الأهداف الاستراتيجية للحملة الأميركية على العراق

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • الماس
    عضو فعال
    • Oct 2001
    • 653

    #1

    الأهداف الاستراتيجية للحملة الأميركية على العراق

    الأهداف الاستراتيجية للحملة الأميركية على العراق

    ياسين سويد


    ماذا لو وافق الرئيس العراقى على عودة المفتشين الدوليين إلى العراق بلا قيد أو شرط؟ أو أنه تنحّى عن الحكم ودعا إلى انتخابات رئاسية فى بلاده أفرزت رئيسا ينتهج النهج نفسه: معاداة الكيان الصهيونى ومناهضة السياسة الأمريكية؟
    هل سيتغيّر موقف حاكم البيت الأبيض من النظام العراقى ورئيسيه؟ وهل ستغير واشنطن أهدافها الاستراتيجية التى تسعى إلى تحقيقها من خلال تغيير النظام فى العراق؟
    نكاد نجزم بأن ذلك، كله، لن يرضى الرئيس الأميركي، لأن الأهداف التى يتطلع اليها، من خلال اسقاط النظام العراقي، أبعد من ذلك بكثير.
    يقع العراق فى الطرف الشمالى الشرقى للوطن العربي، بين إيران وتركيا وسوريا والأردن والخليج، فهو، اذن، ذو موقع جغرافى استراتيجى على غاية كبيرة من الأهمية، وبالإضافة إلى ثروته النفطية التى تعتبر من أهم الثروات النفطية فى العالم، يمتلك العراق ثروة اقتصادية مهمة، بسبب ما توفره مياه الأنهار والبحيرات، والمياه الجوفية، من خصوبة نادرة المثال. هذا عدا الطاقة العلمية الرفيعة المستوى التى تتمتع بها النخبة فى القطر العراقي.
    ويمتلك العراق، رغم الحصار المستمر الذى بلغ عامه الثانى عشر، والعقوبات المفروضة عليه، قدرات عسكرية ملحوظة، فهو يمتلك جيشا يزيد على المليون مقاتل (424 الفا كجيش عامل و650 الفا كاحتياط)، ويتمتع هذا الجيش بكفاءة عالية فى التدريب، كما يتمتع بعقيدة قومية صلبة وراسخة، وإن كان الحصار قد نجح فى الحد من إمكانات تزويده بما يلزم من أسلحة متطورة حديثة استطاع تعويضها بما تمكن من استيراده او صنعه محليا.
    لقد كان العراق، قبيل حربى الخليج الأولى والثانية، بروسيا العرب ، فى نظر الكثيرين منهم، وذلك لما يتمتع به الجندى العراقى من قدرة على التحمّل، وما يتمتع به العقل العراقى من قدرة على الخلق والابداع، وهو ما كان يقلق الكيان الصهيوني، وحليفته الاستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، وما يزال.
    ولا تقل طموحات بوش الابن عن تلك التى كانت لأبيه، فقد حقق بوش الأب للولايات المتحدة الأمريكية ما لم تكن تحلم به من نجاحات: اسقاط أعظم قوة كانت تنافسها فى المجال الدولي، أى الاتحاد السوفياتي، ووضع اليد على أهم ثروة نفطية فى العالم، هى نفط الخليج العربي. ويبدو ان بوش الابن يطمح إلى نجاحات مماثلة لكى تكتمل دورة النصر للأمة الأمريكية الطامحة إلى حكم الكون بأسره. وقد بدأت هذه الدورة فى أفغانستان لكى تمتد إلى الشرق الأوسط، حيث يقوم الحليف الصهيونى بالدور الذى يعهد اليه فيه، والذى وجد لأجله أصلا.
    لقد كانت أحداث 11 أيلول 2001 المفصل الذى عاد بوش الابن إلى قلب آسيا، أفغانستان، حيث نفط قزوين وغازه، وحيث يمكن تهديد الدول الآسيوية الكبرى (روسيا، والصين، وايران، وربما الهند)، كذلك كوريا الشمالية التى تسبب قلقا دائما للولايات المتحدة الأمريكية، وهى تحسب، ولا شك، ان هذه الدول (وليس الاتحاد الأوروبى مثلا)، هى التى ستكون محور الصراع الآتى بين القارتين: أمريكا الشمالية وآسيا.
    استقرت الولايات المتحدة فى أفغانستان، بعد أحداث 11 أيلول، وبدأت تعد نفسها لإقامة مديدة، وربما دائمة، فى تلك المنطقة من العالم الآسيوي، حيث بدأت تقيم لها قواعد عسكرية فى عدد من الدول التى انفصلت عن الاتحاد السوفياتى السابق، بحيث تطال يدها الدول المطلة على بحر قزوين من جهة، والدول المارقة او دول محور الشر حسب التسمية الأمريكية الأخيرة، وهى العراق وإيران وكوريا الشمالية.
