حرب من طرف واحد
رامي الأمين ، الجمعة 9 أيار 2008




لا مناص من الإعتراف بأن الجيش اللبناني اثبت ضعفه في مواجهة "دولة حزب الله" والمنفصلة عن الجيش النظامي (بالمعنى الإنضباطي) التابع لهذا الحزب. فهذه الميليشيات كما أشارت تقارير صحافية عدة ليست من البنية العسكرية الأساسية للحزب. وهي بمعنى ما "زائدته" غير المنظمة، التي شكّلها من مجموعات الشبان الشيعة العاطلين عن العمل والأمل والذين يبحثون عن أي منفذ، لهذا أوجد لهم "حزب الله" ما يمكنهم عمله، وهو أن يتدربوا قليلاً على السلاح وينتشروا في احياء العاصمة ليعيثوا فيها تخريبًا وتقتيلا.
ولا مناص من الإعتراف أيضًا، أن هذه الميليشيات على قلّة تدريبها وخبرتها، وبسبب من توجيهها المركزي من القيادة العسكرية المباشرة لـ"حزب الله" تؤدي واجباتها المطلوبة منها على أكمل وجه، واستطاعت أن تثبت قوة لا مثيل لها في التعاطي مع شوارع بيروت وأحيائها. وهذا طرح أسئلة عدة حول التقارير التي لطالما كانت تبثها وسائل المعارضة حول تدريبات وتسلّح يقوم به تيار المستقبل وغيره من أحزاب السلطة. فهذه التقارير إما أن تكون كاذبة، وإما أن "تيار المستقبل" لم يظهر قوته الحقيقية بعد، ولا يريد بالتالي، على أغلب الظنّ، أن ينجرّ إلى مواجهات أهلية، طالما أن احتمالات الحلول لا تزال مطروحة. بيد أن المواجهات الميدانية في العاصمة أثبتت، بما لا يدعو للشك، أن تيار المستقبل لا يمتلك أسلحة ذات أهمية كما كان يدعي إعلام المعارضة، بل أن حتى الحراس الشخصيين للزعماء السياسيين في تيار المستقبل ليسوا مجهزين بالأسلحة المناسبة لمواجهة اقتحامات ومعارك من النوع الذي تخوضه "المعارضة". واللافت أن وسائل إعلام المعارضة تتباهى الآن بإستسلام عناصر "تيار المستقبل" وتسليمهم مراكزهم للجيش اللبناني، ولا تنتبه إلى أن هذا الأمر يدحض كل المزاعم التي كانت تخرج عن السنة المعارضين حول "ميليشياوية" أحزاب السلطة الذين تبين بعد التجربة أنهم حتى عاجزين عن تأمين أمن قياداتهم في أماكن سكنهم. فقريطم حيث قصر النائب سعد الحريري تعرضت للحصار وللقصف والقنص، والنائب وليد جنبلاط حوصر في كليمنصو، كما أن معظم النواب والوزراء التابعين للسلطة لم يعودوا متواجدين في العاصمة، بل غادروها إلى أماكن أكثر أمنًا.
إذاً، الجيش اللبناني أثبت ضعفه، كذلك ما يفترض أنهم بحسب إدعاء المعارضة "ميليشيات السلطة". القوة الوحيدة على الأرض هي قوة العنف والخراب التي تشيعها ميليشيات "حزب الله" و"أمل"، عبر اقتحامهم الأحياء السكنية الآمنة وترهيب السكان لطردهم من بيوتهم. غير أن المشكلة ها هنا تكمن في المقلب الآخر، وليس فقط في مقلب المعتدين والمخربين. لأن خطاب قوى الرابع عشر من آذار، وخطابات الأميركيين والفرنسيين إلى السعوديين والمصريين، لم يرتفع إلى مستوى المواجهة التي أعلنها نصرالله، عبر إسقاط "عذرية" سلاحه الداخلية، ليوجهه إلى الدولة ومسؤوليها، وليقلب النظام برشاشات وقذائف صاروخية. حيث أن قيادات 14 آذار وعلى رأسهم سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع، لم يواجهوا الكيل بالكيل والسنّ بالسنّ على قاعدة أن البادئ أظلم. بل يتعاطون بشيء من الحذر الشديد مع الدخول في المعركة التي تُفرض عليهم، ويبدون كأنهم يحاولون تفاديها بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن حصول "حزب الله" على مطالبه، وسيطرته على الحكم في البلاد. تكاد تبدو وكأنها معركة من طرف واحد على غرار الحبّ من طرف واحد، لكن مع فارق أن الذي يحب من طرف واحد يتعذب، فيما الذي يعلن الحرب من طرف واحد يأتينا بالعذاب والويل.
كان المطلوب من قيادات 14 آذار أن تكون أكثر حزمًا في التعاطي مع ميلشيات "حزب الله" الخارجة عن القانون والنظام، وألا تستجدي منها المعذرة وألا تفاوضها على ما يفترض أن تفاوض هي نفسها به. كما على وليد جنبلاط تحديدًا أن يكفّ عن اعتبار رئيس ميليشيا حركة "أمل" نبيه بري رجلاً للحوار والإنفتاح، فيما عناصر ميليشياته يطلقون القذائف في وسط العاصمة. لا حوار مع الميليشيات وقطاع الطرق. عندما يقرر كل من "أمل" و"حزب الله" أن يتحولا إلى حزبين سياسيين أعزلين، حينها يصير الحوار ممكنًا. أما الآن فهي الحرب!

