السلفية المصرية .. بين (الوهابية) و(الألبانية)
بقلم: عمر غازي
يلعب المعارضون والمتخوفون من الفكر السلفي في مصر على وتر ما يسمى بـ(المنهج المستورد) و(الوهابية السعودية) فهم يريدون إسقاط السلفية أو كما يسمونها (الوهابية) من منطلق أنها منهج متشدد دخيل مصطنع لا يمثل الإسلام الحقيقي، ولم تعرفه مصر سوى عن طريق بضع رجال ذهبوا للسعودية وأغرتهم أموال النفط فعادوا لنشر هذا المذهب الجديد.
وربما ساهمت الخلفية التاريخية بشكل مباشر في ذلك وذلك نظرا لمشاركة مصر عبر واليها العثماني محمد علي باشافي اسقاط الدولة السعودية الأولى التي قامت على التحالف مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث قاد نجله إبراهيم باشا حمله إلى وسط الجزيرة العربية استطاعت الوصول إلى الدرعية عاصمة الدولة واسقاط حكم آل سعود.
وكانت بداية الحملة عندما عين محمد على باشا ابنه إبراهيم باشا قائدا للحملة المصرية ضد آل سعود والتي جرت بين 1816م و1819م، خاض خلالها معارك ضارية في نجد خصوصا في الرس وشقراء وضرماء والدرعية أسفرت عن احتلال الدرعية عاصمة الدولة السعودية، وحصول إبراهيم باشا على مكافأة بتعيينه والياً على مكة.
أيضا صعود التيار السلفي وتهميش دور الأزهر كان عاملا رئيسيا في الهجوم على السلفيين ومحاربتهم سيما بعد إحساس الكثير من علماء الأزهر بغياب دورهم مقارنة بأقرانهم السلفيين الذين لا ينتسبون لتلك المؤسسة الدينية العريقة، ومما يعزز فكرة استيراد المنهج السلفي من الخارج حرص مشايخ السلفية على ارتداء الزي الشعبي السعودي المتمثل في (الغترة) أو (الشماغ) مما يوحي لدى البعض أن هذا المنهج وافد من الخارج كزي أصحابه.
والحقيقة أن السلفية لها جذور قديمة في مصر المعاصرة، كان على رأس الذين حملوا تلك الراية في وقت مبكر الشيخ محمد رشيد رضا (1865ـ 1935) وهو أحد رواد الإصلاح الذين ظهروا مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وكذلك صاحب المطبعة السلفية، الدمشقي الأصل محب الدين الخطيب (1886ـ 1969) ومن بين رواد السلفية الأوائل أيضا المُحدث الشيخ أحمد شاكر (1892ـ 1958).
ولم يكن في هذا الوقت قد حدث احتكاك مباشر بين المدرسة السلفية المصرية ونظيرتها السعودية وحتى عندما أسس الشيخ محمد حامد الفقي جماعة أنصار السنة المحمدية في عام 1926م لم يكن قد ذهب إلى نجد أو التقى باتباع بن عبد الوهاب أو حتى وصلت كتبهم إلى مصر ولم تكن الدولة السعودية الحديثة قد أسست ولم يكن اكتشف النفط بعد حتى يحصل على عقد عمل هناك أو يقوم السعوديين بتمويله.
ولذا كان دفاع الشيخ رشيد رضا عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية وقت اشتد فيه الهجوم عليه في ظل حداثة عهد المصريين بالحملة التي قادها إبراهيم باشا بن محمد علي للقضاء على الدعوة الوهابية ، كان من منطلق التوافق الفكري والأصل الواحد الذي ينتميان إليه مما يعزز الرأي القائل بأن الشيخ بن عبد الوهاب لم يأت بجديد في الفكر السلفي وإنما قام بدعوة تهدف إلى نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة الخالية من البدع والشوائب .
