توجيهات في مواجهة الأحداث
د. الشريف بن حاتم العوني 01/04/2003
الحمد لله هادي الحيارى وناصر المستضعفين، وأصلي وأسلم على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، أما بعد..
فلقد علم الجميع وأيقنوا أن الله تعالى سيجعل العاقبة للمتقين، وأنه سبحانه سينصر هذا الدين، وأن الطائفة المنصورة من أهل الإسلام ستبقى ظاهرة إلى قيام الساعة، ولا ينفي ذلك أن الأمة إن عصت ربها – عز وجل- وفرطت في الإعداد لمواجهة أعدائها أنها لن تبتلى، أو أنها لن تهُزَمَ في معركة أو معارك عسكريةٍ، أو أنها لن يُستولى على بلادها وخيراتها، بل لا يعني ذلك أنها لن تبتلى في دينها وتفتن فيه، حتى يرتد بعض المسلمين عن دينهم، كل هذا قد يقع، وقد وقع بعضه في تاريخها، وقد أُخبرنا به في نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، وهي فوق ذلك سنة لا تتبدل في شأن من خالفوا أمر الله تعالى الشرعي والكوني، فلا اتبعوا دينه، ولا اتبعوا الأسباب المادية للنصر والتمكين، لكن يبقى أن الله تعالى لن يرضى أن يزول دينه من على أرضه وبين خلقه، فلابد من أن ينصر أولياءه، ويعلي كلمته ويدفع عن الإسلام وأهله فلا يستأصلوا، بل أن ينتصروا على أمم الكفر كلها، "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون* هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركـون" [الصف: 8-9].
وفي هذه الأيام تقع الأمة تحت تسلط أعدائنا من اليهود والنصارى، والذي يزداد يوماً بعد يوم، والذي لن ينتهي عند حد عندهم، إلا إن حققوا هدفهم الأكبر، وهو زوال هذا الدين عن وجه الأرض،كما قال ربنا سبحانه: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، وكما قال "ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء".
وفي هذه الأثناء تتساءل الشعوب المسلمة المقهورة، التي أريد لها أن تكون فريسة سهلة لأعدائها، وخطط لذلك من زمن بعيد، وتحقق هذا لأعدائها في عموم الأمة، تتساءل هذه الشعوب ماذا نعمل أمام هذه المواجهة؟ ماذا نعمل أمام مواجهة نحن حتى الآن نمنع من أن نقاومها بكل قوتنا؟ بل إننا - وحتى الآن أيضاً- نمنع من الإعداد لتلك المقاومة؟!! هل فات الأوان فعلاً؟!!
ولقد قرأت من إجابات العلماء الناصحين والدعاة المصلحين ما تقر به قلوب أولئك الحيارى، وتستبين به سبيل المؤمنين، ولكن أريد التأكيد على بعض ما ذكر:
أولاً: إن من تلبيس إبليس وتلاعبه بابن آدم أن يطعمه فيما لا يستطيع بلوغه ولا يقدر على تحصيله، ويعظم في نفسه ما يشق عليه غاية المشقة، وفي المقابل تجد هذا العدو الماكر يزهده فيما يقدر عليه، ويحقر في نفسه ما يستطيع القيام به، فينتج عن ذلك العجز الكامل، والقعود عن كل شيء؛ فلا يصل الإنسان إلى ما لا يقدر عليه، وينقطع دون ما يشق عليه، ويترك ما يقدر عليه ويفرط فيما يسهل القيام به، فإذا به في النهاية أسير تلاعب الشيطان، سجين هذه الحيلة الواضحة.
إن من السهل على عموم الناس اليوم الرجوع إلى دينهم، بترك المحرمات والتوبة منها، وبفعل الواجبات وعدم التفريط فيها.
من يعجز عن ذلك في نفسه؟ وأن يحث ويأمر أهل بيته به؟ إن هذا - بكل صراحة ووضوح- هو أول طريق المواجهة الصحيحة لأعدائنا؛ لأسباب، منها:
أن الله تعالى يقول: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، ولأن من عجز أو توانى عما يقدر عليه ولا يعجز عنه، فهو فيما هو أكبر منه وأشق سيكون أعجز وأشد توانياً.
