انها «مشروعية التعذيب» في ظل «ديمقراطية القتل» التي يمارسها الاحتلال, وابطالها جماعات المرتزقة والجيش النظامي نفسه وعناصر الشرطة وسط فوضى مروعة لم يعرفها العراق في تاريخه القديم والحديث, واليكم بعض جوانب القصة.
اكثر من خمسين شركة أمن اجنبية منحت اجازة عمل في العراق, وهي تشكل في مجموعها جيشاً رديفاً من المرتزقة او المقاولين يتولى ادارة الحرب التي لم تتوقف منذ سقوط بغداد, او منذ اعلن الرئيس الاميركي جورج بوش انها انتهت. هؤلاء القتلة المستأجرون يمكن تمييزهم بسهولة من خلال نظاراتهم الشمسية الخاصة وعضلاتهم المفتولة وعلامات الوشم التي يزينون بها صدورهم وأذرعتهم وظهورهم, وهم يقومون بمهماتهم وكأنهم «جيش ظل» يعيشون في الثكنات ويأكلون في قاعات الطعام العسكرية ويتمتعون بكل الملل وكل الحماس اللذين يتمتع بهما الجنود العاديون على ارض المعركة. ولعل الفرق بينهم وبين نظرائهم من الجنود والضباط النظاميين انهم قادرون على جمع ثروة حقيقية من القتال الذي يمارسونه €اكثر من الف دولار في اليوم €وهم يتقاضون مرتبات تبلغ اربعة اضعاف ما يكسبه الجنود العاديون, وبالتأكيد اكثر مما يتقاضى الجنرالات البريطانيون والاميركيون.
وتقول صحيفة «صانداي تايمز» €23 تشرين الاول€ اكتوبر 2005€ ان عدد هؤلاء المرتزقة يبلغ 25 الفاً في العراق, أي مرتين ونصفاً عدد الجنود البريطانيين, ومعظمهم يعمل خارج سلطة القانون, وهم يشكلون جزءاً اساسياً من مشروع «خصخصة الحرب» العراقية في اللحظة الانتقالية الراهنة, بعدما عجزت القوات الاميركية النظامية عن التعامل مع المقاومة المعقدة في مرحلة ما بعد الاحتلال. ولأن مهمة هؤلاء المرتزقة التعامل مع الحالات الصعبة ومرافقة القوافل والامدادات وحراسة الدبلوماسيين والمسؤولين والتعرض للكمائن ومصائد المقاومة, فانهم اكثر من غيرهم معرضون للموت العنيف الصاعق, وقد قتل منهم حتى الآن العشرات واصيب المئات. هذا الاحساس بالخطر الدائم حولهم الى قتلة حقيقيين لا الى مقاتلين عاديين واضفى على نشاطاتهم اليومية طابعاً هو اقرب ما يكون الى الارهاب.
في هذا المناخ ينشط الجنود الاميركيون وحلفاؤهم بعد عامين ونصف على «انتهاء» الحرب, وعلى غرار القوات الفرنسية المتورطة في الجزائر, والبريطانية في كينيا, والبلجيكية في الكونغو, والبرتغالية في غينيا بيساو والاسرائيلية في غزة, يدرك القادة العسكريون الاميركيون ان تفوقهم الساحق وقوة النيران التي يملكونها, كلاهما لا يكفي لتفادي عمليات الخطف والكمائن والتفجيرات الانتحارية, بعدما تحول احتلال العراق الى جحيم حقيقي وفي محاولة لتعويض الشعور بالعجز يحاول الاحتلال ممارسة نوع من «الغرور الاستعماري» عن طريق احتقار العراقيين ورفضهم ومعاقبتهم ومحاولة تدجينهم, باسم «المهمة السامية والمقدسة» التي رفعها جورج بوش شعاراً للحرب, اي «نصرة الخير على الشر والدفاع عن الحضارة واحلال الديمقراطية».
