ماركس، لقد كنت محقاً! (الجزء الأول)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • guevara
    عضو فعال
    • Apr 2004
    • 556

    #1

    ماركس، لقد كنت محقاً! (الجزء الأول)

    ماركس، لقد كنت محقاً! (الجزء الأول)


    إلى كل الذين يعتقدون أن الماركسية عفا عليها الزمن!!!

    لو كان المواطنون الروس في 21 آب/أغسطس عام 1991(يوم الانقلاب الرأسمالي في روسيا) يعرفون أي مصير ينتظرهم شخصيا وينتظر أولادهم وأحفادهم في العقد الآتي بعد هذا التاريخ، لكان هرع إلى المتاريس عند البيت الأبيض بضعة آلاف من أهالي موسكو، وكنسوا من هناك جموع المدافعين عن الديموقراطية الميامين مع متاريسهم وزعيمهم يلتسين! أقول هذا إذ أتذكر ابتهاج جموع الشعب في الغرب حين انهار جدار برلين. فلو علم هؤلاء ماذا ينتظرهم بعد إزاحة الجدار لراحوا يعلّونه ويدعّمونه حتى يصبح كسور الصين ارتفاعاً ومنعةً.

    لكي ندرك الزمن الحاضر لا بد، مهما تخرص المتحذلقون، من قراءة ماركس من جديد. فقد كان نبي الشيوعية الملتحي هذا على حق.

    في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قال ماركس: إن تطور الرأسمالية يؤدي في حد ذاته إلى تدني الأجر الفعلي للعاملين الأجراء. فراس المال، حسب قوله، سوف يدفع للعاملين في خاتمة المطاف فقط ما يكفي لكيلا يموتوا جوعاً ولكي ينتجوا وحسب من يخلفهم على هذه الأرض، فيكمل الأبناء ما بدأه الآباء من عمل في خدمة رأس المال. وفي الوقت نفسه سيتناقص عدد الرأسماليين ليضحوا قلة ضئيلة من كبار الأغنياء المفرطين في الغنى والثراء، وستنشأ بينهم وبين عامة الشعب هوة.

    في القرن العشرين كان ثمة من راح يهزأ من تنبؤات ماركس هذه. فالقرن الماضي بدا وكأنه فعلا شاهد على نقض نبوءة ماركس هذه سنة بعد سنة. فرفاه العمال في الغرب كان يزداد، لا سيما في النصف الثاني من القرن. وباتت نظرية ماركس تعتبر ضرباً من الهذيان. وصارت رأسمالية الغرب تبدو وكأنها مهتمة برفاه الناس حريصة على سعادتهم.

    غير أن الناس توقفت عند هذا الواقع دون أن تمعن في حيثياته وتتعمق في أسباب حصوله. قلة قليلة فقط منهم نفذت إلى السبب الحقيقي لذاك العصر الذهبي الذي عاشه عمال الغرب. فثورة عام 1917 في روسيا هي التي أفزعت رأس المال كل الفزع ليفعل ما فعل من تحسين لمعيشة العاملين لديه. فقد بات من جرائها يلزم التصدي للسوفيات، لمجالس نواب العمال والفلاحين والجنود في روسيا، وتقديم البرهان على أن الرأسمالية قادرة على تأمين حياة أفضل للعاملين. لا سيما أن الاتحاد السوفياتي تحول لاحقا إلى كوكب بأكمله مستقل له اقتصاده وله نظامه النقدي الخاص به. وكان الدب الأحمر الضخم هذا متراميا في استلقائه على سدس يابسة الأرض مانعاً الطامعين بالهيمنة على كل الأرض من تحقيق مأربهم. ولذا كان العامل في ألمانيا الغربية مثلا يحصل على 45 ماركاً لقاء ساعة عمله. ولذا أيضا استثار وجود الاتحاد السوفياتي ظاهرة ما كانت لتُعقَل في زمن ماركس هي نشوء طبقة وسطى تعد بالملايين وتحولها في الغرب إلى أكثرية.

    وها هو الاتحاد السوفياتي الآن قد اختفى عن الخارطة، فبرزت في السوق العالمية جحافل البؤساء الجدد المستعدين للقيام بأي عمل وبأي أجر. آنئذ رفعت الرأسمالية الغربية عن وجهها قناع الأب الحنون العطوف ليبرز من تحته وجه الحوت المفترس وشدقاه المخيفان. وتبين فجأة أن وجود "الوجه المتوحش للإمبريالية" لم يكن البتة من اختراع الدعاية السوفياتية.

    فبدأت حقبة تاريخية جديدة أخذت فيها الطبقة الوسطى في الغرب تسير نحو الهلاك وتنحدر أكثر فأكثر إلى درجات أدنى في السلم الاجتماعي. فأجورها باتت تهبط والبطالة تستشري في أوساطها. ولم يمض طويل وقت حتى اتضح أن هذا ليس أبداً بالظاهرة العابرة، وأن العالم يعود إلى سيناريو كارل ماركس في شأن انقسام المجتمع إلى زمرة ضئيلة من كبار الأغنياء وأغلبية ساحقة من البؤساء الفقراء بينهما عدد صغير من أبناء الطبقة الوسطى المستجدة.

    وقد تذكر بعض المثقفين فجأة أن المجتمع الذي يحق فيه لكل امرئ أن يدلي بصوته، والذي يعتقد الناس فيه أن الدولة ملزمة الاهتمام برفاهية المواطنين، ليس سوى مشهد قصير زمنيا في تاريخ العالم الرأسمالي، وأن الأغنياء كانوا على امتداد الجزء الأكبر من الحقبة الرأسمالية يستغلون الفقراء الاستغلال الشنيع، وأن هؤلاء الفقراء لم يكن أحد يهتم بهم، بل تُركوا وفقرهم وجها لوجه. الآن ليس ما يستدعي من رأسماليي الغرب مغازلة العاملين. فهم الآن لا يخشون أن يخرج العاملون في الغرب إلى التظاهر تحت الأعلام الحمراء مطالبين بفعل ما كانت تفعله روسيا السوفياتية والتمثل بها بعد اختفاء الأخيرة.

