إذا كانت هذه هي زيارتك الأولى، كن متأكدا من
تحقق من المساعدة ، بالضغط
الوصلة أعلاه. قد تضطر إلى التسجيل
قبل أن تتمكن من المشاركة: اضغط على الرابط السابق للتسجيل والمضي قدما. لبدء مشاهدة الرسائل،
قم باختيار المنتدى الذي تريد زيارته من الاختيار أدناه.
سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
الحلقة الاولى....
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسنَ الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار. أما بعد:
فإن أهمية العمل الصالح في الإسلام - عقيدة وشريعة وتزكية – لأثره الإيجابي على حياة الفرد والمجتمع، سواء كان ذلك في الدنيا أم في الآخرة، ففي معرض الاستخلاف والتمكين والأمن السياسي، قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)(النور 55). وفي معرض الأمن الاجتماعي والفوز والنجاح يوم القيامة، قال تعالى: (من عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)(النحل 97). وقال تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} (96) سورة الأعراف. لذلك فقد سعى الأنبياء وورثتهم من العلماء المصلحين منذ فجر التاريخ للعمل على تحقيق هذه المعاني في أقوامهم.
وفي أواخر القرن الماضي ظهر مصطلحان جديدان في ساحة العمل الإسلامي، هما مصطلحا: (شرك القصور وشرك القبور). هذان المصطلحان لم يكونا سوى صياغة جديدة معاصرة يسعى من خلالها صانعوها إلى حسم الخلاف الدائر بين المسلمين لاستئناف الحياة الإسلامية وتطبيق حكم الله في الأرض، ففي حين رأى فيه السواد الأعظم، أن نواة التغيير تبدأ من الفرد ثم الجماعة فالدولة حسب السنن الكونية التي لا تتبدل ولا تتحول، فقد رأى البعض أنها تبدأ بإيجاد الخليفة المسلم أولاً، باعتبار الخلافة هي القضية المصيرية للأمة، ورتبوا على هذا القول أمورا منها: القول بأن الدين لا يقوم بدون دولة ولا بدون سلطة، وان سياسة تغيير ما بالأنفس وإصلاح الفرد والمجتمع، ليست سياسة ترقيع لا تقدم ولا تؤخر في حسم الصراع مع الباطل، وتطيل من عمره، بل ذهبوا إلى رمي مخالفيهم بأنهم "يؤذون هذا الدين من حيث لا يشعرون بل يطعنونه الطعنة النجلاء بمثل هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة" على حد زعمهم.
ثم تطور الأمر بهم إلى القول بان شرك الحاكمية هو منبع المنكرات كلها، باعتباره المنكر الأكبر والشر الأعظم، يقول أحد المنظرين لهذا الفكر: " فأما المجتمعات الجاهلية التي لا تتحاكم إلى شريعة الله، فالمنكر الأكبر فيها والأهم، هو المنكر الذي تنبع منه كل المنكرات: هو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة.. وهذا المنكر الكبير الأساسي الجذري هو الذي يجب أن يتجه إليه الإنكار قبل الدخول في المنكرات الجزئية التي هي تبع لهذا المنكر الأكبر وفرع عنه وعرض له... إنه لا جدوى من ضياع الجهد.. جهد الخيرين الصالحين من الناس.. في مقاومة المنكرات الجزئية، الناشئة بطبيعتها من المنكر الأول: منكر الجرأة على الله وادعاء خصائص الألوهية، ورفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة.. لا جدوى من ضياع الجهد في مقاومة منكرات هي مقتضيات ذلك المنكر الأول وثمراته النكده بلا جدال".أ.هـ وأمام هذا الغلو في دور الخليفة في التغيير على حساب دور الفرد ثم المجتمع، رد علماء السلف من السواد الأعظم على أصحاب هذا الرأي، واعتبروه بعيدا عن أمر الله تعالى في كتابه، وعن سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهديه، كما سيأتي بيانه لاحقا.
لذا فإنني في هذا الكتاب سأبرهن على أن نظرية إيجاد الخليفة المسلم قبل تحقق عملية التغيير الشاملة لما في أنفس عموم الناس، فكرة بعيدة عن الواقع، وليس لها علاقة بالشرع الإسلامي فحسب، بل بالشرائع السماوية كلها، ومخالفة لسنن الله الكونية التي لا تتحول ولا تتبدل. وأن جذورها تعود إلى الماضي القديم منذ أن بدأ الصراع بين الخير والشر، وأول من حمل لواء هذا الصراع هو إبليس عليه اللعنة، ومن ثم نقله إلى شياطين الإنس والجن، وعلى رأس شياطين الإنس اليهود. قال تعالى: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا(119)(النساء119). فهذه السنة في التغيير المنطلقة من قوله تعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} هي من خلق الله، وقد توعد إبليس بالعمل على تغييرها في الناس بمساعدة شياطين الأنس والجن.
وعليه فإنني سأقدم للقارئ الكريم الرد على أهم الشبهات التي يتمسك بها القائلون والمبتدعة بتغيير المجتمع من خلال تغيير الولاة أو أنظمة الحكم (شرك القصور) على حساب الدعوة لتغيير ما بالأنفس كإنكار عموم الشرك وغيره، وقد سموه (شرك القبور) تصغيرا له، وهذه الشبهات هي: الشبهة الأولى: تقول بضرورة معالجة شرك الحاكمية- شرك القصور- هذا الزمان أولا وجعله على أول سلم الأولويات في العمل لأجل التغيير. الشبهة الثانية: هل شرك القصور هو البدعة الكبرى والشرك الأكبر كما يقول البعض؟ الشبهة الثالثة: فإن قلتم أننا لم نقصد بقولنا عن شرك الحاكمية أنه البدعة الكبرى والشرك الأعظم لأنه الأعظم درجة, إنما قصدنا أن هذه البدعة لم توجد في التاريخ الإسلامي من قبل؟ الشبهة الرابعة: إذا أراد المخالف أن هذه البدعة بدعة شرك القصور، هي الأكبر باعتبار أنها لا أصل لها في التاريخ الإسلامي، من الناحيتين السلوكية والتشريعية. الشبهة الخامسة: إذا أراد المخالف أن هذه البدعة، بدعة شرك القصور، هي الأكبر والأعظم، لأنه لأول مرة في التاريخ تعيش الأمة هذه الحالة من التجزئة والتعددية الدولية. الشبهة السادسة: لو قال المخالف: لقد نظرت إلى سيرة سلف الأمة من العلماء, فوجدتهم قد ركزوا في دعوتهم على أكبر الانحرافات الفكرية والعقدية المنتشرة في زمانهم, كالانحراف في عقيدة الأسماء والصفات, والقدر, والوعد والوعيد, ونحو ذلك من العقائد التي اختصّ بها زمان دون آخر, وعلى ذلك وباعتبار أن بدعة هذا العصر الأكثر شيوعاً، هي بدعة الحاكمية لغير الله, وأنها الشرك الأكبر, جعلت محاربتها من أولويات العمل الإسلامي. الشبهة السابعة:لو قال المخالف: إن إقامة الحدود على الرعية، مقدم على إصلاحها – أي أن لها الأولوية- لما في ذلك من زجر للعصاة والمجرمين، وبالتالي يستقيم المجتمع، لقوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)(البقرة 179). ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حد يعمل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا"[1]. الشبهة الثامنة: فإن قال المخالف لم نرد بالبدعة الكبرى والشرك الأعظم للاعتبارات التي ذكرتم، إنما اعتبرنا ذلك لأن إقامة الدين في الأرض مناطة بالحاكم واستقامته، فباستقامتة وصلاح حاله يصلح المجتمع، وبفساد حاله يفسد المجتمع؛ لدوره الأساسي في التغيير. والحمد لله رب العالمين.
يتبع الحلقة الثانية بإذن الله تعالى............
[1] تخريج الشيخالألباني رحمه الله: (ن هـ) عن أبي هريرة. تحقيق الشيخالألباني: (حسن) انظر حديث رقم: 3130 في صحيح الجامع.
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
الحلقة الثانية....
الشبهات التي يحتج بها من يقول بتغيير المجتمع عن طريق تغيير الولاة أو أنظمة الحكم
من خلال اطلاعي على الموضوعات المتعلقة بفقه التغيير فقد رصدت العديد من الشبهات التي استدل بها فريق من الناس على أن طريق التغيير لا يكون إلا من خلال التركيز على تغيير الولاة الظلمة أو الأنظمة القائمة على الحكم بغير ما انزل الله، وقد بلغت ثماني شبهات، وهي:
الشبهة الأولى: تقول بضرورة معالجة شرك الحاكمية- شرك القصور- هذا الزمان أولا وجعله على أول سلم الأولويات في العمل لأجل التغيير. مناقشة هذه الرؤية من السيرة النبوية: 1.هل الشرك يقتصر على شرك القصور(الحاكمية)، أم أن شرك الحاكمية أنواع عديدة؟ جواب ذلك: الشرك غير مقتصر على شرك القصور(الحاكمية)، وشرك الحاكمية أنواع عديدة. فهناك قطاعات كبيرة من المسلمين أفرادا وجماعات غارقة في كثير من أصنافالشرك مثل، شرك الربوبية، شرك الألوهية، شرك الأسماء والصفات، الشرك اللفظي، والشرك العملي،وشرك في الولاء والبراء...الخ. 2.حين بدأ الرسول – صلى الله عليه وسلّم- دعوته، بدأ ببناء المجتمع المسلم من خلال تربية الأفراد والأسر المسلمة، و أول ما بدأ به هو محاربة أصناف الشرك المتمثلة في التصورات الخاطئة عن الله تعالى وأسمائه وصفاته، وكل ما يتفرع عن لا إله إلا الله من عقائد، وغرس فيهم كذلك أن الحكم لله تعالى مرحلة أولى ضرورية تسبق استلام زمام الأمور لتحكيم شرع الله على العباد و إقامة الحدود والسياسات الشرعية المتعلقة بالمجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية. لذا كان نزول قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ(19)(محمد)، كان متقدما في العهد المكي. هذا في الجانب العقدي، أما في الجانب الشعائري فقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلّم، ذلك في الأفراد جميعاً – سوى النفاق- في مرحلة سبقت مرحلة استلام الحكم، بحيث لا نجد فيهم رجلا يتخلف عن صلاة الفجر والعشاء جماعة إلا رجلا معلوم النفاق !! وأما الأخلاق والتربية والتزكية، فكان لها كذلك الحظ والنصيب الوافر، ومما ركز الشرع على محاربته: صفات المنافقين من الكذب والخيانة وإخلاف الوعد. 3.لوضع النقاط على الحروف يقصد صاحب هذه الأفكار بشرك القصور شرك الدساتير والأنظمة، لا شرك الحاكمية بعمومه، لأن شرك الحاكمية له تعلق بكل أصناف الشرك السابقة الذكر، فمن اعتقد أن فلانا يعلم الغيب فقد وقع في شرك الحاكمية من جهة انه ترك حكم الله تعالى أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ومن دعا غير الله فقد أشرك في الحاكمية، من جهة انه عارض حكم الله تعالى في سلب إجابة الدعاء عن المدعو غير الله، ومن عطل ونفى صفات الله تعالى فقد أشرك في حاكمية الله تعالى من جهة انه خالف حكم الله تعالى في أن له أسماء وصفات ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وغير ذلك.وكذا من استغاث بغير الله فقد أشرك في حكم الله تعالى في ربوبيته، لأنه عارض حكم الله تعالى في سلب النفع والضر عن غير الله تعالى إلا فيما يقدر عليه المخلوق. وكذلك الحال فيمن عطل حكم الله تعالى فيما بيّنه وفصّله من حدود شرعية فقد أشرك في حاكمية الله تعالى لأنه عارض حكم الله تعالى في ذلك. إذن يوجد قسمان لشرك الحاكمية: الأول: بين العباد جميعا، رعاة ورعية من جهة، وبين الله تعالى من جهة ثانية. والثاني: شرك يتعلق فيما بين العباد أنفسهم كالأحكام والتشريعات التي سنّتها الأنظمة لضبط العلاقة القائمة فيما بينهم، خالفت بذلك ما ثبت من تشريعات إلهية مخالفة صريحة، أدت إلى تعطيلها، عدا كثير من القوانين الوضعية التي وضعت دون مخالفة ولا تعطيل لنصوص الشرع، وخاصة فيما يتعلق بالمصالح المرسلة والأمور الحادثة التكنولوجية. إذن فلندقق النظر في سيرة الرسول –صلى الله عليه وسلّم- لننظر، ضد أي من الشركين بدأ المعركة؟ فهل بدأ محاربة الشرك الثاني المتعلق بالجنايات وأحكامها (الحدود)؟ علماً أن هذه الأحكام مبسوطة في كتب الفقه لا العقيدة، عدا ما هو متعلق بالسياسة الشرعية. هذا من جانب، ومن جانب آخر أتساءل – عاكساً الأمر- بأي التوحيدين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلّم دعوته؟ هل بدأ بإقامة التوحيد الأول أم التوحيد الثاني؟. لا شك أخي الكريم أن كل مسلم يعلم يقينا لا ظنا أن هدي الرسول – صلى الله عليه وسلّم- في ذلك واضح جليّ لا لبس فيه، انه من الناحية الأولى، أقام التوحيد فيما يضبط العلاقة بين العباد وخالقهم. ومن ناحية ثانية، لابد أن يتأخر تفعيل وإقامة التوحيد الثاني لحين استلام الحكم لتعلقه المباشر فيما بين العباد، الذي يحتاج إلى حاكم وخليفة يقيم ذلك فيهم يرضون بحكمه وقضائه، وخاصة أن معظم مفردات هذا التوحيد الثاني هي من أبواب الفقه (حد السرقة، حد الخمر، القذف والزنا، والتعازير). إذن مما سبق ثبت أن محاربة شرك القبور على حد تعبيرهم-الشرك الأول كما مر معك سابقاً- يسبق محاربة الشرك الثاني – شرك القصور-. وجدير بالملاحظة، أن تحقيق القضاء على شرك القصور، إنما هو نتيجة طبيعية حتمية تكون بعد تحقيق محاربة الشرك الأول والقضاء عليه، ولا يحتاج بعد ذلك إلى هذه الجهود الذهنية والعملية المبالغ فيها التي صرفت الناس والدعاة عن الواجب الأول، وبعثرت الجهود وشتتتها، تلك التي كانت ستصب حتما لصالح الاتجاه الأول، فأطالت بذلك أمد الصراع مع شرك القصور من جهة، وأخرت حسم الموقف مع الشرك الأول –القبور كما يزعمون- من جهة أخرى. ومن الأدلة على ضرورة هذا الترتيب في بناء أو إعادة بناء الأمة من جديد قول الرسول –صلى الله عليه وسلّم-: " لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة"[1]. فإذا أردنا إعادة بناء عرى الإسلام إلى ما كانت عليه، لابد من البدء ببناء عروة الصلاة، ثم يليها في البناء عرى الإسلام تترى، حتى نصل إلى عروة الحكم، وهذا قانون معلوم بالضرورة عقلاً، إذ أن أول قطعة تفك من السلاح آخر قطعة تركب. وهل يعقل أن نقيم سقف البناء قبل إقامة دعائمه؟!! وهل تقام الدعائم قبل الأساس؟!! وهل يعقل كذلك أن تسقط دعائم البناء ويبقى السقف قائما؟!! فإذا كانت الحياة والعيش لا تستقيم تحت سقف بناء لا جدر له، ولا أبواب وشبابيك، فكيف تطيب الحياة والعيش تحت عروة الحكم – على افتراض وقوع ذلك- دون وجود باقي العرى الأخرى في المجتمع؟! وإذا كان الأمر هو استحالة وضع عروة الحكم قبل عرى الإسلام الأخرى، فكيف يتصور عاقل أن توضع هذه العروة، بمعناها الثاني – في أول سلم الأولويات في العمل الإسلامي؟ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (37) سورة ق.