هذا السلوك العنصري يجد تشجيعاً في القانون الاميركي الذي يمنح الجنود والقيادات الحصانة ضد الملاحقة القضائية, بالرغم من انهم يمارسون احياناً الحرب على طريقة القتلة والسفاحين, وهو في اي حال يبرر تصاعد المقاومة العراقية والدعم الشعبي الذي تلقاه, شهراً بعد شهر, كرد مباشر على اعمال القتل والتعذيب, ويمكن القول ان «العدالة» الاميركية في العراق لا تختلف عن «العدالة» البريطانية في الهند قبل استقلال الهند, و«العدالة» الاسرائيلية في الاراضي المحتلة والمشهد الاكثر تعبيراً عن هذه الممارسات ما حدث في الفلوجة العراقية. من اجل معاقبة مجموعة مثلت بجثث الجنود الاميركيين الاربعة عند مدخل المدينة, قصفت القوات الاميركية الاحياء السكنية بالفوسفور الابيض, واوقعت مئات القتلى المدنيين, وبينهم عشرات الاطفال. وفي محاولة لارهاب المقاومين تم ارتكاب ابشع انواع الاذلال والتنكيل في سجن «ابو غريب» وفي سجون عراقية اخرى, في تأكيد على الاخلاقية الحرب بمباركة او تغاضي ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وسائر القيادات العسكرية.
وقائع
مقتل زيدون حسن في نهر دجلة على يد الجنود الاميركيين, يشكل احدى جرائم الحرب الاكثر دلالة والاكثر تعسفاً في العراق. «زيدون» هذا وقريبه مروان فاضل اوقفا عند نقطة تفتيش للقوات الاميركية في سامراء, فأمر قائد النقطة تريسي بيركينز رجاله بأن يلقوا الرجلين في النهر عقاباً لهما على اختراق منطقة حظر التجوال في المدينة. وفي حين غرق «زيدون» فان «مروان» نجا ليصبح شاهداً على الجريمة التي اجري بشأنها تحقيق انتهى بحبس بيركينز لمدة 45 يوماً! وحالة زيدون لا تختلف كثيرا عن حالة العشرات بل المئات من العراقيين المدنيين الأبرياء, الذين سقطوا ضحية الوحشية الاميركية, وانتهى الامر الى تبرئة الجنود والضباط الذين ارتكبوا الجرائم,. او ادانتهم ثم اعفائهم من العقوبة.
في سياق هذه القاعدة العامة للعدالة يمكن التوقف عند حالة ايلاريو بانتانو الضابط البحري الذي اتهم بقتل اسيرين عراقيين هما حمادي كريم وطه احمد في نيسان €ابريل€ من العام الحالي, بعد ان قبضت عليهما الكتيبة التي يرأسها, بدعوى انهما كانا في احد المخابئ يستعدان لتنفيذ هجوم على القوات الاميركية. وقد اعترف اثنان من الضباط الذين كانوا برفقة «بانتو» انه امر جنوده بفك قيود كريم وطه وأمرهما يستديرا الى الوراء قبل ان يفرغ في جسديهما محتويات رشاشه الآلي, وحجة «بانتو» امام المحكمة كانت انه يريد «تلقين المتمردين درساً قاسياً».
والمنطق الذي يملي هذا النوع من القتل المجاني هو نفسه الذي يملي جرائم التعذيب التي ارتكبت ضد معتقلي سجن ابو غريب والممارسات الشاذة التي ارتكبت في سجون عراقية اخرى وليس اقلها اغتصاب السجينات.
اخر تقارير «هيومن رايتس ووتش» €24 ايلول€ سبتمبر 2005€ تحدث بوضوح كامل عن ان قوات الجيش الاميركي اخضعت محتجزين عراقيين للضرب واشكال اخرى من التعذيب, في قاعدة عسكرية تقع في وسط العراق خلال الفترة الممتدة من 2003 الى 2004, تنفيذاً لتعليمات من القادة العسكريين والسياسيين. التقرير الذي صدر بعنوان «الفشل القيادي» اولى افادات الجنود الاميركيين عن تعذيب المعتقلين من قبل «الوحدة 82» الجوية اهتماماً خاصاً, وكلها تتقاطع على ان التعليمات التي صدرت الى الجنود طلبت انتزاع المعلومات من المعتقلين من دون وضع مقاييس او حدود لما هو مسموح وما هو محرم.