رامي الأمين ، الجمعة 9 أيار 2008




لا مناص من الإعتراف بأن الجيش اللبناني اثبت ضعفه في مواجهة "دولة حزب الله" والمنفصلة عن الجيش النظامي (بالمعنى الإنضباطي) التابع لهذا الحزب. فهذه الميليشيات كما أشارت تقارير صحافية عدة ليست من البنية العسكرية الأساسية للحزب. وهي بمعنى ما "زائدته" غير المنظمة، التي شكّلها من مجموعات الشبان الشيعة العاطلين عن العمل والأمل والذين يبحثون عن أي منفذ، لهذا أوجد لهم "حزب الله" ما يمكنهم عمله، وهو أن يتدربوا قليلاً على السلاح وينتشروا في احياء العاصمة ليعيثوا فيها تخريبًا وتقتيلا.
ولا مناص من الإعتراف أيضًا، أن هذه الميليشيات على قلّة تدريبها وخبرتها، وبسبب من توجيهها المركزي من القيادة العسكرية المباشرة لـ"حزب الله" تؤدي واجباتها المطلوبة منها على أكمل وجه، واستطاعت أن تثبت قوة لا مثيل لها في التعاطي مع شوارع بيروت وأحيائها. وهذا طرح أسئلة عدة حول التقارير التي لطالما كانت تبثها وسائل المعارضة حول تدريبات وتسلّح يقوم به تيار المستقبل وغيره من أحزاب السلطة. فهذه التقارير إما أن تكون كاذبة، وإما أن "تيار المستقبل" لم يظهر قوته الحقيقية بعد، ولا يريد بالتالي، على أغلب الظنّ، أن ينجرّ إلى مواجهات أهلية، طالما أن احتمالات الحلول لا تزال مطروحة. بيد أن المواجهات الميدانية في العاصمة أثبتت، بما لا يدعو للشك، أن تيار المستقبل لا يمتلك أسلحة ذات أهمية كما كان يدعي إعلام المعارضة، بل أن حتى الحراس الشخصيين للزعماء السياسيين في تيار المستقبل ليسوا مجهزين بالأسلحة المناسبة لمواجهة اقتحامات ومعارك من النوع الذي تخوضه "المعارضة". واللافت أن وسائل إعلام المعارضة تتباهى الآن بإستسلام عناصر "تيار المستقبل" وتسليمهم مراكزهم للجيش اللبناني، ولا تنتبه إلى أن هذا الأمر يدحض كل المزاعم التي كانت تخرج عن السنة المعارضين حول "ميليشياوية" أحزاب السلطة الذين تبين بعد التجربة أنهم حتى عاجزين عن تأمين أمن قياداتهم في أماكن سكنهم. فقريطم حيث قصر النائب سعد الحريري تعرضت للحصار وللقصف والقنص، والنائب وليد جنبلاط حوصر في كليمنصو، كما أن معظم النواب والوزراء التابعين للسلطة لم يعودوا متواجدين في العاصمة، بل غادروها إلى أماكن أكثر أمنًا.
إذاً، الجيش اللبناني أثبت ضعفه، كذلك ما يفترض أنهم بحسب إدعاء المعارضة "ميليشيات السلطة". القوة الوحيدة على الأرض هي قوة العنف والخراب التي تشيعها ميليشيات "حزب الله" و"أمل"، عبر اقتحامهم الأحياء السكنية الآمنة وترهيب السكان لطردهم من بيوتهم. غير أن المشكلة ها هنا تكمن في المقلب الآخر، وليس فقط في مقلب المعتدين والمخربين. لأن خطاب قوى الرابع عشر من آذار، وخطابات الأميركيين والفرنسيين إلى السعوديين والمصريين، لم يرتفع إلى مستوى المواجهة التي أعلنها نصرالله، عبر إسقاط "عذرية" سلاحه الداخلية، ليوجهه إلى الدولة ومسؤوليها، وليقلب النظام برشاشات وقذائف صاروخية. حيث أن قيادات 14 آذار وعلى رأسهم سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع، لم يواجهوا الكيل بالكيل والسنّ بالسنّ على قاعدة أن البادئ أظلم. بل يتعاطون بشيء من الحذر الشديد مع الدخول في المعركة التي تُفرض عليهم، ويبدون كأنهم يحاولون تفاديها بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن حصول "حزب الله" على مطالبه، وسيطرته على الحكم في البلاد. تكاد تبدو وكأنها معركة من طرف واحد على غرار الحبّ من طرف واحد، لكن مع فارق أن الذي يحب من طرف واحد يتعذب، فيما الذي يعلن الحرب من طرف واحد يأتينا بالعذاب والويل.
كان المطلوب من قيادات 14 آذار أن تكون أكثر حزمًا في التعاطي مع ميلشيات "حزب الله" الخارجة عن القانون والنظام، وألا تستجدي منها المعذرة وألا تفاوضها على ما يفترض أن تفاوض هي نفسها به. كما على وليد جنبلاط تحديدًا أن يكفّ عن اعتبار رئيس ميليشيا حركة "أمل" نبيه بري رجلاً للحوار والإنفتاح، فيما عناصر ميليشياته يطلقون القذائف في وسط العاصمة. لا حوار مع الميليشيات وقطاع الطرق. عندما يقرر كل من "أمل" و"حزب الله" أن يتحولا إلى حزبين سياسيين أعزلين، حينها يصير الحوار ممكنًا. أما الآن فهي الحرب!

