
تفجيرات مدريد
أبدت بعض الحكومات الأوروبية مخاوفها من تحول الأوروبيين الذين اعتنقوا الإسلام إلى إرهابيين. وقد اعتقل العديد من الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام بتهم لها صلة بالإرهاب.وقال الخبير في مجال الإرهاب في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية في باريس جان لوك ماريت أن معتنقي الإسلام في أوروبا قد يتم توجيههم من قبل الجهاديين لتوجيه ضربات إرهابية. وأضاف ماريت "لقد تم استخدام هؤلاء كدعاة للإسلام في السابق وتمت الاستفادة منهم كدعم لوجستي في أمور أخرى، أما الآن فهم مهيؤون للاستفادة منهم في هذا المجال – أي الإرهابي-".
ونقلت صحيفة "النيويورك تايمز" أن الإسلام أسرع الأديان انتشاراً في أوروبا. ورغم أنه لا توجد إحصائية دقيقة إلا أن الصحيفة تقول إن عدد معتنقي الإسلام قد زاد بعد أحداث سبتمبر بطرق كثيرة وذلك بسبب الحملة ضد الإرهاب.
من جهة أخرى قال الكاتب الفرنسي انتوان سفير الذي يؤلف كتاباً عن هذه القضية أن عددا قليلاً من معتنقي الإسلام الذين أثروا على الشباب الصغار يرون موجة الإرهاب الإسلامي على أنه "نوع من القتال ضد الأغنياء الأقوياء من قبل فقراء الكوكب".
وقالت الصحيفة إن عددا صغيرا من الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام يتعاطفون مع الإرهابيين والقليل من هؤلاء القلة قد تورطوا في أنشطة إرهابية. وأضافت الصحيفة أن العشرات فقط من معتنقي الإسلام قد انضموا إلى عصابات إرهابية.
وذكر تقرير لوكالة الاستخبارات المحلية الفرنسية نشرته صحيفة "لي فيغارو الفرنسية" أنه وصل عدد معتنقي الإسلام في فرنسا مابين 30.000 إلى 50.000، وذكرت صحيفة النيويورك تايمز أن الشرطة الفرنسية تركز على هذه الفئة الصغيرة المنتمية إلى الإرهاب مهما قل عددهم.
وقال التقرير إن "اعتناق الإسلام بواسطة أناس لهم خلفيات هشة سيؤدي بلا شك إلى احتمالية التحول إلى أن يكونوا إرهابيين". وأضاف التقرير أن الأصوليين من المسلمين بدأوا بتجنيد معتنقين جدد لسهولة تحركاتهم وتنقلاتهم بين الحدود وأيضا لاستخدامهم في استئجار المساكن وتقديم دعم لوجستي.
التيار ليس فقط في أوروبا
خطورة تحول معتنقي الإسلام إلى إرهابيين لم تقتصر على أوروبا فقط، وإنما توسع هذا التيار ليصل إلى دول في الشرق مثل أستراليا، والغرب مثل أمريكا.
ذكرت الصحيفة قصة سائق التاكسي الأسترالي جاك روتش الذي ولد في بريطانيا واعتنق الإسلام وسافر إلى أفغانستان، حيث تدرب هناك وبعدها عاد إلى أستراليا ليحاول أن يفجر السفارة الإسرائيلية هناك، لكن السلطات الأسترالية قبضت على جاك وحكم عليه بالسجن لمدة 9 سنوات.
وحين تخطيطه للتفجير كان جاك يصور السفارة الإسرائيلية بواسطة كاميرة فيديو وسئل حينها من قبل أحد حراس السفارة عما يفعله فأجاب أنه مهتم بفن العمارة في المنطقة، وسأله الحارس الذي صدقه هل هذا فعلاً كل ما في الأمر؟ وأثناء المحاكمة تم استعراض المشهد وأقوال جاك والحارس وقال الحارس وقتها "لم أكن أعتقد أنك أردت تفجير السفارة.
وفي الولايات المتحدة ألقت الحكومة الأمريكية القبض على خوزيه باديلا بتهمة التخطيط لهجمات إرهابية. وقد اعتنق خوزيه الإسلام في عام 1992 عندما كان في سجن بولاية فلوريدا.
وعودة إلى أوروبا نشأ الأخوان ديفيد وجيروم كورتيلر في مدارس كاثوليكية ومن ثم اعتنقا الإسلام في بريطانيا. وقد اعتنق ديفيد الإسلام في مسجد بمدينة برايتون عام 1996، والشابان ينتميان إلى أسرة فقيرة من أبوان مطلقان كان يعمل والدهما جزاراً ثم أجبره الفقر أن يبحث عن عمل في مكان بعيد. ويقبع الشابان الآن في السجون بسبب انتمائهما إلى تيارات إرهابية كانت لها مخططات في أوروبا. ويجد المسلمين الأوربيين سهولة التنقل بين دولهم ، وهو ما ليس متاحا للعرب.
