الرياض - إيران والولايات المتحدة: السياقات السياسية والاستراتيجية ( 1-2 )
قضى المبدأ الجديد باحتواء إيران والعراق معا. ولنلحظ هنا أن «الاحتواء» كمصطلح لم يتم تداوله قبل ذلك التاريخ في الخطاب الأميركي الخاص بالخليج وذلك منذ أن بدأ هذا الخطاب في التبلور بعيد الانسحاب البريطاني من المنطقة.
قضى المبدأ الجديد باحتواء إيران والعراق معا. ولنلحظ هنا أن «الاحتواء» كمصطلح لم يتم تداوله قبل ذلك التاريخ في الخطاب الأميركي الخاص بالخليج وذلك منذ أن بدأ هذا الخطاب في التبلور بعيد الانسحاب البريطاني من المنطقة.
في العام 1979 سقط الشاه في طهران، وكان ذلك حدثاً تاريخياً بالمعايير كافة. وهنا خسرت واشنطن إحدى قلاعها الإقليمية في ظل مناخ دولي بالغ الحساسية، حيث كانت الحرب الباردة الثانية قد بلغت ذروتها أو كادت. وبعيدا عن التداعيات المباشرة، برزت لدى الولايات المتحدة مخاوف ارتبطت بالتتابعات بعيدة المدى للحدث الإيراني. وقد تبلورت هذه المخاوف في أربعة احتمالات أساسية.
تمثل الاحتمال الأول في إمكانية حدوث اجتياح سوفياتي لإيران يسفر عن سيطرة كلية أو جزئية على أراضيها، بحيث يصل السوفيات إلى عمق المياه الدافئة ويضعهم بذلك في مواجهة مباشرة مع القوة العسكرية الأميركية، الأمر الذي من شأنه أن يرفع عاليا احتمالات الصدام العسكري المباشر بين القوتين العظميين. والحقيقة إن أحدا لم يكن بوسعه استبعاد هذا الصدام لو أقدم السوفيات على مغامرة اجتياح إيران والسيطرة على أراضيها، وأن نهج التعامل الأميركي مع الاجتياح السوفياتي لأفغانستان لم يكن بالمقدور استنساخه على اجتياح محتمل لإيران.
وكان اجتياحا سوفياتيا محتملا لإيران سوف يستنفذ ضمن أمور أخرى فراغ القوة في طهران والحضور القوي للحزب الشيوعي الإيراني، المعروف باسم حزب «توده»، هذا الحزب الذي سارع للتماهي من النظام الجديد واعتبر نفسه شريكا أساسيا في الثورة، التي رأى أنها لم تكتمل وأن ما حدث هو مجرد شكل من أشكال الانتفاضة التي لم ترتق بعد إلى المرحلة الثورية. ولقد بدت السنوات الأولى لسقوط الشاه مصطبغة بحضور واضح لحزب توده، وقد استمر ذلك حتى اصطدام هذا الحزب مع الحكومة الجديدة على خلفية اكتشاف محاولة انقلابية كان يخطط لها من داخل الجيش الإيراني. وهنا كان الاصطدام مدويا وحاسما ونهائيا.
وكان الخوف الآخر الذي ساور المخططين الأميركيين قد تمثل في اندلاع فوضى داخلية تقود إلى تمزق إيران إلى دويلات متناحرة. وعلى الرغم من أن مثل هذا الاحتمال كان يبدو لأول وهلة في مصلحة الولايات المتحدة التي دخلت في عداء شامل مع النظام الجديد في طهران إلا أن الحقيقة خلاف ذلك، إذ كان من شأن مثل ذلك التطور أن يفتح الطريق أمام تدخل روسي، وحتى من دون هذا التدخل، كان من شأن انجرار إيران إلى فوضى داخلية أن يضع منطقة الخليج برمتها على فوهة بركان ويفتح الباب أمام احتمالات خطرة تطال الأمن في المنطقة الممتدة من هرمز إلى كراتشي.
