إيران والولايات المتحدة: السياقات السياسية والاستراتيجية ( 1-2 )

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • بدر الرياض
    عضو متألق
    • Jun 2004
    • 3637

    #1

    إيران والولايات المتحدة: السياقات السياسية والاستراتيجية ( 1-2 )

    الرياض - إيران والولايات المتحدة: السياقات السياسية والاستراتيجية ( 1-2 )

    قضى المبدأ الجديد باحتواء إيران والعراق معا. ولنلحظ هنا أن «الاحتواء» كمصطلح لم يتم تداوله قبل ذلك التاريخ في الخطاب الأميركي الخاص بالخليج وذلك منذ أن بدأ هذا الخطاب في التبلور بعيد الانسحاب البريطاني من المنطقة.




    في العام 1979 سقط الشاه في طهران، وكان ذلك حدثاً تاريخياً بالمعايير كافة. وهنا خسرت واشنطن إحدى قلاعها الإقليمية في ظل مناخ دولي بالغ الحساسية، حيث كانت الحرب الباردة الثانية قد بلغت ذروتها أو كادت. وبعيدا عن التداعيات المباشرة، برزت لدى الولايات المتحدة مخاوف ارتبطت بالتتابعات بعيدة المدى للحدث الإيراني. وقد تبلورت هذه المخاوف في أربعة احتمالات أساسية.

    تمثل الاحتمال الأول في إمكانية حدوث اجتياح سوفياتي لإيران يسفر عن سيطرة كلية أو جزئية على أراضيها، بحيث يصل السوفيات إلى عمق المياه الدافئة ويضعهم بذلك في مواجهة مباشرة مع القوة العسكرية الأميركية، الأمر الذي من شأنه أن يرفع عاليا احتمالات الصدام العسكري المباشر بين القوتين العظميين. والحقيقة إن أحدا لم يكن بوسعه استبعاد هذا الصدام لو أقدم السوفيات على مغامرة اجتياح إيران والسيطرة على أراضيها، وأن نهج التعامل الأميركي مع الاجتياح السوفياتي لأفغانستان لم يكن بالمقدور استنساخه على اجتياح محتمل لإيران.

    وكان اجتياحا سوفياتيا محتملا لإيران سوف يستنفذ ضمن أمور أخرى فراغ القوة في طهران والحضور القوي للحزب الشيوعي الإيراني، المعروف باسم حزب «توده»، هذا الحزب الذي سارع للتماهي من النظام الجديد واعتبر نفسه شريكا أساسيا في الثورة، التي رأى أنها لم تكتمل وأن ما حدث هو مجرد شكل من أشكال الانتفاضة التي لم ترتق بعد إلى المرحلة الثورية. ولقد بدت السنوات الأولى لسقوط الشاه مصطبغة بحضور واضح لحزب توده، وقد استمر ذلك حتى اصطدام هذا الحزب مع الحكومة الجديدة على خلفية اكتشاف محاولة انقلابية كان يخطط لها من داخل الجيش الإيراني. وهنا كان الاصطدام مدويا وحاسما ونهائيا.

    وكان الخوف الآخر الذي ساور المخططين الأميركيين قد تمثل في اندلاع فوضى داخلية تقود إلى تمزق إيران إلى دويلات متناحرة. وعلى الرغم من أن مثل هذا الاحتمال كان يبدو لأول وهلة في مصلحة الولايات المتحدة التي دخلت في عداء شامل مع النظام الجديد في طهران إلا أن الحقيقة خلاف ذلك، إذ كان من شأن مثل ذلك التطور أن يفتح الطريق أمام تدخل روسي، وحتى من دون هذا التدخل، كان من شأن انجرار إيران إلى فوضى داخلية أن يضع منطقة الخليج برمتها على فوهة بركان ويفتح الباب أمام احتمالات خطرة تطال الأمن في المنطقة الممتدة من هرمز إلى كراتشي.

