أسامة العيسة من القدس:بعد ما عرف بانتفاضة النفق في خريف 1996، والأوضاع الاقتصادية السيئة التي لحقت بالفلسطينيين، تبرع الشيخ زايد حاكم الإمارات الراحل بنحو 6 ملايين دولار، لشراء بها مواد غذائية توزع على العمال والعاطلين عن العمل، واطلق على تلك الحملة (زاد زايد).وأوكل التنفيذ إلى جمعية خيرية إماراتية بالتعاون مع لجان الزكاة في المدن الفلسطينية، وعقد المسؤول الإماراتي المشرف على الحملة، مؤتمرا صحافيا بعد وصوله إلى الأراضي الفلسطينية، عبر الأردن، ليتحدث عن الحملة، وسأل أحد الصحافيين عن إمكان استغلال الأموال التي ستصرف على الإغاثة الوقتية، في بناء مصنع أو مشروع أو ما شابه ذلك لتشغيل العاطلين عن العمل، فأجاب المسؤول الإماراتي فورا: "إذا دفعنا الأموال نقدا فلا نضمن أن تذهب في الأماكن الصحيحة".وإذا كانت مخاوف المسؤول الإماراتي صحيحة، فان هناك أيضا شكوكا قوية حول إذا ما كانت حملات الإغاثة تنفذ وسط مستحقيها، في ظل تعقيدات إدارية تبدأ من البلد المتبرع حتى تصل إلى الشخص المستحق.
والمسؤول الإماراتي ليس الوحيد الذي يملك هذه النظرة السوداوية إلى ظاهرة الفساد المستشري لدى النخب الفلسطينية، والتي اعترفت بها رسميا اكثر من مرة في تقارير هيئة الرقابة التابعة للسلطة الفلسطينية، كما أن النائب العام الفلسطيني احمد المغني عقد مؤتمرا صحافيا في غزة يوم الأحد 5 شباط / فبراير 2006 تحدث فيه عن اختلاس ما لا يقل عن 700 مليون دولار من ميزانية السلطة خلال السنوات الماضية.ولكن لم يرصد أحد بدء هذه الظاهرة والمساهمين فيها والمشجعين عليها حتى كادت تكون نظافة اليد لدى المسؤولين الفلسطينيين هي الاستثناء.
جذور بعيدة
لظاهرة الفساد التي اتسع الحديث عنها بعد قيام السلطة الفلسطينية جذور ابعد، ففي أواسط ثمانينات القرن الماضي, وعندما فرغ مسؤولو الجمعية الخيرية في إحدى القرى الفلسطينية من الترحيب الحار وتقديم المشروبات لوفد إحدى الجمعيات الخيرية الفلسطينية العريقة في كندا سأل رئيس الوفد عن المشروع الخيري في القرية الذي مولته الجمعية ب 60 ألف دولار!
ارتسمت علامات الدهشة على وجوه الحاضرين، ببساطة لأنه وجود لمثل هذه المشروع في قريتهم.وازدادت دهشتهم, عندما ابرز رئيس الوفد الضيف ورقة تحوي تفاصيل عن المشروع مثل أسماء القائمين عليه ومعلومات عن الدفعات المالية التي أرسلها فلسطينيو كندا لدعم أشقائهم في الوطن المحتل! وبعد البحث والسؤال تبين أن المبلغ استقر بقدرة قادر في جيب أحدهم, ولم يصرف على أي مشروع خيري.
وفي الفترة نفسها وفي مدينة أخرى، أصيبت سيدة فلسطينية بالهستيريا، بعدما أتت من أميركا للاطلاع من كثب على روضات الأطفال التي تدعمها مؤسسات متعاطفة مع منظمة فلسطينية راديكالية يسارية، والسبب بسيط، إذ أنها وجدت مع زملائها انهم يدعمون منذ ثلاث سنوات روضات غير موجودة على ارض الواقع، وأن الدولارات تذهب إلى جيوب عدد من "الرفاق".و انتهت الحكايتان، مثلما تنتهي الحكايات الفلسطينية المشابهة بالصفح و"الطبطبة".
