لواء أبو «الذانات»

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • جاسم الكويتي
    عضو متميز
    • Feb 2002
    • 16857

    #1

    لواء أبو «الذانات»

    تواصلت حملة صدام حسين لقطع الآذان على مدى ثلاثة أيام، من 17 إلى 19 مايو 1994، في جميع مدن العراق. بعض الرجال الذين فقدوا آذانهم وعددهم نحو 3,500 يروون حكاياتهم الآن.
    وضحايا صدام بعض الأكثر حزنا في بلد زاخر بالحزن. يتقدمون حشدا من الشحادين والمتسولين الذين يتجمعون أينما وجدوا أجانب، سواء أكانوا جنودا أم صحافيين أم عاملي إغاثة.
    معظمهم، كأحمد حسين، لا يتحدثون ولو بضع كلمات بالإنجليزية، لكنهم ليسوا بحاجة إلى ذلك. خارج مقر وحدة المارينز الاستطلاعية الـ 15 في الناصرية بالأمس لم يكن على أحمد حسين إلا أن يدير رأسه مظهرا مقطعه الجانبي، ومتمتما كلمة واحدة فقط هي «صدام»، وهو يشير إلى مكان «الجدعة» حيث كانت أذنه اليمنى. لم يكن يستجدي النقود، مع أنه لم يملك شيئا منها، أو يطلب زجاجة من الماء أو مكالمة خارجية، كما يفعل كثيرون غيره في مكان لا تنساب فيه المياه، ولا تعمل فيه الهواتف. أراد فقط أن يروي قصته. أخذت قصة الرجال العراقيين ذوي الآذان المقطوعة تتحول إلى رواية بائسة مألوفة والناس يزدادون قناعة بأن صدام حسين والبعثيين لن يعودوا أبدا. لقد أصبح بإمكانهم أخيرا أن يتحدثوا بحرية. وربما لا تكون هذه هي الفظاعة الأكبر التي اقترفها نظام صدام، لكنها تبرز (أكثر من غيرها) بسبب قباحتها الإكلينيكية وصدى التشويه الطبي النازي الذي تردده.
    كان أحمد حسين بين أولئك الذين اعتقلوا خلال حملة شنت على الهاربين من الجيش العراقي عام 1994» وكان قد ترك وحدته، كما يقول، «لأنني لم أرد غزو الكويت مرة أخرى». وأخذ، في اليوم نفسه الذي اعتقل فيه، إلى غرفة العمليات في مستشفى صدام العام في الناصرية وعصبت عيناه. وأعطاه أحد الجراحين مخدرا موضعيا. ومع ذلك كان الألم شديدا حين قص أذنه حتى العظم تقريبا بمبضع شفرته طويلة. «أردت قتل نفسي ساعتها»، كما قال، «كيف يمكن للرجل أن يعيش دون أذنه»؟
    بعد صدور الحكم بسجنه لمدة 25 عاما ألقي حسين في السجن، وعذب يوميا في محاولة لدفعه إلى الاعتراف بأنه كان يتآمر ضد نظام الحكم- مما كان سيعني حكما بالموت. وتبدو آثار طعنات سكين عميقة، وعظام مكسرة شفيت عرضا على ذراعيه ورجليه. وقد جلب له العفو العام الصادر بعد أربع سنوات قليلا من الراحة» فجدعة أذنه شكلت حرف هاء أحمر أشارت إلى هربه، وسدت طرق العمل أمامه. «لا يمكنني الزواج وأذني مقطوعة»، قال حسين، «ما من امرأة سترغب في الزواج مني».
    استمرت حملة بتر الآذان لثلاثة أيام 17 ـ 19 مايو 1994، في جميع مدن العراق. ولم تكن معروفة للعالم الخارجي، كما لم يكن الكثير مما جرى داخل عراق صدام. ما من أحد يعرف عدد الرجال الذين فقدوا آذانهم، لكن لا بد للعدد أن يكون بالآلاف. أحد الضحايا قال إن حراسه أخبروه بأن العدد الإجمالي في البلد كله بلغ .3.500 في البصرة وحدها سجن 750 جنديا في معتقل يدعى سرية دوريات الشرطة، قرب السوق في وسط المدينة. وأخذوا كلهم في مجموعات من 10 أفراد إلى مستشفيات المدينة الرئيسية الثلاثة حيث وضعت مناوبات للجراحين لإجراء عمليات البتر على مدى الأيام الثلاثة. أجبر الجراحون كلهم على المشاركة» واستطاع البعض الهرب إلى خارج البلاد، وأعدم أحدهم فورا في مستشفى الجمهورية لأنه رفض استخدام مبضعه، حسب قول أطباء هناك. هنالك القليل من الشك في أن الأمر أتى من القمة» ففي البصرة، قال الضحايا انهم رأوا كلا من عبد البكر السعدون ونوري السعدون، وهما المسئولان الأبرز في حزب البعث في المدينة، في أحد المستشفيات قبل بتر آذانهم بالضبط. وهنالك زعم بأن نوري السعدون سأل أنور رزاق «لماذا هربتم»؟ «قلت له (لم أهرب) فضربني هو بنفسه».