وقد وصف ثلاثة من اعضاء القوات الاميركية, اثنان منهم برتبة رقيب والثالث برتبة رائد الضرب الروتيني المبرح وصنوف المعاملة القاسية واللاانسانية التي يتعرض لها المعتقلون. ففي احدى المرات, نقل ان احد الجنود قام بكسر ساق احد المعتقلين بعد ضربه بمضرب بيسبول. وذكر ان المعتقلين كانوا يجبرون على حمل خمسة غالونات من الماء في وقت تم فيه تقييد اياديهم واجبارهم على اداء حركات اخرى الى ان يفقدوا الوعي. كما ذكر ان الجنود قاموا بتعريض جلد واعين المعتقلين لمواد كيمياوية. واجبروهم على اوضاع بدنية قاسية بالاضافة الى الحرمان من النوم والتعرض الى درجات الحرارة والبرودة. وذكر ايضا ان الجنود قاموا بتكديس المعتقلين في شكل اهرام بشرية في وقت حرموا فيه من الطعام والماء. وتضمنت افادات الجنود انتهاكات اخرى كانوا اما شاهدي عيان عليها او شاركوا فيها في قاعدة اخرى داخل العراق.
وطبقا لافادات الجنود, فقد قام افراد الجيش باضطهاد المعتقلين كجزء من عملية الاستجواب العسكرية او لمجرد «التخفيف من الاجهاد» وفي العديد من الحالات, قال هؤلاء بان سوء المعاملة تم الامر به بشكل محدد من قبل موظفي الاستخبارات العسكرية قبل عملية الاستجواب, وان الضباط ذوي المراتب العليا ضمن وخارج الاستخبارات العسكرية كانوا على علم بانتشار سوء معاملة المعتقلين. وتفيد الافادات ان الانتهاكات نجمت عن فشل القيادات المدنية والعسكرية بالاضافة الى تشويش معايير الاستجواب وتطبيق اتفاقيات جنيف. ويناقض ذلك ادعاءات ادارة بوش بأن انتهاكات المعتقلين من قبل القوات الاميركية في الخارج كانت غير متصلة واستثنائية ولا تمت بصلة الى السياسات المتبعة.
وقد اشار الجنود الى تقنيات الانتهاكات مثل «تدخين المعتقلين» او «مضاجعة المعتقلين» ويشار الى المعتقلين هنا بـ«الاشخاص تحت السيطرة» وتقوم تقنية «التدخين على استنزاف المعتقلين بالتمارين البدنية €احياناً الى درجة افقاد الوعي€ او اجبارهم على اتخاذ اوضاع مؤلمة وتقوم تقنية «مضاجعة المعتقلين» على ضربهم او تعذيبهم بشدة. وقال الجنود ان موظفي الاستخبارات العسكرية امروا الجنود بانتظام بـ«تدخين» المعتقلين قبل الاستجواب.
وقد ابلغ احد الرتباء العسكريين «هيومن رايتس ووتش» «الكل في المعسكر كان يعرف انه اذا اردت اخماد احباطك. فما عليك الا ان تقصد خيمة «الاشخاص تحت السيطرة» وبطريقة ما كان هذا نوعا من انواع الرياضة» مضيفا انه «في احد الايام قصد احد الرتباء هذه الخيمة وطلب من احد المعتقلين التقاط عصا وطلب منه الانحناء ومن ثم قام بكسر ساق المعتقل بعد ضربه بمضرب معدني».
وفي تقاطع صريح مع تقرير «هيومن رايتس ووتش» كتبت الصحفية الايطالية جوليانا سغرينا في صحيفة «المانيفستو» قصة صدّام صلاح الراوي ابن التاسعة والعشرين, أحد معتقلي سجن ابو غريب €من تاريخ 1€12€2003 حتى تاريخ 28€5€2004€ الذي اطلق سراحه من دون ان يعرف السبب, ومن دون ان يعرف كذلك سبب اعتقاله. صدام هذا نال نصيبه من التعذيب, من اقتلاع الاسنان, الى الركل والضرب, الى السجانين الذين كانوا يدوسون على اصابعه. وبالاضافة الى التعذيب الجسدي, كان هناك التعذيب النفسي عبر تهديده بالاغتصاب الجنسي او ارساله الى غوانتانامو في حال عدم اعترافه. ومدة التعذيب كانت تصل الى 23 ساعة احياناً في اليوم الواحد, وكانوا يجبرونه على الاستماع الى موسيقى عالية جداً لمنعه من النوم.
