
د.احمد الربعي
مأساة.. أم ملهاة!
في مثل هذا اليوم وقبل ثمانية وثلاثين عاماً، كنا منهمكين في اختبارات الثانوية العامة، حين قيل لنا إن الامتحان سيتوقف. فلقد بدأ «هجوم العرب على إسرائيل من أجل تحرير فلسطين».
الناس كلها انشغلت بأجهزة المذياع. وفي اليوم الأول للحرب أعلن راديو صوت العرب إسقاط مائة وثلاثين طائرة للعدو، وبعدها أعلن راديو الأردن إسقاط اثنتين وستين طائرة للعدو. التقارير كلها تتحدث عن تقدم من الجبهة المصرية والسورية والأردنية على إسرائيل.
كانت أجواء كذبة كبرى انطلت على ملايين الناس، من
«المحيط الهادر إلى الخليج الثائر». وبينما كانت الإذاعات العربية تشحن الناس بالعواطف والأغاني، وتلهب المشاعر بالخطب، كانت إسرائيل تتقدم بثقة نحو جبهات متهاوية، وجيوش غير مدربة، وغياب حقيقي لأية خطة هجوم منظمة.
اكتشف الناس بعد أيام قليلة أننا كنا ضحية لقيادات ضحكت على الناس، وأوهمتها بأن لديها جيوشا قادرة على القتال. وأن لديها قيادات صادقة. وأن لديها خططا وبرامج. وكانت النتيجة هزيمة ساحقة ما زلنا ندفع ثمنها، وكانت النتيجة سقوط ما تبقى من أرض فلسطين بأكملها بيد إسرائيل.. سقطت مدن وقرى قطاع غزة والضفة الغربية، وسقطت سيناء المصرية بأكملها، وسقطت الجولان، وأصبحت مدن عربية كدمشق والقاهرة مفتوحة بلا حماية ولا جيوش!
لم يرد أحد أن يصدق أننا بكل خطبنا وأغانينا وأهازيجنا وجيوشنا التي أكلت الأخضر واليابس على حساب التعليم والصحة والتنمية، قد هزمنا شر هزيمة، وكانت النتيجة أن اتفقنا على تسمية ما حدث «نكسة» بعد أن سمينا سقوط فلسطين في 1948 نكبة.
الجيوش التي أسقطت الأنظمة الملكية بحجة إسعاد الشعوب حولت شعوبها إلى جياع، والتي وعدتهم بالحرية حولت المجتمعات إلى سجون، والتي أعلنت في بيان الانقلاب الأول أنها ستحرر فلسطين سلمت ما تبقى من أرض فلسطين لإسرائيل.
ما الذي تعلمناه من درس الهزيمة؟ لا ندري!
ولكن، ما ندريه هو أن ملايين من البشر ركضت بعد تلك التجربة المريرة بسنوات، مصدقة رواية الصحاف بأن جيش صدام قد هزم أمريكا، وأن «العلوج» قد ردوا على أدبارهم. وما ندريه أنه لم يحدث أن حوكم أحد من المسؤولين منذ 1967 إلى سقوط بغـداد بتهمة التقصير، أو سوء التقديـر، أو حتى تهمة مخالفة قانون المرور!
هل هي مأساة أم ملهاة؟!



.gif)


تعليق