أهل القطاع الخاص على الفرصة الضائعة، ولهم حق في ذلك. فسورية كانت قد حققت بين فجر الاستقلال وحتى سنة الوحدة مع مصر، نمواً اقتصادياً ضخماً عماده صناعة وطنية استراتيجية وشركات مساهمة تجارية وخدمية وقطاع مصرفي فاعل. وقد نمت في السنوات التي تلت ذلك مع بدء التحويل الاشتراكي ثقافة عامة لا تنظر للقطاع الخاص بعين الرضا. وأصبح للنجاح مقاييس جديدة لا تتعلق بالكفاءة ولا بالقدرة على المنافسة. وبدل أن يكون الموظف منتجا أصبح عالة على الشركات والمؤسسات العامة والخاصة التي لم تأبه لا للتدريب والتطوير والتأهيل بسبب استشراء قوانين المنع والحصر والاحتكار وغياب عوامل السوق فنشأت فجوة راحت تتسع حتى تعذر سدّها.

    وبين طموحات الشباب وحسرات القطاع الخاص، يتعظم التفاؤل من زيارة مفاجئة لرمز كبير. الرئيس بشار الأسد وعقيلته أسماء قررا إرسال إشارة إلى السوريين في مساء يوم جمعة من ربيع عاصمة المجد التليد. فحواها أن حافظوا على تفاؤلكم فنحن معكم. زارا الاجنحة، وتحدثا طويلا مع المشاركين ومع الزوّار ومع أعضاء الجمعية السورية لرواد الأعمال الشباب. رسالتهما هي للشباب الباحثين عن فرص كانت أن ثابروا واصمدوا وتحدوا الصعوبات . رسالتهما للقطاع الخاص كانت أن جهدكم مقدّر ورئيسي، ويداً بيد سنحقق تنمية مستدامة تنعش البلاد والعباد. وعندما شبك الرئيس شعار الجمعية على ياقة بدلته مثل باقي الأعضاء، كانت رسالته واضحة للرواد الشباب وللمجتمع الأهلي واضحة: نحن نعتمد عليكم، وأنا وإياكم شركاء من أجل "مستقبل زاهر لوطن فريد." في تلك زيارة تباشير هلال قد يعيد القمر ليسير في منازله عساه يصبح يوماً بدراً كامل الاستدارة – ينير خطانا إلى النجاح في أن يصبح الوعد حقيقة.

    **

    وينطبق على النجاح الذي ذكرته صفة السهل الممتنع. وهذا يأخذني إلى محاضرة للصديق فارس كلاس من مشغل الخليوي أريبا خلال المعرض. قال أن سبب نجاح الشركات هو الانسان سواء كان موظفاً أو زبوناً أو المجتمع بشكل عام. يجب أن يكون محور نظام الشركة تحقيق رضا الزبون. ولكي يتحقق رضا الزبون يجب أن يقوم على خدمته موظف راضٍ كذلك. والعلاقة بين الزبون والموظف وبين الشركة والمجتمع بشكل عام، وتحقيق رضا الطرفين، وإبقاء الشركة ثابتة على سكة هدفها هو مهمة قيادة الشركة وإدارتها. فلسفة أريبا تلك تشترك فيها عدد من الشركات الرائدة في بلدنا، وليتها تكون مثالا تحتذي به باقي المؤسسات في سورية، وعلى رأسها إدارات الدولة التي قد يكون تحولاً إصلاحياً جذرياً في طريقة تفكيرها أن تنظر إلى المواطن "المراجع" كزبون يجب إنجاز طلبه في أقصر وقت والسعي لكسب رضاه وليس الاستهتار به وبوقته وبماله إلى حد الازدراء، فذلك في النهاية استهتار بالوطن وازدراء له.

    وبالتالي فإن ما ينطبق على الشركات ينطبق على أية مؤسسة بل وأي بلد. يبدأ النجاح من قيادة رؤيوية استراتيجية تسعى للحصول على الحكمة المتوفرة في مجموعة مختارة من المستشارين. تضع تلك القيادة أجوبة لأسئلة من نوع: من نحن؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ وبناء عليها ترسم الخطوط العريضة لسياسة تتفيذية قابلة للتحقيق، تقوم على إنجازها ضمن زمن محدد إدارات تختارها تلك القيادات بناء على الكفاءة وليس لأي اعتبار آخر فتثق تلك القيادة بالناس وتجعلهم يثقون بأنفسهم. وتلك الإدارات تختار موظفين رياديين يؤتمنون على التنفيذ ويبدعون في عمل أخلص لهم فأخلصوا له. وتتابع القيادة البرامج التي تقوم بها الادارات لتتأكد من تحقيقها للرؤية ومن توافق أساليبها وطرقها مع القيم التي تعتمدها الرؤية والاستراتيجية. وتوفر الثبات في حال تخلخل الإرادة أو ضعف القرار الإداري أو ضياع الطاقة في نشاطات غير بناءة أو مضادة. كما تكون مثالاً بالاخلاص للآخرين، ومعاملة الجميع بكرامة، والنزاهة، وعدم القيام بأفعال متناقضة أو مخادعة أو ماكرة. والقيادة الجيدة هي التي تبقى في الطليعة دائما، فتشكل مركز جذب، وتوحد الجهود، وتبني الثقة، وتشرك الناس، وتعطي قبل أن تأخذ، وتسبق في تنفيذ التزاماتها، وتحترم الآخرين لتظفر بالاحترام، وتعرف كيف تكون صلبة ولينة في آنٍ معاً. والنجاح ختاماً على درجاته أو الفشل هما مقياس كفاءة القيادات والإدارات.

