فأين الرغبة في الحكم في هذا ؟
بينما من يعيبوننا في هذا الشأن ويثرثرون بأننا نريد الحكم-وكأن الحكم من بقية تركة آبائهم التي ورثوها عنهم نجدهم يريدون الحكم لذواتهم وأشخاصهم بحيث لا يتصور أحدهم أن يتركه ولو لأقرب المقربين له وقديما قالت العرب في أمثلها "رمتني بدائها وأنسلت"
يقولون أننا أعداء التنوير ودعاة للظلام
ونحن عندهم أعداء للتنوير دعاة للظلام وأيضا رجعيون أما التنوير فيقصدون به ما عند أسيادهم الغربيين من مبادئ وقيم وأما الظلام فهو الاسم الحركي للإسلام فكل من يدعو للعودة للدين ومبادئه وشرائعه وأخلاقه وأحكامه فهو من دعاة الظلام عندهم وهو أيضا رجعي.
لكن بأي مقياس قاسوا الأمور وكيف صار الشرع الروماني ظلاما بينما الشرع الأوربي استنارة فهذا ما يحتاج إلى إجابة.
والحق أن القوم يصدق فيهم قول الشاعر:
ومن يك ذا فم مر مريض … … يجد مرا به الماء الزلالا
منهم مرضى القلوب والعقول لذا لم تنفتح قلوبهم وعقولهم لهذا الدين بل ، ابغضوه حتى عدوه ظلاما بينما توافقت طبائعهم مع ما يجري في الغرب من عهر وفحش وتمرد علي الله فعدوا ذلك تقدما وتحضرا واستنارة .
سيصيحون بأنا رأينا أوروبا متقدمة فنادينا بالنهل من معين تقدمها العلمي.
سنجيبهم كذبتم .. فأنتم لم تنهلوا من هذا ولو فعلتم لما أنكرنا عليكم ، بل تركتم هذا عمدا –وهو الجانب الإيجابي الوحيد في الأمم الغربية -مع سوء استخدامهم له- تركتموه وسعيتم وراء كل دنس حقير من أخلاق الغرب وعاداته وأفكاره .
فأنتم في سدة الحكم منذ عشرات السنين بل مئات السنين بلا منازع ، والإسلاميون طوال هذه الفترة إما في السجون أو علي المشانق أيضا بلا منازع .. فلماذا لم تستقدموا من الغرب علومه ؟!.. ولماذا لم تستقدموا منهم احترامهم لشعوبهم ونزول الحاكم علي اختيار المحكوم ؟! .. لماذا اكتفيتم بأفلامه ومسلسلاته وأخر خطوط الموضة وتعري المرأة ومخالطتها الرجال-الذي تسمونه تحررا ؟!!
لقد فعلتموه عمداً إذن..أو علي أقل تقدير لقد منعكم سادتكم في الغرب من الاقتباس من علومهم وصدروا إليكم أخلاقهم ..ثم ضحكتم علي شعوبكم وتقولون استنارة وتنوير !!.
ولقد كان من المفترض أن تستحوا من ذلك .. فما تسمونه استنارة وتنويرا هي الأفكار والمبادئ التي زرعها المستعمر الإنجليزي ومن قبله الحملة الفرنسية..
زرعوها بالحرب في تربة بلادنا وظل اللورد كرومر وأمثاله يرعونها ويرعون قائليها ولم يرحلوا إلا بعد أن اطمأنوا لوجود طابور خامس بين أبناء الوطن ينعق بها في الناس.
كان من المفترض –لو كان عند العلمانيين كرامة ولا أقول دين لأن هذا شيء قد تبرؤا منه أن يستحيوا من الدفاع عن أفكار غرسها المحتل قسرا في أرضنا ، لكن أنى لهم ذلك وهم من جملة من قال فيهم رسول الله صلي الله علية وسلم (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)
وهذه محصلة مسيرة التنوير التي بدأها نابليون بونابرت وسار عليها محمد علي -وهو بالمناسبة كان أميا لا يقرأ ولا يكتب وأصابه الجنون قبل موته – ثم أكملها المحتل الإنجليزي ثم أكملها عسكر يوليو .. فقر وديون وتخلف وضعف وهزائم عسكرية وفشل اقتصادي وعمالة للغرب وتحلل خلقي وتفسخ وانهيار اجتماعي وأمية متفشية.
هذا هو تنويرهم ..الذي يحاربون للإبقاء عليه !!.
وفى المقابل نكون نحن الظلاميين ، لأننا ندعو إلى العودة إلى أصل الأصول ، الذي عندما استمسكنا به سدنا العالم بالحق وأقمنا في ربوعه العدل وملكنا ناصية التقدم وحزنا أسباب القوة حتى وقف الشرق والغرب أمام أمتنا بين خائف منها ومحترم لها.
نعم ليس عندنا إلا كتاب الله وسنة رسوله ولا ندعو إلا لهما فهل في هذا ظلام ؟!!
(كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا)
بل فيهما النور والهدي والشفاء والرحمة.
(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)
(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )
(ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا)
(نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء)
فإذا تبين أن دعوتهم إلى مبادئ الغربيين وأخلاقهم وأن دعوتنا إلى كتاب الله وسنة رسوله .
فلست أظن أني في حاجة لأن أعقد مقارنة بين ما عند الغرب وبين ما جاء من عند الله .
تأبى والله على عزة الإسلام ذلك .
فما كان منهج من صنيع مخلوق أن يرقى لمنزلة تسمح له بمجرد ان يطمح في عقد مقارنة بينه وبين منهج الله ولو في جزئية واحدة .
( قل لا يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يُسمِع من يشاء وما أنت بمسمع مَن في القبور).
يقولون أننا أعداء للإبداع والفن !!
زعموا أننا أعداء للإبداع والفن..ولم يقولوا أي إبداع يقصدون وأي فن يعنون ؟!.
فالإبداع وهو الإتيان بالشيء على غير مثال سابق أي الابتكار والفن ومعناه التزيين والمهارة .. وكلاهما مجرد أداة محايدة أعني وسيلة يمكن استخدامها في الخير والشر.
فإن أرادوا منا أن نقبل كل إبداع وكل فن فهذا لا يكون أبدا .. فإنه لا يقبل كل ما يلقى إلية إلا البهائم لا والله إن البهائم لها درجة تمييز فلا تقبل ما فيه مضرتها .. لذا جعل ربنا من ضل من بني آدم فلم يفرق بين ما ينفعه وما يضره شراً من الأنعام فقال جل وعلا (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)
فلما لم ينتفعوا بما أعطاهم الله من سمع وبصر وعقل نزلوا إلى درك أحط من البهائم.
فلا بد من تمييز بين النافع والضار والحسن والقبيح والحلال والحرام.
فليس كل من أبدع شيئا على غير مثال سابق رحبنا بإبداعه كيف وقد قال رسول الله صلى الله علية وسلم : (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)
وليس كل من زين شيئا ومهر فيه قبلنا تزيينه كيف وقد قال تعالى :
(وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم) وقال جل شأنه : (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا)
وقد سئل الشافعي رحمه الله عن الشعر فقال : "هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح".
وقد استمع رسول الله صلى الله علية وسلم إلى الشعر وهو من أرقي أنواع الإبداع الفني وكان يطلب من أصحابه أن يسمعوه إياه وكان يحث حسان بن ثابت أن ينافح عن الدين ويهجو الكافرين وكذلك كان أصحابه ومازال المسلمون في كل عصر ينشدون الشعر ويتناقلونه من غير نكير.. وهذا كله فيما هو مباح..
وأما ما هو محرم فحاشا أن يكون مقبولا عند المسلمين لذا أفتى العلماء بعدم جواز سماع شعر فيه فحش من القول كالغزل الصريح أو الهجاء لمسلم وقد اشتري عمر بن الخطاب أعراض المسلمين من شاعر اشتهر بالهجاء وهو الحطيئة أي أنه دفع إليه مالاً ليكف عن هجاء المسلمين ويروى أنه هدده بقطع لسانه إن لم يمتنع عن ذلك الهجاء.
والنظر إلى العمل الفني للحكم عليه بالقبول أو الرفض يجب أن يشمل تقييمه من ناحيتين.
الأولى: الهدف الذي يسعى هذا العمل لتحقيقه ..أي القيمة التي يريد غرسها في عقل المتلقي .
الثانية: الوسيلة التي يستخدمها لتحقيق هذا الهدف ولغرس تلك القيمة.
فان كان العمل الفني شعرا أو قصة أو رسما أو غيره يساهم في غرس قيم قد اعتبرها الإسلام قيما صالحه كالشجاعة والعفة والطهر والرحمة بالضعفاء والزهد فيما هو فان والرغبة فيما عند الله و المروءة وحسن الخلق..
وكان في ذات الوقت يستخدم وسائل مباحة لا حرمة فيها فلا يستخدم صورة امرأة عارية أو صوت امرأة فيه تكسر أو رسم ما فيه روح -لورود النهي عن ذلك صريحا- أو تجسيمه على هيئة تماثيل .
إذا اجتمع في العمل هذان الشرطان فهو مقبول وصاحبه مثاب إن شاء الله تعالي إذا أراد بعمله وجه الله .
أما إذا افتقد العمل الفني أحد هذين الشرطين شرعية الهدف أو شرعية الوسيلة فهو محرم مردود وصاحبه مذموم آثم بل إن إثمه مضاعف لأنه لم يكتف بعرض ما هو منكر بل راح يزينه ويستدرج الناس إليه .
ولو تأملنا كثير من العادات والقيم القبيحة التي زرعت في الشعب المصري مثلا لرأينا للفن دورا كبيرا في تعويد الناس عليها.
