للحياة وجهان

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • عصام زايد
    مستشار ساندروز
    • Jul 2004
    • 10571

    #1

    للحياة وجهان

    للحياة وجهان :

    وفاء الشلبي .

    نظرت إلى زهرتها المفضلة .. لمستها بيد حانية .. لثمتها .. فتسربت إلى رئتيها نفحات طيبها وعطرها .. لقد تفتحت تماماً .. إنها باكورة ورودها .. جورية قانتة تنبض فيها دماء الحياة ، ويضج فيها عنفوان الشباب .. سقتها بلطف .. أرشفتها كأم حانية . في الصباح التالي .. أسرعت إليها .. تتلهف إلى قطرات نداها ، وطيب شذاها ، فإذا بها ذابلة ، تساقطت أوراقها الحمراء كأشرعة سفينة غارقة ، وانحنى عودها الأخضر يلفظ آخر أنفاس الحياة .. ألم اعتصر قلبها وكأنها فقدت عزيزاً قريباً ، مدت يدها تتلمس أراقها الميتة فإذا بها تلمس غصناً غضاً طرياً .. يمد رأسه بقوة من بين حنايا التراب .. كأنه يتحدى الموت ويثبت أقدامه فوق أرض الحياة ، يحمل بين أوراقه الصغيرة برعماً صغيراً يشبه وردتها الميتة . امتدت يدها إلى بطنها ، تتلمس جنينها المنتظر ، كما امتدت يدها الثانية ترشق برعمها الصغير بحبات من الماء . طرقات خفيفة فوق باب الحديقة .. من سيكون الطارق في

    هذا الصباح الباكر ؟؟ أمي .. يا صباح الخير والسعد .. مفاجأة حلوة . لقد صح توقعي يا ابنتي .. أنت في الحديقة وبالقرب من زهرتك الأثيرة !! أوه يا أمي .. لقد ماتت !! ولكن انظري .. برعم صغير يتفتح من بين أغصانها الميتة !!. ابتسمت الأم وقالت : - إن للحياة وجهان .. لم تفهم سارة ما تعني أمها .. أخذت بيدها .. عانقتها .. دخلتا المنزل .. بينما امتدت يد الأم تتلمس بطنها ابنتها وتبارك لها في جنينها المنتظر . آه يا سارة .. عندي لك مفاجآت كثيرة .. حين تضعين مولودك الأول !! ما هي يا أمي .. أخبريني أرجوك .. لن أخبرك .. إنها مفاجأة فأنت وحيدتي وهذا حفيدي الأول . سوف أحضر له .. لا .. لا لن أقول لك لا تحاولي .. ضحكت سارة .. قبلت جبين أمها ويدها .. يدك باردة يا أمي .. باردة جداً .. لحظات وكأس من الشاي مع قطع من الحلوى ستكون بين يديك . تلمست سارة يدي أمها من جديد .. إنهما باردتان .. علتهما صفرة غير معهودة .. ما بك يا أمي ؟؟ - أراني متعبة هذه الأيام .. ضغط الدم منخفض على غير عادته !! ولكن لا تخافي يا سارة لن أمرض هذه الأيام .. فأنا بانتظار حفيدي الغالي ، ولن أتركك تضعين مولودك وحيدة سأكون جانب في المستشفى .. سأكون أول من يراه حين يفد إلى هذه الدنيا ودعت ابنتها ، وقبل أن تخرج تلمست جنينها من جديد .. بالسلامة يا رب .. أخبريني بالهاتف عندما تشعرين بآلام الولادة ، أخبريني مباشرة .. إياك ألا تفعلي !!. ليل سارة طويل .. تحمل جنينها وهناً على وهن .. ولكن كلما أحست رعشاته القوية نسيت قسوة المعاناة .. آلام جادة .. أدركت سارة أنها آلام المخاض .. وأن جنينها يدق أعتاب الحياة ، فتلذذت طعم الألم ، صرخت تنادي زوجها . آلامي تزداد .. هيا إلى المستشفى !! أرجوك اتصل بأمي !! أسرع بها .. حملها في سيارته .. تمنى لو يشاطرها ألمها .. يد حول المقود ، ويد ثانية تمسح جبينها وتجفف عرقها .. لا بأس يا عزيزتي ، ساعات قليلة وتقومين بالسلامة مع ضيفنا الغالي المنتظر .. ارتسم على شفتيها طيف ابتسامة ، حين تذكرت مولودها .. ولكن آلامها تزداد .. فجأة قالت : - أمي .. أحتاج أمي .. هل أخبرتها يا ناصر كي تلحق بنا إلى المستشفى ؟ ..ز وجم برهة .. نظرة كسيرة تجمدت في عينيه .. ثم قال : - أمك في المستشفى يا سارة .. لقد سبقتنا إليه .. سبحان الله .. قلب الأم دليلها .. ولكن كيف عرفت أنني على وشك الولادة ؟؟. إنها .. إنها مريضة .. وقد نقلوها صباح اليوم إلى المستشفى ! ماذا .. مريضة !! ما الذي أصابها ؟؟. لا تخافي يا سارة .. وعكة بسيطة .. تجمدت ملامح وجهها ، كما تجمدت الآلام في رحمها .. دخلت المستشفى يقودها زوجها .. لا تدري إلى أين .. ممرات طويلة .. روائح مميزة .. أشخاص عديدة ترتدي اللون الأبيض .. هذا اللون المتعدد الوجوه والذي يذكرها بلون ثوب الزفاف .. وبلون الكفن !! تقدمت منها ممرضة أنيقة .. قدمت إليها عربة لنقل المرضى ، خاطبتها بلهجة هجين قائلة لها : اجلسي "مدام" .. دفعت العربة بقوة .. لا.. لا أريدها .. أريد أمي .. أين أمي ؟؟ أريد أن أرى وجه أمي .. أمسك بها مهدئاً .. أخذها عبر ممرات طويلة إلى جناح بعيد .. نسيت آلامها ، أسرعت في سيرها .. الممرضة تلاحقها بالعربة ، وصلت .. قرأت اسم الجناح .. "العناية المركزة" خفق قلبها بشدة .. أحست به يهوي من بين ضلوعها .. كما خفق جنينها وزادت ضرباته يريد أن يبصر نور الحياة .. دخلت غرفة أمها مرتاعة .. أصوات تنادي خلفها : ممنوع .. ممنوع .. وصوتها يتحدى جميع الأصوات .. أمي .. أمي .. أجهزة أنابيب .. أكسجين .. أسوار عديدة تفصلها عن عناق أحب الناس إليها .. مدت سارة رأسها من بين تلك الحواجز .. حتى وصلت إلى يد أمها .. إنها ما تزال باردة .. بل إنها جامدة .. قبلتها بشدة .. شقت الأم طرف عينيها بصعوبة .. نظراتها تعانق ابنتها كأنها تودعها .. ألم قوي لا يحتمل يحيط بسارة من كل جانب .. صرخت دون إرادة منها .. فتحركت شفتا الأم الجامدتان تتعثران بصوت ضعيف : ستقومين بالسلامة إن شاء الله يا سارة .. ثم تابعت بصوت متقطع : ألم أقل لك بأنني سأكون إلى جانبك في المستشفى !! ألم أقل لك

