الهروب منها إليها :
صفعة قوية رنت أصداؤها في أرجاء الغرفة .. تلتها ركلة قاسية استقرت في صدره .. صياح طفولي ينفطر القلب له .. آه صدري آه .. يكفي يا أمي .. يكفي أرجوك .. لن أعيدها ثانية .. هاتي يدك لأقبلها .. يطبع الصغير قبلة حانية على يد أمه التي صفعته .. ثم يهرب منها إليها .. يلقي بنفسه بين أحضانها ويقول : - أنا أسف يا أمي .. لن أكسر آنية الزهور بعد اليوم .. إنها الكرة التي كسرتها ولست أنا .. تمد يدها .. تمسح دمعة حارة تجمدت فوق وجنتيه .. تقبل رأسه وتقول : - كم قلت لك لا تلعب بالكرة داخل المنزل ؟؟ يتسرب الصغير من بين يديها كشلال هادر .. يسرع إلى اللعب من جديد .. ولا يبقى سوى أثر صوته الرنان ينادي جدته .. – جدتي !! أين أنت يا جدتي .. وما هي إلا دقائق حتى تأتي الجدة إلى زوجة ابنها لائمة معاتبة .. – لم ضربته يا ابنتي ؟؟ ماذا فعل ؟.. – إنه ولد شقي لا يهدأ .. لقد حطم آنية الزهور الجديدة .. سيل من الكلمات والتهم يتدفق .. تقاطعها الجدة بحزم .. – ولكنه صغير يا ابنتي .. حرام أن تضربيه بهذا الشكل !! لا تزال أصابع يدك الخمسة مرتسمة فوق صفحة وجهه .. حرام عليك .. حرام .. وفجأة يخرج الطفل من خلف الأريكة وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة النصر والظفر .. ينظر إلى أمه ويهز رأسه هزة خفيفة كأنه يقول لها : خذي جزاءك من جدتي فأنت تستحقينه .. صورة تتكرر يومياً .. في منزل صغير يضم أسرة كبيرة .. أولاد خمسة أكبرهم هذا المشاغب الذي لم يتجاوز السابعة من عمره .. وأب عامل يكسب قوت عياله ونفقة والديه بصعوبة متناهية .. وبعد صراع شديد .. وزوجة متعبة منهكة .. تقضي يومها بين طبخ وغسل وتنظيف .. لم تنل حظاً وافراً من العلم أو الثقافة .. حياتها تنحصر بين جدران بيتها الصغير .. وأحياناً يكون بيت الجارة نافذة صغيرة تطل بها على العلم الخارجي فتعرف من
جارتها أخبار العالم !! صوت بكاء طفولي من جديد .. ألا يتوقف هؤلاء المتعبون عن الشجار ؟؟ أعليها أن تكون حكماً باستمرار .. ترتمي صغيرتها بين يديها وهي تبكي بكاء مراً .. وتقول بصوت طفولي تصاحبه لثغة محببة : - يا ماما .. إنه أثامة .. لقد ضربني على رأثي !! تشمر الأم عن ساعديها من جديد .. وتشد قبضة يدها استعداداً للضرب .. – خذ .. خذ أيها المشاغب .. ألا تدعني أرتاح قليلاً .. معزوفة شجية .. اختلطت فيها الأصوات .. صراخ أسامة .. وبكاء أخته ثم صوت الجدة وهي تقول : - طول النهار ضرب بالأولاد .. هذه ليست عيشة .. حرام عليك .. بأي حق تضربينهم ؟؟ - أنا أمهم .. ألا يحق لي أن أضربهم .. – أمومتك لا تعطيك الحق في ضربهم بل في حسن تربيتهم !! يتشبث أسامة بثوب جدته ويخفي نفسه خلفها وهو ينظر إلى تطورات الموقف من وراء ظهرها !! فتمسك به الأم قائلة : - تعال .. سأضربك من جديد .. أنت السبب في كل ما يحصل .. يقفز أسامة في خفة ورشاقة .. يهرب منها يمنة ويسرى .. محتمياً بظهر جدته .. فيكاد أن يطرحها أرضاً وهي عجوز لا تقوى عليه .. تشده من يده برفق وتقول له : - لا تخف يا صغيري .. لا تخف .. ثم تلتفت إلى زوجة ابنها مهددة .. والله العظيم لو ضربته لن أقعد لك في هذا البيت !! كانت غرفة جدته ملاذه الوحيد في هذا البيت .. وكان صدرها مرتع الحنان ، ومنبع الدفء .. كثيراً ما كان ينام على سريرها .. واسفل قدميها .. فهو يجد في ذلك لذة لا تقاوم .. وكثيراً ما يرفض النوم مع إخوته أو مع والديه .. وحين قرر والده السفر إلى بلد مجاور لأن باب رزق واسع قد فتح له هناك .. رفض أسامة الصغير أن يسافر مع والديه وإخوته وقرر البقاء مع جدته وجده العجوزين .. في بيته الصغير