وتمثلت المخاوف الأميركية، من ناحية ثالثة، في احتمال اندفاع النظام الجديد في طهران باتجاه الداخل الخليجي للسيطرة على مواقع نفطية أو ممرات استراتيجية أو ما هو أكثر من ذلك. وقد رأى المخططون الأميركيون أن طهران قد تستند في مثل ذلك التحرك إلى قوى الإسلام الراديكالي. وهنا بالغ الأميركيون في تقديراتهم لهذه القوى، إذ أنها لم تكن يومذاك سوى قوى يافعة قليلة الخبرة ومحدودة التجربة.
ومن جهة رابعة، برز لدى المخططين الأميركيين احتمال لا يقل خطورة عن كل ما سبقه، وهو قد تمثل في إمكانية التقاء إيراني سوفياتي يحقق لروسيا حلما مديدا عجزت عن تحقيقه كل آلتها العسكرية والدبلوماسية. بيد أن هذا الاحتمال استند إلى خلط بين ما هو سياسي وأيديولوجي، فالثورة التي أسقطت الشاه كانت ستفقد مبرر وجودها لو هي دخلت في تحالف مع موسكو على خلفية عدائها لواشنطن.
بيد أن ما يمكن قوله هو أن حسابات طهران الأيديولوجية قد حالت بينها وبين استنفاذ تناقضات البيئة الدولية، وبمعيار السياسة فإن هذا لا يحسب لطهران بل عليها. وهذه مقولة سجالية لم تحسم بعد. وعلى الرغم من ذلك، فإن موقع إيران الدولة من هذه المقولة ليس كموقع إيران الثورة منها، ومقاربات العام 1979 ليست هي ذاتها مقاربات اليوم.
وفي ذروة تحولها الوطني، بدت مخاوف إيران متجهة نحو الولايات المتحدة دون أن تستثني الروس. بيد أن التحدي الأساسي، أو لنقل الخطر المباشر، قد أتى من بغداد وليس من واشنطن أو موسكو. وهنا كانت حرب السنوات الثماني. هذه الحرب التي استنفذت فيها بغداد العداء الأميركي - الإيراني والروسي - الإيراني على حد سواء. وبهذا المعنى لم تكن بيئة علاقات طهران الدولية بعيدة عن خلفيات الحرب ومجرياتها بل ونتائجها أيضا.
كان النظام العراقي قد تمكن بناء قوة عسكرية مستندة إلى تسليح سوفياتي وأوروبي شرقي، وذلك على الرغم من كل تناقضاته مع الشيوعية العالمية وكل مجازره الدموية بحق شيوعيي العراق. لقد كانت لعبة التوازنات في النظام الدولي تسمح بتحقيق ذلك، وكانت كل من بغداد وموسكو بحاجة إلى التقارب والالتقاء. ولهذا زخرت بغداد بالخبراء العسكريين والأمنيين الروس واليوغسلاف والتشيكيين والألمان الشرقيين. ولم يكن مسار الحرب العراقية الإيرانية بعيدا بحال من الأحوال عن هذه المعطيات. ويخطي من يقول أن العراق خاض حربه مع إيران بقدرات ذاتية مجردة.
وبمؤازاة ذلك، بدا التصعيد الأميركي ضد طهران بمثابة ضوء أخطر ضمني لبغداد لتوجيه جيشها نحو إيران، أو على الأقل هكذا فهم الأمر في العراق.
ولكن دعونا نتساءل الآن: لماذا لم تكن الحرب العراقية ضد إيران خطاً أحمرا في الحسابات الأميركية ؟
يمكن القول إن القوة العراقية، بخلاف القوة السوفياتية، كان بمقدورها تعطيل القوة الإيرانية وحسب. ولم يكن من الوارد بحال من الأحوال سيطرة العراق على الدولة الإيرانية واستنفاذ قدراتها الجيوسياسية ومن ثم توجيهها في صراع النفوذ الإقليمي أو الدولي. وهذا خلاف ما كان يمكن أن يحدث لو أن السوفيات تمكنوا من غزو إيران وإحكام القبضة عليها.