وإذا كان المختلسون في هاتين الحكايتين معروفين ولم تتم محاسبتهم لأسباب مختلفة، أهمها عدم الرغبة في المحاسبة ولوجود الاحتلال الطاغي آنذاك فإن هناك ممارسات أخرى أفرزت شرائح كونت (اللوردات الجدد) أو (القطط السمان) في المناطق المحتلة حيث ظهروا على السطح بقوة وتعززوا كطبقة ذات شأن في ظل السلطة الفلسطينية.
دعم النفوذ
بعد مبادرة الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات الشهيرة والصلح مع إسرائيل، صدرت عن مؤتمر القمة العربية الشهير في بغداد المناهض للسادات، قرارات بدعم صمود الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وتشكلت لهذا الغرض لجنة أردنية -فلسطينية أنيط بها مهام تحويل ما عرف بأموال الصمود إلى الضفة الغربية وقطاع غزة.
وطبقا لكثير من الوقائع والدلائل، فان هذه الأموال لم تذهب لغاياتها الصحيحة، وهي كما أعلن دعم الصمود، ولكن وما يهمنا هنا الإشارة إلى السبل التي ساهمت في ظاهرة القطط السمان:
*جزء مهم من الأموال ذهب لدعم وتقوية النفوذ السياسي الأردني في المناطق المحتلة، وبعبارات أوضح ذهب إلى جيوب سياسيين فلسطينيين محسوبين على الحكم في الأردن الذي كان ينافس منظمة التحرير الفلسطينية سياسيا في الضفة الغربية، وإلى نقابين و مسؤولي جمعيات خيرية, وإلى آخرين كانوا نشيطين في المجالات الاجتماعية والعمل السياسي والنقابي, وذلك لشراء ذممهم وضمان ولائهم.
*تم اعتماد توقيعات عدد من الشخصيات لغالبيتها ميول سياسية أردنية في حينه، أو مزدوجة الميول (لها علاقات جيدة، طبقا لمصالحها مع منظمة التحرير والأردن وغير مغضوب عليها إسرائيليا وعرفت بالمعتدلين)، لصرف المبالغ للمشاريع التي ستعزز صمود الشعب الفلسطيني. وإحدى الشروط التي كان يتم بموجبها التوقيع، فضلا عن الولاء السياسي، ضمان استفادة الشخص صاحب التوقيع المعتمد من الأموال التي ستصرف، أي تلقي رشوة مجزية.
*جزء من الأموال ذهبت لدعم رجال أعمال وأصحاب مصانع قائمة لتطوير مصانعهم من اجل استيعاب العاطلين عن العمل و"تعزيز الصمود", ولكن اغلب هؤلاء لم يكونوا يستغلون هذه الأموال لتطوير المصانع التي يملكونها أو فتح مشاريع جديدة لاستيعاب أيدي عاملة فلسطينية وتثبيت صمودها كما كان معلنا, وإنما كانت عشرات الآلاف من الدنانير الأردنية تذهب في مصاريف استهلاكية كشراء سيارة جديدة أو لزيادة الرصيد في البنوك على احسن الأحوال.
*هناك شبهات قوية تشير إلى أن الأموال التي ذهبت للجمعيات والمؤسسات الشبابية التي كان يديرها نشيطون يؤيدون منظمة التحرير الفلسطينية لم تصرف في أماكنها الصحيحة وإنما تعرضت, على الأرجح للاختلاس والسرقة، وكثير من هؤلاء النشطاء آنذاك هم من كوادر وقادة السلطة الفلسطينية الان.
وساهمت هذا الحقائق في أن تفوح الرائحة الكريهة لأموال الصمود, وارتفعت أصوات كثيرة من مقدمي أموال الدعم (في الكويت مثلا) للمطالبة بوقف الدعم.
وتستوجب القراءة الموضوعية الإشارة إلى الدور الذي لعبته السياسة في الإفساد المالي, فالتقارب الفلسطيني الأردني السياسي آنذاك والذي تجسد بما عرف باسم إعلان عمان الذي وقعه العاهل الأردني الراحل الحسين بن طلال وياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الراحل, ومحاولة السيطرة بأي ثمن على العمل ألمؤسساتي في الأراضي المحتلة ساعد في الإفساد المالي، وكذلك فان سلوك الشخصيات التقليدية المحسوبة على الأردن والتي تملك خبرة سابقة في طرق الكسب المالي شجعت كوادر الحركة الوطنية الفلسطينية على حذو حذوها بحيث لم يكن التحالف سياسي فقط بل اصبح ميدانيا تحالف مصالح وفساد وإفساد.
