بقلم بول بريمر / عن صحيفة ساندي تايمز- اقتباساً من كتابه ” عامي الذي قضيته في العراق “
بغداد - ترجمة: عادل حمود:
رجني صوت التلفون الذي كان بجانبي موقظاً إياي في الساعة الواحدة والنصف من صباح يوم الأحد الموافق 14 كانون الأول 2003 بعد أن تمكنت بالكاد من النوم بعد يوم عمل اخر أستغرق 18 ساعة.
كان المتصل هو مساعدي للشوؤن العسكرية الميجور بات كاروول الذي قال لي : " آسف لأيقاظك يا سيدي " ثم أضاف ان الجنرال جون أبي زيد رئيس القيادة الأمريكية الوسطى يرغب في التحدث معي فوراً عبر خط هاتف آمن .
لم يكن الهاتف الذي في منزلي يعمل لهذا بدأت في ارتداء ملابسي للذهاب الى مكتبي في قصر صدام . كنت أتحدث مع أبي زيد بشكل شبه يومي ، ولكن لم يكن من عادته الأتصال بي في منتصف الليل هكذا وعلى خط آمن . لذلك جال بخاطري انه لابد ثمة خبر طيب أو خبر سيئ.
بعد ربع ساعة وصلت مكتبي ، الذي كان مضاء إضاءة خافتة حيث كان هناك نائبي الجديد ديك جونز ورجل من وكالة المخابرات المركزية . وسألت ديك عن جلية الامر فرد علي بالقول وهو يلتفت الى ضابط المخابرات : " لا اريد ان احرق المفاجأة ."
عندها قال لي رجل المخابرات : " نعتقد اننا قد قبضنا على صدام ." فحملت سماعة الهاتف الساخن وتم توصيلي بابي زيد في مقر القيادة في قطر وسالته : " جون , ما هذا الذي يقال عن صدام ؟ " فرد علي : " نعتقد أننا قبضنا عليه . فقد عثر رجال فريق العمليات الخاصة على رجل وسخ كث اللحية في قعر جحر عنكبوت ! في موقع خارج مدينة تكريت ."
فسألته : " وما أدراك أنه صدام ؟! "
قال أبو زيد : " عندما جره رجالنا إلى خارج الحفرة كان يصرخ : أنا صدام حسين رئيس العراق . فأجروا عليه فحصاً ووجدوا أنه يحمل الندبات والوشم التي نعرف أنها موجودة عند صدام . "
كنت أعلم ، كما يعلم أبو زيد ، بأن صدام ظل يستخدم بدلاء له على مدى اعوام ليدوخ اعداءه ، لذلك تساءلت عما ينبغي ان نفعله أيضاً لنتأكد من أننا قد قبضنا فعلاً على صدام . فقال أبو زيد : " لقد جلبناه الى بغداد وسنقوم بتنظيفه وعرضه على بعض القادة البارزين الآخرين في نظامه ممن نحتجزهم ، كما سنقوم بأرسال عينة من الحمض النووي إلى ألمانيا من أجل مطابقتها فلدينا طائرة من نوع (سي-17) على أهبة الإستعداد للإقلاع.
فشددت عليه قائلاً : " جون يجب أن نكون متأكدين مائة بالمائة وإلا جعلنا من انفسنا اضحوكة العالم أذا ما تسربت الأخبار وتبين ان من قبضنا عليه ليس سوى واحد من بدلائه الملعونين . كم من الوقت سيستغرق تدقيق الحمض النووي ؟ " فأجابني : " يقول رجالي أنه سيستغرق ما بين 24 و36 ساعة ."
بعد ذلك عدت الى فراشي دون ان أتمكن من النوم ، فقد كنا على مدى اشهر عديدة بعد التحرير نطارد كل شائعة مهما كانت صغيرة أو تقرير غير متكامل يتحدث عن مكان تواجد صدام . وفي إحدى المرات وردنا تقرير من مصدر " موثوق جداً " يقول أنه كان يتجول في أرجاء بغداد وهو يجلس في المقعد الخلفي لسيارة اجرة " تاكسي" مرسلاً لحية بيضاء طويلة وعلى رأسه غطاء رأس أحمر ، كما لو كان بابا نويل على حد وصف أحد المحللين .
