اقتحام غزة ليس حلا لمشكلة صواريخ القسام كما تعلمنا من الماضي فالفلسطينيون مصممون علي مواصلة كفاحهم ولو بالفِجل والبصل والمعركة طويلة
في ذروة الانتفاضة الاولي في أواخر الثمانينيات حاولوا في جهاز الدفاع ايجاد دواء ناجع ملائم: وضع العراقيل أمام الامدادات الغذائية للمناطق خصوصا لمنطقتي الخليل وبيت لحم. الافتراض والأمل كانا أن يضغط المواطنون الجائعون علي التنظيمات الارهابية للتوقف عن عملياتها.
الحوانيت فرغت من البضائع والمنتوجات، رويدا رويدا. وكانوا في طاقم المناطق في وزارة الدفاع، ذلك الطاقم الذي كان يجتمع اسبوعيا من القادة الأمنيين الساعين الي انهاء الانتفاضة، راضين جدا.
وعندئذ أصدرت قيادة الانتفاضة تعليماتها للمواطنين: فلتبدأوا في زراعة البصل والثوم في باحات المنازل والاراضي الفارغة . اذا لم تخني الذاكرة فقد استقبل طاقم المناطق في وزارة الدفاع هذا الخبر ـ فلنقل ذلك بحذر ـ بالسخرية والاستهزاء. الفِجل ليس سلاحا متعارفا عليه في الحروب بين الشعوب. اسحق رابين وحده الذي كان وزيرا للدفاع في تلك الايام، بدا أكثر قلقا وأنب الضاحكين والساخرين: البيان الداعي الي زراعة البصل في الباحات يشير الي الاصرار والعناد في مواصلة الكفاح، والاستعداد لتقديم الضحايا، والي ان المعركة ستكون طويلة . لا يختلف اثنان حول أحقية سكان سديروت بالحصول علي حماية كاملة ومطلقة من الحكومة الاسرائيلية في مواجهة صواريخ القسام. سنوات مرت وهم يئنون تحت وطأة هذه الصواريخ وهم جديرون بحياة مريحة وادعة مثل باقي المواطنين في هذه الدولة. كما أن أحدا لا يُشكك في حقيقة ان جهاز الدفاع لا يمتلك حلا للمعضلة.
وفي ظل غياب الحل وعندما يتزايد الضغط الشعبي ليس هناك مفر علي ما يبدو من قرار اقتحام غزة وضربها . من هذه الزاوية يستطيع أنصار هذا الموقف أن يطمئنوا: كل يوم يمر يُقربهم من اللحظة التي ستبدأ فيها كافة اجهزة الاتصال في الجيش ببث الأوامر بالتقدم الي الأمام.
التردد والتأجيل في اصدار قرار شن العملية بقوة كبيرة ضد غزة ينبع فقط من نتائج حرب لبنان الثانية. من اكتوي في بيت جبيل يحذر أضعاف المرات من جباليا وبيت حانون.
الجيش الاسرائيلي سيحتاج علي الأقل الي فرقتين للبدء في عملية الاجتياح، أي عشرات آلاف الجنود. في الجانب الآخر يستعدون منذ زمن طويل الي التصدي لهذه القوات وايقاع الاصابات في صفوفها ـ ولكن الجيش الاسرائيلي سيتغلب علي الجيش الغزي. يجب أن نأمل أن يسقط عدد قليل من الضحايا، هذا اذا سقطوا بالفعل. واليكم أمرا أشبه بالوعد: خلال فترة طويلة، ولكن ليست طويلة بصورة خاصة، ستتوقف صواريخ القسام عن اصابة سديروت، وبعدئذ سيعود الوضع الي سابق عهده: صواريخ القسام ستسقط علي سديروت وغيرها من التجمعات، وستعود من جديد العمليات ضد الجنود الاسرائيليين في غزة. قتلي وجرحي. وعدا عن ذلك سنضطر لتوفير الغذاء والنواقص لمليون ونصف انسان يرغبون في تمزيقنا كالسمكة.
وكيف نعرف ان هذا ما سيحدث؟ ببساطة كبيرة: هذا ما حدث بعد أن احتللنا القطاع في عام 1956، وهذا ما حدث بعد ان احتللنا غزة في 1967 . بعد فترة معينة من الصدمة ينتعشون هناك ويحولون حياتنا الي جحيم.
ارييل شارون لم يقرر عبثا اجلاء سكان غوش قطيف من هناك وإبعادهم عن نيران العمليات. هم كانوا في نظره عبئا أمنيا ثقيلا.
وهكذا، كما أسلفنا، سنقتحم غزة قريبا. كل قسام وكل يوم يمر يُقربنا من تلك اللحظة. كل شيء أصبح واضحا ومعروفا وجاهزا، إلا سؤالا واحدا ليس لأحد رد عليه: كيف سنخرج من هناك بعد ثلاث أو خمس سنوات؟.
ذلك لانهم سيقومون في غزة ايضا بزراعة البصل والفِجل في الحواكير والباحات.
ايتان هابر
رئيس ديوان رابين سابقا
(يديعوت احرونوت) 9/9/2007