    وتمثلت المخاوف الأميركية، من ناحية ثالثة، في احتمال اندفاع النظام الجديد في طهران باتجاه الداخل الخليجي للسيطرة على مواقع نفطية أو ممرات استراتيجية أو ما هو أكثر من ذلك. وقد رأى المخططون الأميركيون أن طهران قد تستند في مثل ذلك التحرك إلى قوى الإسلام الراديكالي. وهنا بالغ الأميركيون في تقديراتهم لهذه القوى، إذ أنها لم تكن يومذاك سوى قوى يافعة قليلة الخبرة ومحدودة التجربة.

    ومن جهة رابعة، برز لدى المخططين الأميركيين احتمال لا يقل خطورة عن كل ما سبقه، وهو قد تمثل في إمكانية التقاء إيراني سوفياتي يحقق لروسيا حلما مديدا عجزت عن تحقيقه كل آلتها العسكرية والدبلوماسية. بيد أن هذا الاحتمال استند إلى خلط بين ما هو سياسي وأيديولوجي، فالثورة التي أسقطت الشاه كانت ستفقد مبرر وجودها لو هي دخلت في تحالف مع موسكو على خلفية عدائها لواشنطن.

    بيد أن ما يمكن قوله هو أن حسابات طهران الأيديولوجية قد حالت بينها وبين استنفاذ تناقضات البيئة الدولية، وبمعيار السياسة فإن هذا لا يحسب لطهران بل عليها. وهذه مقولة سجالية لم تحسم بعد. وعلى الرغم من ذلك، فإن موقع إيران الدولة من هذه المقولة ليس كموقع إيران الثورة منها، ومقاربات العام 1979 ليست هي ذاتها مقاربات اليوم.

    وفي ذروة تحولها الوطني، بدت مخاوف إيران متجهة نحو الولايات المتحدة دون أن تستثني الروس. بيد أن التحدي الأساسي، أو لنقل الخطر المباشر، قد أتى من بغداد وليس من واشنطن أو موسكو. وهنا كانت حرب السنوات الثماني. هذه الحرب التي استنفذت فيها بغداد العداء الأميركي - الإيراني والروسي - الإيراني على حد سواء. وبهذا المعنى لم تكن بيئة علاقات طهران الدولية بعيدة عن خلفيات الحرب ومجرياتها بل ونتائجها أيضا.

    كان النظام العراقي قد تمكن بناء قوة عسكرية مستندة إلى تسليح سوفياتي وأوروبي شرقي، وذلك على الرغم من كل تناقضاته مع الشيوعية العالمية وكل مجازره الدموية بحق شيوعيي العراق. لقد كانت لعبة التوازنات في النظام الدولي تسمح بتحقيق ذلك، وكانت كل من بغداد وموسكو بحاجة إلى التقارب والالتقاء. ولهذا زخرت بغداد بالخبراء العسكريين والأمنيين الروس واليوغسلاف والتشيكيين والألمان الشرقيين. ولم يكن مسار الحرب العراقية الإيرانية بعيدا بحال من الأحوال عن هذه المعطيات. ويخطي من يقول أن العراق خاض حربه مع إيران بقدرات ذاتية مجردة.

    وبمؤازاة ذلك، بدا التصعيد الأميركي ضد طهران بمثابة ضوء أخطر ضمني لبغداد لتوجيه جيشها نحو إيران، أو على الأقل هكذا فهم الأمر في العراق.

    ولكن دعونا نتساءل الآن: لماذا لم تكن الحرب العراقية ضد إيران خطاً أحمرا في الحسابات الأميركية ؟

    يمكن القول إن القوة العراقية، بخلاف القوة السوفياتية، كان بمقدورها تعطيل القوة الإيرانية وحسب. ولم يكن من الوارد بحال من الأحوال سيطرة العراق على الدولة الإيرانية واستنفاذ قدراتها الجيوسياسية ومن ثم توجيهها في صراع النفوذ الإقليمي أو الدولي. وهذا خلاف ما كان يمكن أن يحدث لو أن السوفيات تمكنوا من غزو إيران وإحكام القبضة عليها.