وقمنا بتغيير استراتيجيتنا في البحث بعد ان أستنتجنا بان صدام قد انفصل عن الناس الذين كانوا في المناصب العليا لعلمه باننا سنبحث عنهم هم ايضاً . بدلاً من ذلك رحنا نتحرى عن أولئك الذين كانوا في المناصب الأدنى من " القائمين بالخدمات " مثل الخدم والبستانيين والسواق الذين عملوا لدى صدام لأنهم قد يوفرون ممراً آمناً للدكتاتور الفار. فقامت الإستخبارات العسكرية ووكالة المخابرات المركزية بوضع قاعدة معلومات حول هولاء العمال ومعارفهم . فهل ترانا تمكنا الآن من القبض أخيراً على هذا السفاح ؟
بعد ساعتين من النوم المتقطع نهضت لأبدأ يوماً محموماً حيث وصلت بربارة فاست ضابطة الإستخبارات العليا والجنرال ريكاردو سانشيز قائد قوات التحالف في العراق وبدا نائب ريك وكأنه بحاجة للنوم أكثر مني .
أعطتنا فاست تفاصيل أكثر عن عملية الاعتقال . فقد ألقت القوات الخاصة في قوات التحالف صباح يوم السبت القبض على شخص مشتبه به خارج تكريت ، وهي موطن العشيرة التي ينتمي إليها صدام . وخلال التحقيق مع هذا الشخص قال لهم انه يستطيع ان يقودهم الى شخص" أكثر أهمية منه " ولكنه رفض بعناد أن يعلن عن هوية الشخص الذي يعنيه .
وفيما كان الرجال ينتزعون صدام من جوف جحره داخل أرض إحدى مزارع المنطقة قال للرجال الذين يحاولون أعتقاله متحدثاً بكلمات انكليزية : " أنا صدام حسين رئيس العراق ، وأنا أريد التفاوض ".
وخلال تفتيشهم حجيرة نومه الضيقة المحفورة في جوف تربة رملية عثر الجنود على مسدس وحقيبة يدوية تحوي وثائق في غاية الأهمية . وفي وقت لاحق من نفس الليلة اكتشف الفريق اثنين من القائمين على خدمة صدام وهما مسلحان ببنادق آلية ومعهما كيس يحتوي على مبلغ 750000 دولار امريكي في أوراق من فئة 100 دولار.
وقامت طائرة تابعة لفريق العمليات الخاصة بنقل صدام الى مركز اعتقال في مطار بغداد . قالت لنا فاست ان الأستخبارات قامت بعد ذلك بجلب أربعة من " الشخصيات الرفيعة المستوى" من مقربي صدام الى المركز للتعرف عليه ، وقد أكد كل منهم على حدة بأن ذلك الرجل المنكسر هو صدام حسين .
كذلك قام العاملون في المخابرات بتسجيل محادثة ذلك السجين مع أتباعه من البعثيين وقاموا بعدها بتمرير التسجيل عبر " محلل صوتي " رقمي لمقارنة تلك النماذج الصوتية مع تسجيلات أرشيفية لصدام حسين .
قال ريك : " إن خطة وزارة الدفاع الأمريكية تقضي بنقل صدام ، في حالة القبض عليه ، الى سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في الخليج لدواع أمنية ." فرددت عليه بالقول : " لا يمكننا ان نفعل هذا . "
فنحن لو اعتبرنا صدام اسير حرب لدى قوات التحالف فإن معاهدة جنيف تمنعنا من أظهاره وهو في الأسر . ولكننا إذا ما نقلناه الى خارج البلد ولم ننشر صوراً تظهر الدكتاتور المخلوع وهو في الأسر فإن كثيراً من العراقيين ، وهم من بين أشد الشعوب تأثراً بنظرية المؤامرة ، سيرفضون تصديق اننا قد قبضنا عليه فعلاً . لهذا قلت للجنرالين : " الناس سيكونون بحاجة الى دليل على أننا أمسكنا به ."
وفهموا ما أعنيه ، لأن الجو كان يموج بالإشاعات التي تزعم أننا قد أعتقلنا صدام بالفعل وأننا عقدنا معه صفقة وأن صدام الحقيقي يعيش الآن برخاء في مزرعة في فلوريدا .
قلت لهم : " أصغوا إلي , أنا أدرك بأن من المهم للإستخبارات العسكرية أن تستقي من صدام اكبر قدر من المعلومات الأستخبارية ، ولكن الأهم من ذلك هو أيجاد طريقة ما ، سواء أرضينا معاهدة جنيف أم لم نرضها ، لإقناع العراقيين بأننا قد تمكنا منه أخيراً .
أخبرت المجموعة أن أمثل الطرق هو اختيار وفد مصغر من مجلس الحكم آنذاك لزيارة صدام وعندها يمكنهم ان يؤكدوا على الملأ أنهم قد رأوا الطاغية في الأسر فعلاً .
