التاريخ ملئ بالفتن , لا تختص به أمة دون اخرى ، ولا مجتمع دون آخر , وكل الفتن سوداء تؤدي الى سفك دماء حمراء ، وحين تقع , لا يكاد ينجو منها أحد , فمن لم يسفك دمه فربما قتل أحد اقربائه ، وقد يطاله التشريد أو خسارة الأملاك وحتى خسارة القيم النبيله ، وتؤدي لانحدار الأخلاق العامه , ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصه ) صدق الله العظيم ، وللفتن أسباب كثيره , كلها تتفق على أن الانسان له اجتهادات قد تصيب أو تخطئ ، وله أهواء وغرائز ومواقف تصور له ما لا يمكن تصوره أحيانا ، ولا يتفق مع عقل أو منطلق , وكل فتنة تحتاج لتحليل دقيق للوقوف على اسبابها . وقد يقع في الفتن من يعتبرون من الحكماء والعقلاء , وقد يكونون من السفهاء ضعاف النفوس ؟؟
لم تتأثر المسيرة الاسلاميه في تاريخها الطويل بحادثة انعكست سلبا عليها كما تأثرت بالفتنة التي وقعت ما بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ، والتي ما زالت آثارها تنعكس سلبا على المسلمين حتى يومنا هذا ؟؟ فكل الغزوات والحروب التي تعرض لها المسلمون في تاريخهم الطويل انتهت وتلاشت آثارها بزوال تلك الاحداث ، كما حدث في غزوات التتار والمغول والصليبيين ، وكذلك الحال بالنسبة للهجمة الصهيونيه والتي سوف يتم القضاء عليها عاجلا أم آجلا , اما آثار تلك الفتنة فما زالت تنخر في جسم الأمه ، وربما الى قيام الساعه اذا لم يتدارك حكماء وعقلاء الأمة الأمر , ان الخوض في تلك الفتنة يتطلب السير على اشواك , وفي طريق ملئ بالمطبات والانحناءات ؟؟ كما يحتاج لكثير من الجهد وكثير من التفاصيل , ولكن السؤال لماذا ‘ انه أمر فات وانقضى ؟؟؟
حتى نقف على ابواب الفتنه ولا نتعداها , لا بد أولا من التعريف بالرجلين ، فعلي كرم الله وجهه كان أول هاشم من أبوين هاشميين , فاجتمعت له خلاصة الصفات التي اشتهرت بها الأسرة الهاشمية الكريمه ، وهي في جملتها : النبل والكرم والشجاعة والمروءة والذكاء والفروسيه , عدا المأثور في سماتها الجسديه القويه , قبل ذلك كان صادقا ، لا يلجأ للمكائد والحيل حتى في الحروب , كما كان زاهدا في أمور الدنيا لأبعد الحدود , تربى في بيت النبوه , كان فارسا لديه من الشجاعة والقوة الجسديه ما جعله يتصدى الى " عمرو بن ود " ( وهو فارس الجزيرة العربيه ) ، ويصرعه في معركة الخندق ؟؟ , كما انه نام في فراش النبي عليه السلام يوم اجتمعت رجال القبائل لقتله ليلة الهجره , كما أنه فتح الحصن الذي استعصى فتحه على المسلمين في خيبر , وفوق كل هذا كان حليما حكيما فقيها أديبا ؟؟ فقد كان لا يرفع يده بالسيف قبل أن يبسطها للسلام ، وفي زمننا هذا لا نجد من يطعن في علي أو يقلل من قدره من جميع الطوائف والفرق الاسلاميه , فالكل يقر بصفات علي النبيله ، مع ان البعض يغالي في تلك الصفات ويتمادى في الحب الى حد التطرف , وينسج الاساطير من حوله , والتي لا تعني العاقل في شئ ---
أما معاويه ، فهو في محل جدال من بعض الأطراف التي ورثت الفتنه , وقد نال من التشويش والدس والافتراء الكثير , لا لشئ الا تعصبا لعلي بن ابي طالب رضي الله عنه ، فلو لم يختلف مع علي لما نال كل تلك الافتراءات ؟ وان كان التاريخ يقر بأن معاويه صحابي جليل , وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان كاتبا من كتاب الوحي , وروى عنه العديد من الصحابه أمثال ابن عباس وسعيد بن المسيب أحاديث صحيحه ، دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : ( اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به ) , نال شرف الجهاد تحت لواء الرسول عليه السلام ، فشهد حنين والطائف .
