ما بين 25 يناير و14 فبراير
عطا السيد الشعراوى
باحث فى الشئون العربية
شكلت ثورة الخامس والعشرين من شهر يناير من العام 2011 م حدثًا تاريخيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى ليس على مستوى البلد الذي شهد هذا الحدث وهو مصر بل على مستوى العالم العربي أجمع ، فقد كانت بمثابة النموذج الأهم والصورة المثلى للثورات السلمية البيضاء في مواجهة نظام قمعي فاسد وأشعلت وقودها ضغوط كثيرة وعوامل متنوعة ما بين اقتصادية وسياسية واجتماعية أدت لتوحد جميع فئات وقطاعات المجتمع وراء تلك الثورة بعد أن فقدوا الأمل وانسدت أمامهم جميع الطرق لإيصال صوتهم والتعبير عن مصالحهم وكادوا أن يصلوا لمرحلة اليأس .
وهناك إجماع بين المتابعين والمحللين على أن المصريين حافظوا على سلمية حراكهم ولم يسمحوا بتدخل أي أجنبي في ثورتهم بغض النظر عما حدث من تطورات وانقضاض جماعات على تلك الثورة وجني الكثير من ثمارها وتدخلات خارجية متعمدة ومقصودة لتشويه الثورة وإحداث الفوضى وإطالة أمدها في البلاد.
وقد حاول الكثيرون محاكاة المصريين في ثورتهم ، ومنهم من كان محقًا كما هو الحال في ليبيا وسوريا ، بينما انحرف البعض وأخطأ في حساباته وتقديراته كما هو الحال في مملكة البحرين حين قام مجموعة من الشباب الذين ينتمون لفئة واحدة بالاحتجاج في دوار مجلس التعاون الخليجي في الرابع عشر من شهر فبراير 2011 م وطالبوا بالإصلاح، لكنهم سرعان ما تخلو عن السلمية وانخرطوا في أعمال عنف وتخريب ممتلكات وأعمال قتل وتعذيب لمواطنين ومقيمين، وهي جميعها أحداث رصدتها اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق بعد ذلك في تقريرها الذي كان محل اتفاق وقبول من جميع الأطراف بما فيها ما تسمى “المعارضة”بدليل أنها تطالب الحكومة بتنفيذ ما ورد في هذا التقرير من توصيات ، لكنها تتجاهل ما عليها من التزامات رغم أن التقرير حملها المسؤولية عن الأزمة سواء بهذه الأعمال العنيفة والتخريبية أو برفضهم للحوار الذي دعت له قيادة البلاد.
وغني عن القول، أن هذه الاحتجاجات افتقدت المبرر لاندلاعها والدافع لاستمرارها سواء من حيث توافر طرق وآليات ديمقراطية ووسائل قانونية للتعبير عن الرأي ووجود ممثلين لهؤلاء المحتجين في مجلس النواب كان يمكنهم التحدث بلسانهم والتعبير عن مصالحهم واقتراح ما يرغبون فيه من إصلاحات ومطالبات ، إلا أنهم آثروا السير على ذات الطريق الخاطئ بالانسحاب من البرلمان ، وواصلوه بمقاطعة الانتخابات التشريعية التكميلية التي جرت بعد ذلك .
كما كان من المثير للاستغراب بين معظم المتابعين أن تندلع هذه الاحتجاجات رغم ما يتمتع به المواطن البحريني من مزايا وامتيازات ووضع اجتماعي واقتصادي يمثل حلمًا للكثير من ابناء الدول الأخرى، وهو وضع رصدته الكثير من التقارير الدولية التي يتشدق بها البعض إذا ما حملت انتقادات للدولة بينما يكون مصيرها التجاهل والتشكيك إذا ما كانت في صالح الدولة .
ولم تكن الممارسات العنيفة هي السقطة الوحيدة لتلك الاحتجاجات التي عمدت إلى إثارة وسائل الإعلام الأجنبية وأصرت على الاستقواء بالخارج من دول ومنظمات للضغط على النظام والتسبب في إرباكه وإجباره على الرضوخ لمطالبهم التي كانت تعبيرًا عن رغباتهم وأهدافهم ولم تكن محل قبول أو اتفاق مع باقي مكونات المجتمع، وهو الأمر الذي اتضح جليًا في حوار التوافق الوطني حيث كانت الهوة واضحة بين المجتمعين والمتحاورين مما أدى إلى انسحاب البعض ممن يريد فرض مطالبه وأجندته على المتحاورين .
ومن الطبيعي بل ومن الواجب أن كل دولة تسعى لحماية أمنها ومواطنيها أن تتخذ التدابير اللازمة لإنهاء مظاهر الفوضى والعنف وإيقاف مسلسل الخسائر الاقتصادية، وهو ما رأيناه في بريطانيا تلك الدولة الديمقراطية العريقة التي جندت كل إمكاناتها وقواتها ضد مجموعة من الشباب أثاروا العنف والشغب لأيام قليلة، ولم نجد حديثًا يذكر حول حقوق الإنسان والحريات طالما كان الهدف هو الحفاظ على الأمن .
