جابر حبيب جابر
انطوى خيار القوة الذي فضلته وانتهجته الجماعات، التي بدأت بالعمليات المسلحة في العراق، بعد فترة وجيزة من سقوط النظام، على اهداف متعددة فيما تعدد الفرقاء المشتركين فيها، او القوى السياسية او الدينية المصطفة معها، او مصالح البيئة المجتمعية المتعاونة او المتعاطفة معها.
الهدف الاساس والظاهر لهذا التوجه هو محاربة وإنهاء الاحتلال . ولا نريد الخوض في مدى امكانية الجماعات المسلحة، والتي مضى على عملياتها الان ما يقارب السنتين على هزيمة الأميركان ومشروعهم في المنطقة، ولكن هذا القياس سيكون مجحفاً ومثبطاً لأي مقاومة بالتأكيد وفقاً لميزان القوى، وحين يأتي مختلاً ولمصلحة المحتل، انطلاقا من معادلة بسيطة تقول :اذ لم يكن هناك اختلال لما كان هناك احتلال.
ولكن وفي المقابل، وجب أن تقاس المعادلة أيضا بميزان الارادات، إذ سيكون مجحفاً ومثبطاً أيضا لأي مقاومة اللهم الا اذا تم بناء الخيار المقاوم على اجماع، او على الاقل على قبول حول الاهداف والوسائل، مع اتساع مطرد لهذا القبول والمشاركة في مشروع المقاومة. ومن المعلوم أن أي مقاومة تبدأ عادة بقلة، فيما تكتسب لاحقا قبولا والتفافا شعبيا وفق عوامل بينها تراكم الزمن ونوعية عملياتها وصدقية وسمو اهدافها.
والى ذلك، فمن الملاحظات على مشروع المقاومة في العراق، او خيار القوة، أنه قد بدأ في التآكل، فيما ظل محصوراً في المناطق التي دشن منها انطلاقته التقليدية ففشل في ان يمتد الى مكونات اجتماعية او امتدادات جغرافية اخرى،
كان من الطبيعي أن تجيء النتيجة مغايرة، فبدل ان ينجح المشروع المقاوم في ان يمثل قاسما مشتركا وخياراً يحظى بالإجماع، فإنه ومع هكذا سلوك، عمق الشرخ والمخاوف بين المكونات المجتمعية العراقية، حتى بات البعض منها يجد ضمانته وفرص ابعاد خطر الحرب الاهلية في بقاء المحتل.
وأعود الى الفرضية الاساسية، وهي ان خيار القوة ليس هدفاً بذاته انما هو وسيلة او احد الممكنات المفضية الى تحقيق الهدف السياسي، لكن الملاحظ مع حالة مشروع المقاومة في العراق، انه اصبح معوقاً حتى للقائمين به وللبيئة المجتمعية التي ينشط فيها، وعلى عدة مستويات.
فابتداء، نلاحظ أن مشروع المقاومة قد راهن في خياره هذا على افشال العملية السياسية وإيقاف انتقالاتها المفصلية، وانتهج اسلوب الضرب المنظم لإصابة مؤسسات الدولة بالشلل، بغية اظهار عجزها، الا انه فشل في ان يقدم بديلاً لها من جهة، او ان يوقف مسار العملية السياسية من جهة اخرى رغم فداحة الخسائر وعظمة الكلف. وعندما ادرك المتعاطفون مع هذا الخيار عقمه وفضلوا الانتقال الى الفضاء السياسي، وجدوا انفسهم غير قادرين، لأنهم اصبحوا رهينة خيار القوة.
والى ذلك، فبرغم عمل الباحثين عن مكاسب سياسية للاستقواء بخيار المقاومة، لكنهم عجزوا عن توظيفه كورقة ضاغطة على طاولة التفاوض او المساومة، لأن القائمين بالعمليات المسلحة، وببساطة شديدة، يمتلكون مشاريعهم الخاصة، وغير مستعدين ان يتركوا لأحد أن يجني مكاسب تضحياتهم وقتالهم.
ولذلك جعلوا تلك المناطق والبيئات أمام خيار صعب وجدت نفسها، معه وفيه، أمام الدفع المتواصل والمتراكم للخسائر البشرية والمادية، من دون ان تتطلع للانتفاع بثمرات مثل هذا الخيار على ما فيه من صعوبة ومشقة. ومن هنا فقد ادى حاجز الخوف والرعب الى اختلال التمثيل والإقصاء لقوى حقيقية ذات اوزان على الارض، فكان أن قاد هذا الفراغ الى ان يتصدى للعمل السياسي من لا يمتلك من المؤهلات المطلوبة الا القدرة على التضخيم الاعلامي للذات.
في المقابل، لا يصبح من المهم ضرورة ادراك خطأ المقاطعة للانتخابات، والذي كان قد وعد بإفشالها عبر خيار القوة، ولكنه لم ينجح الا في إقصاء المتعاطفين معه عنها، وتغييبهم عن المشهد السياسي، ومن هنا يصبح من اللازم والضروري الاعداد من الان لتحييد مثل هذا القيد تهيئة للاستحقاقات السياسية المقبلة، خصوصا وان بعضها يقترب من كونه سيشكل حجر الزاوية في تشكل العراق المستقبلي.
اما ميدانياً وعلى الارض، فإن الاتجاه الخطير لخيار القوة، والذي بات يستهدف العراقيين بدلا من محتليهم، فيما استصحب تدميرا منظما لبنياتهم التحتية، والى حد أصبح معه المسلحون ينتظرون بناءها لهدمها من جديد، وعلى سبيل المثال، فما ان يتم اصلاح انابيب الشمال الناقلة للنفط حتى يقوموا بتفجيرها، وما ان يتم الاعلان عن عودة مطار البصرة للعمل، حتى يبادروا في صبيحة اليوم التالي بتفجير انتحاري في نقطة التفتيش التي يصطف فيها المسافرون والعاملون في مطار بغداد، وكأنهم لا يأبهون بعزلة خمسة عشر عاماً.
من هنا يصبح المنطق أن من لا يستطيع ان يعقلن او يرشَد خيار القوة، فعليه ان ينأى بنفسه عنه، بعد أن بات مكلفاً سياسياً وأمنيا، بل وحتى على البيئة الحاضنة له، ومن الطبيعي أن لا يتم ذلك إلا عبر تقوية ابتناء مؤسسات الدولة ولا اقول الحكومة، لأن هذه الأخيرة متغيرة فيما الدولة وككيان تظل باقية، ولأنها، أي الدولة، هي افضل ما اهتدى اليه العقل البشري كبديل لحالة الفوضى.


تعليق