باربارا بليت- مراسلة بي بي سي في القدس
يمر مسار الجدار الفاصل الإسرائيلي عبر القدس الشرقية المحتلة.
وهو يفصل بين الفلسطينيين وبين جيرانهم، وبينهم وبين أعمالهم، كما يفصل بين أطفال وبين مدارسهم، وبين فلاحين وحقولهم.
وفي بعض الأماكن، يفصل الحائط الأسمنتي الذي يرتفع إلى ثمانية أمتار بين الفلسطينيين وبين مركز المدينة الذي ظل لأجيال عديدة مركزا لحياتهم.
وتقبل المحكمة الإسرائيلية العليا بدافع الحكومة الإسرائيلية بضرورة إقامة الجدار من أجل حماية المواطنين الإسرائيليين من هجمات الفلسطينيين عليهم.
ولكن هذا الأسبوع، حكمت المحكمة العليا بوجوب تعديل مسار السور حيث يتسبب في أضرار بالغة بالسكان، ويمثل خرقا لحقوقهم التي كفلها القانون الدولي.
وأكثر من ذلك، فإن أغلب الذين يقومون ببناء الجدار، هم من الفلسطينيين.
من أجل اطعام أطفالنا
والعمال الفلسطينيون الذين يعملون في بناء الجدار لا يميلون إلى الثرثرة.
فقد طلب منهم رؤساؤهم الامتناع عن الحديث إلى وسائل الإعلام، كما أن الحراس الذين استئجروا لحماية عملية البناء يقومون بإبعاد الصحفيين عن الموقع.
لكنني في النهاية وجدت بين العاملين عمن يجيب عن تساؤلاتي.
إنهم يفترشون الأرض الرملية على تلة بالقدس في ظل إحدى معدات الحفر، ويتناولون طعام الغداء.
وقال أحدهم: "لا يوجد بيننا من يسعده هذا العمل، ولكننا نقوم به من أجل إطعام أطفالنا، لقد عملنا في شركة لمدة أربع سنوات، لكننا طردنا، وفقدنا مورد رزقنا، وهذه هي الوظيفة الوحيدة التي وجدناها متاحة في هذا الوقت".
وعلى جانب الطريق، ساد الصمت المفاجئ المكان بناء على إشارة من أحدهم تأمر بالصمت.
ويحاول حسن ماوي الحفاظ على عمل دكانه الذي يقع على مقربة من الجدار، وقد انخفضت موارد حسن بنسبة تسعين بالمئة منذ بدأ بناء الجدار، وهو غاضب على من يقومون ببنائه.
وقال: "هذا الجدار سيفصل بين الفلسطينيين والفلسطينيين، وهؤلاء الذين يبنون الجدار يزرعون الكراهية بين الإخوة".
لكن حدة لهجته خفت عندما سئل عن مدى تفهمه لموقف الفلسطينيين الذين يعملون في بناء الجدار، فقد قال: "أحيانا ما يقدم الناس على فعل أشياء هم ليسوا مقتنعين بها، لأن شيئا ما يضطرهم لفعلها".
ضغوط اقتصادية وتعاني الأراضي المحتلة من أزمة اقتصادية غير مسبوقة بعد مرور ما يقرب من أربع سنوات على بداية الانتفاضة الثانية.
فقد هبطت دخول ثلثي الفلسطينيين إلى ما دون خط الفقر، فهم يعيشون على دولارين أو أقل في اليوم.
والسبب في ذلك يرجع إلى ما تفرضه إسرائيل عليهم من عوائق، فهي لا تمنع الفلسطينيين من العمل في إسرائيل فحسب، وإنما تعزل المجتمعات الفلسطينية عن بعضها البعض بواسطة الحواجز الأمنية التي تضعها على الطرق.
وتقول الحكومة الإسرائيلية إن ذلك مهم، هو الآخر، من أجل وقف الهجمات التي يفجر فيها الفلسطينيون أنفسهم.
ووفقا لما ذكره المحلل الاقتصادي الإسرائيلي، آري أرنون، فإن هذه العوائق تستهدف هدفا أبعد من الأمن.
فهو يقول: "لن يعترف الإسرائيلون بذلك، ولكن هذه العوائق جزء من الضغط الاقتصادي على السكان، حتى يصلوا في النهاية إلى أن يفرضوا بدورهم الضغط على إخوانهم حتى يتوقفوا عن المقاومة".
وقال: "والأمر كله قائم على فكرة غبية، ولكنها في الوقت نفسه معروفة، وهي أن الضغط الاقتصادي على السكان سيؤدي بهم إلى إقناع من يقومون بأعمال العنف بالتوقف عنها".