بعد أن نجحت الدولة في وضع حد لهذه الفوضى والاحتجاجات الطائفية ، واصلت قوى أطلقت على نفسها “المعارضة” تحركاتها الإعلامية والحقوقية على المستوى الدولي مستغلة قواعد النظام الدولي وأسس العلاقات بين الدول والتي تقوم على إعلاء المصالح وتنحية ما عداها حتى لو كانت الأخلاق والحقائق .
ورغم العديد من المبادرات التي قامت بها الدولة والحكومة باتجاه وضع حلول ومعالجات مختلفة لتداعيات ما حدث منذ 14 فبراير 2011 م، إلا أن تجاهل ورفض ما تسمى بالمعارضة لهذه المبادرات وإصرارها على تكرار سيناريو 14 فبراير جعل البلاد تعيش حالة مستعصية على الحل ووضعًا متأزمًا على طول الخط، ولا يبدو أن هناك بارقة أمل في الحل قريبًا خاصة في ظل هذا التصعيد الحاصل في مسلسل العنف والذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية تعلن أنها ستنقل احترازيّاً أفراد طاقم سفارتها في البحرين وكذلك أفراد عائلاتهم من (البديع) إلى مناطق أخرى، وذلك لأسباب أمنية، وحذرت من اضطرابات محتملة في البحرين.
فواشنطن التي دعت مرارًا على لسان رئيسها باراك أوباما إلى الحوار مع المعارضة أو الوفاق تحديدًا، ها هي تنقلب في مواقفها راسًا على عقب وتعترف بتزايد عنف المتظاهرين والحصار على الطرق السريعة الرئيسة، وحرق حاويات القمامة، وإقامة نقاط تفتيش غير رسمية وإلقاء الحجارة وقنابل المولوتوف واستخدام مختلف الأسلحة محلية الصنع.
والسؤال المطروح حاليًا:هل تقوم واشنطن بالضغط على الوفاق وتطالبها بالتوقف عن أعمال العنف والتجاوب مع مبادرات الدولة، أم أنها موقفها الأخير هو تعبير عن أزمة عارضة مع إيران سرعان ما تنجلي وتعود “ريمة إلى عادتها القديمة”.
عطا السيد الشعراوى
باحث فى الشئون العربية
شكلت ثورة الخامس والعشرين من شهر يناير من العام 2011 م حدثًا تاريخيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى ليس على مستوى البلد الذي شهد هذا الحدث وهو مصر بل على مستوى العالم العربي أجمع ، فقد كانت بمثابة النموذج الأهم والصورة المثلى للثورات السلمية البيضاء في مواجهة نظام قمعي فاسد وأشعلت وقودها ضغوط كثيرة وعوامل متنوعة ما بين اقتصادية وسياسية واجتماعية أدت لتوحد جميع فئات وقطاعات المجتمع وراء تلك الثورة بعد أن فقدوا الأمل وانسدت أمامهم جميع الطرق لإيصال صوتهم والتعبير عن مصالحهم وكادوا أن يصلوا لمرحلة اليأس .
وهناك إجماع بين المتابعين والمحللين على أن المصريين حافظوا على سلمية حراكهم ولم يسمحوا بتدخل أي أجنبي في ثورتهم بغض النظر عما حدث من تطورات وانقضاض جماعات على تلك الثورة وجني الكثير من ثمارها وتدخلات خارجية متعمدة ومقصودة لتشويه الثورة وإحداث الفوضى وإطالة أمدها في البلاد.
وقد حاول الكثيرون محاكاة المصريين في ثورتهم ، ومنهم من كان محقًا كما هو الحال في ليبيا وسوريا ، بينما انحرف البعض وأخطأ في حساباته وتقديراته كما هو الحال في مملكة البحرين حين قام مجموعة من الشباب الذين ينتمون لفئة واحدة بالاحتجاج في دوار مجلس التعاون الخليجي في الرابع عشر من شهر فبراير 2011 م وطالبوا بالإصلاح، لكنهم سرعان ما تخلو عن السلمية وانخرطوا في أعمال عنف وتخريب ممتلكات وأعمال قتل وتعذيب لمواطنين ومقيمين، وهي جميعها أحداث رصدتها اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق بعد ذلك في تقريرها الذي كان محل اتفاق وقبول من جميع الأطراف بما فيها ما تسمى “المعارضة”بدليل أنها تطالب الحكومة بتنفيذ ما ورد في هذا التقرير من توصيات ، لكنها تتجاهل ما عليها من التزامات رغم أن التقرير حملها المسؤولية عن الأزمة سواء بهذه الأعمال العنيفة والتخريبية أو برفضهم للحوار الذي دعت له قيادة البلاد.