إن الذي حدث تحديدا في الحرب العراقية - الإيرانية هو تعطيل القوة الإيرانية ومحاصرتها في رقعتها الجغرافية، وكذلك الحد من انسياب مشروعها الأيديولوجي إلى الدول المجاورة، وفوق ذلك كله استنزاف القدرات المادية والبشرية لإيران. وبهذا المعنى، كانت الحرب شكلا متقدما من أشكال الاحتواء حقق أهداف الولايات المتحدة دون أن تكون طرفا مباشرا فيه. هذا على الرغم من صحة القول أن الدعم الاستخباراتي الأميركي بدأ ينساب على بغداد منذ العام 1984، كما دعمت واشنطن بغداد عبر حلفائها الأطلسيين، وبالذات فرنسا، وحيث كان لمقاتلات «تورنادو» الدور الأكبر في حسم المعركة الجوية لمصلحة بغداد، حيث انتهت الحرب بعد أن دكت هذه الطائرات بيوت طهران على رؤوس ساكنيها فيما عرف بحرب المدن.
بيد أن الحرب لم تسفر عن تعطيل دور طهران ومشروعها الأيديولوجي وحسب، بل عطلت كذلك دور بغداد ومشروعها الإقليمي. والأخطر من ذلك، قادت هذه الحرب إلى خروج العراق قوة متضخمة عسكريا وخاوية في قدراتها الاقتصادية، وكانت تاليا معرضة لاحتمالات الانفجار الداخلي. وهنا كانت الكويت الوجهة التي اختارها النظام العراقي للتنفيس عن احتقانه وأزمته الداخلية، وحيث أعيد توجيه الجيش العراقي ليعبر الحدود ثانية، ولكن جنوبا هذه المرة. وهنا كان غزو الكويت نتاجا قاسيا للحرب العراقية الإيرانية نفسها. وبذلك استكمل النظام الإقليمي الخليجي تفاعلاته الصراعية، إنما ببعد دولي أكثر وضوحا، وحيث جاءت «عاصفة الصحراء» لتطيح بالتوازن الاستراتيجي الهش في المنطقة وإلى الأبد. وهنا لم تبدأ حقبة جديدة في العلاقات الأميركية العراقية وحسب، بل والأميركية الإيرانية أيضا.
ماذا حدث على وجه التحديد ؟
لقد سارع الإيرانيون لدعوة بغداد للخروج من الكويت، وذهب مبعوث إيراني إلى العراق لهذا الغرض. ولم يكن الإيرانيون هنا ليمثلوا طرفا وسيطا بين بغداد والكويت، فعلاقاتهم مع هذه الأخيرة كانت قد وصلت إلى الحضيض، بيد أن الإيرانيين استشعروا الخطر مبكرا، وأدركوا أن بلادهم سوف تغدوا محاصرة بقوة أميركية غير مسبوقة في حجمها. بيد أن العراق لم ينصت للإيرانيين، وإن بادر بتنفيذ بعض الاتفاقات المترتبة على قرار وقف إطلاق النار بين البلدين. وهنا وقف الإيرانيون قريبا من الحياد ولكن دون أن يصلوا إليه. لقد استمروا في معارضة الحشد العسكري الأميركي، وعادوا بعد ذلك ليعارضوا «إعلان دمشق» والاتفاقات الأمنية التي عقدتها الولايات المتحدة مع دول المنطقة.
وعلى الطرف الآخر من المعادلة، قادت حرب الخليج الثانية لأن تجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة متزامنة مع كل من بغداد وطهران، وفي ذلك تحول تاريخي غير مسبوق في بيئة النظام الإقليمي الخليجي، أو لنقل في التفاعلات الدولية لهذا النظام.
ومما زاد الوضع تعقيدا أن هذا المتغير جاء متسقاً مع متغير أكثر مركزية هو انهيار التوازن الاستراتيجي في المنطقة، ذلك التوازن غير المستقر الذي استند إلى سباق تسلح كثيف ومفاهيم ردع غير واضحة أو لنقل غائبة.