يتبع الحلقة الثالثة بإذن الله...
[1] تخريج الألباني: (حم حب ك) عن أبي أمامة. تحقيق الألباني : (صحيح) انظر حديث رقم: 5075 في صحيح الجامع.
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
الحلقة الثالثة....
الشبهة الثانيةً: هل شرك القصور هو البدعة الكبرى والشرك الأكبر كما يقول البعض؟
جوابه: أن الشرك إما أن يلحق ضرره بالفرد أو بالجماعة، أو بالفرد والجماعة على الترتيب.
الأمر الأول: هل شرك القصور-الشرك الثاني- أخطر على العبد، أم أنه الشرك الأول- شرك العباد مع الله- ؟ الإجابة: يجب العلم أن غاية العبد أن يُسلم أمره لله تعالى، فيخرج نفسه من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد لينجو من عذاب جهنم. وهذا أول عمل للأنبياء جميعا. إنقاذ ما يمكن إنقاذه من البشر من الكفر إلى الإيمان، ولو لم يتحقق التمكين في الأرض لهذه الجماعة المؤمنة التي اتبعت الأنبياء. إذن فهل القضاء على شرك القصور يعني بالضرورة القضاء على الشرك الأول- شرك ما بين العبد وربه-؟ الجواب: لا، لأن أنبياء ومرسلين لم يستطيعوا القضاء على هذا الشرك في نفوس أصحابه، رغم ما معهم من التأييد والبرهان الرباني. إذن فالشرك الأول هو أخطر على العبد من الشرك الثاني، لأنه لو مات موحدا لله تعالى تحت راية طاغوتية وأحكام كفرية – كموت النجاشي في قومه- فاز ونجا، ولو مات العبد مشركا بالله تعالى الشرك الأول، يعني فيما بينه وبين الله تعالى، ولو في ظل خلافة راشدة، لا يغنيه ذلك من الله شيئا، وكان خالدا في جهنم-كأبيّ بن خلف-. إذن البدعة الكبرى والشرك الأعظم بالنسبة للفرد هو الشرك الأول وليس شرك القصور، وهذا لا يعني أن الفرد الموحّد لا يمكن أن يتأثر بشرك القصور ولا يصيبه ظلم، لكن هذا الظلم الواقع عليه يستدرك ويرفع عنه، ويأخذ حقه كاملاً يوم القيامة من أولئك الظالمين والطواغيت. في حين أن العبد المشرك الذي استظل بخلافة راشدة لا يستطيع النجاة مما استحق من عقوبة بسبب ما اقترفت يداه من شرك يوم القيامة، أي: لا تنفعه الخلافة الراشدة لعدم تحقق التوحيد فيه أصلا!!! وعليه فقد اتضح لنا أن الشرك الأول يعد الأخطر على العبد, ويعتبر البدعة الكبرى والعظمى بالنسبة له.
الأمر الثاني: هل شرك القصور-الشرك الثاني- أخطر على الجماعة، أم أنه الشرك الأول- شرك العباد مع الله- ؟ وللإجابة: أقول سائلا، هل يعني بالضرورة أن يكون أثر شرك القصور سيئاً من الناحية المادية، على المجتمع الذي يسود فيه ؟ لماذا هذا السؤال؟ لأننا نرى أن البلاد الرأسمالية –منها، السويد, سويسرا, انجلترا, وحتى أمريكا – على الرغم من وقوعها في هذا الشرك إلا أن الحياة المادية التي يتمتع بها المجتمع الغربي أصبحت حلماً تحلم به كثير من المجتمعات الإسلامية هذا الزمان. لماذا إذن شرك القصور عندنا له أثر سيء على المجتمع بينما عند الغرب, لا يظهر منه ذلك –وأقصد ماديا لا روحيا -؟ إذن لا بد من توفر عوامل أخرى تضاف إلى شرك القصور ليعطي أثرا سيئا على مجتمعه, وليس هو بذاته، ومنها (اللاأخلاقيات). لذلك نستطيع القول, إذا اجتمع شرك القصور مع الأخلاقيات – حب العدل والصدق, والمواطنة, والأمانة, والوفاء بالعهد, والإيثار, والتكافل الاجتماعي, وما شابه ذلك – يعطي غالبا حياة مادية كريمة للمجتمع, وإذا افترقا أدى ذلك إلى عكس ذلك. فبتحقيق التوحيد الأول, توحيد ما بين العبد وربه, نصل في المجتمع إلى النتائج التالية:
1-حياة روحية كريمة, واطمئنان نفسي. 2-النجاة من النار. 3-حياة مادية كريمة في ظل التوحيد الثاني توحيد القصور إذا وجدت الأخلاقيات، أو حياة مادية سيئة في ظل التوحيد الثاني مع عدم وجود الأخلاقيات. 4-حياة مادية كريمة, تحت أحكام الشرك الثاني شرك القصور مع وجود الأخلاقيات أو حياة مادية سيئة تحت أحكام شرك القصور مع عدم وجود الأخلاقيات.
أما نتائج تحقيق التوحيد الثاني توحيد القصور، على حساب التوحيد الأول توحيد العبد لربه على المجتمع هي: ·حياة مادية كريمة مع وجود الأخلاقيات، أو حياة مادية سيئة مع عدم وجود الأخلاقيات. ·حياة روحية ميتة. ·الخلود في جهنم. فالسؤال, أي النتيجتين أقوم وأسلم للمجتمع يا أولي الألباب؟؟!!! وكيف يجرؤ شخص بعد هذا البيان أن يتقول على الشرع بالظن, قائلا أن شرك القصور هو البدعة الكبرى والشرك الأعظم؟ فهل عندكم من علم بهذا من الكتاب والسنة ما يدل على حسن فهمكم؟ فان قلتم نعم وأوردتم لنا آيات الحاكمية – وهي على العموم ولا يجوز حملها على الخصوص كما مر معنا سابقا إلا بتفصيل – باعتبارها من العبودية والعبادة كقوله تعالى ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ). قلنا لكم وكذلك الدعاء ورد في الكتاب والسنة على انه العبادة وانه من العبادة. كقوله تعالى على لسان خليله إبراهيم عليه السلام: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} (49) سورة مريم. وقول الرسول صلى الله عليه وسلّم: " الدعاء هو العبادة "[1] . وبهذا يكون شرك دعاء غير الله هو البدعة الكبرى والشرك الأعظم. إذن فأي الشركين أكبر، شرك القصور أم شرك الدعاء والحجة فيهما واحدة؟ وإذا أوردتم قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} (84) سورة الزخرف، للتدليل على زعمكم، أي أن الله تعالى هو المعبود في الأرض كما هو في السماء. قلنا لكم أن هذه آية عامة تدل على جميع مظاهر العبودية ومن ضمنها التوحيد الأول, توحيد العبد لربه, والتوحيد الثاني, توحيد القصور, ولهذا يحق لنا أن نزعم بهذه الآية كذلك، أن التوحيد الأول هو الأهم، وعنه ينتج أن الشرك الأول هو البدعة الكبرى والشرك الأعظم. وإذا أوردتم قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} (49) سورة المائدة. فليس في الآية ما يدل على أن الحكم بما انزل الله بين العباد هو الأعظم, غير التأكيد على الحكم بما انزل الله والتحذير من مخالفته. وعليك أخي القارئ أن تستعرض آيات الحاكمية في نفسك, فهل تجد فيها ما يدل على ما يزعمون؟
يتبع الحلقة الرابعة بإذن الله.... ______________________________________________________________________________ [1] أخرجه الترمذي : وقال: حسن صحيح، وقال الشيخ الألباني في صحيح الترمذي: صحيح، ورقمه 3372. وانظر صحيح الجامع الصغير.
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
الشبهة الثالثة: فإن قلتم أننا لم نقصد بقولنا عن شرك الحاكمية أنه البدعة الكبرى والشرك الأعظم لأنه الأعظم درجة, إنما قصدنا أن هذه البدعة لم توجد في التاريخ الإسلامي من قبل؟
قلت: جواب ذلك من وجوه: 1-الخطأ اللغوي الذي وقعتم فيه, فكلمة البدعة الكبرى والشرك الأعظم إذا أطلقت لا تدل على مرادكم هذا, إذن لزمكم تقييد اللفظ وتوضيحه. 2-هل يعني بالضرورة وقوع الأمر لأول مرة في التاريخ، يدل على أنه الأعظم والأكبر, فمثلا شرك الحلف بغير الله إذا انتشر في زمانٍ بعد عدمٍ هل يعني انه الشرك الأعظم، وشتم الدين والنبي كذلك على رأيكم فقد انتشر هذا الزمان بعد عدم، فهل يعني انه الشرك الأعظم والأكبر مع أنه من الشرك الأكبر؟! ونحن نعلم أن الشرك الأكبر هو أن تجعل لله ندا وهو خلقك. 3-هناك من الشرك ما وقع في الأمة من بعد عدم، كدعاء غير الله والاستغاثة بهم، وادعاء علم الغيب لأشخاص وغير ذلك مما لا زال منتشرا في الأمة، فهل يعني ذلك انه الشرك الأكبر والأعظم؟! وهنا إذا كان الأمر كذلك يحق لنا أن نرشح هذه الأصناف من الشرك للأولوية، وعلى أنها الأكبر والأعظم باعتبارها هي الأقدم ولا تزال معششة بين ظهرانينا، ولكن ليس هكذا تحسب الأمور. إذن فقد ثبت بعد هذا البيان تهافت هذه الشبهة.