وفي شهادة اخرى نقلتها «نيويورك تايمز» على لسان احد الجنود نقرأ بالحرف الواحد «كنا نوجه اللكمات والركلات الى رؤوسهم وصدورهم وسيقانهم وبطونهم, وكنا نرميهم على الارض ونلقي التراب والقاذورات عليهم. وكان هذا يحدث يومياً. وكنا نقوم به للتسلية» ويقول جندي اخر «ان المحتجزين كانوا يتعرضون للضرب بعصا كهربائية كيميائية مكسورة, كانت تجعلهم يتوهجون في الظلام, وكان ذلك مسليا للغاية بالنسبة الينا لكنها كانت تحرق عيونهم وتهيج بشرتهم تهيجا بالغا». ويضيف «طلب طباخ من اسير عراقي ان ينحني وكسر ساقه بمضرب معدني. اني اعرف هذا الآن. لقد كان ذلك خطأ. وهناك مجموعة من المعايير, ولكن يجب على المرء ان يفهم ان ما يجري هو الأمر العادي».
وقصة «صدّم صلاح الراوي» ليست استثنائية انها واحدة من مئات القصص المماثلة التي شهدها سجن ابو غريب €ولا يزال€ وفق انتهاكات منهجية لا مجرد «حوادث فردية» كما يدعي رامسفيلد. هذه الانتهاكات سجل جوانب منها, كما هو معروف, تقرير الجنرال انتونيو تاغوبا €53 صفحة€ الذي يؤكد «ان عناصر الشرطة العسكرية الاميركية صورت نساء ورجالا بالفيديو والكاميرا وهم عراة, وارغمت معتقلين رجالا على ارتداء البسة نسائية داخلية, وطوقت رقاب اخرين بجنزير كلب كما اقدمت على ممارسة الجنس مع احدى المعتقلات». وتتجاوز الانتهاكات التي يعددها التقرير الاحياء لتشمل الاموات ايضاً, اذ تشير الى «ان جنوداً اميركيين صوروا جثث المعتقلين العراقيين» ويؤكد التقرير ان العناصر التي قامت بهذه الانتهاكات تلقت مديحا من القيادات العسكرية على «العمل الجيد »الذي حصل والذي ادى الى «معلومات قيمة». وتقرير انتونيو يورد لائحة باسماء عشرات الضباط والرتباء الاميركيين وعدد من المتعاقدين المدنيين وعلى رأسهم «جون اسرائيل» ويحملهم مسؤولية العديد من الانتهاكات التي كانوا شهوداً على بعضها, وأحد هؤلاء الشهود الميجور ديفيد دينينا الذي اشرف على رمي احد المعتقلين من شاحنة مسرعة كان يستقلها مع جنوده.
اكثر من خمسين شركة أمن اجنبية منحت اجازة عمل في العراق, وهي تشكل في مجموعها جيشاً رديفاً من المرتزقة او المقاولين يتولى ادارة الحرب التي لم تتوقف منذ سقوط بغداد, او منذ اعلن الرئيس الاميركي جورج بوش انها انتهت. هؤلاء القتلة المستأجرون يمكن تمييزهم بسهولة من خلال نظاراتهم الشمسية الخاصة وعضلاتهم المفتولة وعلامات الوشم التي يزينون بها صدورهم وأذرعتهم وظهورهم, وهم يقومون بمهماتهم وكأنهم «جيش ظل» يعيشون في الثكنات ويأكلون في قاعات الطعام العسكرية ويتمتعون بكل الملل وكل الحماس اللذين يتمتع بهما الجنود العاديون على ارض المعركة. ولعل الفرق بينهم وبين نظرائهم من الجنود والضباط النظاميين انهم قادرون على جمع ثروة حقيقية من القتال الذي يمارسونه €اكثر من الف دولار في اليوم €وهم يتقاضون مرتبات تبلغ اربعة اضعاف ما يكسبه الجنود العاديون, وبالتأكيد اكثر مما يتقاضى الجنرالات البريطانيون والاميركيون.
وتقول صحيفة «صانداي تايمز» €23 تشرين الاول€ اكتوبر 2005€ ان عدد هؤلاء المرتزقة يبلغ 25 الفاً في العراق, أي مرتين ونصفاً عدد الجنود البريطانيين, ومعظمهم يعمل خارج سلطة القانون, وهم يشكلون جزءاً اساسياً من مشروع «خصخصة الحرب» العراقية في اللحظة الانتقالية الراهنة, بعدما عجزت القوات الاميركية النظامية عن التعامل مع المقاومة المعقدة في مرحلة ما بعد الاحتلال. ولأن مهمة هؤلاء المرتزقة التعامل مع الحالات الصعبة ومرافقة القوافل والامدادات وحراسة الدبلوماسيين والمسؤولين والتعرض للكمائن ومصائد المقاومة, فانهم اكثر من غيرهم معرضون للموت العنيف الصاعق, وقد قتل منهم حتى الآن العشرات واصيب المئات. هذا الاحساس بالخطر الدائم حولهم الى قتلة حقيقيين لا الى مقاتلين عاديين واضفى على نشاطاتهم اليومية طابعاً هو اقرب ما يكون الى الارهاب.