    وإذا كان الرئيس الأمريكى قد أطلق يد حليفته الاستراتيجية إسرائيل فى فلسطين لكى تمعن فى تكسير عظام الفلسطينيين العزل وتدمير مدنهم وقراهم، محاولا ان يوهم الرأى العام العالمى بأن المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيونى ارهاب، فهو يفعل ذلك لهدفين:
    الأول: كسب أصوات اليهود فى انتخابات الكونغرس هذا العام، وفى انتخابات الرئاسة بعد عامين.
    والثاني: اعتقاده، اعتقاد جازما، ان الأمر لن يستقر له، كحاكم مطلق للعالم، إلا بعد تحطيم كل ارادة لمقاومة التسلط الأميركي، متذرعا بما يسميه الارهاب (إما معنا أو مع الارهاب)، وباستقرار حليفه الإسرائيلى بعد القضاء على كل معارضة عربية او إسلامية، ولن يكون ذلك إلا بتحطيم ارادة المقاومة العربية والإسلامية فى فلسطين، وقد أوكل هذا الأمر إلى حليفه شارون، ثم فى العراق وإيران وسوريا ولبنان (حزب الله) وسيتولى هذا الأمر بنفسه عندما يحين أوان ذلك. نحن لا نبالغ فى هذا التقدير، فحلم الرئيس الأمريكى هو ان يرى سلطته تمتد من أقاصى روسيا والصين وكوريا شمالا حتى أقاصى أفريقيا جنوبا (وقصة فرضه المصالحة فى السودان، على حساب وحدته، أول الغيث)، مرورا بالشرق الأوسط، ولن يتورع عن ان يعهد إلى حليفه الإسرائيلى بضرب أية معارضة، فى هذه المنطقة، كى لا يرتفع، فيها صوت يعارض ارادة الدولة الأعظم فى العالم.
    وعلى هذا يمكن القول:
    1 - ان الوجود العسكرى الأمريكى فى أفغانستان ينبئ بمواجهة مستقبلية مع كل من روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية (وما يظهر، حاليا، من مقاومة أفغانية خجولة ضد الوجود العسكرى الأمريكى ينبئ بحالة شبيهة بتلك التى شهدتها الولايات المتحدة فى فيتنام)، وبما ان المواجهة مع كل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية مؤجلة، اليوم، فإن المواجهة المستعجلة، ونرى انها آتية حتما، هى مع الدول المتشددة فى الشرق الأوسط، أي: العراق وسوريا ولبنان حزب الله ، ومع الدولة الإسلامية الأكثر تشددا: إيران.
    2 - ان الجيوش الأمريكية تستطيع ان تقف اليوم، على الحدود الشرقية والشمالية لإيران، وفى الخليج العربى وبحر العرب جنوبها، ولا يبقي، لمحاصرة ايران، سوى سقوط العراق.
    3 - ان أحد أهم أهداف الولايات المتحدة الأمريكية هو الاستيلاء على ما تبقى من الثروات النفطية فى الوطن العربي، بدءا بنفط الخليج، مرورا بنفط العراق، وصولا إلى نفط السعودية (وهذا ما أشار اليه تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست ، صادر عن باحث فى مؤسسة راند كوربورايشن الأمريكية، واستعرضه المجلس الاستشارى للسياسة الدفاعية فى وزارة الدفاع الأمريكية، فى شهر يوليو المنصرم، وان كانت الادارة الأمريكية قد نفت ما ذهب اليه هذا التقرير).
    4 - ان الولايات المتحدة الأمريكية عازمة على ضرب اية قوة، عربية او إسلامية، تهدد الكيان الصهيوني، بحيث يصبح هذا الكيان القوة الوحيدة المسيطرة فى الشرق الأوسط، والذى تقوم بينه وبين الولايات المتحدة علاقة تحالف عضوية، وليست استراتيجية فحسب. ولقد توثقت الشراكة التكتيكية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيونى بعد أحداث سبتمبر، فمصالح البلدين مترابطة، بل متحدة، ولم يعد هناك مجال لاعتبار الادارة الأمريكية حَكَما نزيها فى أية قضية تخص العرب والمسلمين، ومن المعيب والمخزى ان تظل بعض الأنظمة العربية تلهث خلف سراب، فأهداف الادارة الأمريكية تتعدي، إلى حد بعيد، ما ينطق به مسؤولوها تجاه العراق، متذرعين بأسباب واهية لم يعد التلطى خلفها مقنعا، فالنظام العراقي، كالنظام الفلسطيني، مسؤولية أهل العراق وفلسطين، وليس مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها جورج دبليو بوش، وليس من حق بعض الأنظمة العربية ان تقبل هذا التدخل الأمريكى فى الشؤون الداخلية لأية دولة عربية، بحيث يصبح كل نظام عربى مهددا بالاقتلاع إذا لم يخضع للارادة الأمريكية المتسلطة.