    ولكن قبل كل ذلك، علينا أن نضع المعايير السليمة لتحقيق النجاح. فعلينا أن نعيد الاعتبار للمبادرات الفردية والجماعية التي صادرتها تنظيمات واتحادات ونقابات أيديولوجية خاوية. وعلينا كذلك أن نعيد الاعتبار إلى الكفاءة التي داست عليها الواساطات والمحسوبيات والعلاقات العائلية والعشائرية والمناطقية. وعلينا كذلك أن نرد الاعتبار إلى مسؤولية الوزراء والمدراء العامين الذي تتربص بهم من اليمين والشمال بعابع الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ودسائس مخبري الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى أكوام البريد اليومي والمراجعين ممن يطلبون توقيعهم أحياناً على إجازات ساعية. وعلينا أن نرد الاعتبار للقطاع الخاص، فرجاله وسيداته ليسوا غيلانا هدفهم الربح وسحق الطبقة العاملة، بل هم المحرك والسند والقوة الدافعة اليوم وغداً، وهم صانعو الثروة والشغل، وهم الذين يعيلون أسراً بحالها معيشةً وتعليماً وصحةً، وهم الذين ينجحون فينجح الوطن. وعلينا أن نرد الاعتبار للقطاع العام فهو ليس فاشلاًَ إلا بقدر ما نريد افشاله، بتحميله فوق طاقته من العمالة والانفاق "من فوق الأساطيح"، بالرغم من ضرورته في توفير البنية والخدمات الاساسية. وعلينا أن نردّ الاعتبار بادئاً ذي بدء إلى المواطن فلا نستغل ضعفه أمام وطنه، ونستغبيه بإيهامه بفضل الحكومة عليه، وعطاءاتها المتتالية وكأنها تعمل سخرة أوعن روح أمواتها، بل وكأنها تكفيه قوت يومه، وتعينه على السعي والعمل، وتقدّر ما يقوم به من جهد واجتهاد.

    **

    أعود للسؤال: لماذا أنا متفائل؟ لعل ما ذكرت سابقا من قدرة كامنة لدى سورية يبث التفاؤل بي أن الغد القادم سيكون حتماً أفضل. ولعله تفاؤل يأتي من أسباب محض تقنية مردّها أننا قد بلغنا القاع، وما بعد بلوغ القاع إلا الصعود من جديد. ولعله شعور آني ينتج عن "تمرينات التفاؤل"، وهي مجموعة إجراءات أجبر نفسي عليها كل صباح مثل شربة الدواء، تتضمن الاستماع إلى "طقطوقة" مرحة، أومراجعة صور فيها ذكريات سعيدة، أوالاستفتاح بصوت صديق "مشقرق"، أو التحاور مع طفل. ولكنني -وبغض النظر عن الأسباب- ما زلت متفائلاً. ولكن هل أنا متفائل بالحكومة؟ أقول لا، فلست أرى بوادر فهم حقيقي من طرفهم لرسائل الرئيس أولرؤيته، وأعتقد أن أغلب أعضاء الحكومة يعترفون بذلك لأسباب بعضها بأيديهم وبعضها خارج نطاق صلاحياتهم. لكن أملي ناتج من قدرتنا نحن السوريين على النهوض، وإيماننا الذي قد يظهر لنا اليوم في عيون سارحة دامعة. الكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس الذي احتفى به العالم كله ما عدا وطنه سورية، كان العربي الوحيد الذي حصل على أعلى شرف في مجاله، وهو إلقاء كلمة المسرح العالمي عام 1996. في جو من التشاؤم العربي والسوري العميق، وفي ظل تراجع فن المسرح الذي آمن به، نهض ونوس من سرير مقاومته الشرسة لمرضه العضال، وخاطب قاعة ازدحمت بحضور صفقوا له وقوفاً لفترة طويلة قائلاً: "إننا محكومون بالأمل. وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ."

    حقا إننا محكومون بالأمل. وأسمع الآن صدى الأمل في أن يعيش أولادي في سورية يفخرون بها وتفخر بهم. الأمل أنه عندما سيجلس لاحقونا ليؤرخوا أفعالنا، سيذكروننا بالخير. الأمل أن سورية ستعود وطن فضيلة وعدل وعمل وانتاج. الأمل أن سورية سترجع يوماً ... سورية. ما نريده هو ليس يوتوبيا فالعالم كله يسير بعيداً عنها. ولكننا نصلّي كل ليلة أن يرجع القمر الذي سُرق من سمائنا، ليبدد ظلام الليل الطويل. وإلا فإن هناك سؤالاً سيبقى يثيرنا ويؤرقنا وإن لم نجاهر به. وهو ذات سؤال تلك الطفلة الحلوة التي فاجأها اختفاء البدر الذي افتتنت به، فصرخت بجبين مقطب ولهجة تحدٍّّ: "ماما، ماما، من الذي سرق القمر؟"

    عبد السلام هيكل
    [flash=http://www.sfhty.com/u/57823200601250238521.swf] width=300 height=120 [/flash]

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...