قصة البعث في العراق (1): بين التأسيس السوري وصعود دور العسكر الحزبي
حازم صاغية الحياة 2003/03/04
عبد الكريم قاسم.
صدفةٌ ما حملت ثلاثة شبان سوريين على الدراسة في بغداد. كان ذلك في 1949، ولم يكن انقضى غير أشهر على هزيمة فلسطين والمرارة التي نشرتها في عموم العالم الاسلامي. الثلاثة جمع بينهم، عدا الفتوّة، أنهم علويو المذهب من لواء الاسكندرون. عائلاتهم نزحت جنوباً مع استيلاء الأتراك على "اللواء السليب"، فتحلّقوا حول السياسي والمثقف الاسكندروني زكي الأرسوزي الذي قال بـ"البعث" طريقاً الى استعادة "مجد العرب". هكذا صاروا جميعاً بعثيين. فحين انتقلوا الى بغداد تكفّلوا نقل الدعوة اليها.
أبرزهم كان فايز اسماعيل، طالب كلية الحقوق. والآخران وصفي الغانم، الطالب في معهد المعلمين وشقيق القيادي البعثي وهيب الغانم، وسليمان العيسى الذي غدا لاحقاً شاعر البعث.
ما زرعوه في تربة العراق لقي استجابة متواضعة بين طلاب العاصمة، قبل ان يمتد امتداداً خجولاً الى سائر المناطق شمالاً وجنوباً. لكن فايز اسماعيل سريعاً ما عاد الى دمشق فحمل المهمة، في 1950، عبد الرحمن الضامن. وهذا الأخير، المتحدّر عن أسرة سنية من تجار الأعظمية ببغداد، لم يُكتب إسمه بخط عريض في تاريخ الحزب: ذاك ان المرض ما لبث أن عاجله فانسحب من المجال العام. وفي محله حل في قيادة "قطر العراق" طالب هندسة شيعي هو فؤاد الركابي لم يكن بلغ العشرين، قيل إنه نسب نفسه الى أمه التي تمتّ بقرابة بعيدة الى صالح جبر، أحد رؤساء الحكومات، كما تسمّى باسم عشيرتها ذات الكعب والمنعة، بني ركاب.

ولم يتجاوز الأعضاء في 1951 الخمسين، بقيادة كان الأكبر سناً فيها فخري قدوري البالغ الثانية والعشرين. لكن هؤلاء الذين سمّاهم مؤسس الحزب ميشيل عفلق "الأنبياء الصغار"، تضاعفوا منتصف العام التالي. وفي تلك الاثناء اعترفت بهم "القيادة القومية" في دمشق، مُصادقةً على شرعية الفرع العراقي. يومها كان بعثيو سورية يحتفلون باندماجهم مع "الحزب العربي الاشتراكي" لأكرم الحوراني، واعدين أنفسهم بمستقبل أكثر إشراقاً لا تعيقه الا ديكتاتورية أديب الشيشكلي. إذاً انضاف الى التفاؤل سبب آخر.
وجاء معظم المقبلين على الدعوة من الطلاب، على ما كانت حالهم في سورية. البعض منهم كانوا قاربوا "حزب الاستقلال"، القومي العربي، واكتشفوا أن يفاعتهم أسرع من بطئه وتقليديته. وكان أكثرهم يخوض تجربته الأولى في الحزب الذي قالت وثائق الشرطة في أواسط 1955 إنه يضم 289 عضواً، سنة وشيعة، يتأتى معظمهم عن النصف الأدنى من الهرم الاجتماعي. فالبعث، ذو الاشتراكية الشعبوية والانشائية، كان يملك ما يقوله لهؤلاء. لكن إقبالهم المقنّن عليه دلّ، بين ما دلّ، الى ضعف الفئات الوسطى العراقية قياساً بمثيلتها السورية، وتالياً ضعف حراكها السياسي.
حازم صاغية الحياة 2003/03/04
عبد الكريم قاسم.
صدفةٌ ما حملت ثلاثة شبان سوريين على الدراسة في بغداد. كان ذلك في 1949، ولم يكن انقضى غير أشهر على هزيمة فلسطين والمرارة التي نشرتها في عموم العالم الاسلامي. الثلاثة جمع بينهم، عدا الفتوّة، أنهم علويو المذهب من لواء الاسكندرون. عائلاتهم نزحت جنوباً مع استيلاء الأتراك على "اللواء السليب"، فتحلّقوا حول السياسي والمثقف الاسكندروني زكي الأرسوزي الذي قال بـ"البعث" طريقاً الى استعادة "مجد العرب". هكذا صاروا جميعاً بعثيين. فحين انتقلوا الى بغداد تكفّلوا نقل الدعوة اليها.
أبرزهم كان فايز اسماعيل، طالب كلية الحقوق. والآخران وصفي الغانم، الطالب في معهد المعلمين وشقيق القيادي البعثي وهيب الغانم، وسليمان العيسى الذي غدا لاحقاً شاعر البعث.
ما زرعوه في تربة العراق لقي استجابة متواضعة بين طلاب العاصمة، قبل ان يمتد امتداداً خجولاً الى سائر المناطق شمالاً وجنوباً. لكن فايز اسماعيل سريعاً ما عاد الى دمشق فحمل المهمة، في 1950، عبد الرحمن الضامن. وهذا الأخير، المتحدّر عن أسرة سنية من تجار الأعظمية ببغداد، لم يُكتب إسمه بخط عريض في تاريخ الحزب: ذاك ان المرض ما لبث أن عاجله فانسحب من المجال العام. وفي محله حل في قيادة "قطر العراق" طالب هندسة شيعي هو فؤاد الركابي لم يكن بلغ العشرين، قيل إنه نسب نفسه الى أمه التي تمتّ بقرابة بعيدة الى صالح جبر، أحد رؤساء الحكومات، كما تسمّى باسم عشيرتها ذات الكعب والمنعة، بني ركاب.

ولم يتجاوز الأعضاء في 1951 الخمسين، بقيادة كان الأكبر سناً فيها فخري قدوري البالغ الثانية والعشرين. لكن هؤلاء الذين سمّاهم مؤسس الحزب ميشيل عفلق "الأنبياء الصغار"، تضاعفوا منتصف العام التالي. وفي تلك الاثناء اعترفت بهم "القيادة القومية" في دمشق، مُصادقةً على شرعية الفرع العراقي. يومها كان بعثيو سورية يحتفلون باندماجهم مع "الحزب العربي الاشتراكي" لأكرم الحوراني، واعدين أنفسهم بمستقبل أكثر إشراقاً لا تعيقه الا ديكتاتورية أديب الشيشكلي. إذاً انضاف الى التفاؤل سبب آخر.
وجاء معظم المقبلين على الدعوة من الطلاب، على ما كانت حالهم في سورية. البعض منهم كانوا قاربوا "حزب الاستقلال"، القومي العربي، واكتشفوا أن يفاعتهم أسرع من بطئه وتقليديته. وكان أكثرهم يخوض تجربته الأولى في الحزب الذي قالت وثائق الشرطة في أواسط 1955 إنه يضم 289 عضواً، سنة وشيعة، يتأتى معظمهم عن النصف الأدنى من الهرم الاجتماعي. فالبعث، ذو الاشتراكية الشعبوية والانشائية، كان يملك ما يقوله لهؤلاء. لكن إقبالهم المقنّن عليه دلّ، بين ما دلّ، الى ضعف الفئات الوسطى العراقية قياساً بمثيلتها السورية، وتالياً ضعف حراكها السياسي.

تعليق