ويضيف أرنون: "وهذه الفكرة لا تضع في الاعتبار أن العنف ناتج عن إجماع في الرأي في الجانب الفلسطيني على استخدام العنف كوسيلة لتغيير الموقف السياسي".
أمام المحكمة العليا الاسرائيلية 20 قضية أخرى تعارض مسار الجدار
ويقول: "عندما تبحث إسرائيل عن عمال يبنون هذا الجدار، تبحث عن عمال قليلي الأجر، فتنظر حولها وترى ما تصبو إليه في المواطنين الفلسطينيين، ولذلك يستخدمونهم لهذه الأعمال".
ويضيف: "وبذلك لا يكون ثمة جديد في الأمر، ولكن الأمر أكثر قسوة هذه المرة، فالفلسطينيون يبنون اليوم جدران سجنهم، جدران الحصار الجديد، ويالها من مفارقة ساخرة".
صراع من أجل البقاء ويخرج الفلسطينيون في مظاهرات تحتج على الجدار، ليس فقط لأنه يزيد حياتهم مشقة، وإنما لأنه أيضا يستولي على المزيد والمزيد من أراضيهم.
فمعظم الجدار مبني على أرض كانت إسرائيل قد احتلتها عام 1967، فضلا عن الحدود الدولية المعترف بها بين إسرائيل والضفة الغربية.
ولكن حتى الآن، لم تكن لهذه المظاهرات آثار محسوسة، كذلك لم تكن لفتوى عكرمة صبري، مفتي القدس، بتحريم عمل الفلسطينيين في بناء الجدار، آثار محسوسة.
ففي موقع بناء الجدار، تصطدم هذه الفتاوى بالفراغ، ويقول أحد العاملين الفلسطينيين: "عكرمة صبري لا يعرف ما يحدث، إذا لم أعمل لن يكون بمقدوري إطعام أطفالي، ولدى مفتي القدس موضوعات أكثر أهمية يتكلم عنها غير مصدر دخلنا".
وينظر الفلسطينيون إلى الجدار على أنه أكبر تهديد لحلمهم بالدولة المستقلة، ولكن هؤلاء الفلسطينيون عادوا إلى بناء الجدار بعد أن انتهوا من تناول طعامهم.
فهؤلاء على الأقل يقدمون الخبز على الحرية.
يمر مسار الجدار الفاصل الإسرائيلي عبر القدس الشرقية المحتلة.
وهو يفصل بين الفلسطينيين وبين جيرانهم، وبينهم وبين أعمالهم، كما يفصل بين أطفال وبين مدارسهم، وبين فلاحين وحقولهم.
وفي بعض الأماكن، يفصل الحائط الأسمنتي الذي يرتفع إلى ثمانية أمتار بين الفلسطينيين وبين مركز المدينة الذي ظل لأجيال عديدة مركزا لحياتهم.
وتقبل المحكمة الإسرائيلية العليا بدافع الحكومة الإسرائيلية بضرورة إقامة الجدار من أجل حماية المواطنين الإسرائيليين من هجمات الفلسطينيين عليهم.
ولكن هذا الأسبوع، حكمت المحكمة العليا بوجوب تعديل مسار السور حيث يتسبب في أضرار بالغة بالسكان، ويمثل خرقا لحقوقهم التي كفلها القانون الدولي.
وأكثر من ذلك، فإن أغلب الذين يقومون ببناء الجدار، هم من الفلسطينيين.
من أجل اطعام أطفالنا
والعمال الفلسطينيون الذين يعملون في بناء الجدار لا يميلون إلى الثرثرة.
فقد طلب منهم رؤساؤهم الامتناع عن الحديث إلى وسائل الإعلام، كما أن الحراس الذين استئجروا لحماية عملية البناء يقومون بإبعاد الصحفيين عن الموقع.
لكنني في النهاية وجدت بين العاملين عمن يجيب عن تساؤلاتي.
إنهم يفترشون الأرض الرملية على تلة بالقدس في ظل إحدى معدات الحفر، ويتناولون طعام الغداء.
وقال أحدهم: "لا يوجد بيننا من يسعده هذا العمل، ولكننا نقوم به من أجل إطعام أطفالنا، لقد عملنا في شركة لمدة أربع سنوات، لكننا طردنا، وفقدنا مورد رزقنا، وهذه هي الوظيفة الوحيدة التي وجدناها متاحة في هذا الوقت".
وعلى جانب الطريق، ساد الصمت المفاجئ المكان بناء على إشارة من أحدهم تأمر بالصمت.