يقول الأستاذ علي عبد العال الصحفي -المتخصص في السلفية-: نشر رضا عددا من المقالات في صحيفة "الأهرام" ومجلة "المنار" جمعها في كتابه "الوهابيون والحجاز"، وفي مقدمة الكتاب يعرف رشيد رضا محمد بن عبد الوهاب وتلامذته بأنهم: "سنيون متمسكون بمذهب السلف في العقائد, وبمذهب الإمام أحمد بن حنبل في الفروع, وأنهم أشد شعوب المسلمين في هذا العصر إتباعاً, وأبعدهم عن الابتداع وارتكاب المعاصي". ثم يذَكَر المناوئين لهم بالقول: "إنما أرادوا أن يَسْلِبوا أهل نجد مثل هذا الدفاع عن أنفسهم فسلبوهم اسم الحنابلة وسَمَّوهم (الوهابية)، وإلا فليأتوا بمسألة واحدة مما عليه جمهور أهل نجد لا أصل لها في الكتاب والسنة ولا في كتب مذهب الإمام أحمد بن حنبل".ا.هـ
وثمة حقيقة أخرى لا يجب إغفالها وهي أن السلفية السائدة حاليا في مصر في مجملها (ألبانية) متأثرة بمحدث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وهو ما أوضحته ثورة 25 يناير، وذلك أن العلاقة بولي الأمر في الفكر الوهابي تختلف عن سائر التيارات السلفية الأخرى التي تتفق كلها على وجوب السمع والطاعة وتحرم الخروج على الحاكم بكافة صوره وأشكاله لكن الوهابية تتحاشى حتى التعرض لانتقاد سياسات الحاكم على الملأ ويمكن عزو ذلك لطبيعة التحالف السياسي التي قامت عليه الدولة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ففكرة الاعتراض على ولي الأمر على الملأ معدومة فدائما المؤسسة الدينية الرسمية على وفاق مع الحكومة ومستندها في ذلك مراعاة المصالح والمفاسد، وأن المملكة تطبق الشريعة الإسلامية وللحاكم فيها بيعة شرعية، ناهيك عن منع النظام للتعددية السياسية أو إنشاء الأحزاب أو التظاهر وهو ما تراه المؤسسة الدينية حقا أصيلا للحكام ومعارضته خروج محرم على ولي الأمر، وأن الطريقة الوحيدة الصحيحة هي النصح السري، ولذلك طيلة عقود طويلة لم تسجل أي معارضة علنية سوى واقعة انتقاد عضو هيئة كبار العلماء الشيخ سعد الشثري للاختلاط بين الجنسين في جامعة (كاوست) على الهواء مباشرة في قناة فضائية وهو الأمر الذي تسبب في إقالته بعدها بأيام.
ولقد رأينا محاولات على استحياء من قبل بعض الدعاة السلفيين لتطبيق هذا المنهج في مصر إبان انطلاق الثورة المصرية وقبلها عندما حاول المعارض محمد البرادعي إحداث تغيير سياسي في مصر والتصدي لمشروع التوريث الرئاسي ومن ذلك ما قام به رئيس جماعة أنصار السنة السابق بدمنهور الشيخ محمود لطفي عامر بإصداره فتوى تهدر دم البرادعي لدعوته لعصيان مدني بوصفه خارجا على ولي الأمر الواجب طاعته تبعها فتوى مشابهة في حق رئيس اتحاد علماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي وقبلهما فتوى تجيز التوريث لنجل الرئيس.
وعلى نفس المنوال أتت فتاوى وتصريحات مثيرة للشيخ أسامة القوصي الذي ظل طيلة أحداث الثورة يدعو للرئيس مبارك في دروسه العلمية وعلى المنابر، وحتى بعض نجاح الثورة وإسقاط الرئيس وبيان فساد النظام السابق للجميع ظل الشيخ محمود عامر يعلن رفضه للثورة ومعارضته لها وثباته على موقفه.
أما السلفية الألبانية وهي السائدة في مصر حاليا فهي ذات أبعاد سياسية ضاربة بأطنابها حتى الجذور، بحسب الباحث السعودي يوسف الديني حيث يقول: لقد كانت دعوة الألباني إذن ذات أبعاد سياسية ضاربة بأطنابها حتى الجذور في خيام السلفية المعاصرة، وإن كانت تقول إنها لا تمارس العمل السياسي، فالممارسة غير الرؤية السياسية كما هو معلوم، ولعل تأمل مواقف الألباني وفتاواه في الأحداث السياسية يؤكد طغيان تلك الرؤية الإحيائية وشمولها".