بعد الساعة التاسعة صباحاً بتوقيت بغداد ، أي الواحدة من بعد منتصف الليل في واشنطن ، قررت أيقاظ السيدة كوندليزا رايس ، التي كانت حينها مستشارة للأمن القومي ، لأعلمها بالخبر . وقامت بدالة البيت الأبيض بتوصيلي معها على الفور. قلت لها حينها : " ليس هناك مجال للشك في أنه صدام حسين ." فقالت لي : " سوف أوقظ الرئيس لأنه سيرغب في سماع الخبر."وقد بلغتنا تقارير تقول أن وسائل الإعلام العراقية أخذت تبث الخبر وتكرره مراراً مدعية أننا قبضنا على صدام . كان من الواضح أن تلك الأخبار تسربت اليها من المزارعين القاطنين في تكريت والمناطق المجاورة لها ثم وصلت مباشرة الى العاصمة . وقد أدعت بعض تلك التقارير بأن صدام تمكن من الفرار ، أو أنه ربما كان قد قتل .
كانت وسائل الأعلام والعراقيون عموماً بحاجة ماسة لتأكيد النبأ . لذلك تم عقد مؤتمر صحفي بعد ظهرذلك اليوم وكان المكان مكتظاً بالمراسلين .
فقلت بعد أن توقف دراماتيكي قصير : " سيداتي وسادتي : لقد أمسكنا به ." تلك الكلمات الثلاث كان قد اقترحها علي مساعدي البريطاني لشوؤن الصحافة ، الذي يتكلم العربية ، جارلس هيلتي وذلك قبيل صعودي الى المنصة مباشرة . كانت كلمات سهلة الترجمة وقد قال لي جارلس : " نحن بحاجة الى كلمات قليلة حسنة الإيقاع ." وكان الوقع مباشراً ، فقد هلل الصحفيون العراقيون وكذلك فعل العديد من المراسلين الغربيين ، ولكن التعابير عن الفرح العفوي التي لاحت على وجوه العراقيين كانت هي الأعمق تأثيراً ، فبعضهم بكى . بعد ذلك أنتقل أربعة من أعضاء مجلس الحكم معي لملاقاة صدام في موقع سري قرب المطار . كان الوقت يقترب من الغروب في ذلك اليوم الصافي البارد عندما حطت بنا طائرة البلاك هوك قرب بناية لا تحمل سمات معينة تحيط بها الأسلاك الشائكة . قادنا الجنرال شافيز وأحد الحرس عبر رواق قليل الأضاءة مصبوغ باللون الخاكي حتى وقف أمام باب حديدي على الجانب الأيسر. فتح الباب على غرفة شديدة الإضاءة غريبة الشكل عرضها ثمانية أقدام وطولها ضعف ذلك .
على الجانب الأيسر من باب الغرفة مباشرة كان هنالك ملصق قوات التحالف الذي يحمل صور( شدة الورق المعروفة ) التي تمثل الشخصيات الخمسة والخمسين الكبرى المطلوب القبض عليها . كان العديد من الوجوه مشطوباً ، أما وجه صدام ، الموجود على ورقة الآس السبايتي ، فكان قد اختفى تقريباً تحت ضربات متتابعة على شكل علامة ( x ) باللون الأحمر. الى الجانب الأيمن من الباب كان صدام يجلس مرتدياً معطفا فضفاضاً متدلياً وثوباً عربياً وسترة فراء بقلنسوة زرقاء اللون . كان يلبس خفين بلاستيكيين من النوع الرخيص ولاحظت أن اصابع قدميه كانت قذرة متشققة وكانه كان يمشي في التراب طوال أسابيع وكان بالقرب من أحدى قدميه صندوقاً من علب العصير وقصب الشرب الوردية اللون .
على الجدار خلف رأس صدام كانت هنالك صورة لوزير الدفاع رامسفيلد وأخرى للرئيس بوش مثبتتين بالشريط اللاصق . أعجبتني تلك اللمسة وهنأت في سري الجندي الذي خطرت له فكرة تعليقها هناك .كان صدام يجلس هادئاً متطلعاً إلينا من تحت رموشه الكثة بينما وقف جندي أمريكي يحسن التحدث بالعربية قرب كتف صدام اليمنى من اجل الحماية ، ولا شك أن تعليمات قد صدرت إليه بأن يتدخل إذا ما حاول أي عضو من أعضاء مجلس الحكم الإنقضاض على السجين . قال الجندي لشافيز : " لقد أستيقظ من النوم لتوه يا سيدي ."
جلس الأعضاء الأربعة على منصة منخفضة في نهاية الغرفة ليتمكنوا من تفحص صدام . حدج موفق الربيعي ، ذلك الرجل المهذب بطبيعته والذي تلقى دراسته في بريطانيا في اختصاص طب الجهاز العصبي ، السجين بنظرة شديدة وهتف به : " صدام حسين ؟! عليك لعنة الله ."وأدركت ، بفضل الدروس التي تلقيتها باللغة العربية ، أن تلك كانت اهانة كبيرة . رفع صدام رأسه وقال : " من أنت حتى تلعنني أيها الخائن القادم مع الأمريكان ؟ " ثم ألتفت الى رئيس مجلس الحكم آنذاك السيد عدنان الباججي ، الذي كان وزيراً سابقاً للخارجية نفاه صدام قبل عدة عقود ثم عاد فخصص مكافأة مالية لمن يقتله .