وغني عن القول، أن هذه الاحتجاجات افتقدت المبرر لاندلاعها والدافع لاستمرارها سواء من حيث توافر طرق وآليات ديمقراطية ووسائل قانونية للتعبير عن الرأي ووجود ممثلين لهؤلاء المحتجين في مجلس النواب كان يمكنهم التحدث بلسانهم والتعبير عن مصالحهم واقتراح ما يرغبون فيه من إصلاحات ومطالبات ، إلا أنهم آثروا السير على ذات الطريق الخاطئ بالانسحاب من البرلمان ، وواصلوه بمقاطعة الانتخابات التشريعية التكميلية التي جرت بعد ذلك .
كما كان من المثير للاستغراب بين معظم المتابعين أن تندلع هذه الاحتجاجات رغم ما يتمتع به المواطن البحريني من مزايا وامتيازات ووضع اجتماعي واقتصادي يمثل حلمًا للكثير من ابناء الدول الأخرى، وهو وضع رصدته الكثير من التقارير الدولية التي يتشدق بها البعض إذا ما حملت انتقادات للدولة بينما يكون مصيرها التجاهل والتشكيك إذا ما كانت في صالح الدولة .
ولم تكن الممارسات العنيفة هي السقطة الوحيدة لتلك الاحتجاجات التي عمدت إلى إثارة وسائل الإعلام الأجنبية وأصرت على الاستقواء بالخارج من دول ومنظمات للضغط على النظام والتسبب في إرباكه وإجباره على الرضوخ لمطالبهم التي كانت تعبيرًا عن رغباتهم وأهدافهم ولم تكن محل قبول أو اتفاق مع باقي مكونات المجتمع، وهو الأمر الذي اتضح جليًا في حوار التوافق الوطني حيث كانت الهوة واضحة بين المجتمعين والمتحاورين مما أدى إلى انسحاب البعض ممن يريد فرض مطالبه وأجندته على المتحاورين .
ومن الطبيعي بل ومن الواجب أن كل دولة تسعى لحماية أمنها ومواطنيها أن تتخذ التدابير اللازمة لإنهاء مظاهر الفوضى والعنف وإيقاف مسلسل الخسائر الاقتصادية، وهو ما رأيناه في بريطانيا تلك الدولة الديمقراطية العريقة التي جندت كل إمكاناتها وقواتها ضد مجموعة من الشباب أثاروا العنف والشغب لأيام قليلة، ولم نجد حديثًا يذكر حول حقوق الإنسان والحريات طالما كان الهدف هو الحفاظ على الأمن .
بعد أن نجحت الدولة في وضع حد لهذه الفوضى والاحتجاجات الطائفية ، واصلت قوى أطلقت على نفسها “المعارضة” تحركاتها الإعلامية والحقوقية على المستوى الدولي مستغلة قواعد النظام الدولي وأسس العلاقات بين الدول والتي تقوم على إعلاء المصالح وتنحية ما عداها حتى لو كانت الأخلاق والحقائق .
ورغم العديد من المبادرات التي قامت بها الدولة والحكومة باتجاه وضع حلول ومعالجات مختلفة لتداعيات ما حدث منذ 14 فبراير 2011 م، إلا أن تجاهل ورفض ما تسمى بالمعارضة لهذه المبادرات وإصرارها على تكرار سيناريو 14 فبراير جعل البلاد تعيش حالة مستعصية على الحل ووضعًا متأزمًا على طول الخط، ولا يبدو أن هناك بارقة أمل في الحل قريبًا خاصة في ظل هذا التصعيد الحاصل في مسلسل العنف والذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية تعلن أنها ستنقل احترازيّاً أفراد طاقم سفارتها في البحرين وكذلك أفراد عائلاتهم من (البديع) إلى مناطق أخرى، وذلك لأسباب أمنية، وحذرت من اضطرابات محتملة في البحرين.
فواشنطن التي دعت مرارًا على لسان رئيسها باراك أوباما إلى الحوار مع المعارضة أو الوفاق تحديدًا، ها هي تنقلب في مواقفها راسًا على عقب وتعترف بتزايد عنف المتظاهرين والحصار على الطرق السريعة الرئيسة، وحرق حاويات القمامة، وإقامة نقاط تفتيش غير رسمية وإلقاء الحجارة وقنابل المولوتوف واستخدام مختلف الأسلحة محلية الصنع.
والسؤال المطروح حاليًا:هل تقوم واشنطن بالضغط على الوفاق وتطالبها بالتوقف عن أعمال العنف والتجاوب مع مبادرات الدولة، أم أنها موقفها الأخير هو تعبير عن أزمة عارضة مع إيران سرعان ما تنجلي وتعود “ريمة إلى عادتها القديمة”.



تعليق