فالعرى واختلاط المرأة بالرجال ومصادقتها لهم والحب والعشق والزنا والخيانة الزوجية والغدر والاحتيال والتكالب على متاع الدنيا الزائل ونسيان الآخرة والركوع أمام الحكام واعتقاد عصمتهم ، والإدمان على المخدرات ، وتعظيم الأوربي والتأسي به واعتقاد فضله ، والتفاهة والسطحية وترك معالي الأمور والاهتمام بسفاسفها وغيرها من المظاهر والقيم الرديئة الهابطة .. قد ساهم الفن خلال نصف القرن الماضي في زرعها في تربة المجتمع وراح يغذيها شيئاً بعد شئ بالأغنية واللحن والفيلم والتمثيلية والمسرحية والكاريكاتير والنحت والتصوير .. حتى صارت قيما راسخة في الشخصية المصرية.
وفي بعض الأحيان تجد العمل الفني يكاد يصرح تصريحا لتجنيده هذه الأشياء وفي أحيان أخرى يدس السم في العسل وكلاهما مرفوض محرم .
ومن عجب أن بعضهم قد استنكر علينا تفريقنا بين فن وآخر وإدخال الحلال والحرام في تقييم الفن والإبداع .. وزعموا أن هذا إقحام للدين فيما لا دخل له فيه وهذا قول علماني رديء مبني علي نظريتهم الباطلة في عزل الدين عن الدنيا .
وقال بعضهم إن الفن للفن ..أي لا يلتفت في تقييمه لغاياته أو وسائله أو غيرها بل يقيم فقط من الناحية الفنية .
وهذا القول أضل من سابقة سبيلا ولو صح إمكان تحييد العمل الفني وجعله لمجرد الفن لكانت هذه تفاهة لا يليق بالعقلاء الانشغال بها فكيف بأمة ضعيفة ضاع مجدها وتملك الأعداء مقدساتها وقتلوا أبناءها فحري بهذه الأمة أن لا تنشغل إلا بمباحات الأمور لا بسفاسفها وأن تدع الفن جانبا إن كان لمجرد الفن فقط.
فما بالكم وهذا الزعم كاذب لا يصح بأي حال من الأحوال بل لا بد للعمل الفني من تأثير على مشاهده أو متلقيه بل إن له مجموعة كبيرة من التأثيرات المباشرة .. هذه التأثيرات إما مفيدة حسنه و إما ضاره قبيحة ولا ثالث لهما .. ذلك أن صاحب العمل كاتبا أو شاعرا أو غيرهما له تصوراته وقيمة ومفاهيمه وهذه لابد أن تنعكس على عمله شاء أم أبي .. حتى لو ادعي خلاف ذلك وزعم أن عمله الفني محايد لا علاقة له بفكره وعقيدته فهو كاذب في دعواه .. بل لا بد أن ينضح الإناء بما فيه .. ثم لابد -بعد ذلك – أن يتأثر من شرب هذا الإناء بما فيه .
ولو تساءلنا عن الأعمال الفنية في بلادنا وعن انتمائها وأهدافها لوجدناها بكل أسف أعمالا تابعة متأثرة إما بالغرب ومدرسته الانحلالية ورؤيته المادية للحياة التي تبيح كل متاعها حلاله وحرامه وتحرض الناس على النهل من شهواتها بأكبر قدر ممكن .. وإما متأثر بالشرق ومدرسته الإلحادية القائمة على إنكار الأديان والسخرية بما جاء به الإسلام من عقائد وشعائر إما صراحة وإما ضمنا كما كتب أحدهم عليه من الله ما يستحق :
,,قدر أحمق الخُطى … سحقت هامتي خطاه,,
وتغنى بها الناس ورددوها ملايين وهى كفر بالله العظيم لأن القدر من الله والإيمان به واجب .. والله تعالى حكيم لا يقدر شيئا إلا لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها.
أما الحماقة فقائل البيت ومغنيه ومرددوه هم أهلها وأصحابها.
فان قيل إن كنتم تنكرون على الفن الذي يقوم حاليا فأين البديل الذي تقدمونه أنتم أم هل اكتفيتم بالرفض فقط ؟.
قلنا: لا لم نكتف بالرفض فقط ولكن الحركة الإسلامية حاولت وتحاول تقديم هذا البديل بقدر إمكاناتها فمن المعلوم أن النظام قد قصر وسائل التعبير والإعلام على العلمانيين فلا يسمح فيها إلا بالفن العلماني فقط ..ومن المعلوم أن الصحوة الإسلامية المطاردة لا تكاد تجد إلا منافذ قليلة وإمكانات قليلة لإبراز إنتاجها الفني والأدبي.
ومن المعلوم أن أبناء الصحوة الإسلامية مطاردون لا يجد كثير منهم مأوى يأوي إليه.
كل هذا كان له أثر في تغييب إنتاجيات الشباب المسلم الأدبية والفنية.
وسوف اقدم للمحكمة –إن شاء الله- نماذج منها في الشعر والقصة القصيرة والمسرحية والرسم والغناء أقصد الإنشاد الذي ليس معه معازف لورود الحديث بحرمة المعازف .
بقيت كلمه حول الفن والترويح .. تتعلق بالحكمة في عدم جوازهما بما هو محرم ..ذلك أن الله تعالي يريد صلاح النفس البشرية وأبعادها عما فيه فسادها في الدنيا وشقاؤها في الآخرة .. ولا أحد غيره سبحانه يحيط علما بما يساهم في صلاحها وما يعين على فسادها }ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء{ .. ومن ثم فقد أباح لها ما علم أنه يصلحها ويعينها على قطع مغارز التكاليف الشرعية ما يغنيها عن الحرام، وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم "اللهم أغنني بحلالك عن حرامك " .. وليس ثمة غريزة من الغرائز أو حاجة من الحاجات التي فطر الله النفس البشرية عليها إلا وقد شرع عليها إلا وقد شرع لها من المباح ما يمكنها من إشباع هذه الغريزة وقضاء هذه الحاجة فلم يأت الشرع ليكبت حاجات الإنسان الفطرية بل ليقضيها ولكن من أبواب المباح الطيب الطاهر الذي يصلح النفوس ولا يفسدها ويشقيها .. فلماذا إذن الإصرار على استخدام الفن فيما هو محرم شكلاً ومضموناً ؟ ولماذا التقليد الأعمى لأوروبا في استخدامها للكلمة المكتوبة والمسموعة والصورة الثابتة والمتحركة في نشر قيم فاسدة عقلاً وشرعا ولكنها مباحة عندهم هم بسبب انتكاس فطرتهم .. لماذا هذا التقليد الأعمى للأوربيين ؟!
مازلنا نبحث لهذا السؤال عن إجابة ..
يقولون أننا أعداء المرأة :
يقولون إننا نهضم المرأة حقها ونريد ظلمها .. وقبل أن نجيبهم نود أن نكشف مدعي هذه التهمة .. لأن قيمة القول قيمة قائليه .. فإذا كان من يتهموننا هم الذين قال أحدهم ]كيف تكون شهادة بواب عمارتنا تعادل شهادة "أمينة السعيد" .. و"سهير القلماوي" معا !! هل نستطيع الآن أن نقول هذا؟[
وقالت إحداهن ]أنا لا أطمئن على حقوق المرأة في بلادنا إلا إذا تساوت مع الرجل في الميراث[ !! وقالت: ]كيف نأخذ بأقوال الفقهاء الأربعة وقد ولدوا في عهود الظلام وعندنا الميثاق [ .. لعنة الله على الميثاق .
إذا كان أعداؤنا هم هؤلاء :
فإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل
وقبل أن نرد عليهم نحب أن نقدم بأربع مقدمات .
المقدمة الأولى:
قال تعالى :}ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون{ وقال تعالى : }سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسكم ومما لا تعلمون{
فاقتضت حكمته جل وعلا أن يخلق ثنائيات ليست متشابهة بل متكاملة كالليل والنهار والذكر والأنثى .. والحرارة والبرودة .. إلى آخره مما نعلم ومما لا نعلم. وهي بتكاملها تضع هذه المنظومة الكونية الرائعة التي لا خلل فيها ولا نقص ولا عوج. ولو جاءت متشابهة لأختل نظام الكون واضطربت أموره .. فمثلاً لو جاء النهار مظلما كما الليل إذن لانقطعت المعايش وبالعكس لو جاء الليل مضيئا كما النهار لانقطع السكون وفي كلتا الحالتين ستنتهي حياة النبات والحيوان والإنسان إلى دمار وفناء أو اضطراب عظيم لا ينتفعون معه بدنياهم .
المقدمة الثانية:
وهي أن كل مخلوق في هذا الكون له دوره المحدد له بحيث لو تركه وأهمله اختل نظام المعايش .. فتصور مثلاً أن الشمس كان لها اختيار وعقل فقررت أن تقترب قليلاً من الأرض حتى صهرتها وصهرتنا معها .. ولنتصور جدلاً أن أحد الكواكب قررت أن أن تقترب من كوكبنا لتلقي التحية علينا وغمزت الأرض غمزة خفيفة فنفضتنا جميعاً إلى خارج غلافها الجوي .
بالطبع شئ من هذه لن يحدث على الأقل قبل يوم القيامة .
المقدمة الثالثة |:
تتلخص في أن خالق كل شئ سبحانه قد أودع في كل مخلوق من الصفات والطباع والقدرات الجسمية والنفسية والعاطفية والعقلية ما يؤهله للقيام بوظيفته التي خلق لها .. فلم يعطه الصفات والقدرات اللازمة لأي وظيفة ولا لكل وظيفة .. بل لوظيفته التي خلق لها . وفي هذه المقدمة تفصيل طويل ليس هذا مكانه.