قال صدام : " صديقي الدكتور عدنان ." وتحول بعدها صوته الى نبرة أنعم وهو يمضي قائلاً : " لماذا أتيت مع هولاء ال**** ؟ أنت لست منهم بل واحداً منا . " ورفع صدام يديه حتى لامست أصابعه صدره وهو يلفظ كلمة " منا ". كان صدام يحاول شق صف اعضاء الوفد من أول لحظة مواجهته لهم .
عندما تجاهل الباججي ذلك الفخ أخذ صدام في تفحص بقية الوجوه قائلاً بنبرة تفيض احتقاراً : " هل من يعرفني بقادة العراق الجديد العظام هؤلاء ؟ " .
أثنى عادل عبد المهدي على روح الدعابة التي يتمتع بها صدام وسأله : " كيف ستشرح ما قمت به في الأنفال وحلبجة ؟ " في أشارة الى الحملات الوحشية المتضمنة التهجير وأستخدام الأسلحة الكيمياوية ضد الأكراد . ثم أضاف : " لماذا أصدرت الأوامر بذلك ؟ " فرد صدام محركا يده اليسرى كما لو أنه يعلن ضرورة أبادة الكلاب المسعورة : " لقد كانوا **** وإيرانيين ."
بعدها أخذ الأعضاء الأربعة بإطلاق سيل من الأسئلة التي لا تخلو من إهانات موجهة لصدام . وبدا صدام مشدوهاً للحظة ، فعلى مدى عقود طويلة لم يجرؤ أحد على التكلم معه بهذه الطريقة ثم بقي على قيد الحياة ليروي ما حدث . بعدها زم صدام شفتيه ورفع ذقنه في اشارة على غطرسته . فهو سيستمع لأولئك المرؤسين ثم يرد عليهم متى ما رأى أن الوقت ملائم للرد عليهم . وصرخ به الربيعي:" لماذا لم تكن لديك الشجاعة فتقاتل أو تموت وأنت تقاتل ؟ "
فألتفت صدام ليسأل القائد الأمريكي شافيز : " لو كنت مكاني هل كنت ستحاول المقاومة ؟ " ثم عاد فاستدار نحو الربيعي وقال متهكماً : " وماذا تعرف أنت عن القتال ؟ "
فرد الربيعي " على الأقل قتل ولداك وهما يقاتلان ." لست موقناً ، ولكن تراءى لي وكأن صدام أجفل حين سمع ذلك .
بعدها نهض عبد المهدي من المنضدة وقد مد ذراعيه وبسط راحتيه ، وهي إيماءة خشنة أسترعت انتباه صدام ، وقال له : " ماذا تقول عن القبور الجماعية وعن عشرات المئات من الذين أعدمتهم ودفنتهم؟ "
رفع صدم ذقنه بازدراء وقال : " أعدمتهم ؟ " ثم هز رأسه قبل أن يضيف : " هل سأل أحدكم أقاربه عمن يكون هولاء المجرمون ؟ انهم لصوص و**** وأيرانيون ."
ذكر الربيعي أسماء بعض البعثيين البارزين الذين امر صدام بقتلهم في بدايات الثمانينيات وسأله : " لماذا فعلت ذلك ؟ "
فأجاب ببرود " هذا حديث شوارع فما علاقتك أنت بهذا الأمر ؟ لقد كانوا بعثيين . " بدا الأمر حين قالها وكأنهم ملكه الخاص يبددهم كيفما يشاء .
بعدها أنحنى الباججي الى الأمام وسأله : " لماذا غزوت الكويت ؟ تلك الغلطة التي أودت بالعراق الى الكارثة ."
فرد صدام وهو يتكلف الأبتسام : " عندما يكون هنالك أمر في رأسي أنفذه . هذه هـي طبيعتي . "
كانت كلماته متسارعة ويداه ترتجفان . تراءى لي فجاءة هتلر قابعاً في غرفته تحت الأرض في نيسان 1945 وهو يعيش في عالم الأحلام ، يصدر الأوامر إلى جيوش لم يعد لها وجود بأن تدمر القوات السوفيتية التي أطبقت على برلين . عندما هم الوفد بالمغادرة كرر الربيعي كلماته قائلاً : “
صدام عليك لعنة الله .كيف ستواجه خالقك؟ "
إذا ما كان لتلك الكلمات أثر على مشاعر صدام فهو قد برع في أخفائه قائلاً حين قال: سوف ألقاه بضمير صاف كرجل مؤمن.