فقبل التلاوم، وقبل التباكي على عجزك عما ترى أنك عاجز دونه، قم أولاً بما تستطيع، إن كنت صادقاً في حرصك وغيرتك، وإلا فدع نفسك وخداع الآخرين.
ثانياً: يجب على الشعوب المسلمة أن تعترف -فرداً فردا- أن الشهوات وحب الدنيا قد أكل قلوبهم وتمكن منهم، وأن الأغلبية الكبرى من الناس -حتى اليوم- لا هم لها إلا العيش الرغيد وتحصيل الشهوات، التي يخالطها الكثير من المحرمات والموبقات في أحيان كثيرة.
هذا حق إن لم نفتح أعيننا عليه الآن، فمتى سنعترف به؟ ومتى سنعرف الداء لنعرف الدواء؟ هل تصدقون أن من المسلمين اليوم من يخترع النكات المضحكة على حال المسلمين اليوم؟!.
يجب علينا أن نعرف إلى أي حد من الوهن والزلة والاستكانة بلغنا، وإلا فلن نعرف حقيقة الداء، ولن نصل إلى أعماق الجرح لنطهره، بل سنكتفي بظاهره، وحينها يصح فينا قول القائل:
إذا ما الجرح رُمَّ على فسادٍ
تبين فيه تفريط الطـــــبيب
أيها الأخ المسلم إن التضحية التي يدعي كل واحد منا أنه مستعد لها، لا يمكن أن يقدم عليها من لم يفهم قوله تعالى الذي نكرره جميعاً: "بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى".
ثالثاً: لقد عرف الناس كلهم ما للإعلام من أثر سحري في عقول الناس ونفوسهم، فلقد شاهدنا جميعاً كيف تتغير الحقائق، وكيف تزول الثوابت، وكيف تتبدل العقائد والمبادئ في قلوب الناس بعد ذلك الإعلام الموجه لتلك الأغراض.
لقد أصبحنا نخشى على من حولنا، أن يأتي يوم يصبح فيه الرجل مؤمنا ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، وأن يكون المعروف منكراً والمنكر معروفاً، كما أخبرنا بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم- من أخبار المستقبل والغيب.
إنه ليجب على الناس أن يعرفوا حقيقة ذلك الإعلام الموجه من أعدائنا، ومن يقع تحت تسلطهم، وأنه لم يكن ولن يكون إلا في صالح الأعداء، وإلا هل نتصور أن عدونا سيُفوّت فرصة استثمار هذه العصا السحرية في تدجيننا، وبث روح التبعية له، والهزيمة النفسية أمامه؟!
إنه لمن غير المحتمل أن يبقى إلى اليوم في المسلمين من يدعي موضوعية الإعلام الأمريكي ومن يستقي منه، فهل ما زال لهذه الدعوى وجود في ظل الحرب المعلنة ضد الإسلام وأهله؟ بل كيف يكون لهذه الدعوى وجود مع هذه المعركة العسكرية، والعدوان الذي نقع تحت وطأته؟! إن الحمق كل الحمق أن تسمح لعدوّك أن يقنعنك وهو في عنفوان اعتدائه، بأن يدعي أنه لن يتأخر عن سحقك، فكيف تسمح لنفسك أن تسمع دعواه بأنه قد يقول ما قد يقويك أو يساعدك على مقاومته؟! ومن البديهي أن إعلام العدو لم يستطع الوصول إلى أهدافه من خلال أسلوب مباشر، بل أيضاً لم يستطع ذلك من خلال أي أسلوب غير مباشر، إنه ليتخذ في سبيل الوصول إلى أهدافه وسائل في غاية المكر والخبث، والخداع، هي نتاج دراسات طويلة عميقة، وخبرات وتجارب كثيرة، لا يكاد ينجو من السقوط في مكائدها أعقل الناس وأكثرهم حذراً، فضلاً عن عوام المسلمين والبسطاء منهم.