    إن الذي حدث تحديدا في الحرب العراقية - الإيرانية هو تعطيل القوة الإيرانية ومحاصرتها في رقعتها الجغرافية، وكذلك الحد من انسياب مشروعها الأيديولوجي إلى الدول المجاورة، وفوق ذلك كله استنزاف القدرات المادية والبشرية لإيران. وبهذا المعنى، كانت الحرب شكلا متقدما من أشكال الاحتواء حقق أهداف الولايات المتحدة دون أن تكون طرفا مباشرا فيه. هذا على الرغم من صحة القول أن الدعم الاستخباراتي الأميركي بدأ ينساب على بغداد منذ العام 1984، كما دعمت واشنطن بغداد عبر حلفائها الأطلسيين، وبالذات فرنسا، وحيث كان لمقاتلات «تورنادو» الدور الأكبر في حسم المعركة الجوية لمصلحة بغداد، حيث انتهت الحرب بعد أن دكت هذه الطائرات بيوت طهران على رؤوس ساكنيها فيما عرف بحرب المدن.

    بيد أن الحرب لم تسفر عن تعطيل دور طهران ومشروعها الأيديولوجي وحسب، بل عطلت كذلك دور بغداد ومشروعها الإقليمي. والأخطر من ذلك، قادت هذه الحرب إلى خروج العراق قوة متضخمة عسكريا وخاوية في قدراتها الاقتصادية، وكانت تاليا معرضة لاحتمالات الانفجار الداخلي. وهنا كانت الكويت الوجهة التي اختارها النظام العراقي للتنفيس عن احتقانه وأزمته الداخلية، وحيث أعيد توجيه الجيش العراقي ليعبر الحدود ثانية، ولكن جنوبا هذه المرة. وهنا كان غزو الكويت نتاجا قاسيا للحرب العراقية الإيرانية نفسها. وبذلك استكمل النظام الإقليمي الخليجي تفاعلاته الصراعية، إنما ببعد دولي أكثر وضوحا، وحيث جاءت «عاصفة الصحراء» لتطيح بالتوازن الاستراتيجي الهش في المنطقة وإلى الأبد. وهنا لم تبدأ حقبة جديدة في العلاقات الأميركية العراقية وحسب، بل والأميركية الإيرانية أيضا.

    ماذا حدث على وجه التحديد ؟

    لقد سارع الإيرانيون لدعوة بغداد للخروج من الكويت، وذهب مبعوث إيراني إلى العراق لهذا الغرض. ولم يكن الإيرانيون هنا ليمثلوا طرفا وسيطا بين بغداد والكويت، فعلاقاتهم مع هذه الأخيرة كانت قد وصلت إلى الحضيض، بيد أن الإيرانيين استشعروا الخطر مبكرا، وأدركوا أن بلادهم سوف تغدوا محاصرة بقوة أميركية غير مسبوقة في حجمها. بيد أن العراق لم ينصت للإيرانيين، وإن بادر بتنفيذ بعض الاتفاقات المترتبة على قرار وقف إطلاق النار بين البلدين. وهنا وقف الإيرانيون قريبا من الحياد ولكن دون أن يصلوا إليه. لقد استمروا في معارضة الحشد العسكري الأميركي، وعادوا بعد ذلك ليعارضوا «إعلان دمشق» والاتفاقات الأمنية التي عقدتها الولايات المتحدة مع دول المنطقة.

    وعلى الطرف الآخر من المعادلة، قادت حرب الخليج الثانية لأن تجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة متزامنة مع كل من بغداد وطهران، وفي ذلك تحول تاريخي غير مسبوق في بيئة النظام الإقليمي الخليجي، أو لنقل في التفاعلات الدولية لهذا النظام.

    ومما زاد الوضع تعقيدا أن هذا المتغير جاء متسقاً مع متغير أكثر مركزية هو انهيار التوازن الاستراتيجي في المنطقة، ذلك التوازن غير المستقر الذي استند إلى سباق تسلح كثيف ومفاهيم ردع غير واضحة أو لنقل غائبة.

    لا ريب أن التطورات في المنطقة قد فاجأت الأميركيين الذين شيدوا مقاربتهم لأمن المنطقة على مفاهيم لم تعد قادرة على التواصل والاستمرار بحكم الأمر الواقع.