    : إن للحياة وجهان .. ثم فجأة سكنت ملامح وجهها إلى الأبد .. لفظت آخر أنفاسها بينما ظلت عيناها جامدتان في وجه ابنتها !!.. صرخات جديدة .. آلام لا تطاق .. امتزجت آلام سارة وتلونت .. لحظات وجدت نفسها في غرفة الولادة .. آلام شديدة تمخضت عنها حياة .. تساءلت : ترى هل آلامي أشد أم آلام أمي وهي تودع الحياة !! صرخة أخيرة !! تلتها أصداء حياة .. بكاء وليد جديد قادم ، تراه يعلن للعالم قدومه ؟؟ أم ينعي الحياة بوجهيها ؟؟.. نظرت إليه سارة .. عانقته بعينيها .. ثم ضمته بين ذراعيها .. إنه دافئ .. فيه حرارة الحياة .. الآن فقط فهمت ما عنته أمها ..

    مع تحياتي

    عصام زايد

    ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

    ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

    للاطلاع على كل ما هو جديد
    زوروا مكتبة ساندروز الثقافية
  • بنت الشام
    عضو متميز
    • May 2004
    • 7817

    #2
    الرد: للحياة وجهان

    الاخ عصام
    اختيار موفق للقصة
    الف شكر اخ على جهودك الرائعة والجبارة بالمنتدى
    تسلم ايديك

    تعليق

    • عصام زايد
      مستشار ساندروز
      • Jul 2004
      • 10571

      #3
      الرد: للحياة وجهان

      الاخت العزيزة والغالية بنت الشام
      تحياتي لك
      شاكرا لك ردك الجميل
      اشكرك على تواصلك معي
      لك خالص تحياتي وتقديري
      عصام زايد
      مع تحياتي

      عصام زايد

      ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

      ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

      للاطلاع على كل ما هو جديد
      زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

      تعليق

      • عصام زايد
        مستشار ساندروز
        • Jul 2004
        • 10571

        #4
        الرد: للحياة وجهان

        الاخ العزيز خادم علي
        تحياتي لك
        شاكرا لك ردك الجميل
        وشاكرا لك تواصلك معي
        مرورك اسعدني
        لك تحياتي

        عصام زايد
        مع تحياتي

        عصام زايد

        ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

        ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

        للاطلاع على كل ما هو جديد
        زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

        تعليق

        مواضيع مرتبطة

        Collapse

        جاري العمل...