بغداد - ترجمة: عادل حمود:
رجني صوت التلفون الذي كان بجانبي موقظاً إياي في الساعة الواحدة والنصف من صباح يوم الأحد الموافق 14 كانون الأول 2003 بعد أن تمكنت بالكاد من النوم بعد يوم عمل اخر أستغرق 18 ساعة.
كان المتصل هو مساعدي للشوؤن العسكرية الميجور بات كاروول الذي قال لي : " آسف لأيقاظك يا سيدي " ثم أضاف ان الجنرال جون أبي زيد رئيس القيادة الأمريكية الوسطى يرغب في التحدث معي فوراً عبر خط هاتف آمن .
لم يكن الهاتف الذي في منزلي يعمل لهذا بدأت في ارتداء ملابسي للذهاب الى مكتبي في قصر صدام . كنت أتحدث مع أبي زيد بشكل شبه يومي ، ولكن لم يكن من عادته الأتصال بي في منتصف الليل هكذا وعلى خط آمن . لذلك جال بخاطري انه لابد ثمة خبر طيب أو خبر سيئ.
بعد ربع ساعة وصلت مكتبي ، الذي كان مضاء إضاءة خافتة حيث كان هناك نائبي الجديد ديك جونز ورجل من وكالة المخابرات المركزية . وسألت ديك عن جلية الامر فرد علي بالقول وهو يلتفت الى ضابط المخابرات : " لا اريد ان احرق المفاجأة ."
عندها قال لي رجل المخابرات : " نعتقد اننا قد قبضنا على صدام ." فحملت سماعة الهاتف الساخن وتم توصيلي بابي زيد في مقر القيادة في قطر وسالته : " جون , ما هذا الذي يقال عن صدام ؟ " فرد علي : " نعتقد أننا قبضنا عليه . فقد عثر رجال فريق العمليات الخاصة على رجل وسخ كث اللحية في قعر جحر عنكبوت ! في موقع خارج مدينة تكريت ."
فسألته : " وما أدراك أنه صدام ؟! "
قال أبو زيد : " عندما جره رجالنا إلى خارج الحفرة كان يصرخ : أنا صدام حسين رئيس العراق . فأجروا عليه فحصاً ووجدوا أنه يحمل الندبات والوشم التي نعرف أنها موجودة عند صدام . "
كنت أعلم ، كما يعلم أبو زيد ، بأن صدام ظل يستخدم بدلاء له على مدى اعوام ليدوخ اعداءه ، لذلك تساءلت عما ينبغي ان نفعله أيضاً لنتأكد من أننا قد قبضنا فعلاً على صدام . فقال أبو زيد : " لقد جلبناه الى بغداد وسنقوم بتنظيفه وعرضه على بعض القادة البارزين الآخرين في نظامه ممن نحتجزهم ، كما سنقوم بأرسال عينة من الحمض النووي إلى ألمانيا من أجل مطابقتها فلدينا طائرة من نوع (سي-17) على أهبة الإستعداد للإقلاع.
فشددت عليه قائلاً : " جون يجب أن نكون متأكدين مائة بالمائة وإلا جعلنا من انفسنا اضحوكة العالم أذا ما تسربت الأخبار وتبين ان من قبضنا عليه ليس سوى واحد من بدلائه الملعونين . كم من الوقت سيستغرق تدقيق الحمض النووي ؟ " فأجابني : " يقول رجالي أنه سيستغرق ما بين 24 و36 ساعة ."
بعد ذلك عدت الى فراشي دون ان أتمكن من النوم ، فقد كنا على مدى اشهر عديدة بعد التحرير نطارد كل شائعة مهما كانت صغيرة أو تقرير غير متكامل يتحدث عن مكان تواجد صدام . وفي إحدى المرات وردنا تقرير من مصدر " موثوق جداً " يقول أنه كان يتجول في أرجاء بغداد وهو يجلس في المقعد الخلفي لسيارة اجرة " تاكسي" مرسلاً لحية بيضاء طويلة وعلى رأسه غطاء رأس أحمر ، كما لو كان بابا نويل على حد وصف أحد المحللين .
وقمنا بتغيير استراتيجيتنا في البحث بعد ان أستنتجنا بان صدام قد انفصل عن الناس الذين كانوا في المناصب العليا لعلمه باننا سنبحث عنهم هم ايضاً . بدلاً من ذلك رحنا نتحرى عن أولئك الذين كانوا في المناصب الأدنى من " القائمين بالخدمات " مثل الخدم والبستانيين والسواق الذين عملوا لدى صدام لأنهم قد يوفرون ممراً آمناً للدكتاتور الفار. فقامت الإستخبارات العسكرية ووكالة المخابرات المركزية بوضع قاعدة معلومات حول هولاء العمال ومعارفهم . فهل ترانا تمكنا الآن من القبض أخيراً على هذا السفاح ؟
بعد ساعتين من النوم المتقطع نهضت لأبدأ يوماً محموماً حيث وصلت بربارة فاست ضابطة الإستخبارات العليا والجنرال ريكاردو سانشيز قائد قوات التحالف في العراق وبدا نائب ريك وكأنه بحاجة للنوم أكثر مني .
