الهروب منها اليها

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • عصام زايد
    مستشار ساندروز
    • Jul 2004
    • 10571

    #1

    الهروب منها اليها

    الهروب منها إليها :

    صفعة قوية رنت أصداؤها في أرجاء الغرفة .. تلتها ركلة قاسية استقرت في صدره .. صياح طفولي ينفطر القلب له .. آه صدري آه .. يكفي يا أمي .. يكفي أرجوك .. لن أعيدها ثانية .. هاتي يدك لأقبلها .. يطبع الصغير قبلة حانية على يد أمه التي صفعته .. ثم يهرب منها إليها .. يلقي بنفسه بين أحضانها ويقول : - أنا أسف يا أمي .. لن أكسر آنية الزهور بعد اليوم .. إنها الكرة التي كسرتها ولست أنا .. تمد يدها .. تمسح دمعة حارة تجمدت فوق وجنتيه .. تقبل رأسه وتقول : - كم قلت لك لا تلعب بالكرة داخل المنزل ؟؟ يتسرب الصغير من بين يديها كشلال هادر .. يسرع إلى اللعب من جديد .. ولا يبقى سوى أثر صوته الرنان ينادي جدته .. جدتي !! أين أنت يا جدتي .. وما هي إلا دقائق حتى تأتي الجدة إلى زوجة ابنها لائمة معاتبة .. لم ضربته يا ابنتي ؟؟ ماذا فعل ؟.. إنه ولد شقي لا يهدأ .. لقد حطم آنية الزهور الجديدة .. سيل من الكلمات والتهم يتدفق .. تقاطعها الجدة بحزم .. ولكنه صغير يا ابنتي .. حرام أن تضربيه بهذا الشكل !! لا تزال أصابع يدك الخمسة مرتسمة فوق صفحة وجهه .. حرام عليك .. حرام .. وفجأة يخرج الطفل من خلف الأريكة وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة النصر والظفر .. ينظر إلى أمه ويهز رأسه هزة خفيفة كأنه يقول لها : خذي جزاءك من جدتي فأنت تستحقينه .. صورة تتكرر يومياً .. في منزل صغير يضم أسرة كبيرة .. أولاد خمسة أكبرهم هذا المشاغب الذي لم يتجاوز السابعة من عمره .. وأب عامل يكسب قوت عياله ونفقة والديه بصعوبة متناهية .. وبعد صراع شديد .. وزوجة متعبة منهكة .. تقضي يومها بين طبخ وغسل وتنظيف .. لم تنل حظاً وافراً من العلم أو الثقافة .. حياتها تنحصر بين جدران بيتها الصغير .. وأحياناً يكون بيت الجارة نافذة صغيرة تطل بها على العلم الخارجي فتعرف من