    وعلى هذا، ليس مقنعا ما يردده بوش، وما يزعمه، من أسباب تدفعه للتدخل فى العراق وقلب النظام القائم فيه، وانما المقنع والصواب هو ان اسقاط النظام العراقي، بالقوة الأمريكية، سوف يؤمن للولايات المتحدة تحقيق الأهداف الاستراتيجية التالية:
    1 - اقامة نظام بديل موال لها، منصاع لأوامرها، وملبِ لطموحاتها ال*******ية، بحيث يخرج العراق من الخط القومي، وربما تدفع به للصلح مع إسرائيل.
    2 - وضع اليد على النفط العراقى بحيث يكون ذلك استكمالا لما فعله بوش الأب حين وضع يده على نفط الخليج بعد حرب الخليج الثانية، تأديبا للعرب الذين استخدموا هذه السلعة فى حرب اكتوبر عام 1973، وكى لا يتاح لهم استخدامها فى أية حرب مقبلة، ثم للتحكم بأسعار هذا النفط وفقاً لمصالح الشركات الأمريكية.
    3 - السعى لتقسيم العراق بقصد اضعافه بحيث لا يعود قوة قادرة على تهديد الكيان الصهيوني، فى أى ظرف من الظروف، وربما تعمّد إلى فصل المناطق الكردية الواقعة فى شمال العراق، حيث منابع النفط، او إلى فصل المناطق الشيعية الواقعة فى جنوبه (وربما تعيق تركيا عملية فصل الأكراد باعتبار ان ذلك لا بد من أن يشجعهم، فى جنوبها على المطالبة، بدورهم، بالانفصال).
    4 - بسقوط النظام العراقى وقيام نظام بديل موال للولايات المتحدة الأمريكية، يكتمل حصار إيران التى تعتبرها الولايات المتحدة خصما لها، وتفتح الطريق أمام بوش لفرض شروطه عليها ودفعها إلى الارتماء فى أحضانه والتسليم بقيادته للعالم.
    5 - إذا تمّ سقوط العراق، وبعدها ايران، بيد الولايات المتحدة الأمريكية، وباعتبار ان الطريق إلى الشرق الأوسط، برمته، يمر عبر بغداد كما صرّح مسؤول رسمى فى الادارة الأمريكية ، لا يبقي، للسيطرة على الشرق الأوسط، سوى اخضاع سوريا وانهاء حزب الله فى لبنان، وأما سوريا، فتصبح محاصرة من الشمال بتركيا، ومن الشرق بالنظام العراقى الخاضع للسيطرة الأمريكية، ومن الجنوب بالكيان الصهيونى الذى يقيم تحالفا سياسيا وعسكريا مع تركيا، وفى اعتقادنا ان الولايات المتحدة ستتوسل هذا الحصار لكى تسعى لفرض شروط على سوريا، كما ستتوسل وسائل أخرى جاهزة فى الكونغرس الأمريكى (مثل قانون محاسبة سوريا).
    وهكذا، نجد أنفسنا منساقين إلى الاعتقاد بأن سعى الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية من حملتها العسكرية المرتقبة على العراق، يجعلها فى موقف المصر على تنفيذ هذه الحملة، فى أى ظرف، ومهما كانت النتائج.
    هذا هو السيناريو الذى نتخيله فى رأس بوش وادارته، إلا ان بوش يعلم ولا شك، وكذلك ادارته، ان العراق ليس أفغانستان (مع العلم انه لم يحقق، بعد، انتصارا كاملا هناك)، وان العراق وإيران، لن يكونا لقمة سائغة لعدوانه، وسيجد بوش ان حربه مع هذين البلدين سوف تكلفه، من الخسائر فى الأرواح الأمريكية، ما لا يقوى على تحمله، خصوصا إذا ما خرج حزبه مهزوما فى انتخابات الكونغرس، وهذا ما يدفعنا إلى الظن بأنه لن يقدم على أية خطوة عسكرية تجاه العراق إلا بعد هذه الانتخابات.
    إلا أننا لا نستبعد، فى الوقت نفسه، ان يتراجع الرئيس الأمريكى عن قراره بضرب العراق إذا ما وجد معارضة جدية لهذا القرار، أمريكية (من الكونغرس) وأوروبية (من الاتحاد الأوروبي) ودولية (آسيوية وعربية)، مع احتمال ان يكون هذا التراجع تأجيلا للتنفيذ حتى صوغ ظروف أفضل.


    منقول

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...