أعطتنا فاست تفاصيل أكثر عن عملية الاعتقال . فقد ألقت القوات الخاصة في قوات التحالف صباح يوم السبت القبض على شخص مشتبه به خارج تكريت ، وهي موطن العشيرة التي ينتمي إليها صدام . وخلال التحقيق مع هذا الشخص قال لهم انه يستطيع ان يقودهم الى شخص" أكثر أهمية منه " ولكنه رفض بعناد أن يعلن عن هوية الشخص الذي يعنيه .
وفيما كان الرجال ينتزعون صدام من جوف جحره داخل أرض إحدى مزارع المنطقة قال للرجال الذين يحاولون أعتقاله متحدثاً بكلمات انكليزية : " أنا صدام حسين رئيس العراق ، وأنا أريد التفاوض ".
وخلال تفتيشهم حجيرة نومه الضيقة المحفورة في جوف تربة رملية عثر الجنود على مسدس وحقيبة يدوية تحوي وثائق في غاية الأهمية . وفي وقت لاحق من نفس الليلة اكتشف الفريق اثنين من القائمين على خدمة صدام وهما مسلحان ببنادق آلية ومعهما كيس يحتوي على مبلغ 750000 دولار امريكي في أوراق من فئة 100 دولار.
وقامت طائرة تابعة لفريق العمليات الخاصة بنقل صدام الى مركز اعتقال في مطار بغداد . قالت لنا فاست ان الأستخبارات قامت بعد ذلك بجلب أربعة من " الشخصيات الرفيعة المستوى" من مقربي صدام الى المركز للتعرف عليه ، وقد أكد كل منهم على حدة بأن ذلك الرجل المنكسر هو صدام حسين .
كذلك قام العاملون في المخابرات بتسجيل محادثة ذلك السجين مع أتباعه من البعثيين وقاموا بعدها بتمرير التسجيل عبر " محلل صوتي " رقمي لمقارنة تلك النماذج الصوتية مع تسجيلات أرشيفية لصدام حسين .
قال ريك : " إن خطة وزارة الدفاع الأمريكية تقضي بنقل صدام ، في حالة القبض عليه ، الى سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في الخليج لدواع أمنية ." فرددت عليه بالقول : " لا يمكننا ان نفعل هذا . "
فنحن لو اعتبرنا صدام اسير حرب لدى قوات التحالف فإن معاهدة جنيف تمنعنا من أظهاره وهو في الأسر . ولكننا إذا ما نقلناه الى خارج البلد ولم ننشر صوراً تظهر الدكتاتور المخلوع وهو في الأسر فإن كثيراً من العراقيين ، وهم من بين أشد الشعوب تأثراً بنظرية المؤامرة ، سيرفضون تصديق اننا قد قبضنا عليه فعلاً . لهذا قلت للجنرالين : " الناس سيكونون بحاجة الى دليل على أننا أمسكنا به ."
وفهموا ما أعنيه ، لأن الجو كان يموج بالإشاعات التي تزعم أننا قد أعتقلنا صدام بالفعل وأننا عقدنا معه صفقة وأن صدام الحقيقي يعيش الآن برخاء في مزرعة في فلوريدا .
قلت لهم : " أصغوا إلي , أنا أدرك بأن من المهم للإستخبارات العسكرية أن تستقي من صدام اكبر قدر من المعلومات الأستخبارية ، ولكن الأهم من ذلك هو أيجاد طريقة ما ، سواء أرضينا معاهدة جنيف أم لم نرضها ، لإقناع العراقيين بأننا قد تمكنا منه أخيراً .
أخبرت المجموعة أن أمثل الطرق هو اختيار وفد مصغر من مجلس الحكم آنذاك لزيارة صدام وعندها يمكنهم ان يؤكدوا على الملأ أنهم قد رأوا الطاغية في الأسر فعلاً .