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
الشبهة الرابعة: إذا أراد المخالف أن هذه البدعة بدعة شرك القصور، هي الأكبر باعتبار أنها لا أصل لها في التاريخ الإسلامي، من الناحيتين السلوكية والتشريعية. 1-قوله من الناحية السلوكية فجواب ذلك: إن من يقرأ التاريخ الإسلامي سيجد فيه ما يدل على تكرار مثل ما نراه من انحراف عن منهج الله هذه الأيام والخروج عن شريعة الإسلام، ووجود مساحات شاسعة من البلاد الإسلامية تضم فيها شرار الخلق المستحقين للجهاد والغزو. وللتدليل على ذلك، سأحيل المطلع إلى عالم ثقة، جاهد بلسانه وقلمه وسيفه في سبيل دعوة الحق، إنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. إذ يقول عن واقع العالم الإسلامي في عصره، في مجموع الفتاوى: "... وأما بلاد إفريقية فأعرابها غالبون عليها، وهم من شر الخلق بل هم مستحقون للجهاد والغزو." ويقول عن بلاد المغرب الأقصى:" فمع استيلاء النصارى على أكثر بلادهم لا يقولون بجهاد النصارى هناك، بل في عسكرهم من النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم." ويقول:" وأما سكان الحجاز فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة، وفيهم من البدع والضلال والفجور مالا يعلمه إلا الله وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون، وإنما تكون القوة والعزة في هذا الوقت لغير أهل الإسلام بهذه البلاد. لا سيما وقد غلب فيهم الرفض"[1] انتهى والملاحظ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا انه لم يبق من رقعة الإسلام المترامية الأطراف في زمانه إلا ما استثناه هو من بلاد الشام وبلاد مصر بمساحة إجمالية تصل إلى حوالي ثمانية بالمائة فقط من كامل مساحة رقعة العالم الإسلامي وقتئذ. واعتبر ابن تيمية – رحمه الله- دولة المماليك هي دولة الإسلام، الواجب عزها ونصرها، ووصفها بأنها كتيبة الإسلام بعزها يعز الإسلام وبذلها يذل الإسلام. وحتى لا نظلم الواقع الإسلامي ، فإن مستوى دولة المماليك لم يكن كدرجة الخلفاء الراشدين ولا حتى بمستوى الدولة الأموية أو العباسية من ناحية الالتزام العام بأحكام الإسلام والأخلاق الإسلامية، فقد وجد فيها من الفساد السياسي والأخلاقي والاجتماعي والتشريعي ما يشابه ما نراه من فساد في الدول الإسلامية في عصرنا هذا، بل يزيد أحيانا. وتكفينا هنا بعض الإشارات الدالة على ذلك؛ لأن هذا الأمر مبسوط في كتبه المتخصصة في دراسة التاريخ. أ- مدة الحكم وتغير ال******: حكمت دولة المماليك من(1250م- 1517م)، أي 267 سنة، تغيرت فيها ال****** إحدى وستين مرة، خلال هذه الفترة، حكمت أول امرأة في الإسلام( شجرة الدر) قرابة أربعة أشهر في عام 1250م. والملاحظ في هذه الفترة مع الأسف كثرة تغير السلطان قتلا، ففي سنة 1421م، حكم كل من السلطان أحمد بن شيخ وططر ومحمد بن ططر، ثلاثة ****** في سنة واحدة. أما عدد المرات التي تغير فيها السلطان مرتين في السنة فقد تكررت إحدى عشرة مرة. ب- الظاهر بيبرس يقتل قطز: في سنة 698هـ، وبعد انتصار قطز في معركة عين جالوت التي أنهت الخطر التتري على الأمة الإسلامية وقتئذ، قام بيبرس بقتله في مكيدة دبرها له قبل وصوله إلى مصر. ج- سجن ابن تيمية: تم اعتقال ابن تيمية رحمه الله وسجنه على يد الولاة وال******، على أثر فتوى شرعية واتهامات أخرى باطلة نسبت إليه ظلما، وقد كانت وفاته في سجن القلعة في دمشق عند المماليك. د- انتشار الخمور: يقول ابن كثير عن الملك المظفر قطز:- " كان رجلا صالحا كثير الصلاة فيالجماعة ولا يتعاطى المسكر، ولا شيئا مما يتعاطاه الملوك"[2]. انتهى ويقول أبو شامة شهاب الدين المقدسي في ترجمة السلطان نور الدين محمود زنكي: " فهو الذي حدد للملوك اتباع سنة العدل والإنصاف وترك المحرمات من المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك، فإنهم كانوا قبل ذلك كالجاهلية همّ أحدهم بطنه وفرجه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، حتى جاء بدولته، فوقف مع أوامر الشرع ونواهيه وألزم بذلك أتباعه وذويه، فاقتدى به غيره منهم"[3] انتهى ويقول أبو شامة كذلك ناقلا عن كتاب البرق الشامي: " وهو– أي نور الدين زنكي- الذي أعاد رونق الإسلام وقد غلب الكفر وبلغ الضر..."[4] هـ- الترف وكنز الأموال: فقد كانت ظاهرة عامة اشتهر بها الأمراء، راجع في ذلك ما ضبط عند الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة زمن خليل بن قلاون " وما ضبط عند نائب السلطة (سلار) زمن السلطان الناصر قلاوون من الأموال والتحف ما لم يسمع بمثله في الملوك، إذ تضمنت القوائم التي كتبها أحد القضاة الذين ندبوا لجرد هذه التركة جميع ما اشتملت، واستغرق جردها أربعة أيام "[5] ارجع إلى هذا المصدر واقرأ لتجد ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والماس واللؤلؤ والياقوت والزمرد والدراهم والدنانير وغير ذلك من الأواني الذهبية والفضية والأقبية الحريرية الملونة والمغراة بسنجاب, والسروج الذهبية, والخيول والبغال والجمال أما الأغنام والأبقار فهي أكثر من أن تحصى, فضلا عن الأملاك والضياع والمعاصر والشون والمراكب والعبيد والخدم والمماليك والجواري . هذا على سبيل المثال . أما عن المراسم وموسيقى الجيش, ووصف القلاع وما بداخلها وطريقة الخدمة فيها وملابس الأمراء والجند وصفتها, والشارات ذوات الأرواح من الحيوانات والطيور وصفتها, ومراسم الدخول على الأمراء وال****** وصفة مراكب السلطان والأمراء والجند وما تزين به, وصفة مجالس الأمراء في بيوتهم ومن يجلس عن يمينه وعن شماله, وصفة المراسم المتخذة في رحلة الصيد وطريقة الخدمة ...وغير ذلك مما يطول ذكره فضلا عن تفصيله, فعن كل هذا, ستفاجأ أخي القارئ أن ما تراه هذه الأيام من مراسم يقل عن ما كان موجودا, وللتأكد من ذلك راجع ما كتب عن المماليك في هذا الباب فيما ذكرت لك من المراجع . على سبيل المثال اذكر ما قاله ابن كثير في مراسم الاحتفال بتنصيب السلطان الملك الظاهر, بعد اعترافه بقتل الملك المظفر قطز, حيث قال ابن كثير: "...ولقبوه الملك الظاهر- أي ركن الدين بيبرس البندقداري – فجلس على سرير المملكة وحكمه, ودقت البشائر وضربت الطبول والبوقات, وصفرت الشغابة, وزعقت الشاووشية بين يديه, وكان يوما مشهودا وتوكل على الله واستعان به, ثم دخل مصر والعساكر في خدمته, فدخل قلعة الجبل وجلس على كرسيها, فحكم وعدل وقطع ووصل وولى وعزل, وكان شهما شجاعا, أقامه الله للناس لشدة احتياجهم إليه في هذا الوقت الشديد والأمر العسير"[6]. قلت: انظر كيف يثني عليه لما فيه صلاح الأمة، مع كل ما ذكر عنه من فساد، إذ العبرة عند أهل العلم النجباء غلبة المصلحة العامة وإن وجد فساد شخصي.
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
2- تحكيم الدساتير والقوانين الوضعية: سألقي الضوء على مثالين اثنين من الدول في التاريخ الإسلامي التي حكمت بالدساتير والقوانين الوضعية، هما: أ- دولة المماليك وتطبيق القوانين غير الإسلامية ( الياسة) وهي نقطة مثيرة للجدل والاستغراب, لذلك سأتركك أخي القارئ مع المؤرخين والكتاب كي يحدثوك عن هذه النقطة. يقول احمد بن علي(المقريزي): "(درب ارقطاي), هذا الدرب بحارة الروم...وهو ارقطاي الأمير سيف الدين الحاج ارقطاي, أحد مماليك الملك الأشرف خليل بن قلاوون وصار إلى أخيه الملك الناصر محمد فجعله جمدارا، وكان هو والأمير ايتمش نائب الكرك بينهما أخوة ولهما معرفة بلسان الترك القيجاقي, ويرجع إليهما في "الياسة" يعني اليسق التي هي شريعة جنكيزخان, التي تقول العامة وأهل الجهل في زماننا: هذا حكم السياسة...يريدون حكم الياسة"[1]. ويقول جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي: " قلت: كان الملك الظاهر - رحمه الله – يسير على قاعدة ملوك التتار, وغالب أحكام جنكيزخان من أمر" اليسق والتورا", واليسق هو الترتيب, والتورا: المذهب باللغة التركية, وأصل لفظ اليسق (سي يسا), وهي لفظة مركبة من كلمتين, صدر الكلمة: سي بالعجمة, وعجزها يسا بالتركي, لان (سي) بالعجمي, ثلاثة, ويسا بالمغلي الترتيب, فكأنه قال: التراتيب الثلاثة, وسبب هذه الكلمة أن جنكيزخان, ملك المغل كان قسم ممالكه في أولاده الثلاثة, وجعلها ثلاثة أقسام وأوصاهم بوصايا لم يخرج عنها الترك إلى يومنا هذا مع كثرتهم واختلاف أديانهم فصاروا يقولون: سي يسا (يعني التراتيب الثلاثة التي رتبها جنكيزخان ), فصارت الترك يقولون"سي يسا" فثقل ذلك على العامة فحرفوها على عادة تحاريفهم, وقالوا سياسة". ثم إن الترك أيضا حذفوا صدر الكلمة فقالوا: يسا مدة طويلة, ثم قالوا: يسق واستمر ذلك إلى يومنا هذا"[2] انتهى. ويقول أبو شامة: (وكان نور الدين لما صارت له الموصل قد أمر كمشتكين شحنة الموصل, أن لا يعمل شيئاً إلا بالشرع إذا أمر القاضي والنواب كلهم شيئاً إلا بأمر الشيخ عمر الملا, وقال وكان لا يعمل إلا بالسياسة - أي الشيخ عمر- وبطلت الشحنكية في أكابر الدولة, وقالوا لمكمشتكين قد كثر الدعّار وأرباب الفساد, ولا يجيء من هذا شيء إلا بالقتل والصلب, فلو كتبت إلى نور الدين, وقلت له في ذلك, فكتب إلى نور الدين وقال له: أن الدعّار والمفسدين وقطاع الطرق قد كثروا ويحتاج إلى نوع من سياسة (أي ياسة) فمثل هذا لا يجيء إلا بقتل وصلب وضرب, وإذا أخذ مال إنسان في البرية من يجيء يشهد له, قال فقلب نور الدين كتابه وكتب على ظهره أن الله تعالى خلق الخلق وهو أعلم بمصلحتهم وشرع لهم شريعة, وهو أعلم بما يصلحهم, وأن مصلحتهم تحصل فيما شرعه على وجه الكمال فيها, ولو علم أن على الشريعة زيادة في المصلحة لشرعه, فما لنا حاجة إلى زيادة على ما شرعه الله تعالى) [3] ويقول أبو شامة وهو يصف حياة السلطان الملك العادل نور الدين محمود زنكي: ( قال ابن الأثير وما عُد له، انه لم يعاقب العقوبة التي يعاقب بها الملوك في هذه الأعصار على الظنة والتهمة, بل يطلب الشهود على المتهم, فان قامت البينة الشرعية, عاقبه العقوبة الشرعية من غير تعدّ, فدفع الله بهذا الفعل عن الناس من الشر ما يوجد في غير ولايته مع شدة السياسة والمبالغة في العقوبة والأخذ بالظنة, وأمنت بلاده مع سعتها وقل المفسدون ببركة العدل واتباع الشرع المطهر) [4].