ووجدت النخب الفلسطينية التقليدية التي تكونت عبر عقود منذ العهد العثماني والبريطاني والأردني، تلتقي أخيرا مع النخب الجديدة "الثورية"، على هدف جديد أساسه المصلحة والمال، وبعد أن تقلص الطموح الأردني السياسي في الضفة الغربية، لم تجد النخب التقليدية صعوبة في تغيير ولائها للسلطة الفلسطينية.
وبدون ضجيج, كالذي رافق الإعلان عن هذه الأموال, انتهت موجة (أموال الصمود) واغلق الملف وكأن شيئا لم يكن, ما دام الرأي العام في فلسطين والعالم العربي مغيبا وهو إلى حد كبير فكرة افتراضية على احسن الأحوال, ودون أن يكلف مسؤول نفسه بتقديم تقييم لهذا التجربة التي استمرت سنوات, وأهدرت فيها ملايين، وعن الذي تحقق من الأهداف التي أعلن عنها والذي لم يتحقق، فهي لم تمنع الهجرة ولم تعمر الأراضي كي لا يصلها الاستيطان ولم تبني اقتصادا, وبقي المعروف, والذي يهمنا هنا, انه سجل لأموال الصمود أنها هي التي فتحت الباب على مصراعيه لنشوء شريحة القطط السمان في المجتمع الفلسطيني والتي كبرت وتضخمت فيما بعد.
عملاء هايف لايف
وإذا كانت سياسات معينة للأردن ومنظمة التحرير، برضاء إسرائيل أو عدم ممانعتها, ساهمت في الإعلان على نطاق واسع عن شريحة القطط السمان, فان الاحتلال الإسرائيلي, ساهم مباشرة في ضم العديد من الأشخاص لهذه الشريحة.
فخلال سنوات الاحتلال، و إزاء التضييقات التي فرضها الاحتلال على المواطنين الفلسطينيين, عمل نوع من العملاء "لمساعدة" المواطنين الفلسطينيين لاستصدار تصاريح مغادرة أو تصاريح زيارة أو شهادات حسن سلوك للحصول على رخص سياقة أو جهاز هاتف, وذلك مقابل مبالغ يدفعها المواطن الفلسطيني لقاء هذه "الخدمة".
ولا يمكن تقدير مدى الاستفادة المالية لهذا النوع من العملاء إلا إذا تذكرنا حجم التضييقات التي كان يفرضها الاحتلال, فالحصول على رخصة سياقة أو هاتف كان من المستحيلات لقطاع واسع من المواطنين وكان ذلك يتطلب موافقة المخابرات الإسرائيلية، التي لم تتعود أن تمنح إذنا بذلك بدون مقابل.
وينطبق نفس الأمر على إنشاء مصانع أو مشاريع جديدة, وكان عدد من سماسرة هذا النوع من الخدمات يدخلون شركاء في المصانع التي يحصلون على تراخيص لها, مقابل استصدار التراخيص تلك.ويرفض الكثير من هؤلاء السماسرة تسميتهم بالعملاء و يعتبرون أنفسهم شخصيات اعتبارية وبهذه الصفة كانوا يصلون بسهولة لقادة الاحتلال العسكريين في المدن الفلسطينية.
والمؤكد أن هؤلاء ارتبطوا بعلاقات "عمل" وثيقة مع دوائر الحكم العسكري والإدارة المدنية وأجهزة المخابرات الإسرائيلية, وكان هناك أشخاصا من دوائر الاحتلال تلك مستفيدين من الأموال التي تدفع للعملاء السماسرة وعملوا كشركاء يسهلون مهماتهم.
وحدث أن تحقيقات سرية أجريت في مركز الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية وطالت موظفين كبارا هناك لشبهات بتلقيهم رشاوى, لقاء تسهيل إصدار رخص لمصانع أو خدمات أخرى.والتحقيقات من هذا النوع عادة لا تصل للقضاء الإسرائيلي, لان الأمر يتعلق في النهاية "بممارسات قذرة ضد شعب تحت الاحتلال"، ولا تمس الشعب الإسرائيلي.