    ولقد جاء التحول الأكثر جوهرية على صعيد المفاهيم مع إعلان مبدأ «الاحتواء المزدوج» في أيار مايو من العام 1993، وحيث كان مارتن انديك، مسؤول الشرق الأوسط حينها في مجلس الأمن القومي الأميركي، مهندس هذا المبدأ.

    قضى المبدأ الجديد باحتواء إيران والعراق معا. ولنلحظ هنا أن «الاحتواء» كمصطلح لم يتم تداوله قبل ذلك التاريخ في الخطاب الأميركي الخاص بالخليج وذلك منذ أن بدأ هذا الخطاب في التبلور بعيد الانسحاب البريطاني من المنطقة.

    ومنذ ذلك التاريخ برزت مجموعة من العوامل المؤثرة في مناخ العلاقات الأميركية الإيرانية، يمكن إجمالها في: الموقف الإيراني من العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على بغداد، موقف طهران من النزاع العربي الإسرائيلي، مقاربة طهران للوضع في آسيا الوسطى والقوقاز، تطورات التسلح الإيراني وبالذات الصاروخي منه وما قيل لاحقا عن برنامج إيران النووي، وأخيرا بدأ المتغير الداخلي الإيراني كعنصر تأثير ضمني في مناخ العلاقات الإيرانية الأميركية.

    لقد راهنت واشنطن بدرجة ما على تحول داخلي في إيران يقود باتجاه إعادة طهران بناء مواقفها من جملة من القضايا موضع الخلاف، أو لنقل موضع التوتر. وهنا سارع البعض للدخول في مقارنة بين الرئيس الإيراني محمد خاتمي وآخر رؤساء الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف. بيد أنه كان واضحا منذ البدء أن مثل هذه المقارنة تعوزها الكثير من العناصر، بل بدت افتراضية تحليلية إلى حد بعيد.

    وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول أن وصول خاتمي إلى السلطة في طهران قد خفف من حدة الاحتقان في مناخ العلاقات الأميركية الإيرانية، أو على الأقل حد من تسارع وتيرة هذا الاحتقان. ذلك أنه مع وصول خاتمي عاد شيء من الدفء إلى علاقات إيران بأوروبا، وحيث لعبت هذه الأخيرة ولا زالت دورا يمكن توصيفه على أنه كتلة امتصاص للتوترات الإيرانية الأميركية، وهذا يحسب للأوروبيين.

    كذلك، يمكن القول أن التحسن الذي شهدته العلاقات الإيرانية الخليجية قد أزال أحد عوامل التوتر في مناخ علاقات طهران بواشنطن، أو على الأقل حد منه، ذلك أن الخليج بقي على مدار ربع قرن بمثابة نقطة صدام أميركي إيراني.

    ولكن على خلاف ما حدث في علاقاتها مع أوروبا والداخل الخليجي، فإن تفاعلات طهران في آسيا الوسطى والقوقاز بقيت عامل ضغط على العلاقات الإيرانية الأميركية، ولا ينفي هذه الحقيقة نجاح طهران في السنوات الأخيرة في تطوير علاقاتها الثنائية مع بعض دول تلك المنطقة، فالمعضلة التي بقيت تراوح مكانها هي الصراع على خطوط النفط والغاز، وحيث يشتد التنافس بين فسيفساء معقدة من اللاعبين الإقليميين والدوليين.

    كذلك، لم تشهد السنوات الأخيرة أية مستجدات فيما يتعلق بمقاربة إيران للنزاع العربي الإسرائيلي، بل إن هذه المقاربة تعد اليوم أحد أهم عناصر التوتر بين إيران والولايات المتحدة.
    كذلك، استمر ملف العلاقات الروسية الإيرانية والموقف الإيراني من الحرب الأميركية على الإرهاب، وموقف طهران من الأوضاع في أفغانستان والعراق عوامل ضغط على مقاربة العلاقات الأميركية الإيرانية.
    ||اللهم لكَ الحمدُ كما ينبغى لجلال وجهكَ وعظيم سُلطانك||
  • بدر الرياض
    عضو متألق
    • Jun 2004
    • 3637

