من الأزمة الجورجية إلى الأزمة العالمية

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • يحي الجزائري
    عضو فعال
    • Oct 2007
    • 131

    #1

    من الأزمة الجورجية إلى الأزمة العالمية

    من الأزمة الجورجية إلى الأزمة العالمية ..النظام الدولي من القطبية الأحادية إلى التعددية القطبية

    بوزيدي يحي

    تسارعت الأحداث بعد الأزمة الجورجية بشكل كبير جعل من الرئيس الروسي مدفيديف يعتبرها نقطة انعطاف في ديناميكية النظام الدولي مشبها إياها بيوم الحادي عشر من سبتمبر وكانت نتائجها لصالح روسيا بشكل كامل حيث استطاعت فرض وجهة نظرها وإرادتها على الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واعترفت بإقليمي أبخاريا وأوسيتيا الجنوبية كدولتين
    الكثير من المحللين السياسيين ذهب إلى عدم قدرة روسيا في الصمود أمام أمريكا لإخلاف موازين القوى في مختلف المجالات إذ لا تكاد تساوي ميزانية روسيا المالية ميزانية كاليفورنيا لوحدها إضافة إلى وقوف الدول الأوربية إلى جانب جورجيا والمساعدات التي كانت تأتيها من الأوربيين والأمريكيين والاتفاق الذي تم بين بولندا وأمريكا كل هذه العوامل جعلتهم يقولون هذا لكن الجانب المهم الذي غفل عنه البعض هو البعد الجيو سياسي للأزمة فالنزاع كان في إقليم روسي وهو خط أحمر بالنسبة لأمنها القومي ولم يكن لروسيا خيارا آخر عدا المواجهة هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن روسيا تمتلك قوة تدميرية ولا يمكن لأمريكا ولا الدول الأوربية أن تدخل في مواجهة عسكرية معها قد تؤدي إلى تدمير الطرفين مهما كان حجم المصالح خاصة وأن الولايات المتحدة وأوربا في النهاية الأزمة لا تشكل خطرا على وجودها في حين هي كذلك بالنسبة لروسيا طبعا هناك عوامل عديدة إضافة إلى البعد الجيو سياسي للأزمة دفعت روسيا إلى الإقدام على تلك الخطوات لعل أبرزها التراجع الأمريكي وأسبابه متعددة ومترابطة فيما بينها لعل أبرزها ما أشار إليه الدكتور وليد عبد الحي في كتابه الدراسة المستقبلية في العلاقات الدولية إذ يقول : إن الفجوة بين الامتداد المتزايد للمصالح الأمريكية وبين القدرة على حمايتها سبب في أزمت تطورها إذ عرفت كافة الإمبراطوريات تراميا في حدودها ومصالحها إلى درجة أصبح معها حماية هذه الحدود أو المصالح يشكل عبئا يمثل المقدمة الأولى لدورة الانحسار الإمبراطوري
    ولو نظرنا إلى الإمبراطورية الأمريكية سنجد أن هذا الفارق بين الامتداد المصلحي وبين القدرة على حمايته ألقى بضلاله على الولايات المتحدة فقد ورثت هذه الدولة الإمبراطوريات ال*******ية القديمة وراحت توسع من نطاق مصالحها بشكل أصبح معه من العسير ضبط هذه المصالح في نطاق الحركة السياسية والاقتصادية إلا بالنفقات الباهظة وهذا ما تجلى في الحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق إذ كشف تقرير أمريكي أعدته لجنة رقابية في الكونغرس أن تكلفة ما يسمى الحرب على الإرهاب في العراق وأفغانستان قد تبلغ 2.4 تريليون دولار للأعوام العشرة المقبلة، مما يشير إلى الثمن الباهظ لهذه الحرب من جهة وإلى احتمال استمرارها لعقد آخر من الزمن.
    وقدر التقرير أن يكون القسم الأكبر من تلك الأموال مخصصاً لإبقاء 75 ألف جندي في مواقعهم حول العالم خلال الفترة ما بين 2013 و2017
    وقال بيتر أورزاغ، رئيس هيئة الموازنة في الكونغرس الأمريكي خلال شهادة أمام لجنة الموازنة النيابية إن المبلغ يشتمل أيضاً الفوائد المتوقعة، إذ أن العجز الأمريكي دفع واشنطن مؤخراً إلى تمويل حروبها عبر الاستدانة على نطاق واسع.
    ولفت أورزاغ إلى أن مبلغ الـ2.4 تريليون دولار لا يشمل الموازنة السنوية العادية لوزارة الدفاع، التي تبلغ 450 مليون دولار ،