وحتى لو وصل الأمر للقضاء , فالمسالة شائكة, لأن هناك أصابع كثيرة في اللعبة أبرزها أصابع رجال المخابرات الإسرائيلية الذين يقدمون تسهيلات من النوع الذي ذكر لعملائها مقابل خدمات معينة. من التحايل في إبرام صفقات بيع أراضي أو غير ذلك من مهام استخبارية, وعلى كل الأحوال تبقى سلطات الاحتلال هي الرابحة في أي صفقات من هذا النوع, والقضاء العسكري الإسرائيلي المختص بالأراضي الفلسطينية، في النهاية ليس خارج هذه المعادلة.
ومن خلال "هذه المعادلة" اصبح الكثير من سماسرة التسهيلات من أصحاب الثروات الكبيرة واغلبهم بداوا من الصفر، وانضم عليهم فئات أخرى وهو ما ستتطرق له الحلقة الثانية.
والمسؤول الإماراتي ليس الوحيد الذي يملك هذه النظرة السوداوية إلى ظاهرة الفساد المستشري لدى النخب الفلسطينية، والتي اعترفت بها رسميا اكثر من مرة في تقارير هيئة الرقابة التابعة للسلطة الفلسطينية، كما أن النائب العام الفلسطيني احمد المغني عقد مؤتمرا صحافيا في غزة يوم الأحد 5 شباط / فبراير 2006 تحدث فيه عن اختلاس ما لا يقل عن 700 مليون دولار من ميزانية السلطة خلال السنوات الماضية.ولكن لم يرصد أحد بدء هذه الظاهرة والمساهمين فيها والمشجعين عليها حتى كادت تكون نظافة اليد لدى المسؤولين الفلسطينيين هي الاستثناء.
جذور بعيدة
لظاهرة الفساد التي اتسع الحديث عنها بعد قيام السلطة الفلسطينية جذور ابعد، ففي أواسط ثمانينات القرن الماضي, وعندما فرغ مسؤولو الجمعية الخيرية في إحدى القرى الفلسطينية من الترحيب الحار وتقديم المشروبات لوفد إحدى الجمعيات الخيرية الفلسطينية العريقة في كندا سأل رئيس الوفد عن المشروع الخيري في القرية الذي مولته الجمعية ب 60 ألف دولار!
ارتسمت علامات الدهشة على وجوه الحاضرين، ببساطة لأنه وجود لمثل هذه المشروع في قريتهم.وازدادت دهشتهم, عندما ابرز رئيس الوفد الضيف ورقة تحوي تفاصيل عن المشروع مثل أسماء القائمين عليه ومعلومات عن الدفعات المالية التي أرسلها فلسطينيو كندا لدعم أشقائهم في الوطن المحتل! وبعد البحث والسؤال تبين أن المبلغ استقر بقدرة قادر في جيب أحدهم, ولم يصرف على أي مشروع خيري.
وفي الفترة نفسها وفي مدينة أخرى، أصيبت سيدة فلسطينية بالهستيريا، بعدما أتت من أميركا للاطلاع من كثب على روضات الأطفال التي تدعمها مؤسسات متعاطفة مع منظمة فلسطينية راديكالية يسارية، والسبب بسيط، إذ أنها وجدت مع زملائها انهم يدعمون منذ ثلاث سنوات روضات غير موجودة على ارض الواقع، وأن الدولارات تذهب إلى جيوب عدد من "الرفاق".و انتهت الحكايتان، مثلما تنتهي الحكايات الفلسطينية المشابهة بالصفح و"الطبطبة".
وإذا كان المختلسون في هاتين الحكايتين معروفين ولم تتم محاسبتهم لأسباب مختلفة، أهمها عدم الرغبة في المحاسبة ولوجود الاحتلال الطاغي آنذاك فإن هناك ممارسات أخرى أفرزت شرائح كونت (اللوردات الجدد) أو (القطط السمان) في المناطق المحتلة حيث ظهروا على السطح بقوة وتعززوا كطبقة ذات شأن في ظل السلطة الفلسطينية.
دعم النفوذ
بعد مبادرة الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات الشهيرة والصلح مع إسرائيل، صدرت عن مؤتمر القمة العربية الشهير في بغداد المناهض للسادات، قرارات بدعم صمود الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وتشكلت لهذا الغرض لجنة أردنية -فلسطينية أنيط بها مهام تحويل ما عرف بأموال الصمود إلى الضفة الغربية وقطاع غزة.