بعد الساعة التاسعة صباحاً بتوقيت بغداد ، أي الواحدة من بعد منتصف الليل في واشنطن ، قررت أيقاظ السيدة كوندليزا رايس ، التي كانت حينها مستشارة للأمن القومي ، لأعلمها بالخبر . وقامت بدالة البيت الأبيض بتوصيلي معها على الفور. قلت لها حينها : " ليس هناك مجال للشك في أنه صدام حسين ." فقالت لي : " سوف أوقظ الرئيس لأنه سيرغب في سماع الخبر."وقد بلغتنا تقارير تقول أن وسائل الإعلام العراقية أخذت تبث الخبر وتكرره مراراً مدعية أننا قبضنا على صدام . كان من الواضح أن تلك الأخبار تسربت اليها من المزارعين القاطنين في تكريت والمناطق المجاورة لها ثم وصلت مباشرة الى العاصمة . وقد أدعت بعض تلك التقارير بأن صدام تمكن من الفرار ، أو أنه ربما كان قد قتل .
كانت وسائل الأعلام والعراقيون عموماً بحاجة ماسة لتأكيد النبأ . لذلك تم عقد مؤتمر صحفي بعد ظهرذلك اليوم وكان المكان مكتظاً بالمراسلين .
فقلت بعد أن توقف دراماتيكي قصير : " سيداتي وسادتي : لقد أمسكنا به ." تلك الكلمات الثلاث كان قد اقترحها علي مساعدي البريطاني لشوؤن الصحافة ، الذي يتكلم العربية ، جارلس هيلتي وذلك قبيل صعودي الى المنصة مباشرة . كانت كلمات سهلة الترجمة وقد قال لي جارلس : " نحن بحاجة الى كلمات قليلة حسنة الإيقاع ." وكان الوقع مباشراً ، فقد هلل الصحفيون العراقيون وكذلك فعل العديد من المراسلين الغربيين ، ولكن التعابير عن الفرح العفوي التي لاحت على وجوه العراقيين كانت هي الأعمق تأثيراً ، فبعضهم بكى . بعد ذلك أنتقل أربعة من أعضاء مجلس الحكم معي لملاقاة صدام في موقع سري قرب المطار . كان الوقت يقترب من الغروب في ذلك اليوم الصافي البارد عندما حطت بنا طائرة البلاك هوك قرب بناية لا تحمل سمات معينة تحيط بها الأسلاك الشائكة . قادنا الجنرال شافيز وأحد الحرس عبر رواق قليل الأضاءة مصبوغ باللون الخاكي حتى وقف أمام باب حديدي على الجانب الأيسر. فتح الباب على غرفة شديدة الإضاءة غريبة الشكل عرضها ثمانية أقدام وطولها ضعف ذلك .
على الجانب الأيسر من باب الغرفة مباشرة كان هنالك ملصق قوات التحالف الذي يحمل صور( شدة الورق المعروفة ) التي تمثل الشخصيات الخمسة والخمسين الكبرى المطلوب القبض عليها . كان العديد من الوجوه مشطوباً ، أما وجه صدام ، الموجود على ورقة الآس السبايتي ، فكان قد اختفى تقريباً تحت ضربات متتابعة على شكل علامة ( x ) باللون الأحمر. الى الجانب الأيمن من الباب كان صدام يجلس مرتدياً معطفا فضفاضاً متدلياً وثوباً عربياً وسترة فراء بقلنسوة زرقاء اللون . كان يلبس خفين بلاستيكيين من النوع الرخيص ولاحظت أن اصابع قدميه كانت قذرة متشققة وكانه كان يمشي في التراب طوال أسابيع وكان بالقرب من أحدى قدميه صندوقاً من علب العصير وقصب الشرب الوردية اللون .
على الجدار خلف رأس صدام كانت هنالك صورة لوزير الدفاع رامسفيلد وأخرى للرئيس بوش مثبتتين بالشريط اللاصق . أعجبتني تلك اللمسة وهنأت في سري الجندي الذي خطرت له فكرة تعليقها هناك .كان صدام يجلس هادئاً متطلعاً إلينا من تحت رموشه الكثة بينما وقف جندي أمريكي يحسن التحدث بالعربية قرب كتف صدام اليمنى من اجل الحماية ، ولا شك أن تعليمات قد صدرت إليه بأن يتدخل إذا ما حاول أي عضو من أعضاء مجلس الحكم الإنقضاض على السجين . قال الجندي لشافيز : " لقد أستيقظ من النوم لتوه يا سيدي ."
جلس الأعضاء الأربعة على منصة منخفضة في نهاية الغرفة ليتمكنوا من تفحص صدام . حدج موفق الربيعي ، ذلك الرجل المهذب بطبيعته والذي تلقى دراسته في بريطانيا في اختصاص طب الجهاز العصبي ، السجين بنظرة شديدة وهتف به : " صدام حسين ؟! عليك لعنة الله ."وأدركت ، بفضل الدروس التي تلقيتها باللغة العربية ، أن تلك كانت اهانة كبيرة . رفع صدام رأسه وقال : " من أنت حتى تلعنني أيها الخائن القادم مع الأمريكان ؟ " ثم ألتفت الى رئيس مجلس الحكم آنذاك السيد عدنان الباججي ، الذي كان وزيراً سابقاً للخارجية نفاه صدام قبل عدة عقود ثم عاد فخصص مكافأة مالية لمن يقتله .
