علّمتنا غزّة !!
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد :
فبعد ثلاثة أسابيع من الحرب المجنونة على مسلمي غزة الصامدين ، وإن شئت فقل : على مستضعفيها من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً ، تراكمت جثثهم لتتجاوز الألف ومائة ، ونزفت دماء جرحاهم لتتجاوز الخمسة آلاف ومائة ، وكلما مرّ يوم قيل: هو الأعنف منذ بدء الحرب !
حربٌ مجنونة قذرة استُعملت فيها كل آلات الحرب والدمار ، التي تبيد الأخضر واليابس، وتفتك بالحجر والشجر قبل الإنسان ، ويستوي في الاصطلاء بنارها الأحياء وموتى المقابر!
حربٌ ضروسٌ كالرّحى تطحن وتُبيد ، حَجَراها : جيش بني صهيون العرمرم ، بطائراته ودبّاباته ، وقاصفاته ومنجزراته ، وقنابله الحارقة والفوسفورية والمرتجّة !
وحَبُّها المطحون : بنو الإسلام في غزّة ، الصامدون رغم الخذلان ، الثابتون رغم البطش ، الكِبار حقاً في زمن الذُّل والصَّغار!
حربٌ تبدّى فيها عُوار الكفر اللعين ، وطفح فيها حقده الدفين ، وقامت بها الحجة على المسلمين !
حربٌ مجنونة .. عمياء صلعاء شوهاء ، يقودها أحفاد القردة والخنازير من اليهود ، ويُمدهم في الغيّ أحلافهم عُبّاد الصليب من النصارى ، ويشاركهم العالم أجمع بصمته وخذلانه !!
أسابيع ثلاثة من الحرب والقصف والحرق والدمار ...
أسابيع ثلاثة من خزي حضارة الغرب الزائفة ...
أسابيع ثلاثة من ذلّ أمتنا المستضعفة !
ولكنها كانت – بالمقابل - أسابيع ثلاثة من حماس الإسلام ، وقوة ثباته ، ورباطة جأشه ، وعظيم مقاومته وصبره ، وصدق جهاده وتوكله ، لتلك الفئة القليلة والثلة المؤمنة في غزة الصامدة !
وكلما توالت الأيام ، وتتابع القصف والقتل ، وتزايَدَ البطش والعدوان ، كلما زادت قوة عزائمهم ، وتضاعَف عدد شهدائهم ، وبلغت نفوسهم المنتهى في الإصرار والمضيّ في درب الجهاد ، فإما النصر ... وإما الاستشهاد !
إنها بحق دروسٌ بليغةٌ للأمة في المبادئ والثوابت وسنن الله في الكون ، تلك التي تحملها مدرسة غزّة ، ولم تزل في جهادها القويّ ، وعزمها الأبيّ ، مدرسةً شامخة الطود ، راسخة البنيان .
علّمتنا غزّة : أن الأمّة رغم نخر كيانها وتصدّع بنيانها وتغلغل ضعفها في مفاصل الجسد ، إلا أنها حية بعدُ لم تمت ! وأنه لم يزل بعدُ في الأمة من بقايا الإيمان الصادق ما يبعث فيها الحياة من جديد ، ومهما بدا للناظر أن بنيان الأمة آيلٌ للسقوط ، وأنها على حافة الهاوية التي ستكون مقبرتها للأبد ، تعود فيها مواقف القوة والثبات والصدق في الاستمساك بعرى الدين ، وجريان دمائه في عروق الأمة الخالدة بهذا الدين وبكتابه المبين !
وذلك مصداق وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهُمْ كذلك "، أخرجه مسلم عن ثوبان ، وعند الحاكم من رواية عمر بلفظ : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ".
وعند البيهقي وابن حبان بسند صحيح : " لا تزال طائفة من أمتي منصورين ، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة ".
علمتنا غزّة : أن بقاء الأمة وعزّها بين الأمم مرتهن بإحياء شعيرة الجهاد في سبيل الله ، فهو ذروة سنام الإسلام ، فهل يُرتقى العزّ بسلالم الذلّ والهوان ؟ وقد قال الله في كتابه :"بشّر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً ".
وقد صرّحت أحاديث الطائفة المنصورة أنّ نصرَ الله لها إنما هو لرفعها راية الجهاد في سبيل الله ، تكفّ به بغي البغاة وعدوان المعتدين ، وتحفظ به عزّها وكرامتها بين العالمين ، فقد أخرج مسلم عن عقبة بن عامر: " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ، قاهرين لعدوهم ، لا يضرهم من خالفهم ، حتى تأتيهم الساعة وهُمْ كذلك " ، وفي حديث عمران بن حصين عند أحمد وأبي داود والحاكم بسند صحيح : " حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال ".