فواجب على المسلمين ترك تلك الغفلة التي كانوا عليها ردحاً من الزمن، يوم أن كانت إذاعة ((BBC أو (CNN) هي مصدر أخبارهم، وقد وجدت قنوات إعلامية أكثر تحرراً، في الإعلام المرئي كالتلفزيون والإنترنت، يمكن الاستعاضة بها، ودعمها، وإيجاد ما يسابقها في ذلك.
رابعاً: لقد مر على الأمة زمن طويل، كانت لا تشك في تحديد ملامح ال**** من أبناء جلدتها، ولم يكن هناك من يتردد في أن من دافع بلسانه عن أعدائها الغزاة عميل وخائن، وأن من أحب تسلط أفكار العدو ومبادئه علينا منافق معلوم النفاق، وأن كل من لم يقف في وجه أهداف أعدائنا فهو لن يكون إلا معيناً له في تحقيق أهدافه، وهذا هو الجاسوس الدنيء.
هذه ثوابت في تصورات كل صغير وكبير، مثقف وجاهل، مفكر متعمق وسطحي بسيط! وهي كذلك ولا شك!
لكن كيف ظهر في المسلمين اليوم عملاء **** ومنافقون جواسيس، ويعلنون ولاءهم للأعداء، بعنوان التحرر والتحضر والديموقراطية، وغير ذلك من العناوين القديمة المفضوحة، والتي لم تكن لتخدع أحداً من المسلمين قبل اليوم فظهروا اليوم، ولم يسموا بأسمائهم الحقيقية السابقة، فضلاً عن أن تلاحقهم أجهزة الأمن، وتحاكمهم المحاكم، وأن نعتبر القضاء على الواحد منهم غسلاً لسواد الخيانة من على وجه الأمة.
إن هؤلاء ال**** هم الخطر الحقيقي في هذه الأيام، إنهم المؤهلون لقيادة البلاد الإسلامية في المستقبل القريب؛ لأنهم سيكونون في الحقيقة رؤساء ولايات جديدة للولايات المتحدة الأمريكية، فهل سنسمح لهم أن يلعبوا هذا الدور المفضوح الساخر؟!!
وهنا ومن باب عدم اليأس من هداية هؤلاء ال**** إلى دين الله تعالى، أخاطب هؤلاء العملاء فأقول لهم:
لا يجرمنكم منع الحريات في البلاد الإسلامية، وسوء الأوضاع الداخلية فيها، وانعدام العدالة، في بعضها، والتلاعب بثروات الأمة، أن تكونوا أداة لأعدائها الخارجين، يتخذون منكم سلماً لأغراضهم.
لا تتصوَّروا ولا تُصوَّروا المسألة وكأنها لا تخرج عن واحد من اثنين، إما البقاء على ما نحن عليه، أو الانسلاخ الكامل من ديننا وتاريخنا وثقافتنا، إلى الحياة الغربية ديناً وتاريخياً وثقافة، إذ هناك حل وسط، لأمة الوسط، وهو الإسلام الصافي، المستقى من كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وفق فهم القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين وأتباعهم.
ضعوا أيديكم في يد الأمة كلها، فالأمة كلها تريد الإسلام، وإلا فاعترفوا أنكم تكونون الدكتاتوريين الجدد للعالم الإسلامي، وإن طبّل لكم الإعلام وغنى، كما طبل لغيركم وغنى.
إلى متى التعامي عن الحقيقة، وهي أن هذه الحرب حرب دينية، بكل معاني الحرب الدينية، لقد تحدث الإعلام الغربي نفسه - والأمريكي على وجه الخصوص- عن المبادئ الدينية لدى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وحكومته، وإنما تحدثوا عن ذلك لأحد سببين:
(1) إما لأنه أصبح من الوضوح إلى درجة أن عدم التحدث والاعتراف به سيكون دليلاً دافعاً على انعدام الموضوعية والحريات، فهو اعتراف معروف سيستخدم في تمرير ما ليس بمعروف إلى عقول الناس.
(2) وإما لأن العقلاء منهم يعلمون أن هذا الحد من الوضوح في العداء الديني لن يكتب له إلا الهزيمة.