انتهى ويقول أبو شامة عن صلاح الدين لمّا اكتشف سنة 569هـ أمر الفتنة التي دبرها أنصار الفاطميين من الجند لإعادة ملكهم: (ثم أمر السلطان –يعني صلاح الدين –بإحضار مقدميهم واعتقالهم لإقامة السياسة فيهم )[5] . ويقول ابن فضل الله العمري من بين الوصايا الموجهة لوالي الحرب: (وليخلص من الحقوق ما رفع إليه, ويطالب به من مطل به, وقد أوجب الحق عليه, وليتفقد أرباب النحل لزيفهم المردود, وليقم عليهم السياسة, إذا لم تمض عليهم الحدود)) [6] انتهى. كذلك يقول الدكتور السيد الباز: ) ومن أهم قواعد الحكم في الدولة المملوكية إعداد طبقة للاعتماد عليها في الحرب والإدارة, تألفت هذه الطبقة من المماليك المجلوبين صغار السن من بلاد القبجاق واستقروا في الطباق حيث تلقوا التدريب الحربي والتعليم الديني, وخضعوا لما فرض عليهم من أساليب التدريب والتأديب, وهي لا تخرج كثيراً عن التقاليد المعروفة عند التتار, فعلى الرغم من أن هؤلاء المماليك نشئوا بدار الإسلام, إلا أنهم احتاجوا في ذات أنفسهم إلى الرجوع إلى حكم الياسة. فسار السلطان الظاهر بيبرس على هذه القاعدة فيما يتعلق بالنظم الحربية وإنزال العقوبات الصارمة لمن يرتكب جرائم, إذا لا تكفي الحدود الشرعية في ردعهم, فمن بين الوصايا الموجهة لوالي الحرب وصية بمكافحة الخمر والحشيش وتفقد أرباب النحل وإقامة حكم السياسة إذا لم تكف الحدود الشرعية )[7] انتهى. ويقول دوروتيا كرافولسكي[8]: (...وهكذا فان اعتناق مغول القبيلة الذهبية للإسلام، يظهر وكأنه النتيجة المنطقية لكون الياسة ولو في بعض شرائعها موافقة للشريعة المحمدية, ثم أن دفاع العمري عن الياسة لأن فيها ((ما يوافق الشريعة)) يشكل دفاعاً مستتراً عن المماليك بمصر الذين كانوا يطبقون بعض أحكام الياسة في أوساطها). [9] انتهى. قلت: نلاحظ مما سبق ذكره أن مجموعة القوانين والتقاليد التي وضعها جنكيزخان لتنظيم النواحي السياسية والحربية والاقتصادية والاجتماعية لم تطبقها دولة المماليك جميعا، سوى ما يتعلق منها بالعساكر والجند وما يقع بينهم من نزاع وخلاف, وما يترتب على ذلك الخلاف والنزاع من عقوبات لتأديبهم وأخذهم بالنظام. وقد بينت لنا كتب التاريخ بعض تلك القوانين الصارمة في حق المخالف, إذا نص هذا القانون الجنكيزخاني على عقوبة القتل لجرائم الزنا, واللواط والقتل والسرقة, والكذب والتجسس, والسحر أو تعمد إخفاء مملوك أو محاولة إطعام أسير دون إذن وليه. وحرّم هذا القانون غسل الثياب وأوجب لبسها حتى تبلى, وألزم القانون نساء العساكر القيام بأعمال الرجال في السخرة طيلة مدة غيابهم, وألزمهم عند رأس كل سنة بعرض سائر بناتهن الأبكار ليختار منهن السلطان لنفسه وأولاده, وغير ذلك [10]. لم يكن قصدي قط، من التطرق إلى هذه الانحرافات في الدولة المملوكية، بيان ما فيها من فساد, فان بحث هذا الأمر يطول, إنما جاءت في معرض الرد على الشبهة، ثم أخذ العبرة من التاريخ الماضي لمعاشنا. وهنا لا بد من سؤال يفرض نفسه, كيف أثنى ابن تيمية عليها, وعليها ما عليها من انتقادات حتى وصلت إلى قضية التشريع والاحتكام إلى الياسة (اليسق) فيما يختص بأمر الجند بحجة أن أحكام الشريعة لا تكفي في ردعهم وتأديبهم ؟ إن ابن تيمية رحمه الله, قد أفضى إلى ما قدم وبالعودة إلى أقواله في الصفحات القليلة الماضية, التي بين وعرض فيها أحوال العالم الإسلامي في عصره, يتضح للقارئ أن دولة المماليك هي أفضل ما وجد في عصره خدمة للدين والشريعة, كونها الحاضنة لبقية الإسلام وشرائعه، والأقل بعدا ًعن المحجة البيضاء والطريق الواضح من غيرها من الدول الإسلامية المنتشرة وقتئذ. فقد شهد لها ابن تيمية، كما يجب على كل منصف، هذه الشهادة لفقهه الشرعي الثاقب، ولفهم الواقع الذي يعيش, إذ انه كان واقعياً يطبق القواعد الأصولية المعروفة. وللأسف فإن البعض حين عرضت عليه هذه الحقائق، قال: "أخطأ ابن تيمية". فكان رحمه الله, يفرق بين أفضل الخيرين فيفضل الأول منهما, ويفرق بين أسوأ الشرين, فيختار الأقل منهما ويتعامل معه مضطرا, وقد يدافع عنه ويأمر الناس بالدفاع عنه والوقوف إلى جانبه كما حصل معه رحمه الله في وقوفه مع المماليك ضد التتر الذين سعوا في الأرض فساداً، رغم أنهم أعلنوا إسلامهم وتردد كثير من العلماء في إعطاء فتوى تقضي بوجوب محاربتهم، ولكن فقه الإمام ابن تيمية أصدر فيهم فتواه المعروفة التي رفع الله تعالى بها شرهم عن بقية الإسلام في مصر وبقية بلاد الشام. لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر إنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين" [11]. فكانت مواقفه العملية مبنية على أصوله العلمية. وقد تعلم تلميذه ابن القيم منه هذا المنهج القويم، وأفتى به، حيث قال في شروط الإنكار ودرجاته: " الإنكار له شروطه: المثال الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وان كان الله يبغضه ويمقت أهله وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر. وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا: أفلا نقاتلهم ؟ فقال: لا ما أقاموا الصلاة، وقال: " من رأى من أميره ما يكرهه، فليصبر ولا ينزعن يدا من طاعته "[12] ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته فتولد منه ما هو اكبر منه. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات، ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء. وعن درجات الإنكار يقول: فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده. الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته. الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله. الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه. فالدرجتان الأوليان مشروعتان والثالثة موضع اجتهاد والرابعة محرمة . فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج، كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله، كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها، وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر، فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم " [13] انتهى. وإذا حق لأبي بكر الصديق ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم جميعا، أن يتعاطفوا مع الروم حين هزمهم الفرس، لأنهم الأقرب إلى ديننا من الفرس وأنزل الله تعالى في ذلك قرآنا يتلى مؤيدا موقف الصحابة- رضي الله عنهم- كما في قوله: ( الم(1)غُلِبَتْ الرُّومُ(2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(5)) (الروم). وأجاز الرسول - صلّى الله عليه وسلم- رهان أبي بكر لقريش على هذا الأمر- وكان ذلك قبل تحريمه- [14] . إذا كان الأمر كذلك، فمن باب أولى أن يتعاطف ابن تيمية مع دولة المماليك، بل يدافع عنها بنفسه وماله، رغم ما صدر منها في حقه ما أودعه هو وأصحابه السجن عدة مرات حيث مات رحمه الله تعالى في سجن القلعة سنة(728هـ)، وبقي فيه ابن قيم الجوزية بعد موت شيخه ثم أفرج عنه بعد ذلك. أقول: ما أحوجنا في هذه السنوات الخداعات لفقه هذا الإمام الكبير؟ فأي الدول الإسلامية هي الأكثر تطبيقا لشعائر ديننا والأخلص لقضايانا، لنوليها جل اهتمامنا وعطفنا ؟ [15] وأي البلاد الإسلامية الأبعد عن ديننا والأسوأ علينا من غيرها لنحذّر الناس منها فضلا عن عدم التعاطف معها؟ أين نحن من فقه الواقع المزعوم وأين نحن من فقه الواقع المظلوم؟؟ أم نريدها صراعا مع الأنظمة القائمة عن(جنب وطرف)؟؟!!، بل مع الأنظمة المعتدلة التي لا زال فيها بقية من خير، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، المستهدفة بكل معنى الكلمة مع الأسف. وماذا ستكون النتيجة بعد ذلك إلا ما رأيناه بأم أعيننا ولا زلنا نراه من تجاربنا التي لدغنا منها اللدغات تلو اللدغات. ولكن هيهات هيهات لمن يصحو ويعتبر!!
[1] في كتابه " المواعظ والاعتبار " (الجزء الثاني, صفحة 359, طبعة دار الكتب, بيروت ).
[2] في كتابه " النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة " ص(254-255) في طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب.
[3] في كتابه الروضتين في أخبار الدولتين (ج1, ص13)طبعة دار الجبل.
[8] محقق كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، دولة المماليك الأولى.
[9] في مقدمته لكتاب ابن فضل الله العمري المتوفى سنة 749هـ, 1349م في كتابه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، دولة المماليك الأولى, نشر المركز الإسلامي للبحوث, (ص31).
[12] صحيح الجامع الصغير للألباني. ورواية الشيخان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر فإنه ليس أحد يفارق الججاهلية". فيموت إلا مات ميتة جاهلية" .
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
ب- الخلافة العثمانية وتطبيق الدستور الوضعي والقوانين غير الإسلامية أما قصة تغيير الدستور الإسلامي والقوانين الإسلامية في زمن الخلافة العثمانية فقد كانت أول محاولة لتغيير الدستور سنة 1839 [1]، حيث تضمنت أفكارا أوروبية مع محاولة مراعاة الإسلام. واستمرت محاولات يهود الدونمة بواسطة عملائهم وعلى رأسهم مدحت باشا الذي تولى مقاليد الصدارة العظمى في دولة الخلافة تغيير الدستور، فألف لجنة تضم مدنيين وعلماء وعسكريين لوضع مشروع دستور الدولة. وبعد مصاعب بالغة أقرت اللجنة المشروع مستوحى من الدستور البلجيكي، وقد نشر تحت اسم (( قانون أساس)) في 23/12/1876م، فأصبح دستور الدولة الرسمي، أي صار الدستور البلجيكي مع مراعاة بعض النواحي الإسلامية دستورا للدولة الإسلامية. ولكن السلطان عبد الحميد والعلماء وكبار المسلمين لم يضعوه موضع التنفيذ وقاوموه حتى ثار (حزب تركيا الفتاة) على السلطان سنة 1908، فأعلنوا الدستور في 21/7/1908م في سالونيك [2]. حيث نرى أن الخليفة لم يستطع أن يبعد الدستور المنحرف عن الدولة لأن أكثر المتنفذين من الشعب كانوا يريدونه. " هذا من الناحية الدستورية، أما من ناحية الأحكام الشرعية التي يحكم فيها القضاة فان تغييرها إلى قوانين بدأ قبل ذلك، فانه منذ عام 1856م، بدأت الحركة لأخذ القوانين الغربية... ففي سنة 1857م سنت الدولة قانون الجزاء العثماني، وفي سنة 1858م سنت قانون الحقوق والتجارة، وفي سنة 1870م جعلت المحاكم قسمين: محاكم شرعية، ومحاكم نظامية، ووضع لها نظام. ثم في سنة 1877م وضعت لائحة تشكيل المحاكم النظامية. وفي سنة 1878م وضع قانون أصول المحاكمات الحقوقية والجزائية، وصدرت فيها الفتوى من شيخ الإسلام وفتاوى العلماء بجواز أخذها لأنها لا تخالف الإسلام..."[3]
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
الشبهة الخامسة: إذا أراد المخالف أن هذه البدعة، بدعة شرك القصور، هي الأكبر والأعظم، لأنه لأول مرة في التاريخ تعيش الأمة هذه الحالة من التجزئة والتعددية الدولية.
