أعجبني هَذَا الموقف السياسي للملك الناصر مُحَمَّدِ بن قلاوون الألفي -رَحِمَهُ اللهُ-

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • أبو عمر العتيبي
    كاتب مميز
    • Oct 2004
    • 104

    #1

    أعجبني هَذَا الموقف السياسي للملك الناصر مُحَمَّدِ بن قلاوون الألفي -رَحِمَهُ اللهُ-

    أعجبني هَذَا الموقف السياسي للملك الناصر مُحَمَّدِ بن قلاوون الألفي -رَحِمَهُ اللهُ-


    الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ أما بعد:

    فَإِنَّ فِي التَّارِيْخِ دروساً وعِبَراً، والمتأملُ فِيْهِ يجدْ أسبابَ كَثِيْرٍ مِنَ الفِتَنِ، ويجدْ حلولاً لعددٍ كبير مِنَ المشاكل والْمِحَنِ.

    وكثير مِنْ شباب الْمُسْلِمِيْنَ الَّذِيْنَ تأثروا بمذهب الخوارج، أَوْ سلكوا مسلك الارتماء فِي أحضان الأعداء، أَوْ كَانُوا أعيناً وجواسيس للأعداء إنما أتوا مِنْ ضَعْفِ إيمانهم وجهلهم بالتاريخ .

    وَهَذَا الموضوع طويل جداً، ولكني سأذكر موقفاً سياسياً مِنْ مواقف ملك مِنْ ملوك الإسْلام وَهُوَ الملك الناصر مُحَمَّدُ بنُ الملك المنصور قَلاوون الألفي، أَحَدُ أكابر ملوك دولة المماليك، وَالَّذِي حصل فِي عَهْدَه وقعة شَقْحَب والَّتِي انتصر فِيْهَا جند الإسْلام بقيادة الملك الناصر مُحَمَّد، عَلَى جيش التتر.

    وَقَدْ حكم أَكْثَرَ مِنْ ثلاثين عاماً اتسم عَهْدَه بالسعة والرخاء، وهيبة ملوك العالم لَهُ، وتوددهم إِلَيْهِ، وبذلهم المال والهدايا السنية السنوية لكسب رضا جنابه.
    فَقَدْ قذف الله مهابته فِي قُلُوبِ أعدائه، وقذف فِي قُلُوبِ رعيته محبته وشكره والثناء عَلَيْهِ.

    مَعَ أَنَّهُ حصل فِي عَهْدَه أخطاء ومظالم، وَلَكِنَّهُ كَانَ متحرياً للعدل رغم مَا وقع فِيْهِ مِنْ خطإٍ.

    وحياته ملئية بالفوائد والعبر، ولكني أحببت ذِكْرَ هَذَا الموقف وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بمراعاة مصالح الْمُسْلِمِيْنَ الَّذِيْنَ يفدون إلَى بلاد الكُفَّار فِي تجارة وَنَحْو ذَلِكَ.

    إذ يتجلى فِي هَذَا الموقف شدة حرصه عَلَى سلامة الْمُسْلِمِيْنَ حَتَّى وَلَوْ لَمْ يكونوا مِنْ رعيته، وحسن سياسته فِي تعامله مَعَ ملوك النَّصَارَى.