ولذلك تحدث بابا الفاتكان قبل أيام عن العدوان الأمريكي البريطاني على العراق، مرتعباً من الروح الدينية التي تبدأ خطابات الرئيس بوش وتصريحات حكومته. وهنا أعود مخاطباً الذين لا يزالون على ولائهم الأمريكي من أبناء جلدتنا، فأقول لهم: إما أنه قد جاء الوقت لتعلموا أنكم تضعون أيديكم في يد قسيس لتأخذوا منه الصليب وتعلقوه في أعناقكم، وأنه ليس هو ذلك العلماني الشهواني الذي كنتم تتمنونه، وتحسبونه مهديكم المنتظر!! وإما أن تعودوا إلى أمتكم في أحلك ظروفها وإلى دينكم، وإلى فطرتكم، وإلى شرف الدفاع عن الدين والعرض، والمال.
إنه لا خيار لكم إلا أحد هذين الخيارين؛ لأن من خنتم الأمة لأجله قد خان مبدأ العلمانية الأكبر، وهو: (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، ولم يترك لتحقيق حياة الشهوة المادية التي كنتم تحكمون بها مجالاً بعد تلك الحرب الصليبية التي أعلنها من أول يوم، ولم يزل يعلنها قولاً وعملاً، بل غزواً واعتداءً وحرباً عسكرية ظالمة.
لقد سلبكم الطعم الذي كان يجلب البسطاء المنهكين من المسلمين إلى فخ العلمانية، وهو تحقيق شهواتهم دون تعرض للطقوس العبادية الخالية من معانيها وروحها، حتى هذا سلبكم إياه إذ أعلنها حرباً صليبية لن ترضى بغير الكنائس بدلاً عن المساجد، والفاتيكان بدلاً من بيت الله الحرام.. وهذا مالا قِبَل لأحد منكم أن يعلن بقبوله!! فهل أجد فيكم من يستجيب؟
هذا ما سنح لي أن أكتبه، مع علمي بأن واجب أمتي عليّ أكبر، لكني أسأل الله تعالى أن يثبتني ويعينني على ألا يراني إلا حيثما يحبه ويرضاه.
اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، - والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
د. الشريف بن حاتم العوني 01/04/2003
الحمد لله هادي الحيارى وناصر المستضعفين، وأصلي وأسلم على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، أما بعد..
فلقد علم الجميع وأيقنوا أن الله تعالى سيجعل العاقبة للمتقين، وأنه سبحانه سينصر هذا الدين، وأن الطائفة المنصورة من أهل الإسلام ستبقى ظاهرة إلى قيام الساعة، ولا ينفي ذلك أن الأمة إن عصت ربها – عز وجل- وفرطت في الإعداد لمواجهة أعدائها أنها لن تبتلى، أو أنها لن تهُزَمَ في معركة أو معارك عسكريةٍ، أو أنها لن يُستولى على بلادها وخيراتها، بل لا يعني ذلك أنها لن تبتلى في دينها وتفتن فيه، حتى يرتد بعض المسلمين عن دينهم، كل هذا قد يقع، وقد وقع بعضه في تاريخها، وقد أُخبرنا به في نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، وهي فوق ذلك سنة لا تتبدل في شأن من خالفوا أمر الله تعالى الشرعي والكوني، فلا اتبعوا دينه، ولا اتبعوا الأسباب المادية للنصر والتمكين، لكن يبقى أن الله تعالى لن يرضى أن يزول دينه من على أرضه وبين خلقه، فلابد من أن ينصر أولياءه، ويعلي كلمته ويدفع عن الإسلام وأهله فلا يستأصلوا، بل أن ينتصروا على أمم الكفر كلها، "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون* هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركـون" [الصف: 8-9].
وفي هذه الأيام تقع الأمة تحت تسلط أعدائنا من اليهود والنصارى، والذي يزداد يوماً بعد يوم، والذي لن ينتهي عند حد عندهم، إلا إن حققوا هدفهم الأكبر، وهو زوال هذا الدين عن وجه الأرض،كما قال ربنا سبحانه: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، وكما قال "ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء".