"لأول مرة في التاريخ" كثيرا ما نسمع هذه الجملة تصف أحداثا في معرض الذم، تخرج من أفواه غير العلماء للتدليل على قبح فعل ما والتنفير منه، وبغض النظر عن الدوافع المشبوهة لدى البعض ممن يقف وراء إطلاق هذه الكلمة، إلا أننا نحسن الظن بكثير من قائليها. وسأضرب لذلك مثلا: حين استعانت السعودية بالقوات الدولية في حربها ضد النظام الاشتراكي في العراق، وقف من وقف من العلماء واصفا الحدث على أنه الأول في التاريخ، ونحن نعلم والعقلاء معنا أن هذا افتراء على التاريخ، وقد حدث مثل هذا في القرن الماضي. نعود إلى موضوعنا لنرى عجبا في واقع الأمة الإسلامية من ناحية التجزئة والتفرقة التي مرت بها، فما أن انتهت الخلافة الأموية، سنة ( 132هـ)، الموافق (750م) وبداية الخلافة العباسية وانتهاء ما يسمى بالعصر الذهبي، 193هـ/809م حتى بدأت الدولة الإسلامية بالتجزئة، ولكي تعرف أخي القارئ مدى التجزئة في العالم الإسلامي وقتئذ، فإنني أقدم لك هذه الأرقام التي توصلت إليها من خلال حسبة بسيطة أخذت مني القليل من البحث في (أطلس تاريخ الإسلام)، للمؤلف الدكتور حسين مؤنس. عرض الأطلس بالشرح والخرائط تاريخ الإسلام منذ ظهور الإسلام إلى آخر القرن الرابع عشر الهجري, ثم لخص ذلك في جداول تاريخية من صفحة (35-42), وضع فيه السنوات على الخط ألعامودي والأقاليم على الخط الأفقي. وفيما يلي بيان عدد الدويلات الإسلامية في السنوات المختارة: ففي سنة (873م)، وجدت عشر دويلات – هذا الرقم سيتضاعف لمن أراد التدقيق- وهي:- في بلاد المغرب : 1- الأغاربة 2- الرستميون-تاهرت 3- الأدارسة-ويليلي في خراسان : 1- بنو طاهر(الطاهريون) 2- الصفاريون في مصر : 1- الطولونيون في اليمن : 1- الزيديون في ما وراء النهر والترك: 1- السامانيون في الأندلس :1- الأمويون وثورة الترك :1- تركيا وفي عام (1180م)، وجدت خمس عشرة دولة، منبها على أن هذا العدد إنما هو جزء يسير من الواقع، لكن تكفينا منه الإشارة، وهي:- 1-الغزنويون في أفغانستان. 2-الأمويون في الأندلس، علما أن الأندلس كانت مقسمة. 3-السلجوقيون في بغداد. 4-السلجوقيون في الروم. 5-الموحدون في المغرب. 6-الأيوبيون في مصر والشام 7-الأتابكة في أذريبجان 8-الأتابكة في أربيل 9-الأتابكة في الجزيرة 10-الأتابكة في سنجار 11-الأتابكة في فاس 12-الأتابكة في الموصل 13-الحشاشون 14-بنو حماد في المغرب 15-الغوريون في أفغانستان والهند
وعن عالم التفرقة في العالم الإسلامي، يحدثنا المؤرخ عبد الغني بن سعيد الأزدي في وقت مبكر بعد وفاة المتوكل بن المعتصم بن الرشيد( سنة 247هـ) تحت عنوان: ملوك مصر بعد ضعف الخلافة العباسية يقول: " وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه افتتحت الديار المصرية والبلاد الشامية على يد عمرو بن العاص ولم تزل في النيابة أيام الخلفاء الراشدين ودولة بني أمية وبني العباس إلى أن ضعفت الخلافة العباسية بعد قتل المتوكل بن المعتصم بن الرشيد سنة سبع وأربعين ومائتين. وتغلب على النواحي كل متملك لها، فانفرد أحمد بن طولون بمملكة مصر والشام، ثم دولة الإخشيد، وبعده كافور أبو المسك. ولما مات قدم جوهر القائد من قبل المعز الفاطمي من المغرب، فملكها من غير ممانع، وأسس القاهرة، وذلك في سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وقدم المعز إلى مصر بجنوده وأمواله ومعه رمم آبائه وأجداده محمولة في توابيت وسكن بالقصرين وادعى الخلافة لنفسه دون العباسيين. وأول ظهور أمرهم في سنة سبعين ومائتين. فظهر عبدالله بن عبيد الملقب بالمهدي، وهو جد بني عبيد الحلفاء المصريين العبيديين الروافض باليمن، وأقام على ذلك إلى سنة ثمان وسبعين، فحج تلك السنة واجتمع بقبيلة من كنانة فأعجبهم حاله، فصحبهم إلى مصر ورأى منهم طاعة وقوة فصحبهم إلى المغرب فنما شأنه وشأن أولاده من بعده، إلى إن حضر المعز لدين الله أبو تميم معد بن اسمعي بن القائم ابن المهدي إلى مصر وهو أولهم فملكوا نيفا ومائتين من السنين، إلى أن ضعف أمرهم في أيام العاضد وسوء سياسة وزيره شاور " [1].
يتبع... [1]( المتوارين الذين اختفوا خوفا من الحجاج)، ج 1: ص 25- 26، ط/1، 1410هـ، دار القلم- الدار الشامية. تحقيق مشهور حسن.
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
وهنا تبرز مسألة وهي: عند غياب الدولة الإسلامية الأم أو الإمام الأعظم, هل يثبت للدول القائمة حكمها فتصح لهم البيعة ويكون الجهاد ماضيا معهم وبإذنهم, وتكون علاقاتهم مع الغير لها صبغة شرعية؟ وقد أجبنا على هذه المسألة بالتفصيل في كتابنا وفضيلة الشيخ أبو حمزة سمير مراد حفظه الله (مسائل في الجهاد) في المسألة الرابعة. ولكن نختصر منه ما يفيدنا في إعداد مسائل هذا الكتاب. " قبل الإجابة على هذا التساؤل لا بد من التنبيه أن ثمّة فرقاً بين حالتي القدرة والعجز عند تطبيق الأمر والنهي, قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وان كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم امكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم, فان العجز مسقط للأمر والنهي وان كان واجبا في الأصل"[1]. وبمعنى آخر ثمّة فرق بين حالي الاختيار والاضطرار, ومن لم يفرق بينهما " فقد جهل المعقول والمنقول". العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم 8/174. لقوله تعالى: ( فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّتعالى:َ غَفُورٌ رَحِيمٌ(173) [البقرة:173], وقوله تعالى:(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [الأنعام:119]. فالمسألة بين يدي البحث هي فرع عن أصل وهو حكم عقد الإمامة. فمن المعلوم أن " الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة "الدين وسياسة الدنيا, وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع وان شذ عنهم الأصم"[2] وان لهذه الإمامة شروطاً وأحكاماً, ومن أحكامها: حكم تعدد الأئمة وفيه عدة أقوال: القول الأول: قول الكرامية بجواز ذلك مطلقا. القول الثاني: قول الجمهور: عدم جواز تعدد الإمام الأعظم محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"[3] . وقوله صلى الله عليه وسلم: " من أتاكم وأمركم جميعا على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"[4] وقوله صلى الله عليه وسلم" ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع, فان جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر"[5] القول الثالث:يصح للاضطرار, وله ثلاث صور: الصورة الأولى: التباعد في الأقطار. ومن الفقهاء الذين قالوا بجواز تعدد الأئمة لتباعد الأقطار: 1- الشوكاني: السيل الجرار 4/512. 2- ابن كثير : تفسير ابن كثير 1/73. 3- القرطبيّ: تفسير القرطبي 1/273. 4-أحمد بن غنيم بن سالم المالكي: "الفواكه الدواني 1/396. 5 – الأستاذ أبو اسحق:ونقل عنه كل من ابن كثير في قوله السابق والنووي في "روضة الطالبين" ج10/47 الصورة الثانية: التغلب. ومن الفقهاء الذين قالوا بجواز تعدد الأئمة للتغلب: 1 - إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان: منار السبيل 2/353, وقد توفي عام 1353هـ. 2 – الصّنعانيّ: سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام (3/499). 3- محمد بن عبد الوهاب:الدرر السنية في الأجوبة النجدية (7/932). الصورة الثالثة: العجز أو المعصية أو غير ذلك. ومن الفقهاء الذين قالوا بجواز تعدد الأئمة للعجز أو المعصية أو غير ذلك: ابن تيمية: "والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه, فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها أو عجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة, لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود, ويستوفي الحقوق... " مجموع الفتاوى (34/ 175- 176).
أقوال الفقهاء في ذكر صور من تعدد الأئمة في التاريخ الإسلامي
- محمد بن عبد الوهاب: "لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام احمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد "[6] - الصّنعانيّ: "إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية, بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم "[7]. - ابن كثير: "قلت: وهذا يشبه حال الخلفاء من بني العباس بالعراق, والفاطميين بمصر, والأمويين بالمغرب..."[8] - الشوكاني: "وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم انه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان وفي القطر الآخر كذلك"[9] - ابن تيمية: "ومن يتدبر أحوال العالم في هذا الوقت يعلم أن هذه الطائفة – أي المماليك – هي أقوم الطوائف بدين الإسلام علماً.عملاً وجهاداً عن شرق الأرض ومغربها... وسكان اليمن ضعاف عاجزون عن الجهاد, أو مضيعون له, وهم مضيعون لمن ملك هذه البلاد،... وأما سكان الحجاز فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة،...وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون, وإنما تكون القوة والعزة في هذا الوقت لغير أهل الإسلام بهذه البلاد،...وأما بلاد أفريقية فأعرابها غالبون عليها, وهم من شر الخلق،... وأما المغرب الأقصى فمع استيلاء الإفرنج على أكثر بلادهم, لا يقومون بجهاد النصارى هناك, بل في عسكرهم من النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم. فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة بالشام في هذا الوقت هم كتيبة الإسلام, وعزهم عز الإسلام, وذلهم ذل الإسلام،..."[10] قلت: وبالنظر إلى مقاصد التشريع, التي تبين لنا مدى أهمية الأمن والأمان, وأن من مقاصد الدولة الإسلامية حفظ البلاد والعباد والدين, ولو فرض تطبيق القول بعدم جواز كون الدويلات الإسلامية دويلات صحيحة, وعدم جواز تطبيق كونها دولاً لها أحكام الدولة الأم, لتنازع الناس نزاعاً لا انقطاع له, من أجل تحقيق الوجود الصحيح للدولة الأم, الأمر الذي يؤدي إلى ضياع البلاد والعباد, وانتهاك الحرمات والأعراض, واستحلال الأموال بغير وجه حق, مما يجعل هذا القول محض خطأ ونحن في قولنا بأن هذه الدويلات لها – كل واحدة على حدة – حكم الدولة الأم, حسما لمادة النزاع والفساد, نحن بهذا نُعمل قواعد الشرع التي منها: - 1- الضرر يُزال – عموم البلوى يرفع الحكم أو يخففه -. 2- تحقيق المقاصد أولى من النظر إلى الوسائل.لأنه بإعمال هذه القواعد في إثبات شرعية هذه الدول على وجه الإجمال, ينتج لنا ما يحفظ الضرورات الخمس التي جاءت كل أمة بحفظها. والله أعلم. فالقول بخلاف ما قلنا, مُجانب للصواب, مؤدٍ إلى ضياعٍ وفسادٍ, والشرع جاء بعصمة مال الرجل ودمه وعرضه, فكيف بدماء أناس مسلمين وذميين وغيرهم وأموالهم وأعراضهم, إذ القائل بغير ما قلنا, فكأنما يُهدر ويُبيح كل ما ذكرنا, الأمر الذي يصادم قواعد الشرع مطلقاً." انتهى الملخص. من الجهل أن يظن بنا البعض، أننا نرضى من خلال عرضنا لما سلف،بحالة الخروج عن شرع الله، أو حالة الشرذمة والتجزءة التي نعيشها هذه الأيام، أوتكريس هذا الواقع والدعوة إليه، إنما يأتي عرض هذه المسألة من باب العلم بالواقع الصحيح، وذلك لان معرفته ومعرفة الأحكام الشرعية ضرورة شرعية للحكم والقضاء، فالخطأ في فهم الواقع أو تجاهله عند إصدار الفتاوى في النوازل يؤدي بنا إلى المهالك، تماما كالذي يفتي وهو يجهل الأحكام الشرعية. يقول الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ). فالقول السديد هو الموافق والمطابق للواقع الذي به يصلح الله أعمالنا ويغفر لنا ذنوبنا. قال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ(116)(النحل116).