ويقول في موضع آخر: "لكن التغيير وفق الرؤية الألبانية لا ينطلق من الهرم السياسي بل يتم بشكل تدريجي عبر تغيير "القاعدة الشعبية" وتصورها وتمثلها للإسلام السلفي... ويضيف: يرى الألباني أن الأولوية لتغيير واقع المسلمين تأتي من تمثل شعار "التصفية والتربية" .. إلى أن قال: ومن هنا يؤكد الألباني أن دعوته ليست سياسية، وعبارته الأثيرة هي: "من السياسة اليوم ترك السياسة" مع أن التخلي عن الشعارات السياسية كموقف نقدي لجماعات الإسلام السياسي، التي عرفها الألباني جيدا وفي مقدمتها جماعة الإخوان وهو موقف سياسي بامتياز لأنه يسعى إلى التغيير عبر البناء التحتي، وهو القاعدة المكونة للرأي العام، فالألباني يؤكد أيضا في سياقات أخرى أن السياسة جزء مهم من الإسلام، لكن الاشتغال بالسياسة قبل التصفية والتربية يعطي نتائج كارثية، وهو يضع نصب عينيه مسألة الموازنات بين القوة والضعف" ا. هـ.
وإذا ما تأملنا واقع السلفية في مصر في العهد السابق وجدناها لم تخرج في الغالب عن رؤية الألباني المتمثلة في الاتجاه إلى الدعوة ونشر العقيدة الإسلامية ونبذ البدع والخرافات ومثلت جماعة أنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب السنة هذا الاتجاه بوضوح، فيما تميز مشايخ الدعوة السلفية والتي تتخذ من الإسكندرية مقرا لها بالتغلغل في الواقع السياسي بالنقد والتحليل والدراسة ويظهر ذلك من كتابات الشيخ عبد المنعم الشحات المتحدث الرسمي لها حاليا قبل الثورة وكذلك محاضرات الشيخ ياسر برهامي وفتاواه الكثيرة ومعه الشيخ محمد إسماعيل المقدم، لكن المشروع السياسي ظل مؤجلا للأولويات السابقة لعدم تهيئة المناخ لممارسة هذا الحق لا لتحريم المشاركة بشكل قاطع ودائم كما يظن البعض، وهذا لا يتنافى مع رفض بعض تلك التيارات ورموزها المظاهرات لأن ذلك عائد من خشيتهم على حدو مفاسد أكثر من الحاصلة فعلا كما في النموذج الليبي اليوم.
خلاصة القول،، إن حصر السلفية المصرية في الوهابية خطأ فادح، وأن الهجوم على السلفية من جهة انتهازيها السياسية يدل على قصور وجهل واضح في فهم ودراسة هذا التيار.
المصدر: موقع (مركز الدين والسياسة للدراسات)
بقلم: عمر غازي
يلعب المعارضون والمتخوفون من الفكر السلفي في مصر على وتر ما يسمى بـ(المنهج المستورد) و(الوهابية السعودية) فهم يريدون إسقاط السلفية أو كما يسمونها (الوهابية) من منطلق أنها منهج متشدد دخيل مصطنع لا يمثل الإسلام الحقيقي، ولم تعرفه مصر سوى عن طريق بضع رجال ذهبوا للسعودية وأغرتهم أموال النفط فعادوا لنشر هذا المذهب الجديد.
وربما ساهمت الخلفية التاريخية بشكل مباشر في ذلك وذلك نظرا لمشاركة مصر عبر واليها العثماني محمد علي باشافي اسقاط الدولة السعودية الأولى التي قامت على التحالف مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث قاد نجله إبراهيم باشا حمله إلى وسط الجزيرة العربية استطاعت الوصول إلى الدرعية عاصمة الدولة واسقاط حكم آل سعود.
وكانت بداية الحملة عندما عين محمد على باشا ابنه إبراهيم باشا قائدا للحملة المصرية ضد آل سعود والتي جرت بين 1816م و1819م، خاض خلالها معارك ضارية في نجد خصوصا في الرس وشقراء وضرماء والدرعية أسفرت عن احتلال الدرعية عاصمة الدولة السعودية، وحصول إبراهيم باشا على مكافأة بتعيينه والياً على مكة.
أيضا صعود التيار السلفي وتهميش دور الأزهر كان عاملا رئيسيا في الهجوم على السلفيين ومحاربتهم سيما بعد إحساس الكثير من علماء الأزهر بغياب دورهم مقارنة بأقرانهم السلفيين الذين لا ينتسبون لتلك المؤسسة الدينية العريقة، ومما يعزز فكرة استيراد المنهج السلفي من الخارج حرص مشايخ السلفية على ارتداء الزي الشعبي السعودي المتمثل في (الغترة) أو (الشماغ) مما يوحي لدى البعض أن هذا المنهج وافد من الخارج كزي أصحابه.