فالجهاد سنة ماضية ، وشعيرة باقية ، يقيّض الله له فئة من هذه الأمة التي لا ينطفئ فتيلها إلى يوم القيامة ، وفي الأحاديث إشارة إلى أن نصر الله لا يزال مدداً لهم مهما خذلهم وخالفهم آخرون !!
علمتنا غزّة : أنه لن تنتهي بيننا لُغة: ( لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) ، حتى نرفع فينا شعار: ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) !
ويوم بدر إذ هزئ المنافقون بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر لملاقاة ألف من كفار قريش ، رصد القرآن سخريتهم فقال سبحانه : " إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم " ، فجاء الجواب : " ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ".
علمتنا غزّة : أن القيامَ بتكاليف الدين ، وتحمّلَ أعبائه ، وتربيةَ النفوس على الطاعة وصدقِ الاستمساك بأحكام الشريعة خطوةٌ أساس لتحمل مشقة التضحية والفداء ، ومهما عجزت النفوس عن التخلص من أسر الشهوة ، والانعتاق من رقّ الهوى ، فإنها عن بذل النفس والنفيس فداءً لدين الله أشد عجزاً !
ومتى وصلت قلوب المؤمنين إلى مرحلة الصبر والمصابرة على تكاليف الدين ، وزجر النفس عن أهوائها ، والاستعلاء على رغباتها ؛ قويت بإذن ربها على هزيمة عدوها ، وذلكم سر اختبار طالوت لجنوده لما مرّوا بالنهر وهم عطاش ، فقال لهم مختبراً لهم: ( إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده ) فكانت النتيجة ما قصه القرآن: ( فشربوا منه إلا قليلاً منهم )، وكانت الفئة القليلة الصابرة على العطش والامتحان مستحقةً للنصر بإذن الله : ( فهزموهم بإذن الله .. ) .
علمتنا غزّة : أن رفضَ التعلق بالدنيا ووطءَ حُبها تحت الأقدام هي الخطوة الأولى نحو دروب العزّ والسيادة وحياة الكرامة ، لأنه يتمحض عندئذ تحقيق العبودية لله رب العالمين، وهي بوابة العزّ اليتيمة .
فما قويت قلوب الرجال ، ولا سمت عزائم الأحرار ، ولا استروحت أرواح الكرام بمثل التخلّص من حبّ الدنيا والانعتاق من أسرها ، فلا شيء ينازع القلب حبه وتعلقه – حينئذ - سوى رضا الملك الديّان !
وحين عاشت غزة حصار العشرين شهراً قبل الحرب في جوع وفقر ومهلكة ، نزعت من قلبها التعلق بالدنيا الذابلة ، فكانت بذلك في أوج تحرّرها تحلق في سماء العز والبطولة .
علمتنا غزّة : أنه حين تُغلق كل الأبواب ، وتنقطع بالعبد الأسباب ، ويُحكَم الحصار، وتضيق بأصحابها الحِيَل ؛ أنّ ثمّت باباً لم يزل مفتوحاً هو باب السماء ، لا يقوى بشرٌ على إغلاقه مهما أوتي من أسباب القوة والمنعة ، فمن أحسن طرقه بالدعاء وصدق التضرع والإلحاح في الاستنصار بذي الملك والملكوت ، تنَزّل عليه النصر الإلهي من أوسع أبوابه : ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) .
علمتنا غزّة : أن مواطن الابتلاء محكُّ تمييزٍ وتمحيص ، وأن مواقف الجهاد من أعظم مواطن الابتلاء التي يجري فيها التمحيص، كما قال الله في غزوة أحد : ( وليمحّص الله الذين آمنوا ) ، فتتميز المواقف ، وتسقط الأقنعة ، وتنكشف سوءة الكفر والنفاق والخيانة ، وتلك حكمة نصّ عليها القرآن في غزوة أحد : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) ، وفي غزوة بدر قال الله أيضاً : ( ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون ) ، نعم ... خسروا دنياهم بانكشاف مواقفهم ، وخسروا أخراهم بتراكمهم جميعاً في جهنم ... عياذاً بالله !!
علمتنا غزّة : أن الرضا بالذلّ والسكوتَ على الاستضعاف يجرّ إلى ذلٍّ أمرّ منه ، واستضعافٍ أخزى من سابقه ، فسكوتنا عن حصارهم الظالم نحواً من سنتين دون حراك ، جرّ إلى الفاجعة التي نشهدها ، وايم الله .. إن سكوتنا ورضانا بما يجري ليجرّنا إلى ذلٍ أمرّ منه وأخزى ، إن لم يتداركنا الله بلطفه ورحمته !