    إضافة إلى هذه التكاليف فإن للولايات المتحدة مصالح حيوية في كل منطقة من مناطق العالم وأينما تكون مصالح تكون هناك تحديات لتلك المصالح والتحديات تكمن في قوى إقليمية صاعدة أو عائدة من جديد من الناحية الجيوسياسية فإن تلك المناطق تدخل ضمن إطارها الإقلامي وهذا ما تجلى في الأزمة الجورجية حيث يجمع كل المحللين أن الأزمة لها أبعاد دولية ولا يمكن أن تحصر في الإطار الجو رجي فهي أكبر من ذلك وهم يقصدون منطقة القوقاز والثروة النفطية هناك والخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة لضمان مصالحها هناك ومحاولة نشر الدرع الصاروخية هي تشكل خطر حقيقي على الأمن القومي الروسي لدا لاحظنا كيف كان ردهم حاسما ونجحت موسكو أخيرا في فرض رؤيتها ومواقفها عل أوربا وأمريكا خاصة الموقف الأوربي الذي من جهة تربطه مصالح اقتصادية كبيرة مع روسيا من جهة ومن جهة أخرى كشفت الحرب على ألعراق ضعف القوة الأمريكية وبعدها الأزمة المالية التي ضربت بالنظام المالي الأمريكي وانتقلت أثارها إلى أوروبا والعالم بأسره جعلت اوربا تعيد حساباتها بعدما وجدت نفسها مدخلا لأي مواجهة بين روسيا وأمريكا بدل أن تكون أمريكا هي التي تحميها من روسيا وهذا ما نبه عليه الباحثون الإستراتيجيون الأوربيون في الستينات من مسألة الأسلحة النووية التكتيكية أو الحرب النووية المحدودة فقد كان تخوفهم الأساسي من أنه إذا حدثت أزمة حقيقية قد لا تكون الولايات المتحدة مستعدة للدفاع أن أوربا بالأسلحة النووية وفي وقت أخر أصبح تخوفهم من أن تستعمل الولايات المتحدة الأسلحة النووية فعلا غير أن ذلك لا يدل كما يبدو من الوهلة الأولى على موقف متناقض فهم كانوا يريدون أن يقتنع القادة السوفييت ( روسيا حاليا ) في أول الأزمة وفي خلالها _وسطها_ أن أي اعتداء بالأسلحة التقليدية قد يقابل بضربة نووية مبكرة ولكن إذا حدث الهجوم فعلا بالأسلحة التقليدية فإن الأوربيون لا يحبذون الرد النووي بأي شكل ما لم يقتنعوا بأن استجابة نووية محدودة ستؤدي وبشكل سريع بخلق إحساس لدى الطرفين دون دمار أو بدمار قليل تسببه الأسلحة النووية وبمعنى آخر فإن الأوربيين يفضلون الاعتماد الكبير على الردع حتى لا يكون هناك حرب على الإطلاق و في الأزمة الجورجية ظهر جليا للأوربيين تصلب الموقف الروسي
    كما يجدر بنا هنا التذكير بإنفراد الولايات المتحدة الأمريكية شبه الكامل بالامتيازات الاقتصادية في العراق وحرمان الأوربيين خاصة فرنسا وألمانيا بإقصاء الشركات التابعة لهما ولعل نقطة الضعف في شبكة علاقات الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى الدولي هو أن حلفاءها العسكريين هم أشد منافسيها الاقتصاديين وهو الأمر الذي يخلق نوعا من الإرباك فاستمرار الالتزام بحماية الحلفاء يعزز من قدرتهم في مجال التنافس الاقتصادي والتخلي عنهم يكون له عواقب إستراتيجية باهظة هذا ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تفضل بالالتزام بحمايته على اعتبار أن كلا المسارين مكلف بالنسبة لها
    وهناك سبب آخر كان له الأثر الكبير على مصداقية الولايات المتحدة داخليا ومع المجتمع الدولي وهو يتمثل في الكيفية التي تستخدم فيها القوة لا سيما الجوانب الأخلاقية لاستخدام الأسلحة حيث كان يرفض جورج كينان الذي كان سفيرا للولايات المتحدة الأمريكية في الإتحاد السوفيتي ويوغسلافيا مفهوم العلاقات الدولية الذي يؤدي بدولة معينة لاعتبار أهدافها أهدافا أخلاقية في حين تعتبر أهداف خصومها غير أخلاقية ، فالحرب التي تعلن باسم المبادئ الأخلاقية العليا تكون نهايتها شكلا من أشكال الهيمنة التامة ، ومن هنا فإن إقحام المبادئ الأخلاقية يؤدي إلى السعي لتحقيق أهداف لا حدود لها وفرض الاستسلام غير المشروط على الدولة المنهزمة ..الخ .
    و باختصار فإن العمل على تحقيق المبادئ الأخلاقية أمر غير منسجم مع العمل على تحقيق أهداف محددة بشكل رئيسي للسياسة الخارجية