وفي هذه الأثناء تتساءل الشعوب المسلمة المقهورة، التي أريد لها أن تكون فريسة سهلة لأعدائها، وخطط لذلك من زمن بعيد، وتحقق هذا لأعدائها في عموم الأمة، تتساءل هذه الشعوب ماذا نعمل أمام هذه المواجهة؟ ماذا نعمل أمام مواجهة نحن حتى الآن نمنع من أن نقاومها بكل قوتنا؟ بل إننا - وحتى الآن أيضاً- نمنع من الإعداد لتلك المقاومة؟!! هل فات الأوان فعلاً؟!!
ولقد قرأت من إجابات العلماء الناصحين والدعاة المصلحين ما تقر به قلوب أولئك الحيارى، وتستبين به سبيل المؤمنين، ولكن أريد التأكيد على بعض ما ذكر:
أولاً: إن من تلبيس إبليس وتلاعبه بابن آدم أن يطعمه فيما لا يستطيع بلوغه ولا يقدر على تحصيله، ويعظم في نفسه ما يشق عليه غاية المشقة، وفي المقابل تجد هذا العدو الماكر يزهده فيما يقدر عليه، ويحقر في نفسه ما يستطيع القيام به، فينتج عن ذلك العجز الكامل، والقعود عن كل شيء؛ فلا يصل الإنسان إلى ما لا يقدر عليه، وينقطع دون ما يشق عليه، ويترك ما يقدر عليه ويفرط فيما يسهل القيام به، فإذا به في النهاية أسير تلاعب الشيطان، سجين هذه الحيلة الواضحة.
إن من السهل على عموم الناس اليوم الرجوع إلى دينهم، بترك المحرمات والتوبة منها، وبفعل الواجبات وعدم التفريط فيها.
من يعجز عن ذلك في نفسه؟ وأن يحث ويأمر أهل بيته به؟ إن هذا - بكل صراحة ووضوح- هو أول طريق المواجهة الصحيحة لأعدائنا؛ لأسباب، منها:
أن الله تعالى يقول: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، ولأن من عجز أو توانى عما يقدر عليه ولا يعجز عنه، فهو فيما هو أكبر منه وأشق سيكون أعجز وأشد توانياً.
فقبل التلاوم، وقبل التباكي على عجزك عما ترى أنك عاجز دونه، قم أولاً بما تستطيع، إن كنت صادقاً في حرصك وغيرتك، وإلا فدع نفسك وخداع الآخرين.
ثانياً: يجب على الشعوب المسلمة أن تعترف -فرداً فردا- أن الشهوات وحب الدنيا قد أكل قلوبهم وتمكن منهم، وأن الأغلبية الكبرى من الناس -حتى اليوم- لا هم لها إلا العيش الرغيد وتحصيل الشهوات، التي يخالطها الكثير من المحرمات والموبقات في أحيان كثيرة.
هذا حق إن لم نفتح أعيننا عليه الآن، فمتى سنعترف به؟ ومتى سنعرف الداء لنعرف الدواء؟ هل تصدقون أن من المسلمين اليوم من يخترع النكات المضحكة على حال المسلمين اليوم؟!.
يجب علينا أن نعرف إلى أي حد من الوهن والزلة والاستكانة بلغنا، وإلا فلن نعرف حقيقة الداء، ولن نصل إلى أعماق الجرح لنطهره، بل سنكتفي بظاهره، وحينها يصح فينا قول القائل:
إذا ما الجرح رُمَّ على فسادٍ
تبين فيه تفريط الطـــــبيب
أيها الأخ المسلم إن التضحية التي يدعي كل واحد منا أنه مستعد لها، لا يمكن أن يقدم عليها من لم يفهم قوله تعالى الذي نكرره جميعاً: "بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى".
ثالثاً: لقد عرف الناس كلهم ما للإعلام من أثر سحري في عقول الناس ونفوسهم، فلقد شاهدنا جميعاً كيف تتغير الحقائق، وكيف تزول الثوابت، وكيف تتبدل العقائد والمبادئ في قلوب الناس بعد ذلك الإعلام الموجه لتلك الأغراض.