هو أول خلفاء بني أميه ، يصفه المؤرخ المسعودي بأنه يمتاز بالحلم والدهاء والفكر والرأي والحزم وحسن السياسة وادارة شؤون الدوله , ويقول عنه ابن تيميه : ( لم يكن من ملوك المسلمين ملك خير من معاويه اذا نسبت أيامه الى أيام من بعده ) ، ويقول عنه عبد الله بن عمر : ( كان معاوية من أحلم الناس ) , أول من انشأ اسطولا بحريا حارب فيه الروم وانتصر في كثير من المعارك في البر والبحر , وفتح الفتوحات وسير الجيوش في ولايته وخلافته ----
نخلص هنا الى ان كلا من علي ومعاويه رضي الله عنهما كانا من رجالات الاسلام العظام , ولكن للفتنه أسبابها التي خاض في شرحها وتحليلها الكثيرون , وكل يعطي وجهة نظره ، ويرى الموقف من زاويتة الخاصه ، ويبدي رأيه الذي قد يكون فيه انحيازا لأحد الطرفين ، أو اجتهادا قد يخطئ فيه أو يصيب , وهناك عوامل كثيره أدت الى الفتنه ، لكن يقول الكثيرون ممن وقفوا على اسبابها ، ان عليا قد اجتهد وأنه كان مصيبا في اجتهاده فله أجران ، وكذلك بالنسبة لمعاويه فقد اجتهد ولكنه أخطأ في اجتهاده ، فله أجر واحد والله أعلم بالنوايا ---
ان ما يهمنا هنا هو القول بأن تلك الفتنه وما خلفته من كوارث على المسلمين ، يجب أن تتوقف ، يجب ان لا ننقل صراعات الماضي الى الحاضر , ان السني لا يمكن ان يصبح شيعيا ، وان الشيعي لا يمكن ان يصبح سنيا ، فلماذا لا ندع تلك الفتنه خلف اظهرنا ، ونلتقي على كلمة التوحيد الذي لا اختلاف عليها ؟؟ فكل مسلم يؤمن باله واحد أحد ، وبكتاب منزل من رب العباد ، وبرسول جاء برسالة حق للعالم كله ، لماذا لا نقول : تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ؟؟ لماذا لا نرتقي فوق الفتن الطائفيه ، والتي يعلم كل منا أن فيها مقتل الأمه وأسباب ضعفها ؟؟ لماذا لا تتوقف الحملات الاعلاميه وما تولده من الكراهية واثارة الأحقاد من كلا الفريقين ؟؟ لماذا لا نحتكم الى عقولنا لا الى عواطفنا ، كما فعلت الدول الاوروبيه والتي دارت بينها حروب داميه ، وتختلف في كل شئ تقريبا الا الجيره ، فقد تحارب البروتستانت والكاثوليك ، ولكنهم في النهاية عادوا الى عقولهم وأقاموا دولة اوروبيه موحدة قويه ؟؟ لماذا لا نوجه كل طاقاتنا وامكانياتنا نحو أعدائنا الحقيقيين الذين يزرعون تلك الفتن بيننا ‘ ويدنسون مقدساتنا ويحتلون أرضنا , بل يسرقونها ليل نهار ، ونحن مشغولون بفتن طائفية لا تبقي ولا تذر ، حتى صرنا في مؤخرة العالم في جميع المجالات ؟؟




تعليق