    وهذا بالضبط ما حدث في حرب السويس سنة 1956 بين فرنسا وبريطانيا من جهة ومصر من جهة أخرى حيث حاربت القوات الفرنسية والبريطانية من دون أي غطاء قانوني وأخلاقي وما يحدث في العراق التي أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب عليها دون موافقة الأمم المتحدة ومع اعتراض العديد من الدول وحتى الحرب على أفغانستان التي كانت بإجماع دولي فإن الممارسات الأمريكية وحلف الناتو من قصف يستهدف المدنيين وقضية سجن غوانتا نامو وفضيحة أبو غريب والدمار الذي لحق بالعراق وأفغانستان دون تحقيق أي هدف جعل المجتمع الدولي عموما ينتقد الولايات المتحدة وعلى المستوى الشعبي فإن أي بلد يزوره الرئيس الأمريكي بوش الابن تخرج فيه المظاهرات المنددة بالإدارة الأمريكية وسياستها الخارجية ما دفع الولايات المتحدة مثلا إلى استحداث هيئة لتحسين صورة أمريكا في الوطن العربي وفشلها في هذه المهمة وعلى المستوى الداخلي فإن شعبية الرئيس بوش في نزول مستمر وبعض استطلاعات الرأي قالت بأنه أسوء رئيس أمريكي كما أن ملف العراق له تأثير كبير على الحملة الانتخابية فسيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيخ وتوظيفهم لحرب العراق في حملتهم الانتخابية دليل على ذلك .
    كما نشير إلى الدعوات الأوربية للحوار مع حركة طالبان واعتراف العديد من القادة العسكريين هناك باستحالة القضاء على الحركة وعلى العكس من ذلك فإنهم يعترفون بتنامي قوتها وشعبيتها وتوسيع مناطق نفوذها بسبب ( أخطائهم في قتل المدنيين) ما اعتبرته الولايات المتحدة تصريحات انهزامية كل هذه مؤشرات على تراجع الدور الأمريكي وزوال القطبية الأحادية .
    لتأتي الأزمة المالية وتقضي على ما تبقى من مظاهر القوة والهيمنة الأمريكية وهو القوة الاقتصادية والنظام المالي الأمريكي فبعدما حصل في البورصة الأمريكية انتقلت الأزمة لتشمل جميع أنحاء العلم حيث تكبدت بورصات العالم وفي وقت قياسي خسائر بمليارات الدولارات ما دفع بالكثير من الدول إلى مراجعة ارتباطها بالدولار
    والمطالب الروسية والفرنسية في مؤتمر إيفيان لسياسة الدولية بإعادة النظر في النظام الاقتصادي والمالي العلمي حيث انتقد الرئيس الروسي الولايات المتحدة وأرجع ما يجري على انه نتيجة لسياسة الحلف الأطلسي وهيمنة النظام الأحادي الذي وصفه بأنه غير قادر غير مناسب لحل الأزمات الدولية وهو نفس الشيء الذي ذهب إليه الرئيس الفرنسي حيث اقترح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عقد مؤتمر قمة في إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا قبل نهاية عام 2009 لبحث مقترحات بشأن تصور مستقبلي جديد للأمن الأوروبي. وأكد ميدفيديف في كلمته أن جميع المشاكل الاقتصادية الحالية تحمل طابعا عالميا، ولهذا تقترح روسيا لحلها تغيير هيكلية النظام المالي العالمي، وإعادة النظر في دور المؤسسات المالية الحالية وإنشاء أخرى جديدة كفيلة بضمان الاستقرار الاقتصادي في العالم.
    وأشار إلى أنه لا يمكن ضمان استقرار الاقتصاد العالمي بجهود مجموعة الدول الثماني الكبرى فقط، مؤكدا على ضرورة إشراك دول ذات اقتصاديات كبيرة في هذه المهمة كالصين والهند والبرازيل والمكسيك وجمهورية جنوب أفريقيا.
    هذه المعطيات وغيرها تؤكد ما ذهبنا إليه من البداية وهو أن الأزمة الجورجية والأزمة المالية العالمية كانتا نقطة انعطاف في مسار ديناميكية النظام العالمي من القطبية الأحادية إلى التعددية القطبية
    تجدر الإشارة في الأخير إلى أن الدعوات إلى عقد مؤتمر دولي خارج إطار الأمم المتحدة وتهميش دورها في هذه الأزمات مؤشر على تراجع دور الأمم المتحدة وفقدانها لمبررات وجودها وهذا ليس وليد اليوم وإنما كان مع اختراع الأسلحة النووية وانتشارها بين قوى المعسكرين في السابق حيث يقول الدكتور وليد عبد الحي في كتابه تأثير التكنولوجيا على العلاقات الدولية أن هذا خلق ما يمكن تسميته سلام الرعب النووي أي أن الميكانيزم التكنولوجي سلب الأمم المتحدة مبرر وجودها فالسلام الذي كان قائم بين القوتين هو نتاج توازن الرعب وليس نتاج الالتزام بمواثيق الأمم المتحدة ، فالتوجهات السلبية للقوى الكبرى تجاه الأمم المتحدة لعل أبرزها قيام الولايات المتحدة بغزو العراق دون حصولها على موافقة من الأمم المتحدة وعدم لجوء روسيا إليها في حل الأزمة الجورجية والضغط الممارس عليها من طرف الولايات المتحدة وتسييس المساعدات الإنسانية التي تتم تحت غطائها وتدخلها في الأزمات الهامشية فقط وبتأثير جلي للقوى الكبرى كلها مؤشرات على تراجع هذه الهيئة مستقبلا وحسم الأقطاب لخلافاتهم خارجها بعقد مؤتمرات ومعاهدات .

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...