في هذا المناخ ينشط الجنود الاميركيون وحلفاؤهم بعد عامين ونصف على «انتهاء» الحرب, وعلى غرار القوات الفرنسية المتورطة في الجزائر, والبريطانية في كينيا, والبلجيكية في الكونغو, والبرتغالية في غينيا بيساو والاسرائيلية في غزة, يدرك القادة العسكريون الاميركيون ان تفوقهم الساحق وقوة النيران التي يملكونها, كلاهما لا يكفي لتفادي عمليات الخطف والكمائن والتفجيرات الانتحارية, بعدما تحول احتلال العراق الى جحيم حقيقي وفي محاولة لتعويض الشعور بالعجز يحاول الاحتلال ممارسة نوع من «الغرور الاستعماري» عن طريق احتقار العراقيين ورفضهم ومعاقبتهم ومحاولة تدجينهم, باسم «المهمة السامية والمقدسة» التي رفعها جورج بوش شعاراً للحرب, اي «نصرة الخير على الشر والدفاع عن الحضارة واحلال الديمقراطية».
هذا السلوك العنصري يجد تشجيعاً في القانون الاميركي الذي يمنح الجنود والقيادات الحصانة ضد الملاحقة القضائية, بالرغم من انهم يمارسون احياناً الحرب على طريقة القتلة والسفاحين, وهو في اي حال يبرر تصاعد المقاومة العراقية والدعم الشعبي الذي تلقاه, شهراً بعد شهر, كرد مباشر على اعمال القتل والتعذيب, ويمكن القول ان «العدالة» الاميركية في العراق لا تختلف عن «العدالة» البريطانية في الهند قبل استقلال الهند, و«العدالة» الاسرائيلية في الاراضي المحتلة والمشهد الاكثر تعبيراً عن هذه الممارسات ما حدث في الفلوجة العراقية. من اجل معاقبة مجموعة مثلت بجثث الجنود الاميركيين الاربعة عند مدخل المدينة, قصفت القوات الاميركية الاحياء السكنية بالفوسفور الابيض, واوقعت مئات القتلى المدنيين, وبينهم عشرات الاطفال. وفي محاولة لارهاب المقاومين تم ارتكاب ابشع انواع الاذلال والتنكيل في سجن «ابو غريب» وفي سجون عراقية اخرى, في تأكيد على الاخلاقية الحرب بمباركة او تغاضي ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وسائر القيادات العسكرية.
وقائع
مقتل زيدون حسن في نهر دجلة على يد الجنود الاميركيين, يشكل احدى جرائم الحرب الاكثر دلالة والاكثر تعسفاً في العراق. «زيدون» هذا وقريبه مروان فاضل اوقفا عند نقطة تفتيش للقوات الاميركية في سامراء, فأمر قائد النقطة تريسي بيركينز رجاله بأن يلقوا الرجلين في النهر عقاباً لهما على اختراق منطقة حظر التجوال في المدينة. وفي حين غرق «زيدون» فان «مروان» نجا ليصبح شاهداً على الجريمة التي اجري بشأنها تحقيق انتهى بحبس بيركينز لمدة 45 يوماً! وحالة زيدون لا تختلف كثيرا عن حالة العشرات بل المئات من العراقيين المدنيين الأبرياء, الذين سقطوا ضحية الوحشية الاميركية, وانتهى الامر الى تبرئة الجنود والضباط الذين ارتكبوا الجرائم,. او ادانتهم ثم اعفائهم من العقوبة.
في سياق هذه القاعدة العامة للعدالة يمكن التوقف عند حالة ايلاريو بانتانو الضابط البحري الذي اتهم بقتل اسيرين عراقيين هما حمادي كريم وطه احمد في نيسان €ابريل€ من العام الحالي, بعد ان قبضت عليهما الكتيبة التي يرأسها, بدعوى انهما كانا في احد المخابئ يستعدان لتنفيذ هجوم على القوات الاميركية. وقد اعترف اثنان من الضباط الذين كانوا برفقة «بانتو» انه امر جنوده بفك قيود كريم وطه وأمرهما يستديرا الى الوراء قبل ان يفرغ في جسديهما محتويات رشاشه الآلي, وحجة «بانتو» امام المحكمة كانت انه يريد «تلقين المتمردين درساً قاسياً».