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
الشبهة السادسة: لو قال المخالف: لقد نظرت إلى سيرة سلف الأمة من العلماء, فوجدتهم قد ركزوا في دعوتهم على أكبر الانحرافات الفكرية والعقدية المنتشرة في زمانهم, كالانحراف في عقيدة الأسماء والصفات, والقدر, والوعد والوعيد, ونحو ذلك من العقائد التي اختصّ بها زمان دون آخر, وعلى ذلك وباعتبار أن بدعة العصر الأكثر شيوعاً، هي بدعة الحاكمية لغير الله, وأنها الشرك الأكبر, جعلت محاربتها من أولويات العمل الإسلامي.
جواب ذلك:- 1- أن ما قام العلماء بإنكاره قديماً, لا يزال ممتداً حديثاً, لكن قد يقلّ وقد يكثر, وعلى سبيل المثال نجد أن معتقدات الصوفيّة قد كثرت حتى تسربل بها غالب أفراد الأمة في الباكستان وأفغانستان خاصّة ودول الجمهوريّات الإسلامية في الاتّحاد السوفيتي سابقاً وإيران وبلاد المغرب العربي عامّة, ونجد كذلك نسبتها عالية في كل من مصر والسودان والعراق وبنسبة أقل في بلاد الشام. 2- لم يكن منهج علماء السلف السكوت عن الانحرافات المنتشرة في زمانهم حتى تشيع في الأمة، بل كان هديهم التحذير من الانحرافات ومحاربتها وهي في مهدها، فهذا ابن عباس يحذر عمر رضي الله عنه، من خطر من دخل الإسلام من علوج المجوس الذين بدؤوا في الانتشار في المدينة. وهذا علي وابن عباس رضي الله عنهما يناظران الخوارج في أفكارهم قبل سعة انتشارها. وكم سجّل لنا التاريخ مواقف سلف الأمة في التصدي لحركة الترجمة عن كتب اليونان الفلسفية قبل امتدادها في طول العالم الإسلامي وعرضه!!! فاقرأ إن شئت ما ورد عن الأئمة الأربعة ومن قبلهم في النهي عن ذلك وليس هذا بحثه. 3- أما عن الانحرافات التشريعية في الدويلات الإسلامية، ففي الماضي كان غالب الدويلات المنشقة عن سلطان الأمة باطنية خارجة عن الإسلام أصلا، كما يوجد في هذا الزمان (للتأكد راجع واقع العالم الإسلامي أيام ابن تيمية كما مر معك سابقا). وكذلك في المقابل قد وجد من الدول الإسلامية قديما، ما يمثل دولة الإسلام بمساحة تقل عن ثمانية في المائة من كامل مساحة العالم الإسلامي وقتئذٍ، كما هو الحال في دولة المماليك، وقد انتشرت فيها الأفكار الصوفية، والانحرافات العقدية التي سجن ابن تيمية بسبب إنكارها ومحاربتها، كما وقع فيها من الانحراف في التشريع كتحكيم الياسة (اليسق) فيما يتعلق منها بأحكام الجند وتأديبهم، كما مر معك سابقا. وفي المقابل نجد في هذا الزمان من الدويلات الإسلامية (السعودية) التي لا تقل مساحتها عن مساحة دولة المماليك قديما ولا تزيد في انحرافاتها عن انحراف دولة المماليك سواء في الجانب التشريعي أو الجانب السلوكي الأخلاقي، أما في الجانب الدعوي والدفاع عن الإسلام وصفاء العقيدة ونقائها فقد سبقت الدولة السعودية كل سابق. ومن أراد التفاعل مع هذه النقطة بالذات قبل ردها عليه: أولا: أن يراجع تاريخ العالم الإسلامي، ليلاحظ ما وصل إليه من الانحرافات. وأن ينظر إلى واقعه الذي يعيشه في هذا الزمان بعين العقل لا العاطفة، بعيدا عن كل مظاهر الطبل الإعلامي المغرض المشبوه الذي يقلب الحقائق ويزور التاريخ. ثانيا: عليه أن يتذكر كيف أن الحرب النفسية امتدت إلى عقول قطاعات من الأمة في زمن عثمان رضي الله عنه، رغم أنه خير البشر يمشي في زمانه على الأرض، حتى أظهرته الظالم المستبد، وقتل متهما بالفسق والظلم بل كفره البعض، فكيف يكون الحال مع ولاة أمور لن يصلوا إلى عشر معشار عثمان رضي الله عنه في الفضل والاستقامة والعدل والمنزلة عند الله تعالى؟! لنتذكر هذا جيدا. لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر إنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين " [1].
وبناء على ما سبق ذكره، نلاحظ ما يلي:- ·أن واقعنا المعاصر لم يكن حالة لا نظير لها في التاريخ الإسلامي كما أراد المخالف، لا من الناحية التشريعية ولا من الناحية السلوكية بشكل عام. ·ونلاحظ كذلك وجود دويلات إسلامية معاصرة، تقترب في الفضل من دولة المماليك، بل إن دولة المماليك تقل عن بعضها في الجانب التشريعي والسلوكي والدعوي وجهاد الكلمة. ·ونلاحظ كذلك أن كثيرا من العقائد والأفكار التي عملت الأمة قديما علىإنكارها ومحاربتها، لا زالت منتشرة في مساحات شاسعة من بلاد الأمة الإسلامية، وعليه يحق لنا في المقابل أن نجعل من محاربة هذه الأفكار المخالفة والدخيلة على الإسلام، والواسعة الانتشار، على أول سلم الأوليات في العمل الإسلامي. ·وعلى فرض أن هذه البدعة بدعة شرك القصور هي البدعة الأعظم والانحراف الأكبر في هذا الزمان. إلا أنه لا بد من مراعاة الأولويات التي قبلها، لأن تحقيق الاستخلاف له شروطه، فانتفاء هذه الشروط أو بعضا منها يؤدي إلى انتفاء حصول المشروط أي تحقق الخلافة، إذن لا مناص أمامنا من التدرج للوصول إلى نصرة الله تعالى لنا، ابتداء بالإيمان والعمل الصالح ثم محاربة كل مظاهر الشرك وتوحيد الله تعالى في عبادته كما مر معنا سابقا في شرح قوله تعالى:" وعد الله الذين آمنوا منكم..."الآية. ·إن كثيرا من المسلمين اليوم ينطلق في حكمه وبالتالي في تعامله مع الأنظمة القائمة من خلال نظرة الأبيض والأسود فقط، فالأبيض عندهم يمثل الخلافة الراشدة فقط، والأسود ما دون الخلافة الراشدة، وقد تناسوا أن هناك نحو (2000) لون واقعة ما بين الأبيض والأسود تميز بالعين المجردة. فبنظرتهم هذه المخالفة للإسلام، قد عطلوا من القواعد الأصولية الهامة الكثير. منها قاعدة (معرفة أفضل الخيرين وأسوأ الشرين)، وقاعدة (دفع المفسدة العظمى بالصغرى)، وقاعدة (درء المفاسد أولى من جلب المنافع)، وقاعد ( الضرورات تبيح المحظورات)، وقاعدة (عموم البلوى)، وقاعدة (الحكم مناط بالقدرة). وليس هذا فقط، بل تركوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم المحكم: " سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة قيل وما الرويبضة قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة"[2] . فالرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا بوجود الصادقين والأمناء، فكما أننا متفقون على وجود بعض الأنظمة الخائنة لدينها ولامتها ولوطنها، والتي طالما صفق لها الغثاء من الناس وخدعوا بما صاحوا به ونادوا من بيانات كاذبة ضد إسرائيل، فانطبق عليهم شطر الحديث "يصدق الكاذب ويؤتمن الخائن". فكذلك يوجد في الواقع الصنف الآخر من الأنظمة من الصادقين والأمناء، لكننا عمّينا عن رؤيتهم ومعرفتهم، لأننا غثاء حملنا تيار فكري جارف، يقول لنا عنهم خون وكذبة، فنردد معه، ونقول نعم هم كذلك، وقد وصل الأمر بالبعض من هؤلاء الغثاء، أن قدم روحه في هذا السبيل الغثائي بكل إخلاص، وهذا يكشف لنا عن مدى تقدم علم الجاسوسية المتصهين، وذراعه الأقوى الاشتراكي[3]، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
احتمالات تقسيمات الأنظمة حسب أمانتهم أو خيانتهم [4]
أنظمة أمينة صادقة أنظمة خائنة كاذبة الحكم الرقم كلهم أمناء صادقون بدرجة واحدة كلهم خون كاذبون بدرجة واحدة غير واقعي 1 كلهم أمناء صادقون بدرجات متفاوتة كلهم خون كاذبون بدرجات متفاوتة غير واقعي 2 أكثرهم أمناء صاذقون وبعضهم خون كاذبون أكثرهم خون كاذبون، وبعضهم أمناء صادقون واقعي 3
·وبسبب تسرب بعض الأفكار الموجهة المسمومة إلى عقول المسلمين اليوم التي تقف خلفها مراكز توجيهية متخصصة، فانه يوجد من التصنيفات الجاهزة وقوالب العمالة والتخوين لصاحب الخلافة الراشدة المنتظرة – كما أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان- ما يؤلب الغثاء من الناس عليه وعلى خلافته، في ظل سيطرة الصهيونية والاشتراكية على وسائل الإعلام، وعدم وعي المسلمين بواقعهم، حيث لا يفرقون بين العدو والصديق، بل ينحازون إلى العدو ضد الصديق، وصدق قول الله تعالى فينا: (وفيكم سماعون لهم). ·على الأمة أن تتعلم فقه الواقع تعلما، كما تتعلم القراءة والكتابة، لأن كثيرا من هذه الأقلام، جاهدت في سبيل الشيطان وهي تظن أنها تحسن صنعا، فليتها ما تعلمت وكتبت ما ظنته علما وبقيت على جهلها البسيط وأميّتها، فالجهل المركب أخطر على المجتمع وأشنع، لان صاحب الجهل البسيط يشعر بتقصيره تجاه واجب طلب العلم. أما الآخر فأنّا له ذلك وهو يعتقد أنه على الحق.
[2] السلسلة الصحيحة4/ 508، وصحيح ابن ماجة للألباني، رقم 4036، ج 2/1339، بدون كلمة (يتكلم)..
[3] أما حزب التحرير، فإننا نعتقد جازمين أن نوايا أفراده صالحة، ولكنهم أقنعوا بمفاهيم ونظرات وتحليلات سياسية عكست الواقع، ومهدت للمد الاشتراكي في بلاد الإسلام، حين ألصقوا كل جرائم الاشتراكية بالرأسمالية
[4] هذا التقسيم يراد به الأنظمة في الدول العربية والإسلامية بدرجة أولى.