المقدمة الرابعة :
أن كل مخلوق قد كلفه الله بتكليف هو مسئول عنه بين يدي ربه ولا يحق له تركه والتشاغل بغيره فمهمة القاضي غير مهمة المقاتل .. ووظيفة طالب العلم تخالف وظيفة الحاكم .. ولو ترك المقاتل ميدان معركته وانشغل بالقضاء لكان أخطأ من وجهين الأول أنه أخلى جبهة القتال فربما افسد بل هو قطعا سوف يفسد.
فإذا نظرنا في القضية موضع النزاع على ضوء المقدمات السالفة فإنا نستطيع أن نستخلص دون عناء عدة نتائج حاسمة .
فالمرأة كالرجل كلاهما عبد مخلوق لنفس الغاية.. لكن كلا منهما له دوره في عمارة الكون .. والوظيفتان وظيفة الرجل والمرأة تتكاملان لتسيير شئون الحياة ولا تتشابهان بالضرورة بل تختلفان في مواضع كثيرة لأن الاختلاف أساس التكامل ولو ترك أحدهما دوره وقلد الآخر في عمله لأفسد مكن وجهين :
الأول :- أنه ترك وظيفة بلا أداء.
والثاني:- أنه اضطلع بعمل هو ليس مؤهلا له أصلا ولا يستطيع تحصيل مقوماته لأنها شئ قسمه الله يوم خلق الخلق.
ومن ثم يكون من ترك وظيفته وتشاغل بوظيفة صاحبه قد عصى ربه وخالف مولاه وأفسد في الأرض .
وهذا هو الفساد الذي صنعه العلمانيون لما ضحكوا على المرأة واستدرجوها لتترك دورها الذي خلقت مؤهلة له وهو دور خطير وهام ولا يقدر غيرها قط على القيام به وأقنعوها بأن تناطح الرجل في مجالات عمله فاصطدموا بصفات المرأة وطباعها التي تعوقها دون الانطلاق في هذه المجالات واصطدموا بالمصاعب الناشئة عن فراغ وظيفة المرأة الأساسية في بيتها .. فبدءوا يخترعون حلولاً زادت الطين بلة.
وها نحن نعيش في طين العلمانية التي لطخت به مجتمعاتنا ولولا الحياء لاستعرضت نبذا من الصور القذرة التي صارت للأسف قاسما مشتركا في يوميات حياة الشعب المصري .. فالإسلام لم يهمل المرأة .. بل جعل لها دورا خطيرا لا يقدر عليه غيرها .. أعني تربية الناشئة وحضانتهن لإخراج جيل صالح مهيّأ لأداء دوره في خدمة المجتمع.
وعندما تهمل المرأة هذه الوظيفة فإنها تظلم المجتمع كله لأنها ستلقي إليه بعناصر لم يتم إعدادها.
والإسلام إذ يقرر للمرأة هذا الدور يوجب أيضاً إعدادها له تعليماً وتثقيفا.
بقيت كلمة عن تفاعل المرأة والرجل في حركتهما في الحياة
هذا التفاعل في بعض صوره ينتج آثارا ضارة ومن ثم جاء الشرع بقيود على هذا التفاعل لتجنب آثاره الضارة بل المدمرة لأخلاق المجتمع .
وعندما تتمرد المرأة والرجل على هذه القيود لا يكون ثمة نتيجة إلا ما نراه في الغرب من أخلاقيات .. فليست أحكام الشرع من منع الاختلاط وحظر سفر المرأة سفراً طويلاً بغير محرم، وتحريم الخلوة ، وأمر المرأة بستر جسدها وتحريم لمس الرجل المرأة الأجنبية عنه ولو بالمصافحة وأمر الرجل وكذا المرأة بغض البصر.
أقول ليست هذه الأحكام مجرد تضييق من الشرع على المرأة أو على الرجل بل هي تنظيم للعلاقة بينهما كي لا يترديا إلى هذه الحياة البهيمية التي يريدها لنا العلمانيون اقتداء بسادتهم في أوربا.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخل أحدهم جحر ضب خرب لدخلتموه وراءهم .. قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن ؟"
يقولون أننا مهتمون بالشكليات وسفاسف الأمور.
يقولون إن الشباب المسلم مهتم بسفاسف الأمور منشغل بالمظهر دون الجوهر متعلق بالقشور دون مهمات الأمور.
ولهم نقول إن العبد له ظاهر في لباسه وهيئته وسائر تصرفاته، وطريقته في التعامل كما أنه لابد له من عمل وهدف يسعى لتحقيقه.
لا يوجد إنسان يتخلى عن بعض شئون الظاهر بدعوى انشغاله بما هو أهم من الأعمال .. فلا يوجد إنسان لا ثياب له مثلا.
والرسول صلى الله عليه وسلم هو أقل الناس تكلفا في أمور هيئته ومشيته بل كان في ذلك كله متواضعا يجري هذه الأمور على قانون سهل يسير لا كلفة فيه وهو الذي أدبه ربه أن يقول }وما أنا من المتكلفين{ فما كان عليه الصلاة والسلام متكلفاً في شأن من شئونه صغيرا أم كبيرا، لذا كان الرجل من الأعراب إذا قدم المدينة ودخل على مجلس رسول الله لم يعرفه من بين أصحابه لعدم تميزه منهم بعلامة ظاهرة لا في لبسه ولا مجلسه ولا غير ذلك.
بينما كان الملوك في عصره يتميزون في كل شئ ويتكلفون في كل شئونهم ومظاهرهم. وبالمثل نجد أتباعه صلى الله عليه وسلم في كل عصر من العصور المقتدين به أبعد الناس عن التكلف. وسنتناول مثالا واحدا يوضح ما نقوله أبين توضيح ويبين كذب من افترى علينا وأنهم أحق منا بهذه التهمة.
فقد كثر هجوم الإعلام العلماني على المنتقبات والملتحين وكثر حديثهم عن اهتمام التيار الإسلامي بالشكليات ولا يجدون إلا اللحية والنقاب كمثال على هذا الاهتمام الزائد بالشكليات بينما ينعون علينا في ذات الوقت ترك عظائم الأمور المهمة.
سيف المولى
07-06-2005, 10:37
ونحن نسأل أيهما أقل بعداً عن الاهتمام بالشكليات من ترتدي زياً واحداً تقتدي فيه بأمهات المؤمنين مع ما فيه من طهر وعفة وصون لعرضها من أذى المتطاولين وعيون الطامعين .. أم من تغير طريقة تفصيل ثيابها في كل عام مرة أو اثنتين تبعا لآخر صيحات الموضه، وتقضى الساعات الطوال في تشكيل هيئتها الخارجية بدءاً من تسريحة الشعر وانتهاءً بطلاء أظافر القدمين لتجري ذلك كله على آخر ما فعلته نساء أوربا ؟!!.
أيهما أشد بعداً عن الاهتمام بالشكليات .. من أطلق لحيته اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أم من يحلقها صباح كل يوم ؟!
تالله لو لم يكن في المسألة تحريم وتحليل لقلنا أن من أطلقها أراح نفسه .. وكذا من ارتدت لباس الطهر أراحت نفسها.
فكيف لو كانت هذه الأمور قد وردت في أوامر قرآنية أو أحاديث نبوية . ولماذا كان الاقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتنفيذ أوامره أمرا مرفوضا بينما الاقتداء بالأوربيين محمود عندكم ممدوح فاعله رغم ما فيه من تكلف وعنت وخروج عن الفطرة ؟!!.
ولسنا ننسى أن نذكر أن متابعة الظاهر توجب محبة الباطن فمن كان في ظاهره متابعاً للرسول في هديه كله صغيره وكبيره أورثته هذه المتابعة محبة قلبية للرسول لا محالة وهذه المحبة تدفعه للاستمساك أكثر وأكثر بالتأسي بمحبوبه.
والتحقيق أن كل متابعة للرسول صلى الله عليه وسلم في هديه واقعة بين محبتين ، محبة تسبقها هي التي حملت المسلم على التأسي بنبيه ومحبة تعقبها. كما أن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا ممن يحب الله تعالى وهي أي المتابعة توجب محبة الله للعبد كما قال تعالى }قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم {
فأي شئ يجنيه من يتركون متابعة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ويقتدون بغيره.. هل سينالون محبة أوروبا ؟!!.
ثم كذبوا مرة أخرى عندما قالوا إن التيار الإسلامي شغلته سنن الظاهر وآدابه عن عظائم الأمور ومشاكل البلاد والعباد !!.
لا والله لم يحدث ذلك بل إن جريمة التيار الإسلامي أنه دس أنفه في عظائم الأمور ورفض أن يساق مع القطيع واعترض وانتقد وجاهر برأيه فيما خاف غيره أن يتحدث فيه .
وهل أعلن أحد موقفه واضحاً من الانكسار أمام اليهود مثلما أعلن الإسلاميون ؟ .. هل جاهد أحد لإنقاذ المنطقة من ال******* منذ عشرات السنيين كما جاهد الإسلاميون ؟ .. هل اعترض على ظلم الحكام وعنتهم وخروجهم على قانون العدل الإلهي مثلما فعل الإسلاميون ؟.
هل دعا أحد إلى الإصلاح الجذري وترك الترقيعات البالية مثلما دعا الإسلاميون ؟. هل اجتهد أحد في رفع الظلم ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف في كل مكان مثلما فعل الإسلاميون؟.