والمنطق الذي يملي هذا النوع من القتل المجاني هو نفسه الذي يملي جرائم التعذيب التي ارتكبت ضد معتقلي سجن ابو غريب والممارسات الشاذة التي ارتكبت في سجون عراقية اخرى وليس اقلها اغتصاب السجينات.
اخر تقارير «هيومن رايتس ووتش» €24 ايلول€ سبتمبر 2005€ تحدث بوضوح كامل عن ان قوات الجيش الاميركي اخضعت محتجزين عراقيين للضرب واشكال اخرى من التعذيب, في قاعدة عسكرية تقع في وسط العراق خلال الفترة الممتدة من 2003 الى 2004, تنفيذاً لتعليمات من القادة العسكريين والسياسيين. التقرير الذي صدر بعنوان «الفشل القيادي» اولى افادات الجنود الاميركيين عن تعذيب المعتقلين من قبل «الوحدة 82» الجوية اهتماماً خاصاً, وكلها تتقاطع على ان التعليمات التي صدرت الى الجنود طلبت انتزاع المعلومات من المعتقلين من دون وضع مقاييس او حدود لما هو مسموح وما هو محرم.
وقد وصف ثلاثة من اعضاء القوات الاميركية, اثنان منهم برتبة رقيب والثالث برتبة رائد الضرب الروتيني المبرح وصنوف المعاملة القاسية واللاانسانية التي يتعرض لها المعتقلون. ففي احدى المرات, نقل ان احد الجنود قام بكسر ساق احد المعتقلين بعد ضربه بمضرب بيسبول. وذكر ان المعتقلين كانوا يجبرون على حمل خمسة غالونات من الماء في وقت تم فيه تقييد اياديهم واجبارهم على اداء حركات اخرى الى ان يفقدوا الوعي. كما ذكر ان الجنود قاموا بتعريض جلد واعين المعتقلين لمواد كيمياوية. واجبروهم على اوضاع بدنية قاسية بالاضافة الى الحرمان من النوم والتعرض الى درجات الحرارة والبرودة. وذكر ايضا ان الجنود قاموا بتكديس المعتقلين في شكل اهرام بشرية في وقت حرموا فيه من الطعام والماء. وتضمنت افادات الجنود انتهاكات اخرى كانوا اما شاهدي عيان عليها او شاركوا فيها في قاعدة اخرى داخل العراق.
وطبقا لافادات الجنود, فقد قام افراد الجيش باضطهاد المعتقلين كجزء من عملية الاستجواب العسكرية او لمجرد «التخفيف من الاجهاد» وفي العديد من الحالات, قال هؤلاء بان سوء المعاملة تم الامر به بشكل محدد من قبل موظفي الاستخبارات العسكرية قبل عملية الاستجواب, وان الضباط ذوي المراتب العليا ضمن وخارج الاستخبارات العسكرية كانوا على علم بانتشار سوء معاملة المعتقلين. وتفيد الافادات ان الانتهاكات نجمت عن فشل القيادات المدنية والعسكرية بالاضافة الى تشويش معايير الاستجواب وتطبيق اتفاقيات جنيف. ويناقض ذلك ادعاءات ادارة بوش بأن انتهاكات المعتقلين من قبل القوات الاميركية في الخارج كانت غير متصلة واستثنائية ولا تمت بصلة الى السياسات المتبعة.
وقد اشار الجنود الى تقنيات الانتهاكات مثل «تدخين المعتقلين» او «مضاجعة المعتقلين» ويشار الى المعتقلين هنا بـ«الاشخاص تحت السيطرة» وتقوم تقنية «التدخين على استنزاف المعتقلين بالتمارين البدنية €احياناً الى درجة افقاد الوعي€ او اجبارهم على اتخاذ اوضاع مؤلمة وتقوم تقنية «مضاجعة المعتقلين» على ضربهم او تعذيبهم بشدة. وقال الجنود ان موظفي الاستخبارات العسكرية امروا الجنود بانتظام بـ«تدخين» المعتقلين قبل الاستجواب.