قال صدام : " صديقي الدكتور عدنان ." وتحول بعدها صوته الى نبرة أنعم وهو يمضي قائلاً : " لماذا أتيت مع هولاء ال**** ؟ أنت لست منهم بل واحداً منا . " ورفع صدام يديه حتى لامست أصابعه صدره وهو يلفظ كلمة " منا ". كان صدام يحاول شق صف اعضاء الوفد من أول لحظة مواجهته لهم .
عندما تجاهل الباججي ذلك الفخ أخذ صدام في تفحص بقية الوجوه قائلاً بنبرة تفيض احتقاراً : " هل من يعرفني بقادة العراق الجديد العظام هؤلاء ؟ " .
أثنى عادل عبد المهدي على روح الدعابة التي يتمتع بها صدام وسأله : " كيف ستشرح ما قمت به في الأنفال وحلبجة ؟ " في أشارة الى الحملات الوحشية المتضمنة التهجير وأستخدام الأسلحة الكيمياوية ضد الأكراد . ثم أضاف : " لماذا أصدرت الأوامر بذلك ؟ " فرد صدام محركا يده اليسرى كما لو أنه يعلن ضرورة أبادة الكلاب المسعورة : " لقد كانوا **** وإيرانيين ."
بعدها أخذ الأعضاء الأربعة بإطلاق سيل من الأسئلة التي لا تخلو من إهانات موجهة لصدام . وبدا صدام مشدوهاً للحظة ، فعلى مدى عقود طويلة لم يجرؤ أحد على التكلم معه بهذه الطريقة ثم بقي على قيد الحياة ليروي ما حدث . بعدها زم صدام شفتيه ورفع ذقنه في اشارة على غطرسته . فهو سيستمع لأولئك المرؤسين ثم يرد عليهم متى ما رأى أن الوقت ملائم للرد عليهم . وصرخ به الربيعي:" لماذا لم تكن لديك الشجاعة فتقاتل أو تموت وأنت تقاتل ؟ "
فألتفت صدام ليسأل القائد الأمريكي شافيز : " لو كنت مكاني هل كنت ستحاول المقاومة ؟ " ثم عاد فاستدار نحو الربيعي وقال متهكماً : " وماذا تعرف أنت عن القتال ؟ "
فرد الربيعي " على الأقل قتل ولداك وهما يقاتلان ." لست موقناً ، ولكن تراءى لي وكأن صدام أجفل حين سمع ذلك .
بعدها نهض عبد المهدي من المنضدة وقد مد ذراعيه وبسط راحتيه ، وهي إيماءة خشنة أسترعت انتباه صدام ، وقال له : " ماذا تقول عن القبور الجماعية وعن عشرات المئات من الذين أعدمتهم ودفنتهم؟ "
رفع صدم ذقنه بازدراء وقال : " أعدمتهم ؟ " ثم هز رأسه قبل أن يضيف : " هل سأل أحدكم أقاربه عمن يكون هولاء المجرمون ؟ انهم لصوص و**** وأيرانيون ."
ذكر الربيعي أسماء بعض البعثيين البارزين الذين امر صدام بقتلهم في بدايات الثمانينيات وسأله : " لماذا فعلت ذلك ؟ "
فأجاب ببرود " هذا حديث شوارع فما علاقتك أنت بهذا الأمر ؟ لقد كانوا بعثيين . " بدا الأمر حين قالها وكأنهم ملكه الخاص يبددهم كيفما يشاء .
بعدها أنحنى الباججي الى الأمام وسأله : " لماذا غزوت الكويت ؟ تلك الغلطة التي أودت بالعراق الى الكارثة ."
فرد صدام وهو يتكلف الأبتسام : " عندما يكون هنالك أمر في رأسي أنفذه . هذه هـي طبيعتي . "
كانت كلماته متسارعة ويداه ترتجفان . تراءى لي فجاءة هتلر قابعاً في غرفته تحت الأرض في نيسان 1945 وهو يعيش في عالم الأحلام ، يصدر الأوامر إلى جيوش لم يعد لها وجود بأن تدمر القوات السوفيتية التي أطبقت على برلين . عندما هم الوفد بالمغادرة كرر الربيعي كلماته قائلاً : “
صدام عليك لعنة الله .كيف ستواجه خالقك؟ "
إذا ما كان لتلك الكلمات أثر على مشاعر صدام فهو قد برع في أخفائه قائلاً حين قال: سوف ألقاه بضمير صاف كرجل مؤمن.
