محمد عبيد غباشيزعم الانكليز أنهم لو ظفروا بهتلر لما أعدموه، فقد كانت النية تتجه لأن يوضع في قفص في حديقة الحيوانات ليتفرج عليه الناس. تفتقت قريحة الأمريكيين في الأسبوع الماضي عن حل مشابه لصدام حسين، لكن بدلاً من أن يكون فرجة لمرتادي حديقة الحيوانات، جعلوه شبه عار ليراه العالم كله عبر الصحف وشاشات التلفزيون، وكالعادة زعموا أن الأمر لم يكن مقصوداً، لكن المبررات كانت واهية، عرض صدام «بالكيلوت» كان موجهاً بالذات لأولئك الذين ينظرون له كرئيس شرعي، يلهمهم في حربهم ضد القوات الأمريكية والعراقية.
بعد سقوط نظام صدام حسين اكتشف عدد من حملة الأقلام أنه ديكتاتور وطاغية وشرير... وإلى ما لا نهاية له من النعوت، والغريب أن الرجل كان يحكم لأكثر من ثلث قرن لكن لم ينل رئيس عربي، باستثناء جمال عبد الناصر، حجماً أكبر من المديح كما ناله صدام حسين من جوقة واسعة من الإعلاميين العرب، وقد صوّروه حينما غزا إيران كبطل قومي في مصاف خالد بن الوليد يذود ضد أطماع الفرس في الخليج. وحينما غزا الكويت بعد ذلك بعشر سنين كان وريث عبد الناصر في تحقيق الوحدة العربية التي طال انتظارها... ورسموا صورته بعد قصف إسرائيل بصواريخ سكود كبعبع يبث الذعر في أوصال الإسرائيليين.
أما حقيقة أنه كان سفاحاً يبث الذعر في نفوس العراقيين، أو أن سياساته تسببت في قتل وتشويه مئات الألوف وتشريد الملايين، فشيء كان يكتب بشكل نادر، ومع أن الكتابات الناقدة تزايدت بشكل ملحوظ فقط بعد اندحاره عسكرياً وطرده من الكويت إلا أن جزءاً ليس بقليل من إعلامنا العربي ظل يكيل المديح لصدام حسين إلى أن سقط.
الحقيقة ليست صعبة ولا هي مستترة، ولسنا بحاجة لدراسة توبولوجيا الرياضيات البحتة لفك طلاسم الحاضر أمامنا، ولا لكشف أسرار الماضي الذي عاشته المنطقة في ثلث القرن الماضي، منذ أن عاد حزب البعث إلى حكم العراق في نهاية الستينات، الحقيقة أن صدام حسين ليس بالشخص الشرير ولا هو بالشيطان الذي يحاول البعض أن يقدمه لنا، بالضبط كما أنه ليس بطل العروبة الذي حاول غيرهم قبل سنين أن يصوّره، صدام حسين، الإنسان، ككل الشخصيات المجنونة بالعنف، ليس سوى حالة شديدة المرض يجب أن تستثير الرثاء والشفقة وليس المقت والكراهية. لو كان عالمنا العربي طبيعياً، لو كانت مؤسساته تعمل بالحدود الدنيا المعقولة لكان صدام حسين اليوم في الغالب شخصاً سويّاً يتسلم راتب تقاعده من الدولة كناطور مدرسة في تكريت أو كصاحب بستان يسقيه نهر دجلة أو الفرات. لو كان عالمنا العربي مستقلاً حقاً، نامياً فعلاً، لوفّر الرعاية الصحية لكل معتوه أو مخبول أو مهووس بالجريمة ولأصلحه وأعاده إلى المجتمع كإنسان طبيعي. في أسوأ الأمور كان ممكناً لصدام لو عجز الطب عن علاجه أن يقضي بقية عمره يبتلع حبوب الزاناكس في مصح نفسي في شمال العراق، ولجنّب هذا الطب شعبه وجيرانه ويلات الحروب الطاحنة وإزهاق الأرواح وتخريب الممتلكات...لكن هذا بالطبع لم يحدث، ما حدث هو أن رجلاً معتلاً تمكّن من الإفلات من كل المستشفيات التي كان يمكن لها أن تعالجه وقفز إلى كراسي السلطة، وما كان هذا ليأتي له لولا أن القوى الاجتماعية في العراق مكّنت حركة فاشية كحزب البعث لتسلم مقاليد السلطة، أو على الأقل تقاعست عن جهود إسقاطه حين كان في بدايته قبل أن يقوى ويعزز من وجوده. المسؤول عن ظهور صدام وعلو كعبه السياسي هي الفئات نفسها التي يقوم أحفادها اليوم بالتغاضي عن الوجه الإجرامي لأعمال الزرقاوي وغيره ضد العراقيين، هذه الغالبية التي عبر صمتها تتواطأ مع من سيكون صدّاماً في المستقبل، تتواطأ مع المجموعة نفسها التي لا ترى فينا إلا خرافاً تؤخذ للمسلخ. صمت الأغلبية هو الذي يشجّع القلة على خطف الأبرياء ممن يعمل، نساءً ورجالاً، في منظمات إنسانية أو كإعلاميين أجانب، أو من الآلاف من العراقيين الذين جرى اختطافهم وقتل الكثير منهم، صمت الأكثرية هو تواطؤ مع الأقلية حتى وهو يتم من دون قصد، فهذه الأقلية، كما كان يقول ماو تسي تونج في مسيرته الطويلة في حرب العصابات ضد قوات الكومنتانج، إن هي إلا سمك يسبح في بحر الشعب، وأنه عندما يفتقد هذا الاحتضان فإن السمك يفقد الماء ويختنق ويموت. أعمال العنف اليومية لا تتم إلا لأن أغلبية شعوبنا اختارت أن تصادر قرارها حولهم وترفع يدها وتغوص في همومها اليومية، وفي حالات أقل، يقوم بعضنا بإعلان صور من التعاطف و«الفهم» و«التفهم» لهذه الأفعال المروعة التي يقوم بها الزرقاوي والصداميين الحالمين بأن يعود إمامهم من الغار الذي يمضي الوقت فيه نائماً أو غاسلاً ملابسه أو معتنياً بحديقة المعتقل... أو وهو يعدّل وضعه لتلتقط الكاميرات الصور له. باسمنا يرتكب هؤلاء عنفهم، يفرضون الأتاوات على أهل المخطوفين، يلوثون اسم الإسلام سواء بسواء مع الجنود الأمريكيين الذين يلوثون صفحات القرآن



تعليق