    #2
    الرد: إيران والولايات المتحدة: السياقات السياسية والاستراتيجية ( 2-2 )

    إيران والولايات المتحدة: السياقات السياسية والاستراتيجية ( 2-2 )

    هذا يعني ببساطة أن الإيرانيين والأميركيين وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه في عراق ما بعد صدام حسين. هذا العراق الذي بات بامتياز بيئة تفاعلات أميركية إيرانية مشتركة، بيئة تحتاج فيها طهران لواشنطن بقدر حاجة هذه الأخيرة لها. هذا مع ضرورة التشديد على نسبية هذه المقولة وعدم استبعاد طابعها الافتراضي بصورة نهائية.


    مع الغزو الأميركي للعراق، دخلت العلاقات الإيرانية الأميركية مرحلة جديدة، أو لنقل مناخاً جديداً على مستوى البيئتين الأمنية والسياسية.

    لقد أفرز الغزو متغيرين هامين على صعيد مقاربة العلاقة بين طهران وواشنطن، الأول متغير الداخل العراقي ومن ثم الدور الإيراني المستجد في هذا الداخل، والثاني متغير الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، الذي بدا متقدما في حجمه ونوعيته أكثر من أي وقت مضى.

    منذ البدء، عارضت إيران خيار الحرب الأميركية على العراق، ليس فقط إدراكا منها بطبيعة الخطر الأمني الذي ستكون عرضة له كنتاج لهذه الحرب، بل لاعتقادها بان ضرب بغداد قد يكون مقدمة لضرب طهران نفسها. خاصة وإن تصريحات أميركية عديدة قد ذهبت صراحة أو ضمنا للأخذ بهذا التصور.

    بيد أن قرار الحرب كان قرارا أميركيا وحسب، وهنا كان العالم على موعد مع حدث كبير وتاريخي بالعديد من المعايير، حيث سقطت بغداد وجالت الدبابات الأميركية في شوارعها في ظهيرة التاسع من نيسان أبريل من العام 2003.

    ربما كان سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين حلما مديدا راود ساسة إيران ومواطنيها على حد سواء، بيد أن سقوطه بدبابة أميركية لم يجلب لهم عيداً أو سروراً.

    ولكن أيا تكن المسارات التي قادت إلى سقوط صدام حسين ونظام البعث في العراق، فإن طهران باتت أمام واقع جديد عليها التعامل معه. وهنا بدت التحديات متعاظمة وبدت الهواجس الأمنية وقد وصلت ذروتها.

    ولا ريب أن طهران المتوجسة من التطورات الدائرة حولها قد بدت في الوقت نفسه لاعبا أساسيا في مسار هذه التطورات. وتلك قضية ربما لم تكن واضحة تماما في حسابات واشنطن. إنها لم تتصور المدى الذي قد يصل إليه الحضور الإيراني في معادلة العراق الجديد.

    لقد كشفت التطورات عن أمور لم تكن في الأصل سرا من الأسرار، فأوراق طهران في المعادلة العراقية كثيرة ومتعددة، فهي على علاقة تاريخية مع المؤسسة الدينية في العراق، أو لنقل مع جزء منها، وهي في الوقت نفسه ذات روابط وثيقة مع العديد من الأحزاب السياسية العراقية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، الذي تأسس أصلا في طهران. كما لديها علاقة مماثلة أو مقاربة مع حزب الدعوة الإسلامية بفروعه المختلفة، ولديها روابط أقل مع منظمة العمل الإسلامي بشقيها. هذا فضلا عن علاقتها القديمة بجلال الطالباني، وتلك المستجدة مع أحمد الجلبي. وفوق ذلك كله، فإن طهران تمثل البعد الإقليمي الأكثر وضوحا في معادلة التيار الذي يقوده مقتدى الصدر.

    وبموازاة المؤسسات الدينية والسياسية، فإن الحضور الإيراني في العراق الجديد يمكن تلمسه في طيف من المؤسسات الاجتماعية والخدمية المنتشرة عبر عديد من مدن العراق ومحافظاته.