    ويقول ضحايا من البصرة أن عبد البكر السعدون، وهو مسئول كبير في حزب البعث، كان في المستشفى خلال عمليات بتر آذانهم. وكان أنور واحدا من كثيرين اعتقلوا في الحملة مع أنهم لم يكونوا من الهاربين. فقد كان قد أعطي إجازة في نهاية الأسبوع من قبل ضابط وحدته، لكن أوراق الإجازة لم تكن معه حين أوقفه حاجز للحزب قرب بيته حيث تم التعرف عليه كجندي. وقد رفضوا التأكد من وحدته، وربما لأن كوادر الحزب الذين كانوا يمسكون بالهاربين كانوا يتلقون مكافآت كبيرة. وكانت المكافئات تصل أحيانا إلى 200 ألف دينار حسب وثائق لحزب البعث» أي ما يقرب من راتب 18 شهرا.
    بعد أن ضربه السعدون، أخذ أنور إلى غرفة عمليات حيث استطاع رفع العصبة عن عينيه بما يكفي لرؤية الجراح والتعرف عليه. لكنه يرفض تسميته. «كان يعتذر ويقول إنهم أجبروه على فعل ذلك»، قال أنور، «لم تكن غلطته». ولم يعط الضحايا أية مسكنات، بل ربطوا إلى طاولتهم. «كنا نبكي جميعا، كلنا».
    خسر أنور كلتا أذنيه» وفقد ضحايا آخرون أذنا واحدة. السبب ليس واضحا. سجن أنور رزاق بعد ذلك وعذب دوريا، مثل أحمد حسين والضحايا الآخرين. وسخر الحراس منه. «كانوا يدعوننا بأبو الذانات.. الآذان المبتورة». وبعد أن أطلق سراحه بعد عامين، فسخت خطيبته خطبتها له عوضا عن الزواج من رجل مشوه لا يملك فرصا للعمل. ولم يكن بإمكان أي من الرجال مبتوري الآذان الحصول على عمل لأن الحزب كان يسيطر على الوظائف في معظم قطاعات الاقتصاد. ويعرف جميع الرجال مقطوعي الآذان عددا كبيرا آخر ممن عانوا المصير نفسه. «أنا أعرف 50 على الأقل هنا فقط»، قال حسين من الناصرية، المدينة الصغيرة.
    ابن عم أنور، نبيل عبد الرزاق، التقط بطريقة مماثلة في البصرة بعد أن ابتعد عن وحدته، مع أنه يقول انه لم يكن يعتزم الهرب. كان قد تغيب ليومين فقط لأداء امتحاناته المحاسبية. لكنه كان محظوظا. فقد كان نبيل، المحاسب في شركة بيبسي التي يملكها غريب كبة- وهو أغنى أغنياء البصرة- صديقا قديما لكبة أيضا. واستطاع كبة دفع مليون دينار من الرشاوى لتخفيف تشويه نبيل. وقد سمح لنبيل بالتبرع بالدم أولا، لاستعماله إذا دعت الحاجة لتعويض ما فقده أثناء الجراحة. وكان سيعطى مسكنات. والأهم من ذلك كله أن الطبيب سيقطع نصف أذنه اليمنى فحسب. «قبلني الطبيب وقال إنه آسف جدا لكنه كان مجبرا على ذلك». ولم يكن الضحايا الآخرون بمثل هذا الحظ. «كثيرون منا نزفوا حتى الموت بعد ذلك»، كما يقول أنور رزاق. ووسم البعض بقضيب معدني ساخن في المستشفى حيث طبعت كلمة «جبان» على جباههم. ومما يثير العجب أن أيا من الضحايا لا يلوم الجراحين الذين اجبروا على القيام بالعمليات. ويبدو أن الكثير من الأطباء مازالوا يرزحون تحت الشعور بالذنب والعار بسبب ذلك، وقليلون فقط يوافقون على الحديث عن الموضوع. «كانوا يريدون إشراكنا بالجريمة»، قال جراح في مستشفى البصرة التعليمي يصر على انه استطاع تجنب العمل عن طريق الادعاء بأنه كان مريضا وقت نوبته. «وأرادوا أيضا أن يعرف الجميع بما جرى». ولم يجرؤ الأطباء بعد ذلك على تقديم المساعدة لأي من الرجال المشوهين. «كان عملا قذرا إلى أقصى حد»، كما قال الدكتور عبد الخالق زعتر بنيان، وهو جراح قلب وقنوات صدرية في المستشفى التعليمي. «لم يكن أحد يتجرأ على القيام بعمليات تجميل». عمليات التجميل هي كل ما يريده معظم هؤلاء الرجال الآن.
    ويعاني الكثيرون منهم من عجز سمعي، وقد تسببت العناية اللاحقة السيئة بمشاكل أذن داخلية أيضا. ويقول أنور رزاق أنه يعاني من طنين الأذن منذ عملية البتر. إن عملية إعادة بناء الأذن الخارجية باستخدام الجلد والغضروف من مناطق أخرى من جسم المريض عملية ممكنة في ظل جراحة التجميل المعاصرة. «نحن نأمل فقط بأن تأتي منظمة غير حكومية ما من أمريكا لترد لنا آذاننا» يقول نبيل رزاق. وهو طلب متواضع من رجال عانوا الأمرين.

    منقول

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...