    الموقف


    قَالَ العلامة تقي الدين أَبِي العباس أحْمَدُ بن عَلِيٍّ المقريزي فِي كتابه: «السلوك إلَى دولة الملوك» (3/ 282 ) : "وفي ليلة الثلاثاء سادس عشريه: وقع بدمشق في أول الليل حريق بالدهشة شرقي الجامع الأموي، فعظم الأمر حتى وصل إلى الجامع، وتعلق بالمنارة الشرقية وسقط على الجملون الرصاص. فبادر الناس جميعاً إليه، وأطفؤوه بحضرة الأمير تَنْكِز في مدة يومين بلياليها.
    ثم وقع أيضاً في ليلة السبت أول ذي القعدة: حريق أخر بقيسارية القواسين والكفتيين وسوق الخيل من دمشق، وكان أمراً مهولاً مدة يومين بلياليها. فَعُدِمَ فيها نَحْوُ خمسةٍ وثلاثين ألفَ قوسٍ، وعَدَمَتْ أَموالاً عظيمة، منها للتجار خاصة ما مبلغة ألف وستمائة ألف دينار، وخربت أماكن كثيرة.
    فبينا الناس في ذلك إذ وجدت ورقة فيها: المملوك الناصح تتضمن أن أمر الحريق يظهر إذا أمسك يعقوب غلام المكين كاتب الجيش، فقبض على المذكور وعوقب، فاعترف على أستاذه عدة من كتاب النصارى، وأحضروا بين يدي الأمير تنكز، فأقروا جميعاً بذلك.
    فأوقع تنكز الحوطة على موجودهم، وكتب عليهم محضراً ملخصه: أن الرشيد سلامة بن سليمان بن مرجا النصراني كاتب الأمير علم الدين سنجر البشمقدار أشهد عليه أنه حضر إليه منتصف شوال المكين يوسف بن مجلي كاتب الأمير بهادر آص والمكين يوسف عامل الجيش وصحبتهما راهبان أحدهما اسمه ميلاني والآخر اسمه عازر، وفدما من القسطنطينية ليجاهدا في الملة الإسلامية ومعابدها وقد باعا نفسيهما على ذلك، وأنهما يعلمان صناعة النفط.
    فاجتمعوا في بستان المكين يُوسُفُ(يَقُول أبُو عُمَر: وَهُوَ نصراني)، وأحضر لهم ما يحتاجون إليه من النفط، وعملوا كعكات، وتنكروا في لباسهم، ونزلوا إلى الدهشة وتفرقوا في جوانبها، وابتاعوا منها قماشاً ودفعوا ثمنه لصاحبه، وجعلوا القماش عنده وديعة، وقد دسوا فيه تلك الكعكات المصنوعة، فوقع منها ذلك الحريق، ثم دفعوا إلى الجرائحي النصراني الذي على باب قيسارية القواسين خمسمائة درهم وكعكة من تلك الكعكات، فرمي بها في دكان داخل القيسارية، فكان منها الحريق الثاني، وأن الراهبين المذكورين خرجا بعد ذلك بكتب الجماعة إلى بيروت حتى سيرهم العامل بها في مركب إلى قبرص، وأرخ المحضر بعشرى ذي القعدة، وحمل إلى السلطان.
    ثم سمر الجماعة في يوم السبت ثاني عشرى ذي القعدة، بعدما عوقبوا عقوبات عظيمة، وعددهم أحد عشر رجلاً: وهم المكين يوسف بن مجلي عامل الجيش وأخوه، والمكين جرجس كاتب الحوطات، والمكين كاتب بهادر آص، وسمعان، وأخوه بشارة، والرشيد سلامة بن سليمان كاتب سنجر البشمقدار، والعلم عامل بيروت، والجرائحي، وجزاران نصرانيان، وشخص يعرف بـ"سبيل الله"، وكان هذا الرجل بالقاهرة سنة خمس وعشرين بزي غريب يلبس جلداً، ويحمل على كتفه زيراً نحاساً أندلسياً، وبيده شربات كذلك، ويقول بلسان غتمي: سبيل الله، ويسقي الناس بغير جعل، فمن الناس من اعتقده(يَقُول أبُو عُمَر: أيْ: أَنَّهُ مِنْ أولياء الصوفية) ، ومنهم من اتهم أنه جاسوس ، ثم خرج هذا الرجل حاجاً، وقدم دمشق وأقام بها يسقي الماء، حتى دخل مع النصارى فيما قاموا فيه من أمر الحريق ولما سمروا وسطوا بعد يومين، ووجد لهم ما ينيف على آلف درهم، أنفق منها في عمارة منارة الجامع والدهشة.

    فكتب السلطان إلى تنكز ينكر عليه قتل النصارى، وأن في ذلك إغراء لأهل القسطنطينية بمن يرد إليهم من التجار المسلمين وقتلهم".
    هَذَا هُوَ الموقف ولي مَعَهُ وقفات:


    الوقفة الأولى: بيان ضلال النَّصَارَى، وشدة مكرهم وكيدهم بالإسلام وأهله، فانظر كَيْفَ فعلوا بأموال الْمُسْلِمِيْنَ حَيْثُ أحرقوها وأفسدوها مَعَ كونهم مستأمنين، وكون الدولة أعظتهم حقوقهم المشروعة.

    الوقفة الثانية: أَنَّ التَّنَكُّرَ بزيِّ الفقراء والدراويش عادة قديمة للجواسيس والمفسدين فينبغي أَنْ يَكُون الْمُسْلِمُ عَلَى حذر.

    الوقفة الثالثة: سرعة اغترار النَّاس بمن يُظْهِرُ فِعْلَ الْمَعْرُوف وَلَوْ كَانَ فعله مقترناً ببدعة فِي الدين.