وطبقا لكثير من الوقائع والدلائل، فان هذه الأموال لم تذهب لغاياتها الصحيحة، وهي كما أعلن دعم الصمود، ولكن وما يهمنا هنا الإشارة إلى السبل التي ساهمت في ظاهرة القطط السمان:
*جزء مهم من الأموال ذهب لدعم وتقوية النفوذ السياسي الأردني في المناطق المحتلة، وبعبارات أوضح ذهب إلى جيوب سياسيين فلسطينيين محسوبين على الحكم في الأردن الذي كان ينافس منظمة التحرير الفلسطينية سياسيا في الضفة الغربية، وإلى نقابين و مسؤولي جمعيات خيرية, وإلى آخرين كانوا نشيطين في المجالات الاجتماعية والعمل السياسي والنقابي, وذلك لشراء ذممهم وضمان ولائهم.
*تم اعتماد توقيعات عدد من الشخصيات لغالبيتها ميول سياسية أردنية في حينه، أو مزدوجة الميول (لها علاقات جيدة، طبقا لمصالحها مع منظمة التحرير والأردن وغير مغضوب عليها إسرائيليا وعرفت بالمعتدلين)، لصرف المبالغ للمشاريع التي ستعزز صمود الشعب الفلسطيني. وإحدى الشروط التي كان يتم بموجبها التوقيع، فضلا عن الولاء السياسي، ضمان استفادة الشخص صاحب التوقيع المعتمد من الأموال التي ستصرف، أي تلقي رشوة مجزية.
*جزء من الأموال ذهبت لدعم رجال أعمال وأصحاب مصانع قائمة لتطوير مصانعهم من اجل استيعاب العاطلين عن العمل و"تعزيز الصمود", ولكن اغلب هؤلاء لم يكونوا يستغلون هذه الأموال لتطوير المصانع التي يملكونها أو فتح مشاريع جديدة لاستيعاب أيدي عاملة فلسطينية وتثبيت صمودها كما كان معلنا, وإنما كانت عشرات الآلاف من الدنانير الأردنية تذهب في مصاريف استهلاكية كشراء سيارة جديدة أو لزيادة الرصيد في البنوك على احسن الأحوال.
*هناك شبهات قوية تشير إلى أن الأموال التي ذهبت للجمعيات والمؤسسات الشبابية التي كان يديرها نشيطون يؤيدون منظمة التحرير الفلسطينية لم تصرف في أماكنها الصحيحة وإنما تعرضت, على الأرجح للاختلاس والسرقة، وكثير من هؤلاء النشطاء آنذاك هم من كوادر وقادة السلطة الفلسطينية الان.
وساهمت هذا الحقائق في أن تفوح الرائحة الكريهة لأموال الصمود, وارتفعت أصوات كثيرة من مقدمي أموال الدعم (في الكويت مثلا) للمطالبة بوقف الدعم.
وتستوجب القراءة الموضوعية الإشارة إلى الدور الذي لعبته السياسة في الإفساد المالي, فالتقارب الفلسطيني الأردني السياسي آنذاك والذي تجسد بما عرف باسم إعلان عمان الذي وقعه العاهل الأردني الراحل الحسين بن طلال وياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الراحل, ومحاولة السيطرة بأي ثمن على العمل ألمؤسساتي في الأراضي المحتلة ساعد في الإفساد المالي، وكذلك فان سلوك الشخصيات التقليدية المحسوبة على الأردن والتي تملك خبرة سابقة في طرق الكسب المالي شجعت كوادر الحركة الوطنية الفلسطينية على حذو حذوها بحيث لم يكن التحالف سياسي فقط بل اصبح ميدانيا تحالف مصالح وفساد وإفساد.
ووجدت النخب الفلسطينية التقليدية التي تكونت عبر عقود منذ العهد العثماني والبريطاني والأردني، تلتقي أخيرا مع النخب الجديدة "الثورية"، على هدف جديد أساسه المصلحة والمال، وبعد أن تقلص الطموح الأردني السياسي في الضفة الغربية، لم تجد النخب التقليدية صعوبة في تغيير ولائها للسلطة الفلسطينية.