لقد أصبحنا نخشى على من حولنا، أن يأتي يوم يصبح فيه الرجل مؤمنا ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، وأن يكون المعروف منكراً والمنكر معروفاً، كما أخبرنا بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم- من أخبار المستقبل والغيب.
إنه ليجب على الناس أن يعرفوا حقيقة ذلك الإعلام الموجه من أعدائنا، ومن يقع تحت تسلطهم، وأنه لم يكن ولن يكون إلا في صالح الأعداء، وإلا هل نتصور أن عدونا سيُفوّت فرصة استثمار هذه العصا السحرية في تدجيننا، وبث روح التبعية له، والهزيمة النفسية أمامه؟!
إنه لمن غير المحتمل أن يبقى إلى اليوم في المسلمين من يدعي موضوعية الإعلام الأمريكي ومن يستقي منه، فهل ما زال لهذه الدعوى وجود في ظل الحرب المعلنة ضد الإسلام وأهله؟ بل كيف يكون لهذه الدعوى وجود مع هذه المعركة العسكرية، والعدوان الذي نقع تحت وطأته؟! إن الحمق كل الحمق أن تسمح لعدوّك أن يقنعنك وهو في عنفوان اعتدائه، بأن يدعي أنه لن يتأخر عن سحقك، فكيف تسمح لنفسك أن تسمع دعواه بأنه قد يقول ما قد يقويك أو يساعدك على مقاومته؟! ومن البديهي أن إعلام العدو لم يستطع الوصول إلى أهدافه من خلال أسلوب مباشر، بل أيضاً لم يستطع ذلك من خلال أي أسلوب غير مباشر، إنه ليتخذ في سبيل الوصول إلى أهدافه وسائل في غاية المكر والخبث، والخداع، هي نتاج دراسات طويلة عميقة، وخبرات وتجارب كثيرة، لا يكاد ينجو من السقوط في مكائدها أعقل الناس وأكثرهم حذراً، فضلاً عن عوام المسلمين والبسطاء منهم.
فواجب على المسلمين ترك تلك الغفلة التي كانوا عليها ردحاً من الزمن، يوم أن كانت إذاعة ((BBC أو (CNN) هي مصدر أخبارهم، وقد وجدت قنوات إعلامية أكثر تحرراً، في الإعلام المرئي كالتلفزيون والإنترنت، يمكن الاستعاضة بها، ودعمها، وإيجاد ما يسابقها في ذلك.
رابعاً: لقد مر على الأمة زمن طويل، كانت لا تشك في تحديد ملامح ال**** من أبناء جلدتها، ولم يكن هناك من يتردد في أن من دافع بلسانه عن أعدائها الغزاة عميل وخائن، وأن من أحب تسلط أفكار العدو ومبادئه علينا منافق معلوم النفاق، وأن كل من لم يقف في وجه أهداف أعدائنا فهو لن يكون إلا معيناً له في تحقيق أهدافه، وهذا هو الجاسوس الدنيء.
هذه ثوابت في تصورات كل صغير وكبير، مثقف وجاهل، مفكر متعمق وسطحي بسيط! وهي كذلك ولا شك!
لكن كيف ظهر في المسلمين اليوم عملاء **** ومنافقون جواسيس، ويعلنون ولاءهم للأعداء، بعنوان التحرر والتحضر والديموقراطية، وغير ذلك من العناوين القديمة المفضوحة، والتي لم تكن لتخدع أحداً من المسلمين قبل اليوم فظهروا اليوم، ولم يسموا بأسمائهم الحقيقية السابقة، فضلاً عن أن تلاحقهم أجهزة الأمن، وتحاكمهم المحاكم، وأن نعتبر القضاء على الواحد منهم غسلاً لسواد الخيانة من على وجه الأمة.
إن هؤلاء ال**** هم الخطر الحقيقي في هذه الأيام، إنهم المؤهلون لقيادة البلاد الإسلامية في المستقبل القريب؛ لأنهم سيكونون في الحقيقة رؤساء ولايات جديدة للولايات المتحدة الأمريكية، فهل سنسمح لهم أن يلعبوا هذا الدور المفضوح الساخر؟!!