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
هل البروتوكولات من وضع اليهود ؟ يذهب البعض إلى التشكيك في نسبة البروتوكولات لليهود لغايات وأسباب متعددة. وان كان هذا الزعم الغريب ملفتا للنظر، ويضع علامات استفهام حول أصحابه، إلا أننا مضطرون للرد عليه مهما كانت قسوته أو مجافاته للحق. فقد رد القرآن الكريم على ادعاءات وشبهات الكافرين بالحجة الساطعة، وبين لهم سوء ظنونهم ومساوئ اعتقاداتهم في العديد من المواضع القرآنية. فمثلا، هل يعقل أن تصل الدرجة في البعض أن يشك في أن الله تعالى خير من الأرباب والأنداد ؟ حتى قال الله تعالى رادا عليهم (آلله خير أم ما يشركون) النمل 59، وقال( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) يوسف 39. إذن لا بد من مواجهة الشبهات والتضليلات مهما كانت سخيفة وساقطة من أساسها، وذلك لإقامة الحجة على أصحابها وحماية الأفراد من الانسياق خلف زخرفها والافتتان بها، قال الله تعالى واصفا حال البعض مع المنافقين ( وفيكم سماعون لهم). يقول البريطان مُصدّر الطبعة الخامسة الإنجليزية للبروتوكولات الصادرة عام 1921: " إن نفاد طبعة أخرى أيضا من هذا الكتاب ليدل على أنه لم ينقص تلهف الناس على استقبال أخبار بروتوكولات صهيون، وأنه ليزداد وضوحا كل يوم أن سياسة البروتوكولات الآن تطبق بعنف على الأمميين، لأن حكوماتهم كما يفخر المستر إسرائيل زانجفيل مطوقة باليهود ووكلائهم. إن العالم مدين للأستاذ البروفيسور سرجي نيلوس بنشر هذا الكتاب المفزع للعالم سنة 1901 م... ويزعم اليهود ضرورة، أن البروتوكولات مزيفة، ولكن الحرب العظمى ليست زورا، ولا مصير روسيا زورا، وبهذين الأمرين تنبأ حكماء صهيون منذ أمد طويل يرجع إلى سنة 1901م " انتهى. ويتجلى تطبيق ما ورد في البروتوكولات عند قراءة الأساليب المستخدمة في الحرب الثورية الشيوعية اليهودية على الأمميين لتحقيق أهدافهم. قال محمد خليفة التونسي: " وكذلك تنبه بعض الكتاب الذين قارنوا بين تلك الفظائع البلشفية والبروتوكولات الصهيونية فسموا البروتوكولات ( الإنجيل البلشفي) لما لاحظوا بينهما من توافق عجيب. كما لاحظ كاتب إنجليزي مناورات اليهود للتشكيك في نسبة الكتاب إليهم، ففند مزاعمهم بحجج كثيرة: من بين ذلك التوافق العجيب بين نبوءات البروتوكولات في سنة 1901 وتلك الويلات التي رمى بها اليهود العالم كفتنة البلشفية اليهودية وغيرها من الفتن في روسيا وسائر البلاد الأوروبية " [1]. بمعنى آخر إذا كان الخطر الشيوعي حقيقة قائمة ليس خيالا، وإذا كانت الشيوعية من صنع اليهود، وإذا كان ما ورد في البروتوكولات من أساليب ثورية يوافق تماما ما تقوم به الحرب الثورية الشيوعية، فقد دل ذلك كله على أن البروتوكولات هي حقيقة واقعة يقف خلفها اليهود بلا ريب. وهاك المثال التالي: يعتبر اليهود الحريات السياسية ضرورة ووسيلة مرحلية فقط، لا حقيقة واقعة، يطالبون بها ويسخرونها لصالحهم إذا كانوا خارج الحكم -باعتبارها طعما لجذب العامة -. ولكن يحرمونها الشعوب المقهورة بعد توليهم أو وكلائهم للحكم. يقول البروتوكول الأول [2]: " أن الحرية السياسية ليست حقيقة، بل فكرة. ويجب أن يعرف الإنسان كيف يسخر هذه الفكرة عندما تكون ضرورية، فيتخذها طعما لجذب العامة إلى صفه، إذا كان قد قرر أن ينتزع سلطة منافس له" وفي البروتوكول الثاني والعشرين يقرر اليهود بعد استلامهم الحكم نسف الحريات جميعا كحرية " نشر العقيدة والمساواة ونحوها " [3]. بل بعد استلام الحكم يصير الناس سخرة وعبيدا [4]. هذا هو موقف اليهود من الحريات السياسية قبل سيطرتهم على السلطات وبعد ذلك. فهل اختلف الموقف الاشتراكي من الحريات السياسية عن موقف اليهود هذا. للإجابة على ذلك: · يجب التذكير بأن البروتوكولات إنما وضعها اليهود لتكون في غاية السرية، وليست قابلة للنشر، إنما نشرت رغما عنهم. لذلك فقد عكست الأخلاق الحقيقية والنوايا السيئة لليهود تجاه العالم. بخلاف موقف إسرائيل الايجابي المعلن تجاه هذه الحريات، إذ به تخادع الرأي العام العالمي لتنال الدعم والتأييد الدولي لقضاياها. بينما مباديء الماركسية الشيوعية صيغت صياغة لتكون علنية تخاطب الجماهير والعمال والمثقفين. لذلك ظهرت منافقة مخادعة مضللة للشعوب. ففي الوقت الذي وعدت الجماهير الساذجة نظريا بالحريات السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان إن هي ظفرت بالسلطة، نجدها في الجانب العملي الواقعي بعد السيطرة على الحكم، قد حرمت الجماهير من أبسط الحريات العامة وحقوق الإنسان، حتى أنها قد حولت البلاد إلى نصفين، نصف للقبور وللمقابر الجماعية، والنصف الآخر للسجون الانفرادية وغير الانفرادية. أما كيف ظهرت البروتوكولات ؟
يقول البروفسور سرجي نيلوس في مقدمة كتاب بروتوكولات حكماء صهيون: " لقد تسلمت من صديق[5] شخصي- هو الآن ميت- مخطوطا يصف بدقة ووضوح عجيبين خطة وتطورا لمؤامرة عالمية مشئومة، موضوعها الذي تشمله هو جر العالم الحائر إلى التفكك والانحلال المحتوم. هذه الوثيقة وقعت في حوزتي منذ أربع سنوات (1901) وهي بالتأكيد صورة حقة في النقل من وثائق أصلية، سرقتها سيدة فرنسية، من أحد الأكابر ذوي النفوذ والرياسة السامية من زعماء الماسونية الحرة، وقد تمت السرقة في نهاية اجتماع سري بهذا الرئيس في فرنسا، حيث وكر (المؤتمر الماسوني اليهودي). وللذين يريدون أن يروا ويسمعوا، أخاطر بنشر هذا المخطوط تحت عنوان ( بروتوكولات حكماء صهيون) " انتهى. ومن المثير أن البروفيسور سرجي نيلوس بعد الإطلاع على أسرار هذا المخطط اليهودي الإجرامي كان قد تنبأ بسقوط روسيا بيد اليهود قبل سقوطها على يد اليهود البلاشفة الشيوعيين حين قال " ولنؤجل ساعة انهيار روسيا" [6]. وقال عن حركة الأفعى اليهودية" ولكن السهام تشير إلى حركتها التالية نحو موسكو وكييف وأودسا " [7]. فهل كان سرجي كاهنا أم يعلم الغيب أم أنها القراءة الصحيحة للواقع ؟! تنص البروتوكولات صراحة في مواطن عديدة منها على أنها من وضع اليهود، وهذا ملخص لتلك المواطن وموضعه من الكتاب (رقم الصفحة / رقم البروتوكول) [8]: ·ورد ذكر الشعب المختار الدال على اليهود في المواضع التالية: (77/5)، (76/5)،(132/11)،(154/14)،(158/14)،(154/13)،(230/20). ·ورد ذكر مَلِك إسرائيل في المواضع التالية: (184/15)،(197/17)،(245/23)،(250/24)،(250/24). ·ورد قولهم عن الأجيال القادمة أنها " ستصغي إلى تعاليمنا على دين موسى " في الموضع: (155/14). قلت: وأقوى الأدلة على تجريم المتهم على الإطلاق، اعترافه الصريح الواضح. فلم يصر البعض على عدم نسبة هذا الكتاب إلى اليهود ولا يعترفون بأنه من وضعهم، أو أنهم وضعوه للدعاية فقط كقول حزب التحرير؟ وما حكم التستر على الجاني ؟ ألا يخشى من ينفي نسبة البروتوكولات إلى اليهود اللعن من الله ؟ فقد " لعن الله من آوى محدثا " [9]- أي: لعن الله من تستر على صاحب جريمة مطلوب للعدالة - فكيف بمن يتستر على المصدر الأول للجرائم " وعلى مفسدي العالم ومحركي الفتن فيه وجلاديه"[10] ؟ وكذلك الحال بمن يتستر على جرائم الشيوعية اليهودية بمختلف أسمائها، التي سجلت الرقم القياسي العالمي في حملات الإبادة والدمار وأعمال السلب والنهب وغيره.
[1] مقدمة كتاب الخطر اليهودي، بروتوكولات حكماء صهيون، ص35.
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
الشبهة السابعة:لو قال المخالف: إن إقامة الحدود على الرعية، مقدم على إصلاحها – أي أن لها الأولوية- لما في ذلك من زجر للعصاة والمجرمين، وبالتالي يستقيم المجتمع، لقوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)(البقرة 179). ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حد يعمل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا"[1].
الجواب: - إن الآية الكريمة وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) تفيدنا فقط في ردع القتلة، إذا أرادوا القتل الحرام لخوفهم على أنفسهم من القتل بالقصاص الشرعي الذي لا يحابي أحدا، فلو لم يصن الشرع الحكيم حق المقتول ظلما، لسعى أهل المقتول إلى أخذ حقهم بأيديهم، وبالتالي، ولسوء تقدير المخلوق بما ينفعه أو يضره، فقد يتجاوز في الانتقام إلى انتهاك حقوق أخرى للقاتل، فيقوم أهل القاتل من باب الانتقام لرد حقوقهم إلى ممارسة القتل مرة أخرى، وهكذا تهدر أنفس كثيرة في المجتمع، لذلك وبوجود هذا القصاص الشرعي العادل يحيا المجتمع. قال القرطبي: "ولكم في القصاص حياة" هذا من الكلام البليغ الوجيز كما تقدم. ومعناه: لا يقتل بعضكم بعضا; رواه سفيان عن السدي عن أبي مالك. والمعنى: أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه ازدجـر من يريد قتل آخر, مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معا. وكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حمي قبيلاهما وتقاتلوا وكان ذلك داعيا إلى قتل العدد الكثير; فلما شرع اللّه القصاص قنع الكل به وتركوا الاقتتال; فلهم في ذلك حياة. اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان, وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض; وإنما ذلك لسلطان أو من نصبه السلطان لذلك; ولهذا جعل اللّه السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض" انتهى. وقال ابن كثير: "وقوله: (ولكم في القصاص حياة) يقول تعالى وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل حكمة عظيمة، وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل، انكف عن صنيعه فكان في ذلك حياة للنفوس، وفي الكتب المتقدمة: (القتل أنفى للقتل) فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز "ولكم في القصاص حياة" قال أبو العالية جعل الله القصاص حياة فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل. وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان". قلت: وعلى الرغم من إقرار تطبيق الأحكام الشرعية في القصاص والحدود الأخرى في النظام، لابد أن يكون المجتمع صالحا بعمومه أولا، لكي ينعكس ذلك إيجابا على المجتمع، لان السلطة التنفيذية في الجهاز الحكومي هم من البشر وليسوا ملائكة، يعتريهم ما يعتريهم من شبهات وشهوات تضعف نفوسهم عن متابعة تطبيق الحكم كما يريدهم الله تعالى بعيدين عن تأثير العلاقات الاجتماعية والمحسوبيات وقبول الرشاوى والهدايا التي تضعف أمر مراقبة أمر الله تعالى، فلكي يكون الجهاز التنفيذي قويا وصلبا لا يتأثر بمثل هذه الضغوطات، وجب رفع درجة الإيمان عنده، وبالتالي وجب إصلاح المجتمع الذي سيفرزه، فنكون بذلك عدنا إلى سنة الله تعالى الكونية في الإصلاح من جديد. لذلك فقد رأينا وقوع كثير من الانحرافات والتساهل في تطبيق أحكام القصاص والحدود في أنظمة الحكم الإسلامية المختلفة، وقد ضربنا لذلك مثالين اثنين في التاريخ الإسلامي، كما مر معك من قريب. تنبيه: الصلاح مقصوده موافقة الظاهر للباطن، فالامتناع عن ارتكاب الجريمة لا يعني بالضرورة صلاح الممتنع عنها، أو حصول التغيير الإيجابي بقلبه. وسيأتي بيان معنى التغيير من كلام ابن تيمية لاحقا، لذلك لو فرضنا أن نظاما صارما طبق الأحكام والحدود، على أفراد المجتمع وخضعوا لها في الظاهرا، بل هم لها كارهون، فإن ذلك لا يعتبر من باب تغيير ما بالأنفس الذي يترتب عليه تغيير المجتمع، حتى تخضع لها قلوبهم."فإن ما في النفس مما يناقض محبة الله و التوكل عليه و الإخلاص له و الشكر له يعاقب عليه لأن هذه الأمور كلها واجبة. فإذا خلي القلب عنها واتصف بأضدادها استحق العذاب على ترك هذه الواجبات " [2]. فلابد إذن من وجود فئة من الناس سيخضعون للنظام ظاهرا دون قلوبهم، وآخرون لا يخضعون لا ظاهرا ولا باطنا، وقسم ثالث هم المؤمنون الذين وقعوا في الذنوب فأتبعوا أمرهم توبة وندما. فالمطلوب من الصالحين تجاههم جميعا العمل على تخفيض نسبتهم في المجتمع بالأمر بالمعروف ( بالمعروف) والنهي عن المنكر (بلا منكر) حتى تقل نسبتهم ويظهر الصلاح في المجتمع ويعم. لذلك ستساهم إقامة الحدود في جعل فئة المتمردين عليها ظاهرا وباطنا في حدودها الدنيا فقط، بحيث ينظر الناس إلى أهلها بازدراء، فيقل نقل العدوى منهم إلى غيرهم إلى حده الأدنى، بذلك يبقى المجتمع سليما معافى. أما بالنسبة للحديث الشريف: "حد يعمل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا"، فهو لا يصلح للاستدلال على ما نحن فيه، ولا يوجد فيه ولو دلالة ظنية تفيد بأن إصلاح النظم أولى من إصلاح المجتمع، فإن معناه الواضح لا يتعدى تسمية فوائده الدنيوية على المجتمع، ولو صح الاستدلال بالحديث، لكان من الأولى الاستدلال بما هو أكثر منه فائدة على المجتمع، كقوله تعالى لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3). وكقوله صلى الله عليه وسلم" من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وأمثال ذلك في القرآن والسنة كثير. ففي الآية من الخير الأخروي لأفراد المجتمع، ما هو أعظم فائدة من أن يمطروا أربعون يوما، ومن قال بعكس ذلك فقد جهل المعقول والمنقول. فهل يقدم خير دنيوي(مطر) على خير أخروي(عبادة ألف شهر)؟ وعليه وباستخدام نفس الطريقة في الاستدلال، نقول أن الدعوة إلى إقامة ليلة القدر مقدم على إصلاح النظام بإقامة الحدود. ولكننا لا نعتبر هذا الاستدلال موفقا البتة.
