ماذا بعد احتراق غزة بأيدي أبنائها؟
المهندس حسن الحسن
المهندس حسن الحسن
تفجع أحداث غزة القلوب وتملؤها حزناً وكمداً، إذ تقع بين إخوة يفترض أنهم حملوا السلاح لتحرير فلسطين لا لتوزيع ما بقي منها بينهم كالمواريث. وما يصيب بالغثيان حقاً هو ثرثرات الساسة الفصائليين الذين ملّ الناس سماعهم، والذين لا يفتؤون يبيعون للناس كلاماً ممجوجاً مكرراً عن "القضية"، تلك التي تلاشت حقيقتها بين أيدي العابثين بها منذ أمد بعيد، كلاماً لا يسأمون من ترديده وكأنه فاتحة الكتاب مع أنه أشبه بترتيلات مسيلمة وسجاح، بينما يحرقون بأيديهم جامعاتها وما تبقى من مؤسساتها بعد عمليات خطف متبادلة وحرب شوارع وقتل وقتال.
وبغض النظر عن السجالات الجارية بين زعامات فتح وحماس، فإن ما يقع من ضحايا الإخوة الأعداء الآن في فلسطين لا يخرج في واقعه عن فاتورة باهظة يدفعها أهلها على مراحل لتحقيق مخططات أكبر بكثير مما يراه البعض من كونه انقلاب عصابة فتحاوية على "الديمقراطية" التي أتت بحماس إلى حكومة متهافتة. فالأمر يتعدى ذلك ويتجاوزه، إذ تؤشر كثير من الوقائع إلى جدية الإدارة الأميركية بدفع قضية فلسطين إلى حلٍ نهائي فيما تبقى من الفترة الرئاسية لجورج بوش، وهو ما تؤكده تحركات رايس المكوكية واجتماعات الرباعية المتتالية، وقد أكد ذلك أكثر من طرف فاعل، وفي مقدمتهم حسني مبارك الذي قال "ألمس جدية الدول الكبرى هذه المرة لإتمام العملية السلمية ".
ويأتي الاقتتال الضاري في شوارع غزة منسجماً مع ما يراد تحقيقه في هذا السياق، إذ تشكل المجازر التي يتعرض لها أهل فلسطين بالعادة مقدمة لمؤامرة يراد تسويقها، والتي طالما تعرضوا لها على نحو مشابه لما يقع الآن من سفك دماء وأزمات خانقة تهدف إلى فرض اليأس والإحباط وبالتالي الاستسلام لما يُخطط له من مكر بفلسطين وأهلها في العواصم العربية والغربية. يحصل هذا باتفاق مسبق مع بعض قادة الفصائل الفلسطينية وباستدراج البعض الآخر إلى حيث لا يمكن أن يقولوا لا للحلول المفروضة عليهم والمعروفة سلفاً.
طبعاً هناك من يقول ولكن حكومة حماس لن تقبل الاعتراف ب"إسرائيل" وبالتالي فإن التسوية على الطريقة الأميركية ستصطدم بحائط مسدود لأن الاعتراف النهائي ب"إسرائيل" هو شرط لإقامة دولة فلسطينية في إطار التسوية القائمة على فكرة دولتين تتعايشان سلمياً جنباً إلى جنب. إلا أن هناك رأي آخر يقول إن مسألة الاعتراف من عدمها قضية شكلية سيتم تسويتها وتجاوزها عاجلاً بمجرد رضوخ "إسرائيل" للقرارات الدولية وسيرها جدياً في خطة خارطة الطريق. وإن تم هذا تكون حماس قد استنسخت مسيرة حركة فتح بالأمتار والأشبار، حيث كانت مسألة الاعتراف ب"إسرائيل" من عدمها مجرد تكتيك سياسي يراد دفع مقابل له. هذا فيما تتصور بعض الأنظمة الحاضرة في الصراع (سوريا مثلاً) أنّ حماس كحزب الله عقبة لا بد من وجودها مؤقتاً لإجبار الرأي العام اليهودي المتصلب على الانصياع لعملية التسوية المزمعة. حيث تكون المعادلة هي أن تصلب "إسرائيل" سيواجه بأصولية إسلامية ترفع شعار: اجتثاث دولة يهود مسألة وقت! في مقابل معادلة أخرى تنص على عملية "سلمية" سياسية شاملة ترضخ فيها "إسرائيل" وتدخل فيها سوريا بالضرورة، يتبعها دفع حماس وحزب الله مختارتين أو مكرهتين إثرها للانخراط فيها بعد أن تُفرَض العناصر "المعتدلة" منهما لتمثيلهما، وإلا فكشف الغطاء السياسي والمالي عنهما والسماح لخصومهما بفرض إقصائهما وتحجيمهما.
من هنا فإنه يراد إنضاج الساحة الفلسطينية تماماً لقبول ما هو آت من مقررات يراد من الفصائل التوقيع عليها بلا تردد. وبالتالي فإن فشل لقاء عباس – مشعل في دمشق وتداعي الهدن تباعاً بين فتح وحماس وتهاوي محاولات التهدئة بينهما أمر متناغم مع ما يراد ايصال الوضع له. ولا يتوقع الوصول إلى نتائج مجدية في المفاوضات الفصائلية الفلسطينية لإعادة صياغة منظمة "التحرير" أو الوصول إلى اتفاق ما بين عباس-مشعل في مكة الثلاثاء القادم إلا إذا رافق ذلك تحقيق أمر ذي شأن على الصعيد الدولي بخصوص عملية التسوية. فالأطراف الفلسطينية مرتبطة حكماً بأجندة مموليها ومحتضنيها من أنظمة سياسية متعفنة ترهن مصالح شعوبها وقضاياها لدى الدول الكبرى لقاء بقائها حاكمة وصاحبة سلطة بغض النظر عن الثمن الذي يتوجب دفعه.
وفي هذا السياق ينبغي أن يتنبه أهلنا في فلسطين إلى أنهم سيُجرجرونَ على جثامين أبنائهم بواسطة إدارة أميركية مجرمة تفتش عن نجاح لها بأي شكل وبأية وسيلة بعد كل إخفاقاتها المتعاقبة محاولة إخراج بوش منتصراً في قضية القرن في منطقة الشرق الأوسط، ليولد جراء ذلك دولة فلسطينية تشكل ساتراً إضافياً لحماية "إسرائيل" فضلاً عن تحويلها لأداة عملية لدمج الأخيرة في المنطقة والسيطرة عليها.
على كلٍ فقد عودتنا الإدارة الأميركية الحالية، حتى وهي في أوج عافيتها، على فشلها الذريع في كافة مشاريعها التي نشدتها، فهل تحقق مأربها هذه المرة بينما تسير كالغراب الأعرج في العراق ويتساقط صقورها كأوراق الخريف في واشنطن، بينما تلاحقها هزائم انتخابات الكونغرس ويتنامى الغضب الشعبي الأميركي ضدها وتتسع دائرة الانتقاد لها من كبار السياسيين بما فيهم الجمهوريين، فيما يزال الملف النووي الإيراني متأزماً، ونجاد يصرح «علينا ان نتمنى ان تعم الفوضى بأي ثمن.. لنرى عظمة الله» والحرب على "الإرهاب" لا تبرح مكانها في أفغانستان بعد دخولها عامها السادس على التوال، فيما يغرق ساسة يهود في فضائح جنسية ومالية تفقدهم أهلية لعب دورٍ حاسم في تاريخ الصراع على أرض فلسطين!؟ الجواب صعب لكن العواصف عاتية وأمواج الحملة الأميركية هائجة جداً هذه المرة.



تعليق