وهنا ومن باب عدم اليأس من هداية هؤلاء ال**** إلى دين الله تعالى، أخاطب هؤلاء العملاء فأقول لهم:
لا يجرمنكم منع الحريات في البلاد الإسلامية، وسوء الأوضاع الداخلية فيها، وانعدام العدالة، في بعضها، والتلاعب بثروات الأمة، أن تكونوا أداة لأعدائها الخارجين، يتخذون منكم سلماً لأغراضهم.
لا تتصوَّروا ولا تُصوَّروا المسألة وكأنها لا تخرج عن واحد من اثنين، إما البقاء على ما نحن عليه، أو الانسلاخ الكامل من ديننا وتاريخنا وثقافتنا، إلى الحياة الغربية ديناً وتاريخياً وثقافة، إذ هناك حل وسط، لأمة الوسط، وهو الإسلام الصافي، المستقى من كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وفق فهم القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين وأتباعهم.
ضعوا أيديكم في يد الأمة كلها، فالأمة كلها تريد الإسلام، وإلا فاعترفوا أنكم تكونون الدكتاتوريين الجدد للعالم الإسلامي، وإن طبّل لكم الإعلام وغنى، كما طبل لغيركم وغنى.
إلى متى التعامي عن الحقيقة، وهي أن هذه الحرب حرب دينية، بكل معاني الحرب الدينية، لقد تحدث الإعلام الغربي نفسه - والأمريكي على وجه الخصوص- عن المبادئ الدينية لدى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وحكومته، وإنما تحدثوا عن ذلك لأحد سببين:
(1) إما لأنه أصبح من الوضوح إلى درجة أن عدم التحدث والاعتراف به سيكون دليلاً دافعاً على انعدام الموضوعية والحريات، فهو اعتراف معروف سيستخدم في تمرير ما ليس بمعروف إلى عقول الناس.
(2) وإما لأن العقلاء منهم يعلمون أن هذا الحد من الوضوح في العداء الديني لن يكتب له إلا الهزيمة.
ولذلك تحدث بابا الفاتكان قبل أيام عن العدوان الأمريكي البريطاني على العراق، مرتعباً من الروح الدينية التي تبدأ خطابات الرئيس بوش وتصريحات حكومته. وهنا أعود مخاطباً الذين لا يزالون على ولائهم الأمريكي من أبناء جلدتنا، فأقول لهم: إما أنه قد جاء الوقت لتعلموا أنكم تضعون أيديكم في يد قسيس لتأخذوا منه الصليب وتعلقوه في أعناقكم، وأنه ليس هو ذلك العلماني الشهواني الذي كنتم تتمنونه، وتحسبونه مهديكم المنتظر!! وإما أن تعودوا إلى أمتكم في أحلك ظروفها وإلى دينكم، وإلى فطرتكم، وإلى شرف الدفاع عن الدين والعرض، والمال.
إنه لا خيار لكم إلا أحد هذين الخيارين؛ لأن من خنتم الأمة لأجله قد خان مبدأ العلمانية الأكبر، وهو: (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، ولم يترك لتحقيق حياة الشهوة المادية التي كنتم تحكمون بها مجالاً بعد تلك الحرب الصليبية التي أعلنها من أول يوم، ولم يزل يعلنها قولاً وعملاً، بل غزواً واعتداءً وحرباً عسكرية ظالمة.
لقد سلبكم الطعم الذي كان يجلب البسطاء المنهكين من المسلمين إلى فخ العلمانية، وهو تحقيق شهواتهم دون تعرض للطقوس العبادية الخالية من معانيها وروحها، حتى هذا سلبكم إياه إذ أعلنها حرباً صليبية لن ترضى بغير الكنائس بدلاً عن المساجد، والفاتيكان بدلاً من بيت الله الحرام.. وهذا مالا قِبَل لأحد منكم أن يعلن بقبوله!! فهل أجد فيكم من يستجيب؟
هذا ما سنح لي أن أكتبه، مع علمي بأن واجب أمتي عليّ أكبر، لكني أسأل الله تعالى أن يثبتني ويعينني على ألا يراني إلا حيثما يحبه ويرضاه.
اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، - والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