ونقلت صحيفة النيويورك تايمز عن مسؤول فرنسي في مكافحة الإرهاب قوله إن أغلب معتنقي الدين الإسلامي في الآونة الأخيرة هم من النساء وهذا ما يعقد القضية أكثر.
وذكرت الصحيفة أن معتنقي الإسلام يلتحقون بالجماعات الإرهابية بطرق مختلفة أشهرها من خلال الاحتكاك بهم في السجون الأوروبية حيث بدأت المجموعات الإسلامية تتزايد فيها.
ومن ضمن هؤلاء الذين اعتنقو الإسلام على يد المجموعات الإرهابية ريتشارد ريد البريطاني الذي حاول تفجير طائرة عن طريق وضع قنبلة في حذائه. الجدير ذكره أن 50% من المساجين في السجون الفرنسية هم مسلمون بحسب ما نقلته الصحيفة.
بوابة إسلامية غير إرهابية
ومن الأنماط الأخرى التي يلتحق فيها معتنقي الإسلام بالجماعات الإرهابية هو جماعة التبليغ (أكبر شبكة دعوية إسلامية في العالم) والتي انطلقت من الهند قبل 75 سنة لتواجه الزحف الهندوسي.
ورغم أن هذه الجماعة غير إرهابية إلا أنها أرسلت معتنقي الإسلام إلى دول مثل السعودية وباكستان وهناك يقابلون أناس إرهابيون وينضمون إليهم. ومن بين هؤلاء الذين كانوا من جماعة التبليغ ولكن تحولوا إلى إرهابيين جون والكر الأمريكي الذي قبض عليه وهو يقاتل مع الطالبان في أفغانستان ضد أمريكا عام 2002، وأيضا هيرف لويسيو الشاب الفرنسي الذي تجمد حتى الموت في جبال تورا بورا عندما كان يحاول أن يهرب من الهجوم الأمريكي على تلك الجبال في نهاية 2001.
وذكرت الصحيفة أن هناك من يعتنق الإسلام بسبب تأثير الأهالي – وخاصة في فرنسا التي يكثر فيها التزاوج بين المسلمين والمسيحيين – أو عن طريق تأثير الجيران في الحي.
وذكرت مصادر أمنية للصحيفة أن تبني الإرهاب في الإسلام بدأ منذ الجيل الأول للقاعدة الذي نشأ من الحرب الأفغانية السوفيتية في الثمانينات. وتضاعفت الجهود في تجنيد الإرهابيين منذ الاحتلال الأمريكي لأفغانستان.
وقالت الشرطة بدأت قيادات القاعدة تجند أجيالا جديدة من المساجد الأوروبية من خلال مجموعات إرهابية محلية، حيث كان من بينهم جيروم كورتيلر بالإضافة إلى الفرنسي جوهان بونتيه وجين مارك جراندفايزر. وقد تم اعتقال الثلاثة بعد أن خططو لتفجير السفارة الأمريكية في باريس، وكان المخطط قد أعد قبل أحداث سبتمبر لينفذ بعدها.
وقد أعتنق بونتيه الإسلام عام 1999 في ليستر ببريطانيا عن طريق زوج أخته جميل بيقال الفرنسي من أصل جزائري، والذي أيضا أثر على جيروم وأدخله إلى الدين الإسلامي. وذكرت مصادر أمنية فرنسية أن بيقال هو العقل المدبر الذي وضع خطة عملية تفجير السفارة الأمريكية في باريس.
الطريق إلى الجهاد
نقلت الصحيفة عن خبراء في مجال الإرهاب أن المسافة بين اعتناق الإسلام والتحول إلى إرهابي قد تكون قصيرة، ذلك أن الكثير من الذين يعتنقون الإسلام ليست لديهم قاعدة دينية صلبه ولا ينحدرون من خلفية ثقافية لنبذ فكرة تبني التطرف في الإسلام. والكثير يصوغ الفكر السائد حول الصراع بين الإسلام والغرب.
وقال الخبير في مجال الإرهاب ستيفن سايمون "كلما قلت معرفتك بالإسلام كلما سهل للغير أن يقدم لك "وجوب الجهاد المنسي". قال محققون أمريكيون –بحسب الصحيفة – إن ديفيد كان ملازماً لمتطرفين إسلاميين ومكث مدة من الزمن مع زكريا موسوي الذي يواجه تهمة التورط بأحداث سبتمبر.
وفي المحكمة قال ديفيد كورتيلر إن أصدقاءه عرضوا عليه رحلة إلى أفغانستان ليتعلم القرآن فقبل العرض وأعطي 2000 دولار نقداً ورقم هاتف في إسلام أباد، بالإضافة إلى تذكرة سفر إلى باكستان. وبعد وصوله بأيام أخذ بواسطة سيارة إلى ممر خيبر ومن ثم إلى معسكر تدريب القاعدة المشهور بالقرب من مدينة خوست.