    جارتها أخبار العالم !! صوت بكاء طفولي من جديد .. ألا يتوقف هؤلاء المتعبون عن الشجار ؟؟ أعليها أن تكون حكماً باستمرار .. ترتمي صغيرتها بين يديها وهي تبكي بكاء مراً .. وتقول بصوت طفولي تصاحبه لثغة محببة : - يا ماما .. إنه أثامة .. لقد ضربني على رأثي !! تشمر الأم عن ساعديها من جديد .. وتشد قبضة يدها استعداداً للضرب .. خذ .. خذ أيها المشاغب .. ألا تدعني أرتاح قليلاً .. معزوفة شجية .. اختلطت فيها الأصوات .. صراخ أسامة .. وبكاء أخته ثم صوت الجدة وهي تقول : - طول النهار ضرب بالأولاد .. هذه ليست عيشة .. حرام عليك .. بأي حق تضربينهم ؟؟ - أنا أمهم .. ألا يحق لي أن أضربهم .. أمومتك لا تعطيك الحق في ضربهم بل في حسن تربيتهم !! يتشبث أسامة بثوب جدته ويخفي نفسه خلفها وهو ينظر إلى تطورات الموقف من وراء ظهرها !! فتمسك به الأم قائلة : - تعال .. سأضربك من جديد .. أنت السبب في كل ما يحصل .. يقفز أسامة في خفة ورشاقة .. يهرب منها يمنة ويسرى .. محتمياً بظهر جدته .. فيكاد أن يطرحها أرضاً وهي عجوز لا تقوى عليه .. تشده من يده برفق وتقول له : - لا تخف يا صغيري .. لا تخف .. ثم تلتفت إلى زوجة ابنها مهددة .. والله العظيم لو ضربته لن أقعد لك في هذا البيت !! كانت غرفة جدته ملاذه الوحيد في هذا البيت .. وكان صدرها مرتع الحنان ، ومنبع الدفء .. كثيراً ما كان ينام على سريرها .. واسفل قدميها .. فهو يجد في ذلك لذة لا تقاوم .. وكثيراً ما يرفض النوم مع إخوته أو مع والديه .. وحين قرر والده السفر إلى بلد مجاور لأن باب رزق واسع قد فتح له هناك .. رفض أسامة الصغير أن يسافر مع والديه وإخوته وقرر البقاء مع جدته وجده العجوزين .. في بيته الصغير وقرب مدرسته المجاورة .. كانت هذه فرصته العظيمة التي سينقذ بها نفسه من ضرب والدته ومن مشاكسات إخوته الصغار .. إنها فرصة لا تعوض فسوف يتصرف في هذا المنزل بحرية تامة .. بلا قيود .. وبلا ضرب متواصل .. رحبت الجدة بموقف أسامة .. وألحت على ولدها أن يتركه ويسافر مع بقية أسرته .. فهي وحيدة مع أبيه وسوف يؤنس وحشتهما ، كما أشارت إلى أن أسامة سيرتاح من ضرب أمه المتواصل وكان لأسامة ما أراد .. فأخذ يرتع ويلعب بحرية في أرجاء البيت ، كأنه وحده قطيع غنم أطلق في أرض ربيعية .. ضحكاته ترن في أرجاء المنزل فتبعث فيه الدفء والحياة .. دفاتره وأقلامه مزروعة في كل مكان .. وكرته تحلق حيث تشاء .. وبعد شهور قليلة .. ذبل أسامة كوردة ربيعية فارقها نيسان .. وبدت عليه علائم الحزن والشرود .. وعلت وجهه صفرة وشحوب .. لم يعد يلعب ويرتع كما كان !! وسكتت أصوات ضحكاته العالية .. لاحظت جدته ذلك فظنت أنه مريض .. عرضته على طبيب الحارة .. وطبيب الحارة المجاورة .. إلا أنهما أكدا لها سلامته وعافيته .. اشترت له لعبة جديدة .. وكرة كبيرة .. إلا أن عينيه لم تومضا ببريق الفرح أو العافية .. ضمته إلى صدرها بشدة .. زرعت قبلاتها الحانية على جبينه وفوق وجنتيه الشاحبتين وقالت له : - ما بك يا صغيري .. ما بك يا ولدي .. شعرت بحرارة دموعه وقد رست فوق يديها المجعدتين .. وعروقها النافرة .. مسحت دمعته وضمته بشدة أكثر ثم قالت : قل لي ما بك يا صغيري ؟؟ ماذا تريد ؟؟ وبعد لحظات صمت ثقيلة .. أجابها أسامة بصوت مخنوق : - أريد .. أريد أمي .. أريد أمي .. لقد اشتقت إليها وإلى ضرباتها الحلوة ولطماتها اللذيذة !!.. وبعد أيام قليلة .. كان أسامة منتعشاً معافى بين يدي أمه .. بين يد تحنو وتحدب .. ويد أخرى تضرب وتعاقب وتؤدب ..



    مع تحياتي
    عصام زايد
    مع تحياتي

    عصام زايد

    ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

    ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

    للاطلاع على كل ما هو جديد
    زوروا مكتبة ساندروز الثقافية
  • بنت الشام
    عضو متميز
    • May 2004
    • 7817

    #2
    الرد: الهروب منها اليها

    اخ عصام تسلم ايديك على مواصلتك الدائمة
    ومشاركاتك الجميلة
    يعطيك الف عافية اخ

    تعليق

    • ايناس الحبوبة
      عضو فعال
      • Feb 2005
      • 79

      #3
      الرد: الهروب منها اليها

      أخي الفاضل عصام زايد تسلم ايدك على هذه القصة الرائعة ودعاءنا بالمزيد إنشاء الله
      إيناس الحبوبة

      حسبي الله الذي لاأله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش الكريم