وبدون ضجيج, كالذي رافق الإعلان عن هذه الأموال, انتهت موجة (أموال الصمود) واغلق الملف وكأن شيئا لم يكن, ما دام الرأي العام في فلسطين والعالم العربي مغيبا وهو إلى حد كبير فكرة افتراضية على احسن الأحوال, ودون أن يكلف مسؤول نفسه بتقديم تقييم لهذا التجربة التي استمرت سنوات, وأهدرت فيها ملايين، وعن الذي تحقق من الأهداف التي أعلن عنها والذي لم يتحقق، فهي لم تمنع الهجرة ولم تعمر الأراضي كي لا يصلها الاستيطان ولم تبني اقتصادا, وبقي المعروف, والذي يهمنا هنا, انه سجل لأموال الصمود أنها هي التي فتحت الباب على مصراعيه لنشوء شريحة القطط السمان في المجتمع الفلسطيني والتي كبرت وتضخمت فيما بعد.
عملاء هايف لايف
وإذا كانت سياسات معينة للأردن ومنظمة التحرير، برضاء إسرائيل أو عدم ممانعتها, ساهمت في الإعلان على نطاق واسع عن شريحة القطط السمان, فان الاحتلال الإسرائيلي, ساهم مباشرة في ضم العديد من الأشخاص لهذه الشريحة.
فخلال سنوات الاحتلال، و إزاء التضييقات التي فرضها الاحتلال على المواطنين الفلسطينيين, عمل نوع من العملاء "لمساعدة" المواطنين الفلسطينيين لاستصدار تصاريح مغادرة أو تصاريح زيارة أو شهادات حسن سلوك للحصول على رخص سياقة أو جهاز هاتف, وذلك مقابل مبالغ يدفعها المواطن الفلسطيني لقاء هذه "الخدمة".
ولا يمكن تقدير مدى الاستفادة المالية لهذا النوع من العملاء إلا إذا تذكرنا حجم التضييقات التي كان يفرضها الاحتلال, فالحصول على رخصة سياقة أو هاتف كان من المستحيلات لقطاع واسع من المواطنين وكان ذلك يتطلب موافقة المخابرات الإسرائيلية، التي لم تتعود أن تمنح إذنا بذلك بدون مقابل.
وينطبق نفس الأمر على إنشاء مصانع أو مشاريع جديدة, وكان عدد من سماسرة هذا النوع من الخدمات يدخلون شركاء في المصانع التي يحصلون على تراخيص لها, مقابل استصدار التراخيص تلك.ويرفض الكثير من هؤلاء السماسرة تسميتهم بالعملاء و يعتبرون أنفسهم شخصيات اعتبارية وبهذه الصفة كانوا يصلون بسهولة لقادة الاحتلال العسكريين في المدن الفلسطينية.
والمؤكد أن هؤلاء ارتبطوا بعلاقات "عمل" وثيقة مع دوائر الحكم العسكري والإدارة المدنية وأجهزة المخابرات الإسرائيلية, وكان هناك أشخاصا من دوائر الاحتلال تلك مستفيدين من الأموال التي تدفع للعملاء السماسرة وعملوا كشركاء يسهلون مهماتهم.
وحدث أن تحقيقات سرية أجريت في مركز الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية وطالت موظفين كبارا هناك لشبهات بتلقيهم رشاوى, لقاء تسهيل إصدار رخص لمصانع أو خدمات أخرى.والتحقيقات من هذا النوع عادة لا تصل للقضاء الإسرائيلي, لان الأمر يتعلق في النهاية "بممارسات قذرة ضد شعب تحت الاحتلال"، ولا تمس الشعب الإسرائيلي.
وحتى لو وصل الأمر للقضاء , فالمسالة شائكة, لأن هناك أصابع كثيرة في اللعبة أبرزها أصابع رجال المخابرات الإسرائيلية الذين يقدمون تسهيلات من النوع الذي ذكر لعملائها مقابل خدمات معينة. من التحايل في إبرام صفقات بيع أراضي أو غير ذلك من مهام استخبارية, وعلى كل الأحوال تبقى سلطات الاحتلال هي الرابحة في أي صفقات من هذا النوع, والقضاء العسكري الإسرائيلي المختص بالأراضي الفلسطينية، في النهاية ليس خارج هذه المعادلة.
ومن خلال "هذه المعادلة" اصبح الكثير من سماسرة التسهيلات من أصحاب الثروات الكبيرة واغلبهم بداوا من الصفر، وانضم عليهم فئات أخرى وهو ما ستتطرق له الحلقة الثانية.



تعليق