واعترف ديفيد في المحكمة أنه طلب خلال وجوده في المعسكر التدرب على صناعة القنابل ولكن طلبه قوبل بالرفض لأن لغته العربية لم تكن جيدة. وقد رافقه في المعسكر عدة إرهابيين آخرين من بينهم ريد والموسوي بالإضافة إلى أحمد رسام الذي أعتقل عام 1999 بسبب تورطه في التخطيط لتفجير مطار لوس أنجلوس الدولي.
عندما عاد كورتيلر إلى أوروبا في أغسطس 1998 بلغت الاستخبارات الأمريكية الحكومة الفرنسية أنه في طريقه إلى فرنسا برفقة ثلاثة أشخاص آخرين. وبالرغم من هذه المعلومة تمكن ديفيد من المرور بعدد من الحدود الأوروبية، وعلق مسؤولون أوروبيون أن عرقه الأوروبي كان له دور كبير في ذلك.
وذكر مسؤولون فرنسيون من مكافحة الإرهاب أن رجلاً في لندن يدعى عمر ديغايس يقبع الآن في معتقل غوانتنامو بكوبا قد زود ديفيد بأرقام هواتف إرهابيين في إسبانيا والمغرب بالإضافة إلى شخص آخر اعتقل بسبب علاقته بتفجيرات قطارات مدريد في مارس الماضي وشخص آخر اشترك في عمليات انتحارية في المغرب العام الماضي وقد حكم عليه بالسجن لمدة 19 عاماً.
ومكث ديفيد مع الرجل الثاني في طنجة بالمغرب، ولم تنتبه الحكومة الفرنسية لتحركاته ولم ترتاب منه حتى سرق حذائين، وحكم عليه في فرنسا بالسجن بسبب علاقاته الإرهابية لكنه خرج مقابل كفالة بعد 7 أشهر من سجنه، وقال محققون إن ديفيد اختفى بعدها ورحل إلى بريطانيا، حيث قابل بيقال وأثناء وجوده هناك ألتحق به أخوه جيروم واعتنق الإسلام هناك.
شبكة من المتآمرين
ويعتقد المحققون أن ديفيد قدم مساعدات لخلية إرهابية في بريطانيا عام 2000 والتي كانت تخطط لهجمة تفجيرية كبيرة، وقد وجد اسمه في رخصة قيادة فرنسية مزورة، بالإضافة إلى كمية كبيرة من المتفجرات في شقة في مدينة برمنغهام.
ونقلت الصحيفة تقريراً من المحكمة يذكر أن جيروم انتقل إلى روتردام حيث راقبت الاستخبارات الهولندية هاتفه النقال، وربطته بشخصيات يشتبه بعلاقتها بالإرهاب من ضمنهم لاعب كرة القدم التونسي نزار طرابلسي الذي كان من المقرر أن يكون الانتحاري في عملية تفجير السفارة الأمريكية. كما يعتقد أن جيروم له علاقة بالموسوي وأنه قابل ريد عندما كان في هولندا يشتري الحذاء الذي كان من المقرر أن يملأ بالمتفجرات.
اعتقل جيروم بعد أحداث سبتمبر بأيام بسبب علاقته بخطة تفجير باريس، وقد وجدت في شقته لحظة اعتقاله العشرات من الجوازات المزورة وأشرطة فيديو عن الشيشان بالإضافة إلى عملية الهجوم على السفارة الأمريكية في كينيا وتنزانيا، ومقاطع لأسامة بن لادن، كما وجدت تعليمات عن كيفية صناعة قنبلة.
وذكر محققون لصحيفة النيويورك تايمز أن جيروم كان مصدر للجوازات البلجيكية المزورة التي استخدمها الانتحاريون الذين قتلوا قائد حلف الشمال في أفغانستان أحمد شاه مسعود في سبتمبر 2001.
وفي عام 2002 رفض قاض في محكمة هولندية التهم التي وجهت لجيروم والتي تشير إلى أن له علاقة بمنظمة إجرامية عالمية، وأبطل القاضي التهم بسبب أن الأدلة احتوت على معلومات جمعت بطريقة غير شرعية بواسطة خطوط مراقبة. وعاش جيروم بعدها تحت مراقبة كثيفة لمدة عامين من قبل المخابرات الفرنسية.
وبعدها استأنف المدعي العام الهولندي الحكم ووجد جيروم مذنباً وحكم عليه بالسجن لمدة 6 سنوات، وبعدها سلم نفسه في يونيو للسلطات الهولندية في روتردام.
أما أخوه ديفيد فقد وجد مذنباً أيضاً في قضايا مرتبطة بالإرهاب، حيث حكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات قضى منها أكثر من سنة في التحقيقات وألغيت سنتان من المدة لتتقلص المدة المتبقية إلى 6 اشهر سيقضيها في السجن.



تعليق