والحقيقة أن السلفية لها جذور قديمة في مصر المعاصرة، كان على رأس الذين حملوا تلك الراية في وقت مبكر الشيخ محمد رشيد رضا (1865ـ 1935) وهو أحد رواد الإصلاح الذين ظهروا مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وكذلك صاحب المطبعة السلفية، الدمشقي الأصل محب الدين الخطيب (1886ـ 1969) ومن بين رواد السلفية الأوائل أيضا المُحدث الشيخ أحمد شاكر (1892ـ 1958).
ولم يكن في هذا الوقت قد حدث احتكاك مباشر بين المدرسة السلفية المصرية ونظيرتها السعودية وحتى عندما أسس الشيخ محمد حامد الفقي جماعة أنصار السنة المحمدية في عام 1926م لم يكن قد ذهب إلى نجد أو التقى باتباع بن عبد الوهاب أو حتى وصلت كتبهم إلى مصر ولم تكن الدولة السعودية الحديثة قد أسست ولم يكن اكتشف النفط بعد حتى يحصل على عقد عمل هناك أو يقوم السعوديين بتمويله.
ولذا كان دفاع الشيخ رشيد رضا عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية وقت اشتد فيه الهجوم عليه في ظل حداثة عهد المصريين بالحملة التي قادها إبراهيم باشا بن محمد علي للقضاء على الدعوة الوهابية ، كان من منطلق التوافق الفكري والأصل الواحد الذي ينتميان إليه مما يعزز الرأي القائل بأن الشيخ بن عبد الوهاب لم يأت بجديد في الفكر السلفي وإنما قام بدعوة تهدف إلى نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة الخالية من البدع والشوائب .
يقول الأستاذ علي عبد العال الصحفي -المتخصص في السلفية-: نشر رضا عددا من المقالات في صحيفة "الأهرام" ومجلة "المنار" جمعها في كتابه "الوهابيون والحجاز"، وفي مقدمة الكتاب يعرف رشيد رضا محمد بن عبد الوهاب وتلامذته بأنهم: "سنيون متمسكون بمذهب السلف في العقائد, وبمذهب الإمام أحمد بن حنبل في الفروع, وأنهم أشد شعوب المسلمين في هذا العصر إتباعاً, وأبعدهم عن الابتداع وارتكاب المعاصي". ثم يذَكَر المناوئين لهم بالقول: "إنما أرادوا أن يَسْلِبوا أهل نجد مثل هذا الدفاع عن أنفسهم فسلبوهم اسم الحنابلة وسَمَّوهم (الوهابية)، وإلا فليأتوا بمسألة واحدة مما عليه جمهور أهل نجد لا أصل لها في الكتاب والسنة ولا في كتب مذهب الإمام أحمد بن حنبل".ا.هـ
وثمة حقيقة أخرى لا يجب إغفالها وهي أن السلفية السائدة حاليا في مصر في مجملها (ألبانية) متأثرة بمحدث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وهو ما أوضحته ثورة 25 يناير، وذلك أن العلاقة بولي الأمر في الفكر الوهابي تختلف عن سائر التيارات السلفية الأخرى التي تتفق كلها على وجوب السمع والطاعة وتحرم الخروج على الحاكم بكافة صوره وأشكاله لكن الوهابية تتحاشى حتى التعرض لانتقاد سياسات الحاكم على الملأ ويمكن عزو ذلك لطبيعة التحالف السياسي التي قامت عليه الدولة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ففكرة الاعتراض على ولي الأمر على الملأ معدومة فدائما المؤسسة الدينية الرسمية على وفاق مع الحكومة ومستندها في ذلك مراعاة المصالح والمفاسد، وأن المملكة تطبق الشريعة الإسلامية وللحاكم فيها بيعة شرعية، ناهيك عن منع النظام للتعددية السياسية أو إنشاء الأحزاب أو التظاهر وهو ما تراه المؤسسة الدينية حقا أصيلا للحكام ومعارضته خروج محرم على ولي الأمر، وأن الطريقة الوحيدة الصحيحة هي النصح السري، ولذلك طيلة عقود طويلة لم تسجل أي معارضة علنية سوى واقعة انتقاد عضو هيئة كبار العلماء الشيخ سعد الشثري للاختلاط بين الجنسين في جامعة (كاوست) على الهواء مباشرة في قناة فضائية وهو الأمر الذي تسبب في إقالته بعدها بأيام.