    وأكثر ما يبدو تعسر الأمور الآن في أوروبا التي كانت فيها ماضياً أقوى مما في غيرها عناصر الاشتراكية. فالألمان مثلا كانوا معززين مكرمين، ورجال الأعمال السويديون كانوا يدفعون من الضرائب ما يكفي ويزيد ليؤمن للشعب التعليم والطبابة المجانيين. وها هو رأس المال يقرر فجأة وضع حد لكل هذا.

    فأي معنى فعلا لإبقاء مؤسسة ما في أوروبا حيث العمال مرتفعو الثمن بل لا يعجبهم العجب، ما دام بالإمكان الآن تأسيس مصانع ومعامل هناك حيث يرضى العمال أن يعملوا مقابل شروى نقير، دون أن يطالبوا بأية ضمانات اجتماعية، وحيث هم موافقون على الحصول شهريا على ما يتقاضاه العامل الأوروبي في اليوم الواحد. فيمكن إذا نقل المصنع إلى الصين أو إلى ماليزيا أو إلى البلدان الاشتراكية سابقا في أوروبا الشرقية. وأرباح الرأسماليين ستجنح إلى النمو ولن يكون عليهم بعد الآن أن يدفعوا الضرائب المرتفعة في أوروبا. فما الذي يبقى في أوروبا؟ فقط المكاتب الرئيسية للشركات والمؤسسات، وهي قادرة كل القدرة على إخفاء أرباحها الطائلة بمئات أساليب الاحتيال وطرائقه. وإذا ما بدأت الدولة تطالب بحقها على الرأسماليين فإن المكاتب هذه سيمكن نقلها إلى بلدان أقل تطلباً تكون فيها الضريبة المفروضة على الربح ضئيلة أو معدومة كليا. بل يمكن حتى تحاشي أية ضرائب بنقل المكتب إلى متن سفينة ضخمة خاصة بالشركة المعنية مثلا. وليس مصادفة أن بدأت مشاريع بناء سفن ضخمة مخصصة لمكاتب الشركات الكبرى بهمة ونشاط خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

    إن رأسماليي أوروبا يتهكمون صراحة على دولهم: أنتم تطالبوننا بأن ندفع للعامل ما لا يقل عن 3 آلاف يورو شهريا؟ نحن سنفعل هذا، ولكن سيكون عدد عمالنا الآن أقل مما كان بعشر مرات. ولأجل هذا سنسرح من مصانعنا ملايين الأشخاص. فالسلع الأوروبية باتت تخسر أسواقها، فهي مرتفعة الثمن كثيرا، والمستهلك بات يفضل شراء أحذية أو جزادين أو سراويل من ماركات أوروبية شهيرة ولكن مصنوعة في مكان ما بآسيا مثلا.

    وها هي قد أخذت تهافتت أمام أعيننا "الاشتراكية السويدية"، حلم بعض الحالمين المسطحي العقول. وها هي تتنامى في أوروبا البطالة ويتقلص عدد أماكن العمل. وها هم الأوروبيون الآن موافقون، لأجل الحفاظ على مراكز العمل، على أن تخفض أجورهم وتقلص ضماناتهم الاجتماعية. ويبين كتاب هانس بيتر مارتن وهارالد شومان الشهير "فخ العولمة: هجمة على الازدهار والديموقراطية" هذه الأمور على خير وجه. بيد أن رحيل الإنتاج من أوروبا القديمة إلى بلدان أخرى ليس إلا نصف المشكلة. فهناك مشكلة التقدم التقني الذي وإن لم يكن يتسم بطابع الثورية، فإنه زاد كثيرا من إنتاجية العمل. وليس يمس هذا فقط عمل المصانع. فتقدم الإنترنت وتقنيات المعلوماتية والـ"Multimedia" والنقود الإلكترونية وآلات دفع النقود عند أبواب المصارف أمور أدت إلى تقلص أماكن العمل تقلصا هائلا في المصارف ومكاتب إدارة الشركات وفي شركات التأمين والتجارة. ولم يعد ثمة من حاجة إلى ذاك القدر من "ذوي الياقات البيض" في مجالي السياحة وشركات الطيران. والإنتاج الكمبيوتري الصغير الذي يمكنه أن يرمي إلى السوق بلمح البصر دفعات من السلع تتفق وأي ذوق، هذا الإنتاج الذي أفرط في مديحه طوفلر في كتابه "تحولات السلطة" (1990)، جعل ملايين الأيدي العاملة غير لازمة. إلا أن طوفلر كان لا يزال يظن أن إنتاجا كهذا سيبقى فقط مقتصرا على أوروبا والولايات المتحدة، فأخطأ. فهذا الإنتاج ما عتم أن انتقل إلى بلدان "ذوي الأعين الضيقة" من أبناء آسيا. وتبين فجأة أن أوروبا لم تعد بحاجة إلى الـ300 مليون نسمة الذين يشكلون سكانها، وأن إشباع السوق بكل الخيرات المادية وغيرها يكفي لأجله خمس الأوروبيين الذين يرزقون أحياء الآن. أما الباقون منهم فزيادة تثقل كاهل الاقتصاد وتزيد الهم على القلب!!! (يتبع)


    ( قلم الرفاق )

    تحيات رفيق ...

    CHE GUEVARA

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...