الكويت رهينة التجربة البرلمانية
عبد الرحمن الراشد
صار خصوم التجربة الديمقراطية يستخدمون الكويت للتدليل على فشل الفكرة، قائلين إن العرب لا يستحقون الانتخاب، والتمثيل النيابي، ولا المشاركة الشعبية في الحكم، ولا حرية التعبير تحت قبة البرلمان. يستشهدون بالفوضى الدائمة في مجلس الأمة الكويتي الذي وصل إلى مرحلة من تبادل التهم ضد الحكومة، وبين البرلمانيين ضد بعضهم بعضا، بملاسنة وممارسة ومداومة قد لا تعرف مثلها برلمانات اخرى في العالم. والحقيقة ان الطعن والجدل والاستجوابات ليست العلة في التجربة البرلمانية الكويتية بل في النظام الذي يسمح بالاشتباك المستمر حتى أوقف تنمية الكويت وحيويتها.
الكويتيون ليسوا جدداً على العمل الديمقراطي بين الشعوب العربية، حيث بدأوها منذ الستينات، وبلغوا مرحلة لا تضاهيهم فيها الا ربما المغرب فقط. في حين أن معظم البرلمانات العربية مجرد مجالس حكومية تساير الجهاز التنفيذي، هدفها تلميع صورة النظام مع ادوات التزيين الضرورية من انتخاب وتصويت وصراخ. أما مجلس الأمة الكويتي ففيه نقد حقيقي للحكومة، وكل اعضائه الخمسين انتخبوا باستقلالية حقيقية.
العيب في الكويت ان الاشتباك بين الطرفين، الحكومة والبرلمان، وكذلك الاشتباك بين البرلمانيين انفسهم، جعل البلد حبيس الانتظار لسنين، تقريبا منذ عودة المجلس بقوة بعد تحرير البلاد من الغزو العراقي. وهذا يبرر جزئيا الفشل التنموي وتراجع الكويت عن بقية شقيقاتها الخليجية المنطلقة بسرعة كبيرة في بناء وتشييد مصانع ومدن وأفكار جديدة. أحدهم فسر علة التباطؤ الى ان كل حكومة صار عمرها قصيرا، وكل وزير يدوم في منصبه أشهراً فقط، وخلالها يواجه همّ مجلس الأمة الذي صار عنيفا ومتسلطا في لغته واتهاماته ومساءلاته. قال إن الوزير لا يدري إن اعتمد مشروعا تطويريا سيتهم فورا وظنيا بالسرقة، وإن لم يفعل اتهم بالتقاعس، وبات الوضع معلقا هكذا منذ سنوات.
فهل فقد غالبية أعضاء مجلس الأمة المسؤولية وصار همهم النجومية والبطولة الاستعراضية بمماحكة الحكومة وإسقاطها؟ ام ان الحكومة متقوقعة وعاجزة عن التواصل مع ممثلي الشعب والحصول على ثقته؟
ان العلة واضحة في المسألة البرلمانية الكويتية، وهي في النظام. فالمجلس مكون من أفراد لا أحزاب، لان النظام يحرم تشكيل الاحزاب رسميا، وإن كان يسكت عن التجمعات شبه الحزبية. وبالتالي، فما يحدث في البرلمانات الاخرى في العالم الديمقراطي هو تكليف الأغلبية البرلمانية بتشكيل الحكومة، وبالتالي حمايتها تحت قبة المجلس، او ان يحمي النظام الحكومة بمنحها مساحة للقرار والتنفيذ طوال الاربع سنوات ويكون دور البرلمان رقابياً، فلا يدفع الى اسقاط الحكومة من خلال طرح عدم الثقة بأعضائها. والنظام الكويتي لم يلجأ الى نظام الاحزاب ولم يحم الحكومة من ملاحقات الافراد البرلمانيين، لذا سيظل في فخ المراوحة التي ستعطل البلاد سنين طويلة، رغم ان الكويت من أغنى دول المنطقة ولديها فائض مالي هائل، ومع هذا هي اليوم عاجزة عن إنفاقه بسبب الاشتباك السياسي المستمر.



تعليق