ولقد رأينا محاولات على استحياء من قبل بعض الدعاة السلفيين لتطبيق هذا المنهج في مصر إبان انطلاق الثورة المصرية وقبلها عندما حاول المعارض محمد البرادعي إحداث تغيير سياسي في مصر والتصدي لمشروع التوريث الرئاسي ومن ذلك ما قام به رئيس جماعة أنصار السنة السابق بدمنهور الشيخ محمود لطفي عامر بإصداره فتوى تهدر دم البرادعي لدعوته لعصيان مدني بوصفه خارجا على ولي الأمر الواجب طاعته تبعها فتوى مشابهة في حق رئيس اتحاد علماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي وقبلهما فتوى تجيز التوريث لنجل الرئيس.
وعلى نفس المنوال أتت فتاوى وتصريحات مثيرة للشيخ أسامة القوصي الذي ظل طيلة أحداث الثورة يدعو للرئيس مبارك في دروسه العلمية وعلى المنابر، وحتى بعض نجاح الثورة وإسقاط الرئيس وبيان فساد النظام السابق للجميع ظل الشيخ محمود عامر يعلن رفضه للثورة ومعارضته لها وثباته على موقفه.
أما السلفية الألبانية وهي السائدة في مصر حاليا فهي ذات أبعاد سياسية ضاربة بأطنابها حتى الجذور، بحسب الباحث السعودي يوسف الديني حيث يقول: لقد كانت دعوة الألباني إذن ذات أبعاد سياسية ضاربة بأطنابها حتى الجذور في خيام السلفية المعاصرة، وإن كانت تقول إنها لا تمارس العمل السياسي، فالممارسة غير الرؤية السياسية كما هو معلوم، ولعل تأمل مواقف الألباني وفتاواه في الأحداث السياسية يؤكد طغيان تلك الرؤية الإحيائية وشمولها".
ويقول في موضع آخر: "لكن التغيير وفق الرؤية الألبانية لا ينطلق من الهرم السياسي بل يتم بشكل تدريجي عبر تغيير "القاعدة الشعبية" وتصورها وتمثلها للإسلام السلفي... ويضيف: يرى الألباني أن الأولوية لتغيير واقع المسلمين تأتي من تمثل شعار "التصفية والتربية" .. إلى أن قال: ومن هنا يؤكد الألباني أن دعوته ليست سياسية، وعبارته الأثيرة هي: "من السياسة اليوم ترك السياسة" مع أن التخلي عن الشعارات السياسية كموقف نقدي لجماعات الإسلام السياسي، التي عرفها الألباني جيدا وفي مقدمتها جماعة الإخوان وهو موقف سياسي بامتياز لأنه يسعى إلى التغيير عبر البناء التحتي، وهو القاعدة المكونة للرأي العام، فالألباني يؤكد أيضا في سياقات أخرى أن السياسة جزء مهم من الإسلام، لكن الاشتغال بالسياسة قبل التصفية والتربية يعطي نتائج كارثية، وهو يضع نصب عينيه مسألة الموازنات بين القوة والضعف" ا. هـ.
وإذا ما تأملنا واقع السلفية في مصر في العهد السابق وجدناها لم تخرج في الغالب عن رؤية الألباني المتمثلة في الاتجاه إلى الدعوة ونشر العقيدة الإسلامية ونبذ البدع والخرافات ومثلت جماعة أنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب السنة هذا الاتجاه بوضوح، فيما تميز مشايخ الدعوة السلفية والتي تتخذ من الإسكندرية مقرا لها بالتغلغل في الواقع السياسي بالنقد والتحليل والدراسة ويظهر ذلك من كتابات الشيخ عبد المنعم الشحات المتحدث الرسمي لها حاليا قبل الثورة وكذلك محاضرات الشيخ ياسر برهامي وفتاواه الكثيرة ومعه الشيخ محمد إسماعيل المقدم، لكن المشروع السياسي ظل مؤجلا للأولويات السابقة لعدم تهيئة المناخ لممارسة هذا الحق لا لتحريم المشاركة بشكل قاطع ودائم كما يظن البعض، وهذا لا يتنافى مع رفض بعض تلك التيارات ورموزها المظاهرات لأن ذلك عائد من خشيتهم على حدو مفاسد أكثر من الحاصلة فعلا كما في النموذج الليبي اليوم.
خلاصة القول،، إن حصر السلفية المصرية في الوهابية خطأ فادح، وأن الهجوم على السلفية من جهة انتهازيها السياسية يدل على قصور وجهل واضح في فهم ودراسة هذا التيار.
المصدر: موقع (مركز الدين والسياسة للدراسات)




تعليق