وهل كرهت الدولة الإسلاميين إلا لأنهم دسوا أنوفهم في كل هذه الأمور .. بينما تريد الإسلام مظهراً فقط .. احتفالات بالمولد النبوي، ومسيرات حلقات الصوفية وهتافاً بحياة الزعيم .!!
يقول المستشار طارق البشري:
"أتصور أن المثقفين الإسلاميين ليسوا سطحيين ولا يصدق عليهم هذا الاتهام فهم يطالبون بتحقيق أهداف هي لازمة للحياة الاجتماعية وللجماعة السياسية في بلادنا .. إنهم يطالبون بأن تكون المرجعية لأحكام الإسلام في قيم المجتمع وفي تنظيم العلاقات بين البشر في السلوك .. وهذه المطالب لا تتهم بالسطحية لأنها مطالب حقيقية تحتاجها الجماعة بالفعل وافتقادها هذه المطالب يمس الجماعة ويضعف من شوكتها ويوهن من قوتها ومن مواجهتها للمشاكل والعقبات التي تتراءى في هذه المرحلة التاريخية من حيث المخاطر الخارجية التي تواجه بلادنا ومن حيث ما يتعين كفالته لتحقيق النهضة الاجتماعية ".
ثم إننا نسألهم : ها أنتم قد تركتم كل ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من هدي ظاهر .. فلماذا لم نركم قد أوليتم أدنى اهتمام بعظائم الأمور ؟! لماذا ما زلتم في التفاهات منغمسين .. ألستم أنتم مشجعو الكرة وأصحاب عروض الأزياء ؟! فأين عظائم الأمور في حياتكم .. هل وصلتم القمر ؟! أم علمتم سر القنبلة النووية ؟! بل هل استطعتم صنع سيارة واحدة ؟! فهذا حالكم وهذا انشغالكم بالسفاسف والسفاهات ينطق عليكم أنكم أحق منا بهذه التهمة .
بينما تجد من يمتثل لأمر الله ورسوله في القليل ويطيعهما في إطلاق اللحية ونحو ذلك ، تجده اكثر التزاما وأعلى همة عندما يأتي الشرع ببناء الدولة المسلمة وتقويتها وتحقيق تقدمها في مختلف المجالات .. وهذا هو ما فعله المسلمون الأوائل الذين نقتدي بهم .
فماذا فعلتم أنتم ؟!
ثم ما بالهم يتخبطون في اتهاماتهم لنا فيتهمونا بالشيء وضده ، فينما يهاجموننا لأننا نقحم الدين في السياسة وأنا نسعى للحكم نجدهم فجأة يتهموننا بأننا نهتم بسفاسف الأمور دون مهماتها .. فكيف يجتمع الأمران في نفس الوقت ؟!
ولنختم الحديث في هذا الموضوع بما فعله عمر وهو يحتضر إذ رأى شاباً قد أتى يعوده عند موته وقد جر ثوبه في الأرض فقال : "ارفع إزارك فإنه أطهر لثوبك وأتقى لربك " فلم ينس وهو يحتضر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جر الثوب خيلاء . فهل كان عمر مهتما بسفاسف الأمور .. كلا بل هو يعظم أمر الله ورسوله أن يعصياهما أحد .
هذا هو عمر الذي اقترن العدل والقوة والفتوحات العظيمة باسمه . وهؤلاء أحفاده من بعده يسيرون على دربه ولو كره العلمانيون ..
……….
……
أيها المستشار ..
جريمتي وجريمة الواقفين خلف القضبان أننا سمعنا قول الله تعالى }ففروا إلى الله{ فسارعنا إليه وسمعنا أمره }استجيبوا لربكم { فاستجبنا .
ولو جئنا –يا أيها القاضي- في زمن قوة المسلمين وعزتهم .. وكنا في رحاب خلافتهم لكنا من المكرمين .. أو على الأقل لما كنا من المحاربين المطاردين . لكن قدرنا –والحمد لله على كل حال- أننا جئنا في زمن غربة الإسلام .. فصرنا غرباء .. غرباء بين أهلنا .. غرباء في أوطاننا .. غرباء .
لذا يحدث لنا ما يحدث الآن ..جزء كبير منه راجع إلى عباد الصليب وعبدة العجل .. فلم ينسوا أننا أحفاد خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وصلاح الدين .. ولو تبرأنا منهم وأدرنا ظهورنا لهم لانقطعت الحرب علينا .. لكن لا .. والله لا نتبرأ منهم قط فهم أجدادنا .. ونحن على دربهم سائرون فمن شاء فلير منا بما شاء من عداوة }فإن حسبي الله لا اله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم {.
جريمتنا أننا رأينا الناس في غفلة في كل واد يهيمون فسرنا وراءهم ننادي فيهم }استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله{
جريمتنا أننا انتزعنا مئات الألوف من شباب الأمة من هذه المعصية ووحل الشهوة وأوقفناهم على أعتاب قول الله تعالى }والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيما{.
جريمتنا أننا وقد رأينا ديننا محاربا لم نخف بل قلنا نحورنا دونه وأرواحنا دونه .
جريمتنا أننا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي من خلف قرون عديدة .. من ينصرني وله الجنة .. فمددنا أيدينا وبايعناه على نصرة هذا الدين وعلى تبليغ رسالة الله ، واشترطنا يوم البيعة أن ثمنها الجنة فوعدنا رسولنا بذلك فقلنا لا نقيل ولا نستقيل ..
جريمتنا أننا عندما سمعنا الله يقول :} إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة { بعناها بهذا الثمن وأعطانا ربنا صك البيع }وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن{ ونحن من يومها واقفون ببضاعتنا على باب الله في انتظار أن يقبلها ويمن علينا بالثمن .
واليوم يخوفوننا بالقتل شنقاً أو بالرصاص أو بالتعذيب كي نرجع في بيعتنا أو ننكص على أعقابنا .. لا والله لا يكون هذا أبدا حتى يعود اللبن في الضرع. وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض شئ إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة " وفي رواية "لما يرى من فضل الشهادة" .
أيها القاضي المستشار ..
إن لي من إخواني وأحبتي من لا أحصي وقد نالوا الشهادة .. نالها علي عبد الفتاح عند جلال أباد .. ونالها الدكتور خالد حفني على مشارف كابول .. وناله علاء محي الدين في القاهرة .. ونالها أحمد هاشم في سبعة من إخوانه في لحظة واحدة في منقباد .. كل هؤلاء من حملة القرآن حفظة كتاب الله، الذين تهتز لهم الأرض غضبا فكيف بمقتلهم .. أفتراني لست في شوق للحاق بهم ؟.. أتراني لا أعلم أني على قائمة المطلوب قتلهم في مصر كما فعل بغيري ؟.. أم لا أدري أن معي تهديداً بالقتل سواء في القاهرة أم بغيره ، كما فعل بالسنانيري، وسليمان خاطر، وكما فعل بأحمد هاشم ومحمد مختار ؟..
ولكني فقط أعيذك بالله أن تأتي ربك ويداك ملطخة بدماء من يغضب الله لهم .. ويغضب لهم رسوله وملائكته.. أيمكنك – بالله – أن تقف يوم القيامة نطالبك أنت بدمائنا ؟.. دع غيرك يفعلها .. فبنادق كثيرة في انتظارنا وعندهم ممن لا يخافون الله ولا اليوم الآخر العدد الغفير .
أيها القاضي : أنت تحاكمنا اليوم .. والله يحاكمك يوم القيامة فقدم لنفسك فلا والله لا يرضى الله منك بظلم مثقال ذرة ، فإنه يأتي الوالي العادل ويداه مغلولتان إلى عنقه لا يفكهما إلا عدله .. هذا في العادل فكيف لو ظلم .
أيها القاضي : يراد منك اليوم أن تحارب دينك وربك ورسوله وتعاديهما فلا تفعل .
أيها القاضي المستشار : |أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سبقت إليه فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه .
أيها القاضي المستشار: حق الله ألزم من حق الحاكم والله أحق أن يطاع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .. فاعرض كتابك على كتاب الله عز وجل ، فإن وجدته موافقا لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فانبذه .
أيها القاضي المستشار : اتق الله فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك .. فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك وتقدم على ربك وتنزل على عملك.
أيها القاضي المستشار : إن الناس في القيامة لا ينجون من غصص مرارتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه .
وبعدما فرغ صفوت من كلماته الأخيرة ، فإذا هو يلتفت في إطلالة وجيزة إلى رفاقه خلف القضبان يقول لهم :
إخواني خلف الأسوار :
لما أوذي نبينا صلى الله عليه وسلم يوم الطائف رفع يديه ودعا :
"اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس .. يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي .. إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟..أم إلى عدو ملكته أمري..؟ ، إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي .. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت عليه الظلومات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة .. من أن تنزل بي غضبك .. أو يحل علي سخطك .. لك العتبى حتى ترضى .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فيا رب …يا رب .. يا رب
باسم الفراخ الزغب هيض جناحهم
فقدوا الأب الحاني بغير منوني
بدعاء شيخ شردوا أبناءه
ما بين معتقل وبين سجين
بدموع أم روعها في ابنها
ولكل دمع في العيون سخين
بسهاد زوج غاب عنها زوجها
فبكت لفرط جوى وفرط حنين
رباه رد على مؤنس وحشتي
وأغث بعودته جياع بنين
يا من أجبت دعاء نوح فانتصر
وحملته في فلكك المشحون
يا من أحال النار حول خليله
روحاً وريحانا بقولك كوني
يا من جعلت الحوت يلفظ يونُسا
وسترته بشجيرة اليقطين
يا رب إنا مثله في محنة
فارحم عباداً كلهم ذو النون
فارحم عباداً كلهم ذو النون
بينما من يعيبوننا في هذا الشأن ويثرثرون بأننا نريد الحكم-وكأن الحكم من بقية تركة آبائهم التي ورثوها عنهم نجدهم يريدون الحكم لذواتهم وأشخاصهم بحيث لا يتصور أحدهم أن يتركه ولو لأقرب المقربين له وقديما قالت العرب في أمثلها "رمتني بدائها وأنسلت"
يقولون أننا أعداء التنوير ودعاة للظلام
ونحن عندهم أعداء للتنوير دعاة للظلام وأيضا رجعيون أما التنوير فيقصدون به ما عند أسيادهم الغربيين من مبادئ وقيم وأما الظلام فهو الاسم الحركي للإسلام فكل من يدعو للعودة للدين ومبادئه وشرائعه وأخلاقه وأحكامه فهو من دعاة الظلام عندهم وهو أيضا رجعي.