وقرب مدرسته المجاورة .. كانت هذه فرصته العظيمة التي سينقذ بها نفسه من ضرب والدته ومن مشاكسات إخوته الصغار .. إنها فرصة لا تعوض فسوف يتصرف في هذا المنزل بحرية تامة .. بلا قيود .. وبلا ضرب متواصل .. رحبت الجدة بموقف أسامة .. وألحت على ولدها أن يتركه ويسافر مع بقية أسرته .. فهي وحيدة مع أبيه وسوف يؤنس وحشتهما ، كما أشارت إلى أن أسامة سيرتاح من ضرب أمه المتواصل وكان لأسامة ما أراد .. فأخذ يرتع ويلعب بحرية في أرجاء البيت ، كأنه وحده قطيع غنم أطلق في أرض ربيعية .. ضحكاته ترن في أرجاء المنزل فتبعث فيه الدفء والحياة .. دفاتره وأقلامه مزروعة في كل مكان .. وكرته تحلق حيث تشاء .. وبعد شهور قليلة .. ذبل أسامة كوردة ربيعية فارقها نيسان .. وبدت عليه علائم الحزن والشرود .. وعلت وجهه صفرة وشحوب .. لم يعد يلعب ويرتع كما كان !! وسكتت أصوات ضحكاته العالية .. لاحظت جدته ذلك فظنت أنه مريض .. عرضته على طبيب الحارة .. وطبيب الحارة المجاورة .. إلا أنهما أكدا لها سلامته وعافيته .. اشترت له لعبة جديدة .. وكرة كبيرة .. إلا أن عينيه لم تومضا ببريق الفرح أو العافية .. ضمته إلى صدرها بشدة .. زرعت قبلاتها الحانية على جبينه وفوق وجنتيه الشاحبتين وقالت له : - ما بك يا صغيري .. ما بك يا ولدي .. شعرت بحرارة دموعه وقد رست فوق يديها المجعدتين .. وعروقها النافرة .. مسحت دمعته وضمته بشدة أكثر ثم قالت : قل لي ما بك يا صغيري ؟؟ ماذا تريد ؟؟ وبعد لحظات صمت ثقيلة .. أجابها أسامة بصوت مخنوق : - أريد .. أريد أمي .. أريد أمي .. لقد اشتقت إليها وإلى ضرباتها الحلوة ولطماتها اللذيذة !!.. وبعد أيام قليلة .. كان أسامة منتعشاً معافى بين يدي أمه .. بين يد تحنو وتحدب .. ويد أخرى تضرب وتعاقب وتؤدب ..
مع تحياتي
عصام زايد
صفعة قوية رنت أصداؤها في أرجاء الغرفة .. تلتها ركلة قاسية استقرت في صدره .. صياح طفولي ينفطر القلب له .. آه صدري آه .. يكفي يا أمي .. يكفي أرجوك .. لن أعيدها ثانية .. هاتي يدك لأقبلها .. يطبع الصغير قبلة حانية على يد أمه التي صفعته .. ثم يهرب منها إليها .. يلقي بنفسه بين أحضانها ويقول : - أنا أسف يا أمي .. لن أكسر آنية الزهور بعد اليوم .. إنها الكرة التي كسرتها ولست أنا .. تمد يدها .. تمسح دمعة حارة تجمدت فوق وجنتيه .. تقبل رأسه وتقول : - كم قلت لك لا تلعب بالكرة داخل المنزل ؟؟ يتسرب الصغير من بين يديها كشلال هادر .. يسرع إلى اللعب من جديد .. ولا يبقى سوى أثر صوته الرنان ينادي جدته .. – جدتي !! أين أنت يا جدتي .. وما هي إلا دقائق حتى تأتي الجدة إلى زوجة ابنها لائمة معاتبة .. – لم ضربته يا ابنتي ؟؟ ماذا فعل ؟.. – إنه ولد شقي لا يهدأ .. لقد حطم آنية الزهور الجديدة .. سيل من الكلمات والتهم يتدفق .. تقاطعها الجدة بحزم .. – ولكنه صغير يا ابنتي .. حرام أن تضربيه بهذا الشكل !! لا تزال أصابع يدك الخمسة مرتسمة فوق صفحة وجهه .. حرام عليك .. حرام .. وفجأة يخرج الطفل من خلف الأريكة وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة النصر والظفر .. ينظر إلى أمه ويهز رأسه هزة خفيفة كأنه يقول لها : خذي جزاءك من جدتي فأنت تستحقينه .. صورة تتكرر يومياً .. في منزل صغير يضم أسرة كبيرة .. أولاد خمسة أكبرهم هذا المشاغب الذي لم يتجاوز السابعة من عمره .. وأب عامل يكسب قوت عياله ونفقة والديه بصعوبة متناهية .. وبعد صراع شديد .. وزوجة متعبة منهكة .. تقضي يومها بين طبخ وغسل وتنظيف .. لم تنل حظاً وافراً من العلم أو الثقافة .. حياتها تنحصر بين جدران بيتها الصغير .. وأحياناً يكون بيت الجارة نافذة صغيرة تطل بها على العلم الخارجي فتعرف من