علمتنا غزّة : أن الناس كلهم يموتون: ( كل نفس ذائقة الموت ) ، ولكن ليس كلهم يُستشهدون، فإن الله قال: ( وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ) ، فالموت منتهى كل أحد ، وكلنا سيفارق الحياة ، ولكن شتان بين من يموت شهيداً تُزف إليه عروسه من الحور العين ، لا يجد من ألم الموت إلا مثل قرص البعوض ، وبين من يموت على فراشه ينازع خروج الروح ويعاين سكرات الموت .
ونحسب أن من قُتل من إخوتنا بغزّة جمعوا أنواعاً من الشهادة في سبيل الله ، ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي: ( ومن قُتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد ) ، وفي رواية: ( والذي يموت تحت الهدم شهيد ) .
علمتنا غزّة : أن الحريّة الحقيقية هي مِلكُ من يعيش حياته أبياً كريم النفس ، ينال عزته بيديه ، لا يستسلم لذلٍ ولا يرضى بهوان ، وإن حُبس في سجن أو حصار ، وأن الحصار الحقيقيّ هو حصار الجبن والخوف والهوان الذي يلفّ حياة غيرهم ، وإن عاش طليقاً يتقلب في عيش رغيد !
علمتنا غزّة : أن الصراع بين الحق والباطل قائم إلى قيام الساعة ، والله قد قال في كتابه: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) ، فالسعي خلف سلام الكفر سراب، ومن ظن أن حِلفاً أو قراراً سيقف بمركب الأمة في شطآن السلام مع أعدائهم فقد وَهِم ، كيف وفي كتاب الله : ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملتهم ) ؟ وفي كتاب الله : ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) .
علمتنا غزّة : أن دماء شهدائهم وجرحاهم لم يذهب سُدى ، وأنه اليوم قد استحال مداداً تُكتب به صفحات التاريخ من جديد ، تُسجل فيه مواقف الصامدين والصامتين ، والثابتين والشامتين على حدٍ سواء !!
علمتنا غزّة : أن البلاء مهما عظُم لن يكون شراً محضاًً ، وأن الله - لرحمته ولطفه - لن يكتب على هذه الأمة المحمدية بلاءً يستأصل خضراءها ويبيدها عن آخرها ، فكم في طيات المحن من منح ، وكم في ثنايا البلايا من العطايا !!
وحسبنا أن دماء أهل غزة قد أحيت أمةً عريضةً اليوم بحجم أمة الإسلام ، فتدفق فيها من جديد دماء الإيمان ، وذكت فيها جذوة الولاء و البراء التي كانت خامدة .
إن أمّةً تحيا بموت آخرين منها ، أمةٌ تأبى الذَّوبان ، أمةٌ عصيّة على العدو مهما بلغ ، وهي الجديرة بالتمكين والاستخلاف ، طال الزمان أم قصر ، " والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ".
علمتنا غزّة : أن اليهود أمة حقيرة جبانة ، كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ، وليس يعدوهم وصف الله لهم : ( لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرىً محصّنة أو من وراء جدر .. )
علمتنا غزّة : أن الثبات والبطولة إنما تخرج من رحم المأساة والقهر ، أما الترف والدعة وحياة الرغد فلا تنتج إلا الخَوَر والانهزام !
علمتنا غزّة : أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها !
علمتنا غزّة : أن الناس من خوف الذلّ في ذلّ ، ومن خوف الفقر في فقر !
علمتنا غزّة : أن الدعاء سلاح المؤمن الأقوى في حربه مع العدو ، وأن اللجوء إلى الله واستنـزال النصر من عنده هو الركن الشديد الذي تأوي إليه الأمة في جهادها المرير مع أعدائها ، وأن القلوب الصادقة في اللقاء ، والدعوات الخالصة التي ترفع إلى السماء هي العسكر الذي لا يُغلب .
فإذا أذِن المولى بنصره أن يتنـزل ، تحققت الكرامات ، ورأيت خوارق العادات ، وتسخير الله لما شاء من جنده من ملائكة السماء ، وماء المطر ، والرياح والصواعق ، وسواها كثير ، " وما يعلم جنود ربك إلا هو " .
تلكم دروس علّمتناها غزّة العزّ والمجد والشموخ ، وإن مدرستها لم تزل فياضة بأروع الدروس والعبر ، وفيها سوى المسطور هنا كثير وكثير .
وصلى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ،،،
د. حسن بن عبدالحميد بخاري
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى



تعليق