      تعليق

      • زمن الغربة
        عضو بارز
        • Nov 2004
        • 1486

        #4
        الرد: الهروب منها اليها

        روعه فعلا اخوي عصام

        جميلة القصة .... وتعبيرات وعبارات مؤثرة

        تسلم ايدك عزيزي ولا تحرمنا دائما ابداعك المتواصل على صفحات ساندروز


        زمـــن الغربـــة

        تعليق

        • عصام زايد
          مستشار ساندروز
          • Jul 2004
          • 10571

          #5
          الرد: الهروب منها اليها

          الاخت العزيزة بنت الشام
          تحياتي لك
          وشكرا جزيلا لك على ردك الجميل
          اشكرك على مرورك الذي اسعدني
          لك تحياتي
          عصام زايد
          مع تحياتي

          عصام زايد

          ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

          ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

          للاطلاع على كل ما هو جديد
          زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

          تعليق

          • عصام زايد
            مستشار ساندروز
            • Jul 2004
            • 10571

            #6
            الرد: الهروب منها اليها

            الاخ العزيز خادم علي
            تحياتي لك
            وشكرا لك على كلامك الجميل
            اشكرك على مرورك الكريم
            لك تحياتي
            عصام زايد
            مع تحياتي

            عصام زايد

            ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

            ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

            للاطلاع على كل ما هو جديد
            زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

            تعليق

            • عصام زايد
              مستشار ساندروز
              • Jul 2004
              • 10571

              #7
              الرد: الهروب منها اليها

              الاخت العزيزة ايناس الحبوبة
              تحياتي لك
              وشكرا جزيلا لك عى ردك الجميل
              اشكرك على تواصلك معي
              لك تحياتي
              عصام زايد
              مع تحياتي

              عصام زايد

              ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

              ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

              للاطلاع على كل ما هو جديد
              زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

              تعليق

              • عصام زايد
                مستشار ساندروز
                • Jul 2004
                • 10571

                #8
                الرد: الهروب منها اليها

                الاخ العزيز زمن الغربة
                تحياتي لك
                والف الف شكر لك على ردك الجميل وشعورك النبيل
                اشكرك على تواجدك معي
                زيارتك اسعدتني
                لك خالص تحياتي
                عصام زا
                مع تحياتي

                عصام زايد

                ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

                ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

                للاطلاع على كل ما هو جديد
                زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

                تعليق

                • amr ibrahim
                  عضو
                  • Dec 2006
                  • 23

                  #9
                  الرد: الهروب منها اليها

                  شكراعلى هذا الموضوع اختى هنا دى
                  i,m fanky

                  تعليق

                  • عصام زايد
                    مستشار ساندروز
                    • Jul 2004
                    • 10571

                    #10
                    الرد: الهروب منها اليها

                    مشكوووووووووووووووووور اخي عمر
                    سررت بمرورك ولو ان هنالك التباس بالاسم
                    اسمي عصام ولست هنادي
                    على كل حال شرفني حضورك
                    مع تحياتي

                    عصام زايد

                    ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

                    ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

                    للاطلاع على كل ما هو جديد
                    زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

                    تعليق

                    • mon amour
                      عضو فعال
                      • Nov 2006
                      • 418

                      #11
                      الرد: الهروب منها اليها

                      استاذي الفاضل
                      تحية عطرة
                      في كل مرة اقرا فيها كتاباتك
                      اجد فيها التجدد في المواضيع وحياة زاخرة بالمفردات
                      وهذه المرة قصة!
                      معبرة بين طياتها مواعض من الماضي والحاضر
                      سلمت وادعو لك

                      mon amour

                      يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك

                      رضيت بالله رباوبالاسلام دينا وبمحمد النبي الامي صلى الله وعليه وسلم نبيا

                      تعليق

                      • عصام زايد
                        مستشار ساندروز
                        • Jul 2004
                        • 10571

                        #12
                        الرد: الهروب منها اليها

                        مشكووووووووووووورة اختي العزيزة
                        سررت بمرورك الكريم
                        لك تحياتي
                        مع تحياتي

                        عصام زايد

                        ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

                        ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

                        للاطلاع على كل ما هو جديد
                        زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

                        تعليق

                        مواضيع مرتبطة

                        Collapse

                        جاري العمل...