    هذا يعني ببساطة أن الإيرانيين والأميركيين وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه في عراق ما بعد صدام حسين. هذا العراق الذي بات بامتياز بيئة تفاعلات أميركية إيرانية مشتركة، بيئة تحتاج فيها طهران لواشنطن بقدر حاجة هذه الأخيرة لها. هذا مع ضرورة التشديد على نسبية هذه المقولة وعدم استبعاد طابعها الافتراضي بصورة نهائية.

    والذي يبدو اليوم هو أن طهران قد انتهت إلى الأخذ بخيار التعايش مع المشروع الأميركي في العراق، ويبدو أن موقفها من الانتخابات العراقية الأخيرة قد جاء في هذا الاتجاه، والأرجح أن استمرار روابطها بجلال الطالباني ومدها الجسور مع الجلبي قد أتى في الاتجاه نفسه. كما أن الموقف الحيادي الذي اتخذه التيار الصدري من الانتخابات ليس بعيدا عن هذه المعادلة، هذا علما بأن 25 شخصية من هذا التيار قد دخلت الجمعية الوطنية الجديدة على لائحة الائتلاف الوطني الموحد التي قادها عبد العزيز الحكيم.

    ويدرك الأميركيون دون ريب هذه المعادلة، لكنها معادلة في صالحهم على أية حال، حتى وإن كانت نتيجتها الفرعية مزيدا من الحضور الإيراني، فهذه قوانين اللعبة. وهي ببساطة قوانين لا يمكن تغييرها ما دام العراق منقسماً على نفسه على نحو يبدو نصفه البعيد عن واشنطن هو ذاته البعيد عن طهران، أو لنقل بعيد عن سياق تفاعلاتها.

    بيد أن هذه المعادلة، على الرغم من نسبيتها وطابعها الافتراضي التحليلي، تفرض تحديا من نوع آخر، تحد يرتبط بالجوار العراقي، وتحديدا بالأردن ودول الخليج العربية.إذ كيف سوف تتعامل هذه الدول مع عراق أضحى حاضنة للقوة العسكرية الأميركية والنفوذ الإيراني في آن معا؟

    إن إيران باتت، بمعيار النفوذ، مجاورة للأردن بقدر مجاورتها لدول الخليج، هذا الجوار الذي أضحى مكثفا. ربما تكون مقاربة الوضع مختلفة في الأردن عنها في دول الخليج، فهذه الأخيرة تملك من التفاعلات والمصالح المتشابكة مع طهران ما يحيد أية تأثيرات مترتبة على نفوذها في العراق، أو على الأقل يضعف من حدتها. بل إن شعور طهران بضرورة تطوير علاقاتها مع الداخل الخليجي هو اليوم أكثر تجليا مما كان عليه الحال قبل الغزو الأميركي للعراق.

    ولا غرابة والحال هذه أن سيطر الهدوء على علاقة الخليجيين بطهران، في حين اتجه الأردن للتحذير من سالهلال الشيعيس. وهذه مقولة سجالية على أية حال.

    ولكن ماذا عن الجانب الآخر من مقاربة إيران لعراق ما بعد صدام حسين، وتحديدا بما هو حاضنة لوجود أميركي عسكري متقدم؟