    فالمسلم إِذَا فَعَلَ الخير وَهُوَ مقيم عَلَى بدعة وخرافة لا يَجُوزُ الاغترار بِهِ لأَنَّهُ مخالف للشرع أما إِذَا لَمْ يَظْهَرُ مِنْهُ مخالفةٌ فلا يُساءُ فِيْهِ الظَّنُّ.

    الوقفة الرابعة: خيانة النَّصَارَى لولاة الأَمْر وأرباب الدولة المسلمة لعدم وجود إيمان صَحِيْحٍ يمنعهم بل إيمانهم باطل، وهم كفرة مِنْ وقود جهنم إِنَّ ماتوا عَلَى كفرهم..

    وَقَدْ حذر الله تَعَالَى مِنْ ائتمان النَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ مِنْ الكُفَّار فَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}

    فأولئك النَّصَارَى الَّذِيْنَ مكنوا للراهبين كَانُوا مِنْ عمال الدولة .

    فيستفاد مِنْهُ أَنْ لا يوضع موضع المسؤولية إلا الأكفاء الأمناء منَ الْمُسْلِمِيْنَ .


    الوقفة الخامسة : أَنَّ الأمير عَلَى ناحية مِنَ البلاد لا يقدم عَلَى عقوبة كبيرة كهذه إلا بَعْدَ مشاورة الإمَامِ لأَنَّهُ أبصر، ولأنه يَتَعَلَّقُ بالشؤون الخارجية الَّتِي قَدْ تضر بمصالح الْمُسْلِمِيْنَ، إلا إِذَا كَانَ مفوضاً مِنْ ولي الأَمْر.

    الوقفة السادسة: حرص إمام الْمُسْلِمِيْنَ عَلَى مصلحة الْمُسْلِمِيْنَ، مَعَ تطبيق الشرع فِي المفسد، فكان منَ الممكن مصادرة أموال المفسدين أَوْ حبسهم أَوْ نفيهم بدل قتلهم والتشهير بِهِمْ وخاصة أَنَّ فِيْهِمْ راهبين مِمَّا قَدْ يثير حنق ملوك الكُفَّار فيؤذوا الْمُسْلِمِيْنَ.

    وَهَذَا هُوَ نَصُّ كلام الملك الناصر مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ- حَيْثُ : "كتب إلى تنكز ينكر عليه قتل النصارى، وأن في ذلك إغراء لأهل القسطنطينية بمن يرد إليهم من التجار المسلمين وقتلهم".

    الوقفة السابعة: أَنَّ أَهْل الذِّمَّةُ والمستأمنين إِذَا ارتكبوا مَا يوجب نقض العَهْدِ أَوْ خفر الذِّمَّةِ حلت عقوبتهم، ومردُّ ذَلِكَ إلَى ولي الأَمْر.

    هَذِهِ وقفات أردت كتابتها مَعَ ذَلِكَ الحدث الَّذِي قرأته فِي الأيام الماضية خِلالِ قراءتي لكتاب السلوك، مَعَ أَنَّ فِي الملوك السابقين للملك الناصر واللاحقين وخاصة ملوك المملكة العربية السعودية -حرسَهَا اللهُ وحَماهَا- مِنَ المواقف الطيبة الجميلة شَيْءٌ كَثِيْرٌ.

    ولا أنسى أَنْ أُذَكِّرَ أَنَّ شَيْخَ الإسْلام ابنَ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ- كَانَ معاصراً لهذا الملك، ونصره غَيْر مرة، وابتلي أَيْضاً فِي عَهْدِه، والأمير تنكز الْمَذْكُورُ كَانَ سبباً فِي سجن أصحابِ شيخِ الإسْلام ابنِ تَيْمِيَّةَ وأذيتهم، ثُمَّ إِنَّ تنكز-وَلَهُ أَخْبَارِ فِي الخير مشهورة وَلَكِنْ ساء حاله فِي أواخر أيامه- نُكِبَ سَنَةَ 741هـ وقتله الملك الناصر مُحَمَّد لأمور أوجبت لَهُ ذَلِكَ.

    وَقَدْ كتب شَيْخُ الإسْلام ابنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ- رِسَالَةً فِي الثناء عَلَى الملك الناصر مُحَمَّد مطبوعة فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى لعلي أنقلها فيما بَعْدُ.


    وَاللهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّم عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ

    كتَبَهُ: أبو عمر أسامةُ العُتَيْبِي


    توثيق المقال من موقعي:

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...