لكن بأي مقياس قاسوا الأمور وكيف صار الشرع الروماني ظلاما بينما الشرع الأوربي استنارة فهذا ما يحتاج إلى إجابة.
والحق أن القوم يصدق فيهم قول الشاعر:
ومن يك ذا فم مر مريض … … يجد مرا به الماء الزلالا
منهم مرضى القلوب والعقول لذا لم تنفتح قلوبهم وعقولهم لهذا الدين بل ، ابغضوه حتى عدوه ظلاما بينما توافقت طبائعهم مع ما يجري في الغرب من عهر وفحش وتمرد علي الله فعدوا ذلك تقدما وتحضرا واستنارة .
سيصيحون بأنا رأينا أوروبا متقدمة فنادينا بالنهل من معين تقدمها العلمي.
سنجيبهم كذبتم .. فأنتم لم تنهلوا من هذا ولو فعلتم لما أنكرنا عليكم ، بل تركتم هذا عمدا –وهو الجانب الإيجابي الوحيد في الأمم الغربية -مع سوء استخدامهم له- تركتموه وسعيتم وراء كل دنس حقير من أخلاق الغرب وعاداته وأفكاره .
فأنتم في سدة الحكم منذ عشرات السنين بل مئات السنين بلا منازع ، والإسلاميون طوال هذه الفترة إما في السجون أو علي المشانق أيضا بلا منازع .. فلماذا لم تستقدموا من الغرب علومه ؟!.. ولماذا لم تستقدموا منهم احترامهم لشعوبهم ونزول الحاكم علي اختيار المحكوم ؟! .. لماذا اكتفيتم بأفلامه ومسلسلاته وأخر خطوط الموضة وتعري المرأة ومخالطتها الرجال-الذي تسمونه تحررا ؟!!
لقد فعلتموه عمداً إذن..أو علي أقل تقدير لقد منعكم سادتكم في الغرب من الاقتباس من علومهم وصدروا إليكم أخلاقهم ..ثم ضحكتم علي شعوبكم وتقولون استنارة وتنوير !!.
ولقد كان من المفترض أن تستحوا من ذلك .. فما تسمونه استنارة وتنويرا هي الأفكار والمبادئ التي زرعها المستعمر الإنجليزي ومن قبله الحملة الفرنسية..
زرعوها بالحرب في تربة بلادنا وظل اللورد كرومر وأمثاله يرعونها ويرعون قائليها ولم يرحلوا إلا بعد أن اطمأنوا لوجود طابور خامس بين أبناء الوطن ينعق بها في الناس.
كان من المفترض –لو كان عند العلمانيين كرامة ولا أقول دين لأن هذا شيء قد تبرؤا منه أن يستحيوا من الدفاع عن أفكار غرسها المحتل قسرا في أرضنا ، لكن أنى لهم ذلك وهم من جملة من قال فيهم رسول الله صلي الله علية وسلم (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)
وهذه محصلة مسيرة التنوير التي بدأها نابليون بونابرت وسار عليها محمد علي -وهو بالمناسبة كان أميا لا يقرأ ولا يكتب وأصابه الجنون قبل موته – ثم أكملها المحتل الإنجليزي ثم أكملها عسكر يوليو .. فقر وديون وتخلف وضعف وهزائم عسكرية وفشل اقتصادي وعمالة للغرب وتحلل خلقي وتفسخ وانهيار اجتماعي وأمية متفشية.
هذا هو تنويرهم ..الذي يحاربون للإبقاء عليه !!.
وفى المقابل نكون نحن الظلاميين ، لأننا ندعو إلى العودة إلى أصل الأصول ، الذي عندما استمسكنا به سدنا العالم بالحق وأقمنا في ربوعه العدل وملكنا ناصية التقدم وحزنا أسباب القوة حتى وقف الشرق والغرب أمام أمتنا بين خائف منها ومحترم لها.
نعم ليس عندنا إلا كتاب الله وسنة رسوله ولا ندعو إلا لهما فهل في هذا ظلام ؟!!
(كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا)
بل فيهما النور والهدي والشفاء والرحمة.
(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)
(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )
(ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا)
(نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء)
فإذا تبين أن دعوتهم إلى مبادئ الغربيين وأخلاقهم وأن دعوتنا إلى كتاب الله وسنة رسوله .
فلست أظن أني في حاجة لأن أعقد مقارنة بين ما عند الغرب وبين ما جاء من عند الله .
تأبى والله على عزة الإسلام ذلك .
فما كان منهج من صنيع مخلوق أن يرقى لمنزلة تسمح له بمجرد ان يطمح في عقد مقارنة بينه وبين منهج الله ولو في جزئية واحدة .
( قل لا يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يُسمِع من يشاء وما أنت بمسمع مَن في القبور).
يقولون أننا أعداء للإبداع والفن !!
زعموا أننا أعداء للإبداع والفن..ولم يقولوا أي إبداع يقصدون وأي فن يعنون ؟!.
فالإبداع وهو الإتيان بالشيء على غير مثال سابق أي الابتكار والفن ومعناه التزيين والمهارة .. وكلاهما مجرد أداة محايدة أعني وسيلة يمكن استخدامها في الخير والشر.
فإن أرادوا منا أن نقبل كل إبداع وكل فن فهذا لا يكون أبدا .. فإنه لا يقبل كل ما يلقى إلية إلا البهائم لا والله إن البهائم لها درجة تمييز فلا تقبل ما فيه مضرتها .. لذا جعل ربنا من ضل من بني آدم فلم يفرق بين ما ينفعه وما يضره شراً من الأنعام فقال جل وعلا (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)
فلما لم ينتفعوا بما أعطاهم الله من سمع وبصر وعقل نزلوا إلى درك أحط من البهائم.
فلا بد من تمييز بين النافع والضار والحسن والقبيح والحلال والحرام.
فليس كل من أبدع شيئا على غير مثال سابق رحبنا بإبداعه كيف وقد قال رسول الله صلى الله علية وسلم : (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)
وليس كل من زين شيئا ومهر فيه قبلنا تزيينه كيف وقد قال تعالى :
(وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم) وقال جل شأنه : (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا)
وقد سئل الشافعي رحمه الله عن الشعر فقال : "هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح".
وقد استمع رسول الله صلى الله علية وسلم إلى الشعر وهو من أرقي أنواع الإبداع الفني وكان يطلب من أصحابه أن يسمعوه إياه وكان يحث حسان بن ثابت أن ينافح عن الدين ويهجو الكافرين وكذلك كان أصحابه ومازال المسلمون في كل عصر ينشدون الشعر ويتناقلونه من غير نكير.. وهذا كله فيما هو مباح..
وأما ما هو محرم فحاشا أن يكون مقبولا عند المسلمين لذا أفتى العلماء بعدم جواز سماع شعر فيه فحش من القول كالغزل الصريح أو الهجاء لمسلم وقد اشتري عمر بن الخطاب أعراض المسلمين من شاعر اشتهر بالهجاء وهو الحطيئة أي أنه دفع إليه مالاً ليكف عن هجاء المسلمين ويروى أنه هدده بقطع لسانه إن لم يمتنع عن ذلك الهجاء.
والنظر إلى العمل الفني للحكم عليه بالقبول أو الرفض يجب أن يشمل تقييمه من ناحيتين.
الأولى: الهدف الذي يسعى هذا العمل لتحقيقه ..أي القيمة التي يريد غرسها في عقل المتلقي .
الثانية: الوسيلة التي يستخدمها لتحقيق هذا الهدف ولغرس تلك القيمة.
فان كان العمل الفني شعرا أو قصة أو رسما أو غيره يساهم في غرس قيم قد اعتبرها الإسلام قيما صالحه كالشجاعة والعفة والطهر والرحمة بالضعفاء والزهد فيما هو فان والرغبة فيما عند الله و المروءة وحسن الخلق..
وكان في ذات الوقت يستخدم وسائل مباحة لا حرمة فيها فلا يستخدم صورة امرأة عارية أو صوت امرأة فيه تكسر أو رسم ما فيه روح -لورود النهي عن ذلك صريحا- أو تجسيمه على هيئة تماثيل .
إذا اجتمع في العمل هذان الشرطان فهو مقبول وصاحبه مثاب إن شاء الله تعالي إذا أراد بعمله وجه الله .
أما إذا افتقد العمل الفني أحد هذين الشرطين شرعية الهدف أو شرعية الوسيلة فهو محرم مردود وصاحبه مذموم آثم بل إن إثمه مضاعف لأنه لم يكتف بعرض ما هو منكر بل راح يزينه ويستدرج الناس إليه .
ولو تأملنا كثير من العادات والقيم القبيحة التي زرعت في الشعب المصري مثلا لرأينا للفن دورا كبيرا في تعويد الناس عليها.