وقد ابلغ احد الرتباء العسكريين «هيومن رايتس ووتش» «الكل في المعسكر كان يعرف انه اذا اردت اخماد احباطك. فما عليك الا ان تقصد خيمة «الاشخاص تحت السيطرة» وبطريقة ما كان هذا نوعا من انواع الرياضة» مضيفا انه «في احد الايام قصد احد الرتباء هذه الخيمة وطلب من احد المعتقلين التقاط عصا وطلب منه الانحناء ومن ثم قام بكسر ساق المعتقل بعد ضربه بمضرب معدني».
وفي تقاطع صريح مع تقرير «هيومن رايتس ووتش» كتبت الصحفية الايطالية جوليانا سغرينا في صحيفة «المانيفستو» قصة صدّام صلاح الراوي ابن التاسعة والعشرين, أحد معتقلي سجن ابو غريب €من تاريخ 1€12€2003 حتى تاريخ 28€5€2004€ الذي اطلق سراحه من دون ان يعرف السبب, ومن دون ان يعرف كذلك سبب اعتقاله. صدام هذا نال نصيبه من التعذيب, من اقتلاع الاسنان, الى الركل والضرب, الى السجانين الذين كانوا يدوسون على اصابعه. وبالاضافة الى التعذيب الجسدي, كان هناك التعذيب النفسي عبر تهديده بالاغتصاب الجنسي او ارساله الى غوانتانامو في حال عدم اعترافه. ومدة التعذيب كانت تصل الى 23 ساعة احياناً في اليوم الواحد, وكانوا يجبرونه على الاستماع الى موسيقى عالية جداً لمنعه من النوم.
وفي شهادة اخرى نقلتها «نيويورك تايمز» على لسان احد الجنود نقرأ بالحرف الواحد «كنا نوجه اللكمات والركلات الى رؤوسهم وصدورهم وسيقانهم وبطونهم, وكنا نرميهم على الارض ونلقي التراب والقاذورات عليهم. وكان هذا يحدث يومياً. وكنا نقوم به للتسلية» ويقول جندي اخر «ان المحتجزين كانوا يتعرضون للضرب بعصا كهربائية كيميائية مكسورة, كانت تجعلهم يتوهجون في الظلام, وكان ذلك مسليا للغاية بالنسبة الينا لكنها كانت تحرق عيونهم وتهيج بشرتهم تهيجا بالغا». ويضيف «طلب طباخ من اسير عراقي ان ينحني وكسر ساقه بمضرب معدني. اني اعرف هذا الآن. لقد كان ذلك خطأ. وهناك مجموعة من المعايير, ولكن يجب على المرء ان يفهم ان ما يجري هو الأمر العادي».
وقصة «صدّم صلاح الراوي» ليست استثنائية انها واحدة من مئات القصص المماثلة التي شهدها سجن ابو غريب €ولا يزال€ وفق انتهاكات منهجية لا مجرد «حوادث فردية» كما يدعي رامسفيلد. هذه الانتهاكات سجل جوانب منها, كما هو معروف, تقرير الجنرال انتونيو تاغوبا €53 صفحة€ الذي يؤكد «ان عناصر الشرطة العسكرية الاميركية صورت نساء ورجالا بالفيديو والكاميرا وهم عراة, وارغمت معتقلين رجالا على ارتداء البسة نسائية داخلية, وطوقت رقاب اخرين بجنزير كلب كما اقدمت على ممارسة الجنس مع احدى المعتقلات». وتتجاوز الانتهاكات التي يعددها التقرير الاحياء لتشمل الاموات ايضاً, اذ تشير الى «ان جنوداً اميركيين صوروا جثث المعتقلين العراقيين» ويؤكد التقرير ان العناصر التي قامت بهذه الانتهاكات تلقت مديحا من القيادات العسكرية على «العمل الجيد »الذي حصل والذي ادى الى «معلومات قيمة». وتقرير انتونيو يورد لائحة باسماء عشرات الضباط والرتباء الاميركيين وعدد من المتعاقدين المدنيين وعلى رأسهم «جون اسرائيل» ويحملهم مسؤولية العديد من الانتهاكات التي كانوا شهوداً على بعضها, وأحد هؤلاء الشهود الميجور ديفيد دينينا الذي اشرف على رمي احد المعتقلين من شاحنة مسرعة كان يستقلها مع جنوده.