ويحاول حسن ماوي الحفاظ على عمل دكانه الذي يقع على مقربة من الجدار، وقد انخفضت موارد حسن بنسبة تسعين بالمئة منذ بدأ بناء الجدار، وهو غاضب على من يقومون ببنائه.
وقال: "هذا الجدار سيفصل بين الفلسطينيين والفلسطينيين، وهؤلاء الذين يبنون الجدار يزرعون الكراهية بين الإخوة".
لكن حدة لهجته خفت عندما سئل عن مدى تفهمه لموقف الفلسطينيين الذين يعملون في بناء الجدار، فقد قال: "أحيانا ما يقدم الناس على فعل أشياء هم ليسوا مقتنعين بها، لأن شيئا ما يضطرهم لفعلها".
ضغوط اقتصادية وتعاني الأراضي المحتلة من أزمة اقتصادية غير مسبوقة بعد مرور ما يقرب من أربع سنوات على بداية الانتفاضة الثانية.
فقد هبطت دخول ثلثي الفلسطينيين إلى ما دون خط الفقر، فهم يعيشون على دولارين أو أقل في اليوم.
والسبب في ذلك يرجع إلى ما تفرضه إسرائيل عليهم من عوائق، فهي لا تمنع الفلسطينيين من العمل في إسرائيل فحسب، وإنما تعزل المجتمعات الفلسطينية عن بعضها البعض بواسطة الحواجز الأمنية التي تضعها على الطرق.
وتقول الحكومة الإسرائيلية إن ذلك مهم، هو الآخر، من أجل وقف الهجمات التي يفجر فيها الفلسطينيون أنفسهم.
ووفقا لما ذكره المحلل الاقتصادي الإسرائيلي، آري أرنون، فإن هذه العوائق تستهدف هدفا أبعد من الأمن.
فهو يقول: "لن يعترف الإسرائيلون بذلك، ولكن هذه العوائق جزء من الضغط الاقتصادي على السكان، حتى يصلوا في النهاية إلى أن يفرضوا بدورهم الضغط على إخوانهم حتى يتوقفوا عن المقاومة".
وقال: "والأمر كله قائم على فكرة غبية، ولكنها في الوقت نفسه معروفة، وهي أن الضغط الاقتصادي على السكان سيؤدي بهم إلى إقناع من يقومون بأعمال العنف بالتوقف عنها".
ويضيف أرنون: "وهذه الفكرة لا تضع في الاعتبار أن العنف ناتج عن إجماع في الرأي في الجانب الفلسطيني على استخدام العنف كوسيلة لتغيير الموقف السياسي".
أمام المحكمة العليا الاسرائيلية 20 قضية أخرى تعارض مسار الجدارويقول: "عندما تبحث إسرائيل عن عمال يبنون هذا الجدار، تبحث عن عمال قليلي الأجر، فتنظر حولها وترى ما تصبو إليه في المواطنين الفلسطينيين، ولذلك يستخدمونهم لهذه الأعمال".
ويضيف: "وبذلك لا يكون ثمة جديد في الأمر، ولكن الأمر أكثر قسوة هذه المرة، فالفلسطينيون يبنون اليوم جدران سجنهم، جدران الحصار الجديد، ويالها من مفارقة ساخرة".
صراع من أجل البقاء ويخرج الفلسطينيون في مظاهرات تحتج على الجدار، ليس فقط لأنه يزيد حياتهم مشقة، وإنما لأنه أيضا يستولي على المزيد والمزيد من أراضيهم.
فمعظم الجدار مبني على أرض كانت إسرائيل قد احتلتها عام 1967، فضلا عن الحدود الدولية المعترف بها بين إسرائيل والضفة الغربية.
ولكن حتى الآن، لم تكن لهذه المظاهرات آثار محسوسة، كذلك لم تكن لفتوى عكرمة صبري، مفتي القدس، بتحريم عمل الفلسطينيين في بناء الجدار، آثار محسوسة.
ففي موقع بناء الجدار، تصطدم هذه الفتاوى بالفراغ، ويقول أحد العاملين الفلسطينيين: "عكرمة صبري لا يعرف ما يحدث، إذا لم أعمل لن يكون بمقدوري إطعام أطفالي، ولدى مفتي القدس موضوعات أكثر أهمية يتكلم عنها غير مصدر دخلنا".
وينظر الفلسطينيون إلى الجدار على أنه أكبر تهديد لحلمهم بالدولة المستقلة، ولكن هؤلاء الفلسطينيون عادوا إلى بناء الجدار بعد أن انتهوا من تناول طعامهم.
فهؤلاء على الأقل يقدمون الخبز على الحرية.

تعليق