فالعرى واختلاط المرأة بالرجال ومصادقتها لهم والحب والعشق والزنا والخيانة الزوجية والغدر والاحتيال والتكالب على متاع الدنيا الزائل ونسيان الآخرة والركوع أمام الحكام واعتقاد عصمتهم ، والإدمان على المخدرات ، وتعظيم الأوربي والتأسي به واعتقاد فضله ، والتفاهة والسطحية وترك معالي الأمور والاهتمام بسفاسفها وغيرها من المظاهر والقيم الرديئة الهابطة .. قد ساهم الفن خلال نصف القرن الماضي في زرعها في تربة المجتمع وراح يغذيها شيئاً بعد شئ بالأغنية واللحن والفيلم والتمثيلية والمسرحية والكاريكاتير والنحت والتصوير .. حتى صارت قيما راسخة في الشخصية المصرية.
وفي بعض الأحيان تجد العمل الفني يكاد يصرح تصريحا لتجنيده هذه الأشياء وفي أحيان أخرى يدس السم في العسل وكلاهما مرفوض محرم .
ومن عجب أن بعضهم قد استنكر علينا تفريقنا بين فن وآخر وإدخال الحلال والحرام في تقييم الفن والإبداع .. وزعموا أن هذا إقحام للدين فيما لا دخل له فيه وهذا قول علماني رديء مبني علي نظريتهم الباطلة في عزل الدين عن الدنيا .
وقال بعضهم إن الفن للفن ..أي لا يلتفت في تقييمه لغاياته أو وسائله أو غيرها بل يقيم فقط من الناحية الفنية .
وهذا القول أضل من سابقة سبيلا ولو صح إمكان تحييد العمل الفني وجعله لمجرد الفن لكانت هذه تفاهة لا يليق بالعقلاء الانشغال بها فكيف بأمة ضعيفة ضاع مجدها وتملك الأعداء مقدساتها وقتلوا أبناءها فحري بهذه الأمة أن لا تنشغل إلا بمباحات الأمور لا بسفاسفها وأن تدع الفن جانبا إن كان لمجرد الفن فقط.
فما بالكم وهذا الزعم كاذب لا يصح بأي حال من الأحوال بل لا بد للعمل الفني من تأثير على مشاهده أو متلقيه بل إن له مجموعة كبيرة من التأثيرات المباشرة .. هذه التأثيرات إما مفيدة حسنه و إما ضاره قبيحة ولا ثالث لهما .. ذلك أن صاحب العمل كاتبا أو شاعرا أو غيرهما له تصوراته وقيمة ومفاهيمه وهذه لابد أن تنعكس على عمله شاء أم أبي .. حتى لو ادعي خلاف ذلك وزعم أن عمله الفني محايد لا علاقة له بفكره وعقيدته فهو كاذب في دعواه .. بل لا بد أن ينضح الإناء بما فيه .. ثم لابد -بعد ذلك – أن يتأثر من شرب هذا الإناء بما فيه .
ولو تساءلنا عن الأعمال الفنية في بلادنا وعن انتمائها وأهدافها لوجدناها بكل أسف أعمالا تابعة متأثرة إما بالغرب ومدرسته الانحلالية ورؤيته المادية للحياة التي تبيح كل متاعها حلاله وحرامه وتحرض الناس على النهل من شهواتها بأكبر قدر ممكن .. وإما متأثر بالشرق ومدرسته الإلحادية القائمة على إنكار الأديان والسخرية بما جاء به الإسلام من عقائد وشعائر إما صراحة وإما ضمنا كما كتب أحدهم عليه من الله ما يستحق :
,,قدر أحمق الخُطى … سحقت هامتي خطاه,,
وتغنى بها الناس ورددوها ملايين وهى كفر بالله العظيم لأن القدر من الله والإيمان به واجب .. والله تعالى حكيم لا يقدر شيئا إلا لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها.
أما الحماقة فقائل البيت ومغنيه ومرددوه هم أهلها وأصحابها.
فان قيل إن كنتم تنكرون على الفن الذي يقوم حاليا فأين البديل الذي تقدمونه أنتم أم هل اكتفيتم بالرفض فقط ؟.
قلنا: لا لم نكتف بالرفض فقط ولكن الحركة الإسلامية حاولت وتحاول تقديم هذا البديل بقدر إمكاناتها فمن المعلوم أن النظام قد قصر وسائل التعبير والإعلام على العلمانيين فلا يسمح فيها إلا بالفن العلماني فقط ..ومن المعلوم أن الصحوة الإسلامية المطاردة لا تكاد تجد إلا منافذ قليلة وإمكانات قليلة لإبراز إنتاجها الفني والأدبي.
ومن المعلوم أن أبناء الصحوة الإسلامية مطاردون لا يجد كثير منهم مأوى يأوي إليه.
كل هذا كان له أثر في تغييب إنتاجيات الشباب المسلم الأدبية والفنية.
وسوف اقدم للمحكمة –إن شاء الله- نماذج منها في الشعر والقصة القصيرة والمسرحية والرسم والغناء أقصد الإنشاد الذي ليس معه معازف لورود الحديث بحرمة المعازف .
بقيت كلمه حول الفن والترويح .. تتعلق بالحكمة في عدم جوازهما بما هو محرم ..ذلك أن الله تعالي يريد صلاح النفس البشرية وأبعادها عما فيه فسادها في الدنيا وشقاؤها في الآخرة .. ولا أحد غيره سبحانه يحيط علما بما يساهم في صلاحها وما يعين على فسادها }ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء{ .. ومن ثم فقد أباح لها ما علم أنه يصلحها ويعينها على قطع مغارز التكاليف الشرعية ما يغنيها عن الحرام، وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم "اللهم أغنني بحلالك عن حرامك " .. وليس ثمة غريزة من الغرائز أو حاجة من الحاجات التي فطر الله النفس البشرية عليها إلا وقد شرع عليها إلا وقد شرع لها من المباح ما يمكنها من إشباع هذه الغريزة وقضاء هذه الحاجة فلم يأت الشرع ليكبت حاجات الإنسان الفطرية بل ليقضيها ولكن من أبواب المباح الطيب الطاهر الذي يصلح النفوس ولا يفسدها ويشقيها .. فلماذا إذن الإصرار على استخدام الفن فيما هو محرم شكلاً ومضموناً ؟ ولماذا التقليد الأعمى لأوروبا في استخدامها للكلمة المكتوبة والمسموعة والصورة الثابتة والمتحركة في نشر قيم فاسدة عقلاً وشرعا ولكنها مباحة عندهم هم بسبب انتكاس فطرتهم .. لماذا هذا التقليد الأعمى للأوربيين ؟!
مازلنا نبحث لهذا السؤال عن إجابة ..
يقولون أننا أعداء المرأة :
يقولون إننا نهضم المرأة حقها ونريد ظلمها .. وقبل أن نجيبهم نود أن نكشف مدعي هذه التهمة .. لأن قيمة القول قيمة قائليه .. فإذا كان من يتهموننا هم الذين قال أحدهم ]كيف تكون شهادة بواب عمارتنا تعادل شهادة "أمينة السعيد" .. و"سهير القلماوي" معا !! هل نستطيع الآن أن نقول هذا؟[
وقالت إحداهن ]أنا لا أطمئن على حقوق المرأة في بلادنا إلا إذا تساوت مع الرجل في الميراث[ !! وقالت: ]كيف نأخذ بأقوال الفقهاء الأربعة وقد ولدوا في عهود الظلام وعندنا الميثاق [ .. لعنة الله على الميثاق .
إذا كان أعداؤنا هم هؤلاء :
فإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل
وقبل أن نرد عليهم نحب أن نقدم بأربع مقدمات .
المقدمة الأولى:
قال تعالى :}ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون{ وقال تعالى : }سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسكم ومما لا تعلمون{
فاقتضت حكمته جل وعلا أن يخلق ثنائيات ليست متشابهة بل متكاملة كالليل والنهار والذكر والأنثى .. والحرارة والبرودة .. إلى آخره مما نعلم ومما لا نعلم. وهي بتكاملها تضع هذه المنظومة الكونية الرائعة التي لا خلل فيها ولا نقص ولا عوج. ولو جاءت متشابهة لأختل نظام الكون واضطربت أموره .. فمثلاً لو جاء النهار مظلما كما الليل إذن لانقطعت المعايش وبالعكس لو جاء الليل مضيئا كما النهار لانقطع السكون وفي كلتا الحالتين ستنتهي حياة النبات والحيوان والإنسان إلى دمار وفناء أو اضطراب عظيم لا ينتفعون معه بدنياهم .
المقدمة الثانية:
وهي أن كل مخلوق في هذا الكون له دوره المحدد له بحيث لو تركه وأهمله اختل نظام المعايش .. فتصور مثلاً أن الشمس كان لها اختيار وعقل فقررت أن تقترب قليلاً من الأرض حتى صهرتها وصهرتنا معها .. ولنتصور جدلاً أن أحد الكواكب قررت أن أن تقترب من كوكبنا لتلقي التحية علينا وغمزت الأرض غمزة خفيفة فنفضتنا جميعاً إلى خارج غلافها الجوي .
بالطبع شئ من هذه لن يحدث على الأقل قبل يوم القيامة .
المقدمة الثالثة |:
تتلخص في أن خالق كل شئ سبحانه قد أودع في كل مخلوق من الصفات والطباع والقدرات الجسمية والنفسية والعاطفية والعقلية ما يؤهله للقيام بوظيفته التي خلق لها .. فلم يعطه الصفات والقدرات اللازمة لأي وظيفة ولا لكل وظيفة .. بل لوظيفته التي خلق لها . وفي هذه المقدمة تفصيل طويل ليس هذا مكانه.