    إن نمط الاستجابة الإيرانية لهذا المتغير ذات اتجاه تفاعلي أقل وضوحا من تلك المتعلقة باستنفاذ الفضاء السياسي والاجتماعي العراقي. لكن مضمون هذا التفاعل يبقى دون ريب ذا طبيعة سالبة، بمعنى إنه لا يفرز فرصا للالتقاء بل للاحتكاك والمواجهة الضمنية أو الصريحة. وفي حين أن الفضاء السياسي والاجتماعي العراقي يمنح إيران شعورا بالقوة ويهبها فرصا لمد النفوذ، فإن الوجود العسكري الأميركي المتقدم، المجاور لتخومها البرية والبحرية، يخلق لديها شعورا دائما بالخطر ويعزز في حساباتها احتمالات المواجهة والصدام، وهذه قضية لا بد وأن تلقي بظلالها على كامل حراك إيران السياسي والأمني وتعكس نفسها بوضوح على مقاربة خياراتها الإقليمية والدولية. ولعل هذا يفسر جزئيا تمسك إيران بأوروبا واستمرارها في التحالف الصعب مع روسيا وإعادة بناء علاقاتها مع الهند، على الرغم مما تحمل العلاقة مع هذه الأخيرة من تداعيات سلبية على العلاقات الإيرانية - الباكستانية، وحيث تحتاج طهران لإسلام آباد على أكثر من صعيد، لكنها في الأخير لعبة التوازنات الصعبة والمرهقة.

    ونخلص من كل ذلك لنقول إن المتغير العراقي رمى بتداعياته على العلاقات الأميركية الإيرانية في اتجاهين متناقضين، سالب وموجب. وفي حين بدت التداعيات الموجبة واضحة وملموسة، فإن التداعيات السالبة ليس من الواضح ما إذا كان بالمقدور تطويقها والسيطرة عليها بسياج كثيف من التوازنات، أو أنها ستفلت من عقالها وينزلق الطرفان إلى مواجهة مجهولة العواقب.

    إن هواجس تجاور القوتين الإيرانية والأميركية تتجاوز اليوم قضية الصدام الناجم عن تفاعلات سالبة مفترضة للمتغير العراقي لتتخذ من الملف النووي الإيراني عنوانا مركزيا لها.

    هذا الملف يبدو اليوم حاضرا بقوة في الخطاب الأميركي لكنه على الرغم من ذلك ليس بجديد. ومنذ العهد الأول للرئيس السابق بيل كلينتون كانت هناك ثمة اتهامات لطهران بالعمل على تطوير سلاح نووي.بيد أن التركيز كان منصبا يومها على قضية تكنولوجيا الصواريخ الباليستية، هذه القضية التي جعلت منها إدارة كلينتون إحدى محاور سياستها الخارجية.

    لقد وجهت الاتهامات حينها إلى كل من روسيا والصين وكوريا الشمالية باعتبارها مصادر إمداد مفترض لتكنولوجيا طهران الصاروخية. ودخلت إدارة كلينتون في تراشق إعلامي مع الدول الثلاث. وفرضت هذه الإدارة عقوبات على شركات صينية وروسية محددة. وفي الأخير، أفرزت الضغوط تأثيرا ملموسا فيما يتعلق بالصين، وأقل من ذلك فيما يتعلق بروسيا. وهذه الضغوط بدت مبررة في حسابات واشنطن بلحاظ مقاربتها للأمن الإقليمي. بيد أن طهران ما لبثت وأضحت قوة صاروخية، وبدت صواريخها قادرة على حمل رؤوس تقليدية واستراتيجية. وهي تعمدت استعراض الأجيال المتعاقبة من صواريخها الباليستية على مرأى من وسائل الإعلام وبصورة متكررة لتبعث على ما يبدو برسائل في أكثر من اتجاه، مفادها أنها تمتلك من وسائل الردع ما يسهل تعريفه لدى المخططين العسكريين.

    وبعد تكنولوجيا الصواريخ، اتجهت التكنولوجيا النووية لتحتل الحيز الأهم في الخطاب الأميركي الخاص بإيران، التي اعتبرت منذ العام 2002 أحد أضلاع «محور الشر» الذي عرفه الرئيس الأميركي جورج دبيلو بوش على أنه يتكون إضافة إليها من كل من كوريا الشمالية وعراق صدام حسين.

    لقد كانت معركة صعبة تلك التي خاضتها إدارة كلينتون على صعيد السيطرة على تكنولوجيا الصواريخ في عالم تغير كل ما فيه. بيد أن معركة إدارة بوش للسيطرة على التكنولوجيا النووية أكثر صعوبة بما لا يقاس.