جارتها أخبار العالم !! صوت بكاء طفولي من جديد .. ألا يتوقف هؤلاء المتعبون عن الشجار ؟؟ أعليها أن تكون حكماً باستمرار .. ترتمي صغيرتها بين يديها وهي تبكي بكاء مراً .. وتقول بصوت طفولي تصاحبه لثغة محببة : - يا ماما .. إنه أثامة .. لقد ضربني على رأثي !! تشمر الأم عن ساعديها من جديد .. وتشد قبضة يدها استعداداً للضرب .. – خذ .. خذ أيها المشاغب .. ألا تدعني أرتاح قليلاً .. معزوفة شجية .. اختلطت فيها الأصوات .. صراخ أسامة .. وبكاء أخته ثم صوت الجدة وهي تقول : - طول النهار ضرب بالأولاد .. هذه ليست عيشة .. حرام عليك .. بأي حق تضربينهم ؟؟ - أنا أمهم .. ألا يحق لي أن أضربهم .. – أمومتك لا تعطيك الحق في ضربهم بل في حسن تربيتهم !! يتشبث أسامة بثوب جدته ويخفي نفسه خلفها وهو ينظر إلى تطورات الموقف من وراء ظهرها !! فتمسك به الأم قائلة : - تعال .. سأضربك من جديد .. أنت السبب في كل ما يحصل .. يقفز أسامة في خفة ورشاقة .. يهرب منها يمنة ويسرى .. محتمياً بظهر جدته .. فيكاد أن يطرحها أرضاً وهي عجوز لا تقوى عليه .. تشده من يده برفق وتقول له : - لا تخف يا صغيري .. لا تخف .. ثم تلتفت إلى زوجة ابنها مهددة .. والله العظيم لو ضربته لن أقعد لك في هذا البيت !! كانت غرفة جدته ملاذه الوحيد في هذا البيت .. وكان صدرها مرتع الحنان ، ومنبع الدفء .. كثيراً ما كان ينام على سريرها .. واسفل قدميها .. فهو يجد في ذلك لذة لا تقاوم .. وكثيراً ما يرفض النوم مع إخوته أو مع والديه .. وحين قرر والده السفر إلى بلد مجاور لأن باب رزق واسع قد فتح له هناك .. رفض أسامة الصغير أن يسافر مع والديه وإخوته وقرر البقاء مع جدته وجده العجوزين .. في بيته الصغير وقرب مدرسته المجاورة .. كانت هذه فرصته العظيمة التي سينقذ بها نفسه من ضرب والدته ومن مشاكسات إخوته الصغار .. إنها فرصة لا تعوض فسوف يتصرف في هذا المنزل بحرية تامة .. بلا قيود .. وبلا ضرب متواصل .. رحبت الجدة بموقف أسامة .. وألحت على ولدها أن يتركه ويسافر مع بقية أسرته .. فهي وحيدة مع أبيه وسوف يؤنس وحشتهما ، كما أشارت إلى أن أسامة سيرتاح من ضرب أمه المتواصل وكان لأسامة ما أراد .. فأخذ يرتع ويلعب بحرية في أرجاء البيت ، كأنه وحده قطيع غنم أطلق في أرض ربيعية .. ضحكاته ترن في أرجاء المنزل فتبعث فيه الدفء والحياة .. دفاتره وأقلامه مزروعة في كل مكان .. وكرته تحلق حيث تشاء .. وبعد شهور قليلة .. ذبل أسامة كوردة ربيعية فارقها نيسان .. وبدت عليه علائم الحزن والشرود .. وعلت وجهه صفرة وشحوب .. لم يعد يلعب ويرتع كما كان !! وسكتت أصوات ضحكاته العالية .. لاحظت جدته ذلك فظنت أنه مريض .. عرضته على طبيب الحارة .. وطبيب الحارة المجاورة .. إلا أنهما أكدا لها سلامته وعافيته .. اشترت له لعبة جديدة .. وكرة كبيرة .. إلا أن عينيه لم تومضا ببريق الفرح أو العافية .. ضمته إلى صدرها بشدة .. زرعت قبلاتها الحانية على جبينه وفوق وجنتيه الشاحبتين وقالت له : - ما بك يا صغيري .. ما بك يا ولدي .. شعرت بحرارة دموعه وقد رست فوق يديها المجعدتين .. وعروقها النافرة .. مسحت دمعته وضمته بشدة أكثر ثم قالت : قل لي ما بك يا صغيري ؟؟ ماذا تريد ؟؟ وبعد لحظات صمت ثقيلة .. أجابها أسامة بصوت مخنوق : - أريد .. أريد أمي .. أريد أمي .. لقد اشتقت إليها وإلى ضرباتها الحلوة ولطماتها اللذيذة !!.. وبعد أيام قليلة .. كان أسامة منتعشاً معافى بين يدي أمه .. بين يد تحنو وتحدب .. ويد أخرى تضرب وتعاقب وتؤدب ..
مع تحياتي
عصام زايد




i,m fanky
تعليق