المقدمة الرابعة :
أن كل مخلوق قد كلفه الله بتكليف هو مسئول عنه بين يدي ربه ولا يحق له تركه والتشاغل بغيره فمهمة القاضي غير مهمة المقاتل .. ووظيفة طالب العلم تخالف وظيفة الحاكم .. ولو ترك المقاتل ميدان معركته وانشغل بالقضاء لكان أخطأ من وجهين الأول أنه أخلى جبهة القتال فربما افسد بل هو قطعا سوف يفسد.
فإذا نظرنا في القضية موضع النزاع على ضوء المقدمات السالفة فإنا نستطيع أن نستخلص دون عناء عدة نتائج حاسمة .
فالمرأة كالرجل كلاهما عبد مخلوق لنفس الغاية.. لكن كلا منهما له دوره في عمارة الكون .. والوظيفتان وظيفة الرجل والمرأة تتكاملان لتسيير شئون الحياة ولا تتشابهان بالضرورة بل تختلفان في مواضع كثيرة لأن الاختلاف أساس التكامل ولو ترك أحدهما دوره وقلد الآخر في عمله لأفسد مكن وجهين :
الأول :- أنه ترك وظيفة بلا أداء.
والثاني:- أنه اضطلع بعمل هو ليس مؤهلا له أصلا ولا يستطيع تحصيل مقوماته لأنها شئ قسمه الله يوم خلق الخلق.
ومن ثم يكون من ترك وظيفته وتشاغل بوظيفة صاحبه قد عصى ربه وخالف مولاه وأفسد في الأرض .
وهذا هو الفساد الذي صنعه العلمانيون لما ضحكوا على المرأة واستدرجوها لتترك دورها الذي خلقت مؤهلة له وهو دور خطير وهام ولا يقدر غيرها قط على القيام به وأقنعوها بأن تناطح الرجل في مجالات عمله فاصطدموا بصفات المرأة وطباعها التي تعوقها دون الانطلاق في هذه المجالات واصطدموا بالمصاعب الناشئة عن فراغ وظيفة المرأة الأساسية في بيتها .. فبدءوا يخترعون حلولاً زادت الطين بلة.
وها نحن نعيش في طين العلمانية التي لطخت به مجتمعاتنا ولولا الحياء لاستعرضت نبذا من الصور القذرة التي صارت للأسف قاسما مشتركا في يوميات حياة الشعب المصري .. فالإسلام لم يهمل المرأة .. بل جعل لها دورا خطيرا لا يقدر عليه غيرها .. أعني تربية الناشئة وحضانتهن لإخراج جيل صالح مهيّأ لأداء دوره في خدمة المجتمع.
وعندما تهمل المرأة هذه الوظيفة فإنها تظلم المجتمع كله لأنها ستلقي إليه بعناصر لم يتم إعدادها.
والإسلام إذ يقرر للمرأة هذا الدور يوجب أيضاً إعدادها له تعليماً وتثقيفا.
بقيت كلمة عن تفاعل المرأة والرجل في حركتهما في الحياة
هذا التفاعل في بعض صوره ينتج آثارا ضارة ومن ثم جاء الشرع بقيود على هذا التفاعل لتجنب آثاره الضارة بل المدمرة لأخلاق المجتمع .
وعندما تتمرد المرأة والرجل على هذه القيود لا يكون ثمة نتيجة إلا ما نراه في الغرب من أخلاقيات .. فليست أحكام الشرع من منع الاختلاط وحظر سفر المرأة سفراً طويلاً بغير محرم، وتحريم الخلوة ، وأمر المرأة بستر جسدها وتحريم لمس الرجل المرأة الأجنبية عنه ولو بالمصافحة وأمر الرجل وكذا المرأة بغض البصر.
أقول ليست هذه الأحكام مجرد تضييق من الشرع على المرأة أو على الرجل بل هي تنظيم للعلاقة بينهما كي لا يترديا إلى هذه الحياة البهيمية التي يريدها لنا العلمانيون اقتداء بسادتهم في أوربا.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخل أحدهم جحر ضب خرب لدخلتموه وراءهم .. قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن ؟"
يقولون أننا مهتمون بالشكليات وسفاسف الأمور.
يقولون إن الشباب المسلم مهتم بسفاسف الأمور منشغل بالمظهر دون الجوهر متعلق بالقشور دون مهمات الأمور.
ولهم نقول إن العبد له ظاهر في لباسه وهيئته وسائر تصرفاته، وطريقته في التعامل كما أنه لابد له من عمل وهدف يسعى لتحقيقه.
لا يوجد إنسان يتخلى عن بعض شئون الظاهر بدعوى انشغاله بما هو أهم من الأعمال .. فلا يوجد إنسان لا ثياب له مثلا.
والرسول صلى الله عليه وسلم هو أقل الناس تكلفا في أمور هيئته ومشيته بل كان في ذلك كله متواضعا يجري هذه الأمور على قانون سهل يسير لا كلفة فيه وهو الذي أدبه ربه أن يقول }وما أنا من المتكلفين{ فما كان عليه الصلاة والسلام متكلفاً في شأن من شئونه صغيرا أم كبيرا، لذا كان الرجل من الأعراب إذا قدم المدينة ودخل على مجلس رسول الله لم يعرفه من بين أصحابه لعدم تميزه منهم بعلامة ظاهرة لا في لبسه ولا مجلسه ولا غير ذلك.
بينما كان الملوك في عصره يتميزون في كل شئ ويتكلفون في كل شئونهم ومظاهرهم. وبالمثل نجد أتباعه صلى الله عليه وسلم في كل عصر من العصور المقتدين به أبعد الناس عن التكلف. وسنتناول مثالا واحدا يوضح ما نقوله أبين توضيح ويبين كذب من افترى علينا وأنهم أحق منا بهذه التهمة.
فقد كثر هجوم الإعلام العلماني على المنتقبات والملتحين وكثر حديثهم عن اهتمام التيار الإسلامي بالشكليات ولا يجدون إلا اللحية والنقاب كمثال على هذا الاهتمام الزائد بالشكليات بينما ينعون علينا في ذات الوقت ترك عظائم الأمور المهمة.
سيف المولى
07-06-2005, 10:37
ونحن نسأل أيهما أقل بعداً عن الاهتمام بالشكليات من ترتدي زياً واحداً تقتدي فيه بأمهات المؤمنين مع ما فيه من طهر وعفة وصون لعرضها من أذى المتطاولين وعيون الطامعين .. أم من تغير طريقة تفصيل ثيابها في كل عام مرة أو اثنتين تبعا لآخر صيحات الموضه، وتقضى الساعات الطوال في تشكيل هيئتها الخارجية بدءاً من تسريحة الشعر وانتهاءً بطلاء أظافر القدمين لتجري ذلك كله على آخر ما فعلته نساء أوربا ؟!!.
أيهما أشد بعداً عن الاهتمام بالشكليات .. من أطلق لحيته اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أم من يحلقها صباح كل يوم ؟!
تالله لو لم يكن في المسألة تحريم وتحليل لقلنا أن من أطلقها أراح نفسه .. وكذا من ارتدت لباس الطهر أراحت نفسها.
فكيف لو كانت هذه الأمور قد وردت في أوامر قرآنية أو أحاديث نبوية . ولماذا كان الاقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتنفيذ أوامره أمرا مرفوضا بينما الاقتداء بالأوربيين محمود عندكم ممدوح فاعله رغم ما فيه من تكلف وعنت وخروج عن الفطرة ؟!!.
ولسنا ننسى أن نذكر أن متابعة الظاهر توجب محبة الباطن فمن كان في ظاهره متابعاً للرسول في هديه كله صغيره وكبيره أورثته هذه المتابعة محبة قلبية للرسول لا محالة وهذه المحبة تدفعه للاستمساك أكثر وأكثر بالتأسي بمحبوبه.
والتحقيق أن كل متابعة للرسول صلى الله عليه وسلم في هديه واقعة بين محبتين ، محبة تسبقها هي التي حملت المسلم على التأسي بنبيه ومحبة تعقبها. كما أن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا ممن يحب الله تعالى وهي أي المتابعة توجب محبة الله للعبد كما قال تعالى }قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم {
فأي شئ يجنيه من يتركون متابعة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ويقتدون بغيره.. هل سينالون محبة أوروبا ؟!!.
ثم كذبوا مرة أخرى عندما قالوا إن التيار الإسلامي شغلته سنن الظاهر وآدابه عن عظائم الأمور ومشاكل البلاد والعباد !!.
لا والله لم يحدث ذلك بل إن جريمة التيار الإسلامي أنه دس أنفه في عظائم الأمور ورفض أن يساق مع القطيع واعترض وانتقد وجاهر برأيه فيما خاف غيره أن يتحدث فيه .
وهل أعلن أحد موقفه واضحاً من الانكسار أمام اليهود مثلما أعلن الإسلاميون ؟ .. هل جاهد أحد لإنقاذ المنطقة من ال******* منذ عشرات السنيين كما جاهد الإسلاميون ؟ .. هل اعترض على ظلم الحكام وعنتهم وخروجهم على قانون العدل الإلهي مثلما فعل الإسلاميون ؟.
هل دعا أحد إلى الإصلاح الجذري وترك الترقيعات البالية مثلما دعا الإسلاميون ؟. هل اجتهد أحد في رفع الظلم ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف في كل مكان مثلما فعل الإسلاميون؟.