    ولتوضيح ذلك يمكن أن نلحظ أن صناعة صاروخ باليستي، بمدى يعتد به وحمولة ذات شأن، لا زال يمثل تحديا ليس من السهل إخضاعه عند الأخذ في الحسبان طبيعة التكلفة المالية المرتفعة ومستوى الخبرات العلمية المطلوبة.

    كذلك، فإن تكنولوجيا الصواريخ لا يمكن، أو لنقل يصعب كثيرا، إخفاء مصدرها. ويصح هذا القول حتى في حال تصنيع نماذج مطورة أو معدلة منها، ولذا لم يكن من الصعب معرفة أصل صاروخ «شهاب» الباليستي الإيراني.

    في مقابل ذلك، فإن التحدي الوحيد تقريبا أمام إنتاج قنبلة نووية تكتيكية يتمثل في الحصول على مقدار كاف من اليورانيوم المخصب. أما صناعة القنبلة النووية متى توفرت هذه المادة فهي أسهل بكثير من صناعة صاروخ باليستي محدود المدى. إن طرق صناعة القنبلة النووية موجودة منذ زمن بعيد في كتب الكيمياء التي تباع في المكتبات، بل يمكن الوقوف عليها اليوم في مواقع موجودة على شبكة الإنترنيت بشروح مشفوعة بالكثير من الصور والرسوم البيانية الملونة. هذا باختصار ليس هو التحدي.

    ولكن ماذا عن اليورانيوم المخصب؟

    اليورانيوم قد يتم تخصيبه محليا وقد يستورد جاهزا. وبعد أربعة عشر عاما من تفكك الاتحاد السوفياتي علينا أن نتساءل كم هي مقادير اليورانيوم المخصب التي بيعت في السوق السوداء في أوكرانيا وآسيا الوسطى؟ وكم هي الدول التي اقتنصت الفرصة وكان لها ما أرادت؟ وكم هي الشبكات الدولية المحترفة التي دخلت وسيطا بين الباعة والمشترين؟ كل هذه الأمور لا يعلم أحد مداها. بيد أن الثابت هو أن اليورانيوم المخصب وجد طريقه إلى بقاع ومناطق كثيرة في هذا العالم، الذي ازداد خطورة. ولهذا السبب بالذات تبدو قضية السيطرة على الانتشار النووي قضية بالغة التعقيد، وربما مستحيلة. وعلى الأرجح، فإنه بالنسبة لعدد غير قليل من دول العالم فإن قرار إنتاج قنبلة نووية يعد اليوم قرارا سياسيا أولا وأخيرا.

    ولنعد إلى العلاقات الأميركية الإيرانية التي بات رحاها يدور حول الملف النووي.



    بين نفي طهران وإصرار واشنطن على وجود نشاط نووي غير مدني، بدا الاتحاد الأوروبي كتلة امتصاص لموجات التوتر الآخذة في الارتفاع. لقد انتهى كل من الأميركيين والإيرانيين بقبول الوسيط الأوروبي، الذي بدا اليوم مرهقا من شدة التجاذبات بين طرفي المعادلة. بيد أنه ليس ثمة خيار سوى إصرار أوروبا على النجاح في مهمتها الصعبة. فروسيا أو الهند أو اليابان ليست في وارد النهوض بهذه المهمة مهما بلغت جهودها. كما أن الوسطاء الإقليميين كالأتراك أو الخليجيين لا يملكون كل مقومات النهوض بمثل هذا الدور.
    وعلى الرغم من استمرار الحراك الدبلوماسي، فان احتمالات توجيه ضربة أميركية لمنشآت إيران النووية يبقى قائما على أية حال. وقد تكون هناك استعدادات فعلية الآن لمثل هذه الخطوة. بيد أن الحسابات الأميركية تبقى على درجة من التعقيد، ولا يمكن اختزالها ببعض المواقف، والأكيد أن ثمة معطيات عديدة سوف تحدد الوجهة النهائية لمسار الأزمة الإيرانية الأميركية.


    ||اللهم لكَ الحمدُ كما ينبغى لجلال وجهكَ وعظيم سُلطانك||

    تعليق

    مواضيع مرتبطة

    Collapse

    جاري العمل...