لا ريب أن التطورات في المنطقة قد فاجأت الأميركيين الذين شيدوا مقاربتهم لأمن المنطقة على مفاهيم لم تعد قادرة على التواصل والاستمرار بحكم الأمر الواقع.
ولقد جاء التحول الأكثر جوهرية على صعيد المفاهيم مع إعلان مبدأ «الاحتواء المزدوج» في أيار مايو من العام 1993، وحيث كان مارتن انديك، مسؤول الشرق الأوسط حينها في مجلس الأمن القومي الأميركي، مهندس هذا المبدأ.
قضى المبدأ الجديد باحتواء إيران والعراق معا. ولنلحظ هنا أن «الاحتواء» كمصطلح لم يتم تداوله قبل ذلك التاريخ في الخطاب الأميركي الخاص بالخليج وذلك منذ أن بدأ هذا الخطاب في التبلور بعيد الانسحاب البريطاني من المنطقة.
ومنذ ذلك التاريخ برزت مجموعة من العوامل المؤثرة في مناخ العلاقات الأميركية الإيرانية، يمكن إجمالها في: الموقف الإيراني من العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على بغداد، موقف طهران من النزاع العربي الإسرائيلي، مقاربة طهران للوضع في آسيا الوسطى والقوقاز، تطورات التسلح الإيراني وبالذات الصاروخي منه وما قيل لاحقا عن برنامج إيران النووي، وأخيرا بدأ المتغير الداخلي الإيراني كعنصر تأثير ضمني في مناخ العلاقات الإيرانية الأميركية.
لقد راهنت واشنطن بدرجة ما على تحول داخلي في إيران يقود باتجاه إعادة طهران بناء مواقفها من جملة من القضايا موضع الخلاف، أو لنقل موضع التوتر. وهنا سارع البعض للدخول في مقارنة بين الرئيس الإيراني محمد خاتمي وآخر رؤساء الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف. بيد أنه كان واضحا منذ البدء أن مثل هذه المقارنة تعوزها الكثير من العناصر، بل بدت افتراضية تحليلية إلى حد بعيد.
وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول أن وصول خاتمي إلى السلطة في طهران قد خفف من حدة الاحتقان في مناخ العلاقات الأميركية الإيرانية، أو على الأقل حد من تسارع وتيرة هذا الاحتقان. ذلك أنه مع وصول خاتمي عاد شيء من الدفء إلى علاقات إيران بأوروبا، وحيث لعبت هذه الأخيرة ولا زالت دورا يمكن توصيفه على أنه كتلة امتصاص للتوترات الإيرانية الأميركية، وهذا يحسب للأوروبيين.
كذلك، يمكن القول أن التحسن الذي شهدته العلاقات الإيرانية الخليجية قد أزال أحد عوامل التوتر في مناخ علاقات طهران بواشنطن، أو على الأقل حد منه، ذلك أن الخليج بقي على مدار ربع قرن بمثابة نقطة صدام أميركي إيراني.
ولكن على خلاف ما حدث في علاقاتها مع أوروبا والداخل الخليجي، فإن تفاعلات طهران في آسيا الوسطى والقوقاز بقيت عامل ضغط على العلاقات الإيرانية الأميركية، ولا ينفي هذه الحقيقة نجاح طهران في السنوات الأخيرة في تطوير علاقاتها الثنائية مع بعض دول تلك المنطقة، فالمعضلة التي بقيت تراوح مكانها هي الصراع على خطوط النفط والغاز، وحيث يشتد التنافس بين فسيفساء معقدة من اللاعبين الإقليميين والدوليين.
كذلك، لم تشهد السنوات الأخيرة أية مستجدات فيما يتعلق بمقاربة إيران للنزاع العربي الإسرائيلي، بل إن هذه المقاربة تعد اليوم أحد أهم عناصر التوتر بين إيران والولايات المتحدة.
كذلك، استمر ملف العلاقات الروسية الإيرانية والموقف الإيراني من الحرب الأميركية على الإرهاب، وموقف طهران من الأوضاع في أفغانستان والعراق عوامل ضغط على مقاربة العلاقات الأميركية الإيرانية.
تعليق