وهل كرهت الدولة الإسلاميين إلا لأنهم دسوا أنوفهم في كل هذه الأمور .. بينما تريد الإسلام مظهراً فقط .. احتفالات بالمولد النبوي، ومسيرات حلقات الصوفية وهتافاً بحياة الزعيم .!!
يقول المستشار طارق البشري:
"أتصور أن المثقفين الإسلاميين ليسوا سطحيين ولا يصدق عليهم هذا الاتهام فهم يطالبون بتحقيق أهداف هي لازمة للحياة الاجتماعية وللجماعة السياسية في بلادنا .. إنهم يطالبون بأن تكون المرجعية لأحكام الإسلام في قيم المجتمع وفي تنظيم العلاقات بين البشر في السلوك .. وهذه المطالب لا تتهم بالسطحية لأنها مطالب حقيقية تحتاجها الجماعة بالفعل وافتقادها هذه المطالب يمس الجماعة ويضعف من شوكتها ويوهن من قوتها ومن مواجهتها للمشاكل والعقبات التي تتراءى في هذه المرحلة التاريخية من حيث المخاطر الخارجية التي تواجه بلادنا ومن حيث ما يتعين كفالته لتحقيق النهضة الاجتماعية ".
ثم إننا نسألهم : ها أنتم قد تركتم كل ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من هدي ظاهر .. فلماذا لم نركم قد أوليتم أدنى اهتمام بعظائم الأمور ؟! لماذا ما زلتم في التفاهات منغمسين .. ألستم أنتم مشجعو الكرة وأصحاب عروض الأزياء ؟! فأين عظائم الأمور في حياتكم .. هل وصلتم القمر ؟! أم علمتم سر القنبلة النووية ؟! بل هل استطعتم صنع سيارة واحدة ؟! فهذا حالكم وهذا انشغالكم بالسفاسف والسفاهات ينطق عليكم أنكم أحق منا بهذه التهمة .
بينما تجد من يمتثل لأمر الله ورسوله في القليل ويطيعهما في إطلاق اللحية ونحو ذلك ، تجده اكثر التزاما وأعلى همة عندما يأتي الشرع ببناء الدولة المسلمة وتقويتها وتحقيق تقدمها في مختلف المجالات .. وهذا هو ما فعله المسلمون الأوائل الذين نقتدي بهم .
فماذا فعلتم أنتم ؟!
ثم ما بالهم يتخبطون في اتهاماتهم لنا فيتهمونا بالشيء وضده ، فينما يهاجموننا لأننا نقحم الدين في السياسة وأنا نسعى للحكم نجدهم فجأة يتهموننا بأننا نهتم بسفاسف الأمور دون مهماتها .. فكيف يجتمع الأمران في نفس الوقت ؟!
ولنختم الحديث في هذا الموضوع بما فعله عمر وهو يحتضر إذ رأى شاباً قد أتى يعوده عند موته وقد جر ثوبه في الأرض فقال : "ارفع إزارك فإنه أطهر لثوبك وأتقى لربك " فلم ينس وهو يحتضر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جر الثوب خيلاء . فهل كان عمر مهتما بسفاسف الأمور .. كلا بل هو يعظم أمر الله ورسوله أن يعصياهما أحد .
هذا هو عمر الذي اقترن العدل والقوة والفتوحات العظيمة باسمه . وهؤلاء أحفاده من بعده يسيرون على دربه ولو كره العلمانيون ..
……….
……
أيها المستشار ..
جريمتي وجريمة الواقفين خلف القضبان أننا سمعنا قول الله تعالى }ففروا إلى الله{ فسارعنا إليه وسمعنا أمره }استجيبوا لربكم { فاستجبنا .
ولو جئنا –يا أيها القاضي- في زمن قوة المسلمين وعزتهم .. وكنا في رحاب خلافتهم لكنا من المكرمين .. أو على الأقل لما كنا من المحاربين المطاردين . لكن قدرنا –والحمد لله على كل حال- أننا جئنا في زمن غربة الإسلام .. فصرنا غرباء .. غرباء بين أهلنا .. غرباء في أوطاننا .. غرباء .
لذا يحدث لنا ما يحدث الآن ..جزء كبير منه راجع إلى عباد الصليب وعبدة العجل .. فلم ينسوا أننا أحفاد خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وصلاح الدين .. ولو تبرأنا منهم وأدرنا ظهورنا لهم لانقطعت الحرب علينا .. لكن لا .. والله لا نتبرأ منهم قط فهم أجدادنا .. ونحن على دربهم سائرون فمن شاء فلير منا بما شاء من عداوة }فإن حسبي الله لا اله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم {.
جريمتنا أننا رأينا الناس في غفلة في كل واد يهيمون فسرنا وراءهم ننادي فيهم }استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله{
جريمتنا أننا انتزعنا مئات الألوف من شباب الأمة من هذه المعصية ووحل الشهوة وأوقفناهم على أعتاب قول الله تعالى }والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيما{.
جريمتنا أننا وقد رأينا ديننا محاربا لم نخف بل قلنا نحورنا دونه وأرواحنا دونه .
جريمتنا أننا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي من خلف قرون عديدة .. من ينصرني وله الجنة .. فمددنا أيدينا وبايعناه على نصرة هذا الدين وعلى تبليغ رسالة الله ، واشترطنا يوم البيعة أن ثمنها الجنة فوعدنا رسولنا بذلك فقلنا لا نقيل ولا نستقيل ..
جريمتنا أننا عندما سمعنا الله يقول :} إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة { بعناها بهذا الثمن وأعطانا ربنا صك البيع }وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن{ ونحن من يومها واقفون ببضاعتنا على باب الله في انتظار أن يقبلها ويمن علينا بالثمن .
واليوم يخوفوننا بالقتل شنقاً أو بالرصاص أو بالتعذيب كي نرجع في بيعتنا أو ننكص على أعقابنا .. لا والله لا يكون هذا أبدا حتى يعود اللبن في الضرع. وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض شئ إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة " وفي رواية "لما يرى من فضل الشهادة" .
أيها القاضي المستشار ..
إن لي من إخواني وأحبتي من لا أحصي وقد نالوا الشهادة .. نالها علي عبد الفتاح عند جلال أباد .. ونالها الدكتور خالد حفني على مشارف كابول .. وناله علاء محي الدين في القاهرة .. ونالها أحمد هاشم في سبعة من إخوانه في لحظة واحدة في منقباد .. كل هؤلاء من حملة القرآن حفظة كتاب الله، الذين تهتز لهم الأرض غضبا فكيف بمقتلهم .. أفتراني لست في شوق للحاق بهم ؟.. أتراني لا أعلم أني على قائمة المطلوب قتلهم في مصر كما فعل بغيري ؟.. أم لا أدري أن معي تهديداً بالقتل سواء في القاهرة أم بغيره ، كما فعل بالسنانيري، وسليمان خاطر، وكما فعل بأحمد هاشم ومحمد مختار ؟..
ولكني فقط أعيذك بالله أن تأتي ربك ويداك ملطخة بدماء من يغضب الله لهم .. ويغضب لهم رسوله وملائكته.. أيمكنك – بالله – أن تقف يوم القيامة نطالبك أنت بدمائنا ؟.. دع غيرك يفعلها .. فبنادق كثيرة في انتظارنا وعندهم ممن لا يخافون الله ولا اليوم الآخر العدد الغفير .
أيها القاضي : أنت تحاكمنا اليوم .. والله يحاكمك يوم القيامة فقدم لنفسك فلا والله لا يرضى الله منك بظلم مثقال ذرة ، فإنه يأتي الوالي العادل ويداه مغلولتان إلى عنقه لا يفكهما إلا عدله .. هذا في العادل فكيف لو ظلم .
أيها القاضي : يراد منك اليوم أن تحارب دينك وربك ورسوله وتعاديهما فلا تفعل .
أيها القاضي المستشار : |أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سبقت إليه فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه .
أيها القاضي المستشار: حق الله ألزم من حق الحاكم والله أحق أن يطاع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .. فاعرض كتابك على كتاب الله عز وجل ، فإن وجدته موافقا لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فانبذه .
أيها القاضي المستشار : اتق الله فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك .. فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك وتقدم على ربك وتنزل على عملك.
أيها القاضي المستشار : إن الناس في القيامة لا ينجون من غصص مرارتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه .
وبعدما فرغ صفوت من كلماته الأخيرة ، فإذا هو يلتفت في إطلالة وجيزة إلى رفاقه خلف القضبان يقول لهم :
إخواني خلف الأسوار :
لما أوذي نبينا صلى الله عليه وسلم يوم الطائف رفع يديه ودعا :
"اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس .. يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي .. إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟..أم إلى عدو ملكته أمري..؟ ، إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي .. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت عليه الظلومات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة .. من أن تنزل بي غضبك .. أو يحل علي سخطك .. لك العتبى حتى ترضى .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فيا رب …يا رب .. يا رب
باسم الفراخ الزغب هيض جناحهم
فقدوا الأب الحاني بغير منوني
بدعاء شيخ شردوا أبناءه
ما بين معتقل وبين سجين
بدموع أم روعها في ابنها
ولكل دمع في العيون سخين
بسهاد زوج غاب عنها زوجها
فبكت لفرط جوى وفرط حنين
رباه رد على مؤنس وحشتي
وأغث بعودته جياع بنين
يا من أجبت دعاء نوح فانتصر
وحملته في فلكك المشحون
يا من أحال النار حول خليله
روحاً وريحانا بقولك كوني
يا من جعلت الحوت يلفظ يونُسا
وسترته بشجيرة اليقطين
يا رب إنا مثله في محنة
فارحم عباداً كلهم ذو النون
فارحم عباداً كلهم ذو النون