[1] تخريج الشيخالألباني: (ن هـ) عن أبي هريرة. تحقيق الشيخالألباني: (حسن) انظر حديث رقم: 3130 في صحيح الجامع.
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
الشبهة الثامنة: فإن قال المخالف لم نرد بالبدعة الكبرى والشرك الأعظم للاعتبارات التي ذكرتم، إنما اعتبرنا ذلك لأن إقامة الدين في الأرض مناطة بالحاكم واستقامته، فباستقامته وصلاح حاله يصلح المجتمع، وبفساد حاله يفسد المجتمع؛ لدوره الأساسي في التغيير.
يفهم من ظاهر النص العربي هذا، أنه متى وجد الحاكم الصالح في الحكم، صلح المجتمع والعكس صحيح. فهل مفهوم هذه الشبهة سليم؟ قبل البدء بالإجابة على هذا السؤال، علينا أن نتذكر حقيقة شرعية، أن الالتزام بالإسلام لا يصح إلا إذا كان خالصاً لله تعالى، فإيمان المصالح والمنافع، وإيمان الإكراه والقهر مخالف لقوله تعالى: )وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ([البينة:5]، ومخالف لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". فمن تظاهر بالإسلام طلباً لمنفعة أو دفعاً لمفسدة، فقد نافق ومن نافق دخل النار، ومقصود الشريعة إخراج الناس من ظلمات النار إلى نور الإيمان، فعلينا أن نتذكر هذا خلال المناقشة. وللخطورة البالغة لهذه الشبهة، خصصت الفصل التالي للرد عليها.
"وقد ذكرت في غير هذا الموضع، أن مصير الأمر إلى المُلوك ونوابهم من الولاة، والقضاة والأمراء، ليس لنقص فيهم فقط، بل لنقص في الراعي والرعية جميعاً، فإنه "كما تكونوا يول عليكم"، وقد قال الله تعالى: )وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ([الأنعام:129]" ابن تيمية([1]). "وفي هذا بيان لطريق الخلاص من ظلم الحكام الذين هم "من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا"، وهو أن يتوب المسلمون إلى ربهم ويصححوا عقيدتهم ويربوا أنفسهم وأهليهم على الإسلام الصحيح تحقيقاً لقوله تعالى: )إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ([البينة:5]، وإلى ذلك أشار أحد الدعاة المعاصرين ([2]) بقوله: "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم". وليس طريق الخلاص ما يتوهم بعض الناس وهو الثورة بالسلاح على الحكام بواسطة الانقلابات العسكرية فإنها مع كونها من بدع العصر الحاضر؛ فهي مخالفة لنصوص الشريعة التي منها الأمر بتغيير ما بالأنفس، وكذلك فلا بد من إصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها: )وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ([الحج:40]،الشيخ الألباني([3]). "وقد يظن من لا نظر له في حياة الشعوب وسياستها أن الحاكم يستطيع أن يكون كما يريد أن يكون حيثما يكون، وهذا خطا فللبيئة التأثير في الحاكم، وفي نظام الحكم أكثر مما للحاكم ونظام الحكم من التأثير على البيئة، وهذا من معاني قول الله عز وجل: )إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ(". محب الدين الخطيب( [4]).
بين يدي الموضوع
يذهب البعض إلى أن الإصلاح المنشود، وإقامة الدين في الأرض منوط بالحاكم واستقامته، فباستقامة الحاكم وصلاح حاله يصلح المجتمع، وبانحرافه وفساد حاله يفسد المجتمع، أو لأنهم يتصورون أن له دوراًً أساسياً في التغيير. وحال هؤلاء كمن يزعم أن لدى الحاكم عصاً سحرية يستطيع بها أن يكون كما يريد أن يكون حيثما يكون، وهذا في اعتقادنا مخالف للقرآن والسنة ولسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ بين القرآن الكريم وصحيح السنة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أن إقامة الدين في الأنفس، شرط لتحقيق التغيير المنشود فـي المجتمع والتأييـد بالنصر والتمكين. قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ([البينة:5]. وقال تعالى: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ([النور:55]. وقد لا يعلم أصحاب هذا الاتجاه، أن سنة الله تعالى في تغيير المجتمعات - من الخير إلى الشر أو العكس - من السنن الكونية النافذة في الخلق، التي لا تتبدل ولا تتحول لأي سبب من الأسباب، سواء كان ذلك لقرابة أو نسب أو جاه أو سلطان أو حتى لقربى من الله تعالى، فمن الغريب أن البعض يظن هذا الظن السيئ بالله تعالى بالرغم من التأكيدات القرآنية على هذا الثابت الكوني في عدة مواضع من كتاب الله تعالى منها: · )سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً([الأحزاب:62]. · )فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً([فاطر:43]. · )سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً([فاطر:23]. فلو كان لهذه السنة أن تتبدل أو تتحول لتبدلت أو تحولت ولو قليلاً لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من موقف كان أحوج ما يكون لها، سواء في بداية الدعوة في مكة حين كانت مرحلة الضعف المتمثلة بالصبر واحتمال أذى المشركين، أو في حالة القوة في المدينة المنورة في مواقف متعددة، كغزوة أحد([5]) وغزوة حنين([6]). وما جاء في قصة زوجة نوح عليه السلام وولده، وزوجة لوط عليه السلام، ما يدل على أن القرابة والنسب لا يوقفان سنة الله تعالى. قال تعالى: )ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ([التحريم:10]. وقال تعالى: )وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ([هود:45]. فجاء الجواب: )قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ([هود:46]. وليعلم أولئك البعض، ممن قل اعتبارهم لسنن الله تعالى في خلقه، أن ما ذهبوا إليه من تصورات في طريق التغيير المنشود، سيؤدي إلى الانشغال بالحاكم، وتركيز الصراع مع النظام السياسي القائم وإسقاطه، فينتج عن ذلك ازدياد الفساد والإفساد في الناس لتوقف مسيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو إعاقتها بحجة الانشغال بتغيير منكر الحكام.
فمشروع الصراع مع الأنظمة الحاكمة وضرب الحاكم بالمحكوم من أهم الأساليب المستخدمة من قبل الصهيونية وذراعها الأقوى "الاشتراكية" للسيطرة على العالم، والرافضة القائمة على تصدير الثورة. فمن خلال الثورات الشعبية التي يقفون خلفها ويوجهونها بواسطة عملائهم الاشتراكيين على اختلاف أسمائهم، يقودون الثورة ويركبون الموجة، ويقومون بعد ذلك بتصفية المعارضة، مهما كان دينها أو عرقها. وللتدليل على ذلك نقرأ في "بروتوكولات حكماء صهيون" ما يلي:
"وذلك حين يحين الوقت لتغيير كل الحكومات القائمة من أجل أوتقراطيتنا، أن تعرفنا لملكنا الاتوقراطي([7]) يمكننا أن نتحقق منه قبل إلغاء الدساتير، أعني بالضبط أن تعرف أن حكمنا سيبدأ في اللحظة ذاتها حين يصرخ الناس الذين مزقتهم الخلافات وتعذبوا تحت إفلاس حكامهم (وهذا ما سيكون مدبراً على أيدينا) فيصرخون هاتفين: اخلعوهم وأعطونا حاكماً عالمياً واحدا يستطيع أن يوحدنا، ويمحق كل أسباب الخلاف، وهي الحدود والقوميات والأديان والديون ونحوها ... حاكما يستطيع أن يمنحنا السلام والراحة اللذين لا يمكن أن يوجدا في ظل رؤسائنا وملوكنا وممثلينا. ولكنكم تعلمون علما دقيقا وافيا أنه لكي يصرخ الجمهور بمثل هذا الرجاء، لابد أن يستمر في كل البلاد اضطراب العلاقات القائمة بين الشعوب والحكومات، فتستمر العداوات والحروب والكراهية والموت استشهادا أيضاً"([8]). "إننا نخشى تحالف القوى الحاكمة مع الأمميين (غير اليهود) مع قوة الرعاع العمياء، غير أننا قد اتخذنا كل الاحتياطيات لنمنع احتمال حدوث هذا الحادث. فقد أقمنا بين القوتين سدا قوامه الرعب الذي تحسه القوتان كل من الأخرى، وهكذا تبقى قوة الشعب سنداً إلى جانبنا، سنكون وحدنا قادتها، وسنوجهها لبلوغ أغراضنا"([9]). وتقول أيضاً: "ولكي يكون الملك([10]) محبوباً ومعظماً من كل رعاياه – يجب أن يخاطبهم جهاراً مرات كثيرة. فمثل هذه الإجراءات ستجعل القوتين في انسجام، أعني قوة الشعب وقوة الملك اللتين قد فصلنا بينهما في البلاد الأممية (غير اليهودية) بإبقائنا كلاً منهما في خوف دائم من الأخرى. ولقد كان لزاما علينا أن نبقي كلتا القوتين في خوف من الأخرى، لأنهما حين انفصلتا وقعتا تحت نفوذنا"([11]).
وقبل البدء بالاستدلال على ما ذهبنا إليه من أن التغيير المنشود يكون بتغيير الأنفس أولا([12])، علينا أن نتذكر حقيقة شرعية، أن الالتزام بالإسلام لا يصح إلا إذا كان خالصاً لله تعالى، فإيمان المصالح والمنافع، وإيمان الإكراه والقهر مخالف لقوله تعالى: )وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ([البينة:5]، ومخالف لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". فمن تظاهر بالإسلام طلباً لمنفعة أو دفعاً لمفسدة، أو تزلفاً لحاكم، فقد نافق ومن نافق خسر خسراناً مبيناً، ومقصود الشريعة إخراج الناس من ظلمات النار إلى نور الإيمان، فعلينا أن نتذكر هذه الحقيقة للأهمية الأساسية.
________________________________
المراجع:
(1)"مجموع الفتاوى" (35/20).
(2)قال الشيخ الألباني رحمه الله: وهو الأستاذ حسن الهضيبي - رحمه الله-.
(3)"العقيدة الطحاوية"، شرح وتعليق، ط/ المكتب الإسلامي 1978(ص47).
(4)في التعليق على كتاب "العواصم من القواصم" (ص77).
الرد: سلسلة كيف تنجو من الفتن (3)... فقه التغيير والرد على المبتدعة
جزاك الله خيراً
هذا جهد عظيم بارك الله أجرك فيه
قوانين التغير الإحتماعي بالإتجاه السلبي أو الإيجابي
من أهم ما يغيب عن خاطر المسلمين اليوم ويريدن التغيير السحري
والقفز فوق الحواجز
في حين أن رسول الله علية أفضل الصلاة والسلام كحال الرسل والأنبياء السابقين
مادعى إلا الى لا إله إلا الله
ان الشعارات الجوفاء التي ننادي بها والتوسلات التي نتوسل...
12-01-2026, 05:34 PM
Loading...
No more items.
جاري العمل...
😀
😂
🥰
😘
🤢
😎
😞
😡
👍
👎
☕
نحن نعالج البيانات الشخصية لمستخدمي موقعنا عبر استخدام ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) وتقنيات أخرى، وذلك لتقديم خدماتنا، وتخصيص الإعلانات، وتحليل نشاط الموقع. وقد نشارك بعض المعلومات الخاصة بمستخدمينا مع شركائنا في الإعلانات والتحليلات. لمزيد من التفاصيل، يُرجى الرجوع إلى سياسة الخصوصية.
بالنقر على "أوافق" أدناه، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وعلى ممارساتنا المتعلقة بمعالجة البيانات الشخصية وملفات تعريف الارتباط كما هو موضح فيها. كما تُقرّ بأن هذا المنتدى قد يكون مُستضافًا خارج بلدك، وتوافق على جمع بياناتك وتخزينها ومعالجتها في البلد الذي يُستضاف فيه هذا المنتدى.
تعليق